روائيون «نوبليون» يكتبون قصصاً وسيناريوهات للسينما

من بينهم فوكنر وماركيز ونجيب محفوظ

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

روائيون «نوبليون» يكتبون قصصاً وسيناريوهات للسينما

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

قبل انتهاء ساعات العمل، يوم السبت، السابع من مايو (أيار) 1932، يصل الروائي الأميركي، الحائز جائزة «نوبل»، ويليام فوكنر، إلى استوديو شركة «مترو - غولدوين - ماير» (MGM) في كلفر سيتي، مقاطعة لوس أنجليس. لم يكن لديه صورة واضحة لطبيعة العمل الذي تجشم عناء السفر من أجله، فقد فاجأ من استقبلوه بقوله إن لديه فكرةً جديدةً لـ«ميكي ماوس»، لكنّ النجم السينمائي سام ماركس أخبره أن أفلام «ميكي ماوس» تصنعها «والت ديزني»، وأنه سيُكلّف بالعمل على فيلم للممثل المسرحي والسينمائي والاس بيري. لكنّ الروائي الكبير تساءل فجأة: من هو بيري..؟ كاشفاً أنه لا يعرف هذا الممثل ذائع الصيت. وردت هذه القصة في كتابين هما: «جوزيف بلوتنر: ويليام فوكنر.. سيرة غيرية، 1974» و«ستيفن ب. أوتيس: ويليام فوكنر.. الرجل والفنان، 1987».

لكنّ ويليام فوكنر، الروائي الجنوبي القادم من أوكسفورد، ميسيسيبي، الذي فاجأهم بضبابية الفكرة في ذهنه عن العمل الذي ينتظره، سيذهلهم فيما بعد بإنجاز معالجة أربع قصص خلال أربعة أسابيع، ليلفت بذلك انتباه المخرج هوارد هوكس الذي أُعجب بأسلوبه، واشترى قصةً قصيرةً له منشورةً في صحيفة «ساتردي إيفننغ بوست». وطلب من فوكنر تحويلها إلى سيناريو، فأنجزه في أربعة أو خمسة أيام. وصفه هوكس بأنه أفضل سيناريو قرأه. وقد استمرت علاقة فوكنر بالسينما، وبهوليوود، وعلى نحو متقطع، عقدين من الزمن (1932 - 1954)، أنجز خلالهما 50 سيناريو للثلاثة استوديوهات «مترو - غولدوين - ماير»، «وارنر برذرز»، و«توَنتيث سنتشوري فوكس».

ماركيز

بؤس الكاتب وإفلاس الناشر

مرّ الروائي الذي أصبح واحداً من أشهر الكتّاب في الأدب الأميركي عموماً، والأدب الجنوبي خصوصاً، فوكنر بوضعٍ مالي سيئ للغاية، فالمتاجر بدأت ترفض شيكاته التي يوقعها بدون رصيد. وكان انتظاره يطول لوصول شيك الأربعة آلاف دولار من دار النشر «كيب آند سميث»، حصته من عوائد روايته «الملاذ/ Sanctuary». وبلغ بؤس الحال ذروته عندما وضعت المحكمة دار النشر تحت الحراسة القضائية ثم إشهار إفلاسها وتصفيتها. وزاد الطين بِلَّة رفض الناشرين لمخطوطة روايته الجديدة «الضوء في أغسطس»، ربما لطلبه خمسة آلاف دولار مقابل نشرها، وأن تنشر منجمة بدون أي تدخل من الناشر لإجراء تغييرات في النص. وفي هذه الأثناء يصله العرض والعقد من «مترو غولدوين ماير» بقيمة 500 دولار في الأسبوع للعمل في وظيفة «كاتب قصص وسيناريو». وبالرغم من أن فوكنر لم يكن متحمساً، ولا راغباً في الذهاب إلى هوليوود والعمل فيها، لكن لم يكن أمامه خيارات أخرى. فحزم أمتعته وركب القطار بتذكرة أمنتها له «مترو - غولدوين - ماير».

