روائيون «نوبليون» يكتبون قصصاً وسيناريوهات للسينما

من بينهم فوكنر وماركيز ونجيب محفوظ

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

روائيون «نوبليون» يكتبون قصصاً وسيناريوهات للسينما

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

قبل انتهاء ساعات العمل، يوم السبت، السابع من مايو (أيار) 1932، يصل الروائي الأميركي، الحائز جائزة «نوبل»، ويليام فوكنر، إلى استوديو شركة «مترو - غولدوين - ماير» (MGM) في كلفر سيتي، مقاطعة لوس أنجليس. لم يكن لديه صورة واضحة لطبيعة العمل الذي تجشم عناء السفر من أجله، فقد فاجأ من استقبلوه بقوله إن لديه فكرةً جديدةً لـ«ميكي ماوس»، لكنّ النجم السينمائي سام ماركس أخبره أن أفلام «ميكي ماوس» تصنعها «والت ديزني»، وأنه سيُكلّف بالعمل على فيلم للممثل المسرحي والسينمائي والاس بيري. لكنّ الروائي الكبير تساءل فجأة: من هو بيري..؟ كاشفاً أنه لا يعرف هذا الممثل ذائع الصيت. وردت هذه القصة في كتابين هما: «جوزيف بلوتنر: ويليام فوكنر.. سيرة غيرية، 1974» و«ستيفن ب. أوتيس: ويليام فوكنر.. الرجل والفنان، 1987».

لكنّ ويليام فوكنر، الروائي الجنوبي القادم من أوكسفورد، ميسيسيبي، الذي فاجأهم بضبابية الفكرة في ذهنه عن العمل الذي ينتظره، سيذهلهم فيما بعد بإنجاز معالجة أربع قصص خلال أربعة أسابيع، ليلفت بذلك انتباه المخرج هوارد هوكس الذي أُعجب بأسلوبه، واشترى قصةً قصيرةً له منشورةً في صحيفة «ساتردي إيفننغ بوست». وطلب من فوكنر تحويلها إلى سيناريو، فأنجزه في أربعة أو خمسة أيام. وصفه هوكس بأنه أفضل سيناريو قرأه. وقد استمرت علاقة فوكنر بالسينما، وبهوليوود، وعلى نحو متقطع، عقدين من الزمن (1932 - 1954)، أنجز خلالهما 50 سيناريو للثلاثة استوديوهات «مترو - غولدوين - ماير»، «وارنر برذرز»، و«توَنتيث سنتشوري فوكس».

ماركيز

بؤس الكاتب وإفلاس الناشر

مرّ الروائي الذي أصبح واحداً من أشهر الكتّاب في الأدب الأميركي عموماً، والأدب الجنوبي خصوصاً، فوكنر بوضعٍ مالي سيئ للغاية، فالمتاجر بدأت ترفض شيكاته التي يوقعها بدون رصيد. وكان انتظاره يطول لوصول شيك الأربعة آلاف دولار من دار النشر «كيب آند سميث»، حصته من عوائد روايته «الملاذ/ Sanctuary». وبلغ بؤس الحال ذروته عندما وضعت المحكمة دار النشر تحت الحراسة القضائية ثم إشهار إفلاسها وتصفيتها. وزاد الطين بِلَّة رفض الناشرين لمخطوطة روايته الجديدة «الضوء في أغسطس»، ربما لطلبه خمسة آلاف دولار مقابل نشرها، وأن تنشر منجمة بدون أي تدخل من الناشر لإجراء تغييرات في النص. وفي هذه الأثناء يصله العرض والعقد من «مترو غولدوين ماير» بقيمة 500 دولار في الأسبوع للعمل في وظيفة «كاتب قصص وسيناريو». وبالرغم من أن فوكنر لم يكن متحمساً، ولا راغباً في الذهاب إلى هوليوود والعمل فيها، لكن لم يكن أمامه خيارات أخرى. فحزم أمتعته وركب القطار بتذكرة أمنتها له «مترو - غولدوين - ماير».

