روائيون «نوبليون» يكتبون قصصاً وسيناريوهات للسينما

من بينهم فوكنر وماركيز ونجيب محفوظ

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

روائيون «نوبليون» يكتبون قصصاً وسيناريوهات للسينما

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

قبل انتهاء ساعات العمل، يوم السبت، السابع من مايو (أيار) 1932، يصل الروائي الأميركي، الحائز جائزة «نوبل»، ويليام فوكنر، إلى استوديو شركة «مترو - غولدوين - ماير» (MGM) في كلفر سيتي، مقاطعة لوس أنجليس. لم يكن لديه صورة واضحة لطبيعة العمل الذي تجشم عناء السفر من أجله، فقد فاجأ من استقبلوه بقوله إن لديه فكرةً جديدةً لـ«ميكي ماوس»، لكنّ النجم السينمائي سام ماركس أخبره أن أفلام «ميكي ماوس» تصنعها «والت ديزني»، وأنه سيُكلّف بالعمل على فيلم للممثل المسرحي والسينمائي والاس بيري. لكنّ الروائي الكبير تساءل فجأة: من هو بيري..؟ كاشفاً أنه لا يعرف هذا الممثل ذائع الصيت. وردت هذه القصة في كتابين هما: «جوزيف بلوتنر: ويليام فوكنر.. سيرة غيرية، 1974» و«ستيفن ب. أوتيس: ويليام فوكنر.. الرجل والفنان، 1987».

لكنّ ويليام فوكنر، الروائي الجنوبي القادم من أوكسفورد، ميسيسيبي، الذي فاجأهم بضبابية الفكرة في ذهنه عن العمل الذي ينتظره، سيذهلهم فيما بعد بإنجاز معالجة أربع قصص خلال أربعة أسابيع، ليلفت بذلك انتباه المخرج هوارد هوكس الذي أُعجب بأسلوبه، واشترى قصةً قصيرةً له منشورةً في صحيفة «ساتردي إيفننغ بوست». وطلب من فوكنر تحويلها إلى سيناريو، فأنجزه في أربعة أو خمسة أيام. وصفه هوكس بأنه أفضل سيناريو قرأه. وقد استمرت علاقة فوكنر بالسينما، وبهوليوود، وعلى نحو متقطع، عقدين من الزمن (1932 - 1954)، أنجز خلالهما 50 سيناريو للثلاثة استوديوهات «مترو - غولدوين - ماير»، «وارنر برذرز»، و«توَنتيث سنتشوري فوكس».

ماركيز

بؤس الكاتب وإفلاس الناشر

مرّ الروائي الذي أصبح واحداً من أشهر الكتّاب في الأدب الأميركي عموماً، والأدب الجنوبي خصوصاً، فوكنر بوضعٍ مالي سيئ للغاية، فالمتاجر بدأت ترفض شيكاته التي يوقعها بدون رصيد. وكان انتظاره يطول لوصول شيك الأربعة آلاف دولار من دار النشر «كيب آند سميث»، حصته من عوائد روايته «الملاذ/ Sanctuary». وبلغ بؤس الحال ذروته عندما وضعت المحكمة دار النشر تحت الحراسة القضائية ثم إشهار إفلاسها وتصفيتها. وزاد الطين بِلَّة رفض الناشرين لمخطوطة روايته الجديدة «الضوء في أغسطس»، ربما لطلبه خمسة آلاف دولار مقابل نشرها، وأن تنشر منجمة بدون أي تدخل من الناشر لإجراء تغييرات في النص. وفي هذه الأثناء يصله العرض والعقد من «مترو غولدوين ماير» بقيمة 500 دولار في الأسبوع للعمل في وظيفة «كاتب قصص وسيناريو». وبالرغم من أن فوكنر لم يكن متحمساً، ولا راغباً في الذهاب إلى هوليوود والعمل فيها، لكن لم يكن أمامه خيارات أخرى. فحزم أمتعته وركب القطار بتذكرة أمنتها له «مترو - غولدوين - ماير».