ولم يكن فوكنر أول، ولا آخر روائي «نوبلي» اشتغل «كاتب قصص سينمائية وسيناريو»؛ فثمة روائيون نوبليون آخرون جربوا أياديهم في الكتابة للسينما مع تفاوت في تجاربهم: نجيب محفوظ، وجان بول سارتر، وغابرييل غارسيا ماركيز، وهارولد بنتر، وأورهان باموق، وبيتر هاندكه، وإرنست هيمنغواي، ووول سوينكا، وباتريك موديانو، وكازو إيشيغورو. أما قائمة أسماء الروائيين غير النوبليين فطولها أضعاف طول القائمة السالفة. ولا يمكن هنا سوى المرور بتجربتي اثنين من نظرائه النوبليين: نجيب محفوظ وغابرييل غارسيا ماركيز.

محفوظ بين الرواية والسينما

ربما يمكن القول إن نجيب محفوظ، مثل ويليام فوكنر، لم يختر، أو حتى لم يحلم، أن يصبح ذات يوم كاتب سيناريو وقصص للسينما، وأن تربطه بالسينما علاقة من أي نوع. لكنها الحاجة والأوقات الصعبة التي اضطرته إلى ألاّ يفرط بأول فرصة سنحت له للعمل في السينما عندما عرض عليه المخرج صلاح أبو سيف كتابة سيناريو للفيلم «مغامرات عنتر وعبلة، 1948». يروي محفوظ في حوار مع عبد الفتاح الفيشاوي (نشر في مجلة «الكواكب» في 26-7-1966) أنه لم يسع إلى العمل في السينما، ولم يخطر بباله الكتابة لها، وأن حكاية علاقته بها بدأت باتصالٍ من صلاح أبو سيف بعد قراءة الأخير رواية «عبث الأقدار»، واكتشافه أن لديه موهبة كتابة السيناريو، ثم وفي لقاء بينهما في 1946 حضره فؤاد نويرة، طلب أبو سيف منه أن يشترك الثلاثة في تأليف سيناريو الفيلم «مغامرات عنتر وعبلة» حسبما ذكر د. عبد الرحمن بدر في مقاله: «السيناريست نجيب محفوظ... كواليس دخول أديب نوبل للسينما». وأنهى أبو سيف تردد محفوظ بشرح معنى كلمة «سيناريو» وطمأنته بأنه سيتعلم كتابة السيناريو على رأس العمل.

من «عنتر وعبلة» إلى «جعلوني مجرماً»

كانت «مغامرات عنتر وعبلة» الباب الذي دخل محفوظ عبره إلى عالم السينما، وتعرفه على ذلك العالم، وتعرف المقيمون فيه عليه، وكان عاطف سالم ثاني مخرج يعمل معه محفوظ وكان ذلك على الفيلم «جعلوني مجرماً، 1949»، الذي أخذ اسمه، كما يبدو، من الفيلم الأميركي «They Made Me a Criminal. 1939». اشترك محفوظ والسيد بدير وعاطف سالم في كتابة السيناريو، ولعب دور البطولة الفنان فريد شوقي.

وتقسّم الكاتبة الدكتورة هاجر بكاكرية سيرة نجيب محفوظ السينمائية في مقالتها «نجيب محفوظ والسينما» إلى أربع مراحل؛ تمتد المرحلة الأولى 15 سنة من فيلم «مغامرات عنتر وعبلة» إلى فيلم «جميلة الجزائرية، 1959»، وتبدأ الثانية بعام 1960 الذي شهد التطور والتغير الأهم في علاقة السينما بمحفوظ، إذ انتقلت من حاجتها إلى خدماته كسيناريست إلى الحاجة إلى ترجمة عدد من رواياته إلى أفلام، بدءاً برواية «بداية ونهاية، 1949»، واستمرت هذه المرحلة إلى 1973. وراوحت العلاقة في الثالثة بين الاعتماد على قصصه للسينما ورواياته. وانفردت القصة القصيرة ملمحاً مميزاً للرابعة.