ولم يكن فوكنر أول، ولا آخر روائي «نوبلي» اشتغل «كاتب قصص سينمائية وسيناريو»؛ فثمة روائيون نوبليون آخرون جربوا أياديهم في الكتابة للسينما مع تفاوت في تجاربهم: نجيب محفوظ، وجان بول سارتر، وغابرييل غارسيا ماركيز، وهارولد بنتر، وأورهان باموق، وبيتر هاندكه، وإرنست هيمنغواي، ووول سوينكا، وباتريك موديانو، وكازو إيشيغورو. أما قائمة أسماء الروائيين غير النوبليين فطولها أضعاف طول القائمة السالفة. ولا يمكن هنا سوى المرور بتجربتي اثنين من نظرائه النوبليين: نجيب محفوظ وغابرييل غارسيا ماركيز.

محفوظ بين الرواية والسينما

ربما يمكن القول إن نجيب محفوظ، مثل ويليام فوكنر، لم يختر، أو حتى لم يحلم، أن يصبح ذات يوم كاتب سيناريو وقصص للسينما، وأن تربطه بالسينما علاقة من أي نوع. لكنها الحاجة والأوقات الصعبة التي اضطرته إلى ألاّ يفرط بأول فرصة سنحت له للعمل في السينما عندما عرض عليه المخرج صلاح أبو سيف كتابة سيناريو للفيلم «مغامرات عنتر وعبلة، 1948». يروي محفوظ في حوار مع عبد الفتاح الفيشاوي (نشر في مجلة «الكواكب» في 26-7-1966) أنه لم يسع إلى العمل في السينما، ولم يخطر بباله الكتابة لها، وأن حكاية علاقته بها بدأت باتصالٍ من صلاح أبو سيف بعد قراءة الأخير رواية «عبث الأقدار»، واكتشافه أن لديه موهبة كتابة السيناريو، ثم وفي لقاء بينهما في 1946 حضره فؤاد نويرة، طلب أبو سيف منه أن يشترك الثلاثة في تأليف سيناريو الفيلم «مغامرات عنتر وعبلة» حسبما ذكر د. عبد الرحمن بدر في مقاله: «السيناريست نجيب محفوظ... كواليس دخول أديب نوبل للسينما». وأنهى أبو سيف تردد محفوظ بشرح معنى كلمة «سيناريو» وطمأنته بأنه سيتعلم كتابة السيناريو على رأس العمل.

من «عنتر وعبلة» إلى «جعلوني مجرماً»

كانت «مغامرات عنتر وعبلة» الباب الذي دخل محفوظ عبره إلى عالم السينما، وتعرفه على ذلك العالم، وتعرف المقيمون فيه عليه، وكان عاطف سالم ثاني مخرج يعمل معه محفوظ وكان ذلك على الفيلم «جعلوني مجرماً، 1949»، الذي أخذ اسمه، كما يبدو، من الفيلم الأميركي «They Made Me a Criminal. 1939». اشترك محفوظ والسيد بدير وعاطف سالم في كتابة السيناريو، ولعب دور البطولة الفنان فريد شوقي.

وتقسّم الكاتبة الدكتورة هاجر بكاكرية سيرة نجيب محفوظ السينمائية في مقالتها «نجيب محفوظ والسينما» إلى أربع مراحل؛ تمتد المرحلة الأولى 15 سنة من فيلم «مغامرات عنتر وعبلة» إلى فيلم «جميلة الجزائرية، 1959»، وتبدأ الثانية بعام 1960 الذي شهد التطور والتغير الأهم في علاقة السينما بمحفوظ، إذ انتقلت من حاجتها إلى خدماته كسيناريست إلى الحاجة إلى ترجمة عدد من رواياته إلى أفلام، بدءاً برواية «بداية ونهاية، 1949»، واستمرت هذه المرحلة إلى 1973. وراوحت العلاقة في الثالثة بين الاعتماد على قصصه للسينما ورواياته. وانفردت القصة القصيرة ملمحاً مميزاً للرابعة.