ولم يكن فوكنر أول، ولا آخر روائي «نوبلي» اشتغل «كاتب قصص سينمائية وسيناريو»؛ فثمة روائيون نوبليون آخرون جربوا أياديهم في الكتابة للسينما مع تفاوت في تجاربهم: نجيب محفوظ، وجان بول سارتر، وغابرييل غارسيا ماركيز، وهارولد بنتر، وأورهان باموق، وبيتر هاندكه، وإرنست هيمنغواي، ووول سوينكا، وباتريك موديانو، وكازو إيشيغورو. أما قائمة أسماء الروائيين غير النوبليين فطولها أضعاف طول القائمة السالفة. ولا يمكن هنا سوى المرور بتجربتي اثنين من نظرائه النوبليين: نجيب محفوظ وغابرييل غارسيا ماركيز.

محفوظ بين الرواية والسينما

ربما يمكن القول إن نجيب محفوظ، مثل ويليام فوكنر، لم يختر، أو حتى لم يحلم، أن يصبح ذات يوم كاتب سيناريو وقصص للسينما، وأن تربطه بالسينما علاقة من أي نوع. لكنها الحاجة والأوقات الصعبة التي اضطرته إلى ألاّ يفرط بأول فرصة سنحت له للعمل في السينما عندما عرض عليه المخرج صلاح أبو سيف كتابة سيناريو للفيلم «مغامرات عنتر وعبلة، 1948». يروي محفوظ في حوار مع عبد الفتاح الفيشاوي (نشر في مجلة «الكواكب» في 26-7-1966) أنه لم يسع إلى العمل في السينما، ولم يخطر بباله الكتابة لها، وأن حكاية علاقته بها بدأت باتصالٍ من صلاح أبو سيف بعد قراءة الأخير رواية «عبث الأقدار»، واكتشافه أن لديه موهبة كتابة السيناريو، ثم وفي لقاء بينهما في 1946 حضره فؤاد نويرة، طلب أبو سيف منه أن يشترك الثلاثة في تأليف سيناريو الفيلم «مغامرات عنتر وعبلة» حسبما ذكر د. عبد الرحمن بدر في مقاله: «السيناريست نجيب محفوظ... كواليس دخول أديب نوبل للسينما». وأنهى أبو سيف تردد محفوظ بشرح معنى كلمة «سيناريو» وطمأنته بأنه سيتعلم كتابة السيناريو على رأس العمل.

من «عنتر وعبلة» إلى «جعلوني مجرماً»

كانت «مغامرات عنتر وعبلة» الباب الذي دخل محفوظ عبره إلى عالم السينما، وتعرفه على ذلك العالم، وتعرف المقيمون فيه عليه، وكان عاطف سالم ثاني مخرج يعمل معه محفوظ وكان ذلك على الفيلم «جعلوني مجرماً، 1949»، الذي أخذ اسمه، كما يبدو، من الفيلم الأميركي «They Made Me a Criminal. 1939». اشترك محفوظ والسيد بدير وعاطف سالم في كتابة السيناريو، ولعب دور البطولة الفنان فريد شوقي.

وتقسّم الكاتبة الدكتورة هاجر بكاكرية سيرة نجيب محفوظ السينمائية في مقالتها «نجيب محفوظ والسينما» إلى أربع مراحل؛ تمتد المرحلة الأولى 15 سنة من فيلم «مغامرات عنتر وعبلة» إلى فيلم «جميلة الجزائرية، 1959»، وتبدأ الثانية بعام 1960 الذي شهد التطور والتغير الأهم في علاقة السينما بمحفوظ، إذ انتقلت من حاجتها إلى خدماته كسيناريست إلى الحاجة إلى ترجمة عدد من رواياته إلى أفلام، بدءاً برواية «بداية ونهاية، 1949»، واستمرت هذه المرحلة إلى 1973. وراوحت العلاقة في الثالثة بين الاعتماد على قصصه للسينما ورواياته. وانفردت القصة القصيرة ملمحاً مميزاً للرابعة.