ماركيز.. التجربة العريضة والعميقة

يحتاج المرء إلى ما هو أكبر وأوسع من جزء من مقالة لتقصي تجربة غابرييل غارسيا ماركيز السينمائية والكتابة عنها. فتجربته تتميز عن تجربتي فوكنر ومحفوظ أمداً وعمقاً واكتظاظاً بالخبرات والأحداث. تلتقي تجارب الثلاثة عند كتابة السيناريو والقصص للسينما، وتفترق تجربة ماركيز عن تجربتي نظيريه بكونها لم تبدأ ولم تتطور وتتعمق عن طريق الصدفة. لم يصبح ماركيز كاتب سيناريو صدفة، ولم تضطره الظروف، كما يبدو، إلى الكتابة السينمائية لتخفيف حدة أزمة مالية كانت تعكر صفو حياته. لقد سعى بنفسه إلى عالم السينما، جدّ واجتهد في طلبه فتحقق ما يصبو إليه. بدأ ناقداً صحافياً سينمائياً، ثم أصبح كاتب سيناريو حوَّل قصص وروايات آخرين إلى قصص للسينما، ومدرباً على كتابة السيناريو، وانتهى به المطاف مُنشِئاً لمؤسسة لسينما أميركا اللاتينية الجديدة، ثم مدرسة سينما وتلفزيون للعالم الثالث، حسب ماريا كورتيز، «ماركيز والسينما، 2009».

علاقة ماركيز بالسينما علاقة شغف نشأ في الطفولة المبكرة، عندما كان جده العقيد نيكولاس ماركيز يصحبه إلى السينما، ويطلب منه بعد عودتهما سرد حكايات الأفلام. كان ذلك بمثابة التدريب المبكر على السرد بحبكات يتوقف ترتيبها للأحداث على ما يعلق بذاكرته منها.

وكان لعمله في الصحافة ابتداءً من 1948 دور في تعزيز علاقته وتعميق شغفه بالسينما، بالإضافة إلى تطوير فهمه لكيفية السرد السينمائي، ليس فقط من خلال الحبكة والتمثيل والحوار، لكن أيضاً في كيفية توظيف الكاميرا في سرد أحداث الفيلم. كما يشير الكاتب شيل نافوس (مارس 2020). إن سيرة ماركيز السينمائية بثرائها وتعدد اشتغالاته من أكثر السير إمتاعاً وإلهاماً، كسيرته الأدبية.

فولكنر

النهاية البداية

يُدركُ من قصص اشتغال فوكنر ومحفوظ وماركيز في السينما أن حاجة الأخيرة إلى الروائي ككاتب قصص سينمائية وسيناريست أشدّ من حاجتها إلى رواياته. فعلى سبيل المثال، مضى على بدء محفوظ العمل سيناريست 14 عاماً قبل ترجمة روايته «بداية ونهاية» إلى فيلم. فكتابة محفوظ، أو بالأحرى، مشاركته في كتابة سيناريو «مغامرات عنتر وعبلة» كانت أهم من وجهة نظر صلاح أبو سيف من الاستفادة من واحدة من رواياته. على ضوء هذا، يبدو أن السينما المحلية في حاجة إلى الروائي كاتب سيناريو أشد من حاجتها إلى رواياته. ولعل ما أُنتج حتى الآن من أفلام محلية طويلة يدعم هذا الرأي. فالأفلام السعودية: «مندوب الليل» و«هوبال» و«ناقة» و«سكة طويلة»، مثلاً، ليست ترجمات سينمائية لروايات محلية، ولم يكتب قصصها وسيناريوهاتها روائيون.