ماركيز.. التجربة العريضة والعميقة

يحتاج المرء إلى ما هو أكبر وأوسع من جزء من مقالة لتقصي تجربة غابرييل غارسيا ماركيز السينمائية والكتابة عنها. فتجربته تتميز عن تجربتي فوكنر ومحفوظ أمداً وعمقاً واكتظاظاً بالخبرات والأحداث. تلتقي تجارب الثلاثة عند كتابة السيناريو والقصص للسينما، وتفترق تجربة ماركيز عن تجربتي نظيريه بكونها لم تبدأ ولم تتطور وتتعمق عن طريق الصدفة. لم يصبح ماركيز كاتب سيناريو صدفة، ولم تضطره الظروف، كما يبدو، إلى الكتابة السينمائية لتخفيف حدة أزمة مالية كانت تعكر صفو حياته. لقد سعى بنفسه إلى عالم السينما، جدّ واجتهد في طلبه فتحقق ما يصبو إليه. بدأ ناقداً صحافياً سينمائياً، ثم أصبح كاتب سيناريو حوَّل قصص وروايات آخرين إلى قصص للسينما، ومدرباً على كتابة السيناريو، وانتهى به المطاف مُنشِئاً لمؤسسة لسينما أميركا اللاتينية الجديدة، ثم مدرسة سينما وتلفزيون للعالم الثالث، حسب ماريا كورتيز، «ماركيز والسينما، 2009».

علاقة ماركيز بالسينما علاقة شغف نشأ في الطفولة المبكرة، عندما كان جده العقيد نيكولاس ماركيز يصحبه إلى السينما، ويطلب منه بعد عودتهما سرد حكايات الأفلام. كان ذلك بمثابة التدريب المبكر على السرد بحبكات يتوقف ترتيبها للأحداث على ما يعلق بذاكرته منها.

وكان لعمله في الصحافة ابتداءً من 1948 دور في تعزيز علاقته وتعميق شغفه بالسينما، بالإضافة إلى تطوير فهمه لكيفية السرد السينمائي، ليس فقط من خلال الحبكة والتمثيل والحوار، لكن أيضاً في كيفية توظيف الكاميرا في سرد أحداث الفيلم. كما يشير الكاتب شيل نافوس (مارس 2020). إن سيرة ماركيز السينمائية بثرائها وتعدد اشتغالاته من أكثر السير إمتاعاً وإلهاماً، كسيرته الأدبية.

فولكنر

النهاية البداية

يُدركُ من قصص اشتغال فوكنر ومحفوظ وماركيز في السينما أن حاجة الأخيرة إلى الروائي ككاتب قصص سينمائية وسيناريست أشدّ من حاجتها إلى رواياته. فعلى سبيل المثال، مضى على بدء محفوظ العمل سيناريست 14 عاماً قبل ترجمة روايته «بداية ونهاية» إلى فيلم. فكتابة محفوظ، أو بالأحرى، مشاركته في كتابة سيناريو «مغامرات عنتر وعبلة» كانت أهم من وجهة نظر صلاح أبو سيف من الاستفادة من واحدة من رواياته. على ضوء هذا، يبدو أن السينما المحلية في حاجة إلى الروائي كاتب سيناريو أشد من حاجتها إلى رواياته. ولعل ما أُنتج حتى الآن من أفلام محلية طويلة يدعم هذا الرأي. فالأفلام السعودية: «مندوب الليل» و«هوبال» و«ناقة» و«سكة طويلة»، مثلاً، ليست ترجمات سينمائية لروايات محلية، ولم يكتب قصصها وسيناريوهاتها روائيون.

الرواية ليست النص السردي الوحيد الذي قد يسهم به الروائي في صناعة أفلام محلية، وليست المادة الخام الوحيدة، أيضاً، لصنع أفلام تروي حكايات أناس متخيلين (يشبهوننا) حسب القول الشائع؛ وتنقل للعالم صوراً عن مجتمعنا وثقافتنا. فبإمكان الروائي بالتعاون والحوار مع السينمائي، حين وجود الحاجة والرغبة لدى الأخير، إنجاز قصص للسينما وسيناريوهات تحقق ذلك. هل يُعَبِّرُ هذا عن رفض لتوظيف السينمائي للرواية المحلية؟ بالتأكيد لا. ولكني أرى أن وصول الرواية المحلية إلى الشاشة وبأعداد كبيرة نسبياً تُرضي البعض، وباستمرار، سيتأخر لبعض الوقت، نظراً لعدم توفر أي معطيات ومؤشرات على ضوئها يهتدي السينمائيون إلى رواياتٍ يتوقعون أن تكون مادةً خاماً لأفلام تحقق نجاحاً جماهيرياً عبر شباك التذاكر.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.