ماركيز.. التجربة العريضة والعميقة

يحتاج المرء إلى ما هو أكبر وأوسع من جزء من مقالة لتقصي تجربة غابرييل غارسيا ماركيز السينمائية والكتابة عنها. فتجربته تتميز عن تجربتي فوكنر ومحفوظ أمداً وعمقاً واكتظاظاً بالخبرات والأحداث. تلتقي تجارب الثلاثة عند كتابة السيناريو والقصص للسينما، وتفترق تجربة ماركيز عن تجربتي نظيريه بكونها لم تبدأ ولم تتطور وتتعمق عن طريق الصدفة. لم يصبح ماركيز كاتب سيناريو صدفة، ولم تضطره الظروف، كما يبدو، إلى الكتابة السينمائية لتخفيف حدة أزمة مالية كانت تعكر صفو حياته. لقد سعى بنفسه إلى عالم السينما، جدّ واجتهد في طلبه فتحقق ما يصبو إليه. بدأ ناقداً صحافياً سينمائياً، ثم أصبح كاتب سيناريو حوَّل قصص وروايات آخرين إلى قصص للسينما، ومدرباً على كتابة السيناريو، وانتهى به المطاف مُنشِئاً لمؤسسة لسينما أميركا اللاتينية الجديدة، ثم مدرسة سينما وتلفزيون للعالم الثالث، حسب ماريا كورتيز، «ماركيز والسينما، 2009».

علاقة ماركيز بالسينما علاقة شغف نشأ في الطفولة المبكرة، عندما كان جده العقيد نيكولاس ماركيز يصحبه إلى السينما، ويطلب منه بعد عودتهما سرد حكايات الأفلام. كان ذلك بمثابة التدريب المبكر على السرد بحبكات يتوقف ترتيبها للأحداث على ما يعلق بذاكرته منها.

وكان لعمله في الصحافة ابتداءً من 1948 دور في تعزيز علاقته وتعميق شغفه بالسينما، بالإضافة إلى تطوير فهمه لكيفية السرد السينمائي، ليس فقط من خلال الحبكة والتمثيل والحوار، لكن أيضاً في كيفية توظيف الكاميرا في سرد أحداث الفيلم. كما يشير الكاتب شيل نافوس (مارس 2020). إن سيرة ماركيز السينمائية بثرائها وتعدد اشتغالاته من أكثر السير إمتاعاً وإلهاماً، كسيرته الأدبية.

فولكنر

النهاية البداية

يُدركُ من قصص اشتغال فوكنر ومحفوظ وماركيز في السينما أن حاجة الأخيرة إلى الروائي ككاتب قصص سينمائية وسيناريست أشدّ من حاجتها إلى رواياته. فعلى سبيل المثال، مضى على بدء محفوظ العمل سيناريست 14 عاماً قبل ترجمة روايته «بداية ونهاية» إلى فيلم. فكتابة محفوظ، أو بالأحرى، مشاركته في كتابة سيناريو «مغامرات عنتر وعبلة» كانت أهم من وجهة نظر صلاح أبو سيف من الاستفادة من واحدة من رواياته. على ضوء هذا، يبدو أن السينما المحلية في حاجة إلى الروائي كاتب سيناريو أشد من حاجتها إلى رواياته. ولعل ما أُنتج حتى الآن من أفلام محلية طويلة يدعم هذا الرأي. فالأفلام السعودية: «مندوب الليل» و«هوبال» و«ناقة» و«سكة طويلة»، مثلاً، ليست ترجمات سينمائية لروايات محلية، ولم يكتب قصصها وسيناريوهاتها روائيون.

الرواية ليست النص السردي الوحيد الذي قد يسهم به الروائي في صناعة أفلام محلية، وليست المادة الخام الوحيدة، أيضاً، لصنع أفلام تروي حكايات أناس متخيلين (يشبهوننا) حسب القول الشائع؛ وتنقل للعالم صوراً عن مجتمعنا وثقافتنا. فبإمكان الروائي بالتعاون والحوار مع السينمائي، حين وجود الحاجة والرغبة لدى الأخير، إنجاز قصص للسينما وسيناريوهات تحقق ذلك. هل يُعَبِّرُ هذا عن رفض لتوظيف السينمائي للرواية المحلية؟ بالتأكيد لا. ولكني أرى أن وصول الرواية المحلية إلى الشاشة وبأعداد كبيرة نسبياً تُرضي البعض، وباستمرار، سيتأخر لبعض الوقت، نظراً لعدم توفر أي معطيات ومؤشرات على ضوئها يهتدي السينمائيون إلى رواياتٍ يتوقعون أن تكون مادةً خاماً لأفلام تحقق نجاحاً جماهيرياً عبر شباك التذاكر.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.