الرواية ليست النص السردي الوحيد الذي قد يسهم به الروائي في صناعة أفلام محلية، وليست المادة الخام الوحيدة، أيضاً، لصنع أفلام تروي حكايات أناس متخيلين (يشبهوننا) حسب القول الشائع؛ وتنقل للعالم صوراً عن مجتمعنا وثقافتنا. فبإمكان الروائي بالتعاون والحوار مع السينمائي، حين وجود الحاجة والرغبة لدى الأخير، إنجاز قصص للسينما وسيناريوهات تحقق ذلك. هل يُعَبِّرُ هذا عن رفض لتوظيف السينمائي للرواية المحلية؟ بالتأكيد لا. ولكني أرى أن وصول الرواية المحلية إلى الشاشة وبأعداد كبيرة نسبياً تُرضي البعض، وباستمرار، سيتأخر لبعض الوقت، نظراً لعدم توفر أي معطيات ومؤشرات على ضوئها يهتدي السينمائيون إلى رواياتٍ يتوقعون أن تكون مادةً خاماً لأفلام تحقق نجاحاً جماهيرياً عبر شباك التذاكر.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

ثقافة وفنون إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

في كتابها الباذخ «الفرنسيون: أو حياتي في ظل النظرية» تقدم الكاتبة والمحررة الأكاديمية إيميلي إيكين شهادة استثنائية تجمع بين سيرة تطوّر وعيها الشخصي

ندى حطيط
ثقافة وفنون تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تتبع رواية «دارة بلقيس» للكاتب الأردني عبد الهادي المدادحة التحولات الدرامية العميقة التي تعصف بالمكان العمّاني وهويته التراثية، مبرزة التنازع الأزلي

«الشرق الأوسط» (عمّان)
كتب «الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة.

شرف الدين ماجدولين
كتب حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت...

«الشرق الأوسط» (دمشق)

إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

جاك دريدا
جاك دريدا
TT

إيميلي إيكين... شهادة استثنائية تجمع بين سيرتها والتاريخ الفكري

جاك دريدا
جاك دريدا

في كتابها الباذخ «الفرنسيون: أو حياتي في ظل النظرية» تقدم الكاتبة والمحررة الأكاديمية إيميلي إيكين شهادة استثنائية تجمع بين سيرة تطوّر وعيها الشخصي والتأريخ الفكري الدقيق لحركة الفكر البنيوي والتفكيكي التي اجتاحت الكليات والمعاهد الأميركية في ثمانينات القرن الماضي، فتستعيد تجربتها الفتية عندما وصلت إلى جامعة هارفارد طالبةً يافعةً قادمةً من أوساط الغرب الأوسط الأميركي المحافظ، لتجد نفسها مأخوذةً بسحر الأفكار الآتية من باريس، والتي شكلت الشيفرة السرية والرمز الثقافي المميز للنخب الفكرية المتمردة في الثلث الأخير من القرن الماضي.

جيل دولوز

ترسم إيكين عبر كتابها الممتد على أربعمائة وتسعين صفحة صورة مجموعة من الفلاسفة ومحللي النفس واللغويين الفرنسيين الذين أحدثوا زلزالاً معرفيّاً في الغرب زحزح المسلمات التقليدية حول المعنى والذات، متتبعةً تفاصيل الرحلة المعقدة التي قطعتها هذه الأفكار من مقاهي حي السوربون وأروقة المدرسة العليا للأساتذة بباريس إلى قاعات المحاضرات في ييل وهارفارد وكولومبيا.

وتصف الكاتبة حالة الانجذاب العاطفي والفكري الشديد نحو «النظرية الفرنسية»؛ إذ كانت تمثل لطالبة قادمة من بيئة بروتستانتية محافظة العالم المغاير والأنماط شديدة الخطورة والمفعمة بالشحنات المعرفية والحسية في آن واحد، حيث كان تعلّم المفردات التي تتضمنها هذه النظرية أشبه باستبدال للهوية والموطن الأصلي بمنظومة معجمية شاسعة تمنح صاحبها بطاقة عبور فورية إلى عوالم الوجاهة الذهنية.

وتعبّر عن تلك اللحظة الاستثنائية بتوصيف الشغف الذي ينتاب المرء عند رؤية الواقع واللغة والنفس البشرية وهي موضع التفكيك والتشريح جهاراً، حيث كانت مفردات مثل «المفارقة» - أي التناقض الظاهري -، و«الدال العائم» - أي المفهوم أو الرمز المنفصل عن مدلول محدد، مما يجعله قابلاً للامتلاء بأي معنى يُسقط عليه مثل مصطلحات (الحرية) أو (الشعب)، و«الحاضر - أبداً» - أي البنى المسبقة التي تشكل وعينا قبل أن ندركها - تشكل ترسانة الأسلحة الفكرية الأبرز لطلاب الدراسات العليا الراغبين في الانفصال عن النمطية الثقافية السائدة والتحرر من الدوغمائيات التقليدية.

لوي ألتوسير

يتناول الكتاب ثمانية أعلام محوريين شكلوا القوام الصلب لهذه الحركة الفكرية، وهم ميشيل فوكو وجاك دريدا ورولان بارت وجاك لاكان ولوي ألتوسير وجيل دولوز وفيلكس غوتاري وبول دي مان، مع استحضار كاشف لرموز مبكرة من قماش جان بول سارتر وكلود ليفي ستروس. وتتجلى المفارقة المركزية التي يقيم عليها النص بنيانه السردي في كون هؤلاء المفكرين الذين أعلنوا قاطبةً «موت المؤلف» واعتبروا السيرة الشخصية مجرد وهم آيديولوجي، قد عاشوا بالذات حياةً طافحةً بالدراما والفضائح المدوية والمآسي الإنسانية المفجعة. ترسم إيكين بأسلوب مفعم بالحيوية صوراً تفصيلية لهؤلاء الأعلام، كاشفةً عن جوانب شديدة التناقض في سلوكياتهم اليومية التي تجاور في غرابتها نصوصهم الأشد تعقيداً واستغلاقاً.

ثمّة تفاصيل مفجعة عن حياة ألتوسير الذي أقدم في لحظة جنون عاصفة على خنق زوجته في سكنه بالجامعة وتجنب المحاكمة بسبب اضطرابه العقلي، في حين تشير السيرة إلى ارتباكه العاطفي العميق في شبابه الأولي واحتفاظه بعزلة نفسية حادة. هناك كذلك تفاصيل الرحلات الأكاديمية لميشيل فوكو في كاليفورنيا حيث مارس طقوس التجريب الذهني والجسدي واختبر المشروبات الأميركية، وانهمك في تقطيع حطب التدفئة مع الطلاب في الجبال، بالتوازي مع تطويره لنظريات الشمولية السلطوية والهيمنة المؤسسية. وينقلنا النص إلى العالم المسرحي للمحلل النفسي جاك لاكان الذي ابتدع أسلوب جلسات علاجية خاطفة ينهيها في غضون دقائق معدودة ليحصد من ورائها ثروات هائلة، واضعاً مريديه في حالة ذهول دائم عبر رسم عقد ورموز مبهمة على السبورة ثم المغادرة الفورية القاطعة للقاعة.

ميشيل فوكو

يتوقف الكتاب عند محطة جاك دريدا، المفكر الجزائري الجذور الذي حمل جراح التهميش والتمييز الإثني في صغره، ليشيد بنيان التفكيك الذي حاصر اليقينيات الغربية، متعرجاً نحو واقعة اعتقاله المأساوية في براغ بتهم مخدرات كاذبة حُبكت ضد هويته الفكرية. كما يفرد النص مساحةً واسعة للسقوط المدوّي لبول دي مان، الأب الروحي للتفكيك في جامعة ييل، حيث كشفت الوثائق المتأخرة بعد وفاته عن كتاباته الصحافية المؤيدة للاحتلال النازي في بلجيكا في أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي الفضيحة التي وجهت ضربةً قاضية لسمعة المدرسة التفكيكية في أميركا، وأعطت الخصوم السياسيين والفكريين أسلحةً فتاكة لتقويض الهالة الحصينة التي أحاطت بالنظريات الفرنسية لسنوات طويلة.

وتعتمد إيكين منهجاً أنثروبولوجياً فريداً في تفكيك هذه الشخصيات عبر تقسيم الفصول وفق موضوعات كبرى تشمل القتل والجنون والكلمات والمناورات، مفضلةً استكشاف الأفكار عبر الوقائع الملموسة والسلوكيات الشخصية لمبدعيها ومجاوزة التحليل الأكاديمي الصرف، مظهرة قدرةً فائقة على إيضاح المفاهيم المعقدة الشديدة الاستغلاق مثل «السلطة الحيوية» و«البانوبتيكون» و«الاستجواب الآيديولوجي»، فتفسر كيف أضحت هذه الطروحات مفاتيح أساسية لفهم التحولات الثقافية والتكنولوجية الكبرى في العصر الحالي، كما في مفهوم فوكو حول البانوبتيكون أو «المراقبة الشاملة» كتشخيص فصيح ومبكر لشبكات المراقبة الرقمية التي تحيط بالإنسان المعاصر عبر المؤسسات والشركات التكنولوجية العملاقة، وتدفعه لممارسة الرقابة الذاتية الصارمة على سلوكياته وأفكاره.

يمتد التحليل إلى تنبؤات رولان بارت في مقالته الشهيرة «موت المؤلف»؛ إذ يجد القارئ المعاصر أن فكرة إنتاج النصوص المستقلة عن وجود الذات الإنسانية قد تجسدت واقعياً عبر نماذج اللغويات الكبيرة وأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تفرغ الكلمات والخطابات في هيئة نصوص متدفقة تعمل فيها اللغة لذاتها وبذاتها. تشير الكاتبة إلى أن الأفكار التفكيكية التي بدأت كنزعة تمردية في المحترفات الجامعية المغلقة قد انحلت تدريجياً في النسيج الثقافي العام، فأصبحت الفرضيات القائلة إن الحقيقة مجرد سردية تصنعها موازين القوى، وإن اللغة تملك طاقة إعادة تشكيل الواقع من القناعات المستقرة لدى الحركات الاجتماعية ورجال التسويق وأقسام العلاقات العامة وحتى الخصوم الآيديولوجيين في الحروب الثقافية المحتدمة.

وينطوي عمل إيكين على ثغرات منهجية تستدعي التوقف النقدي عندها، وفي مقدمتها اقتصار دراستها المكثفة على ثمانية أعلام من الرجال حصراً، وتهميش الدور التأسيسي الذي لعبته الفيلسوفات والمفكرات الفرنسيات البارزات في تلك الحقبة مثل هيلين سيكسوس وجوليا كريستيفا ولوس إريغاراي وسارة كوفمان ومونيك فيتيغ، وهن اللاتي قدمن إسهامات مفصلية في نقد المركزية الذكورية وإعادة صياغة مفاهيم الجسد والكتابة المتمردة.

ويلاحظ القارئ الفاحص أيضاً غياباً تاماً لرمز فكري محوري بحجم رينيه جيرار الذي أطر في مؤتمر جونز هوبكنز التاريخي عام 1966 بداية دخول النظرية إلى أميركا، والذي تتيح نظريته حول «الرغبة المحاكاتية» تفسيراً عميقاً للخصومات الشرسة وحالة التنافس الرهيب التي سادت بين أعلام البنيوية والتفكيك وهم يسعون لتحقيق التمرد والفرادة الذاتية عبر تقليد الأنماط المتصارعة.

يتوقف الكتاب عند محطة جاك دريدا، المفكر الجزائري الجذور الذي عاني من التمييز الإثني في صغره، ليشيّد بنيان التفكيك الذي حاصر اليقينيات الغربية

ويتعلق مأخذ آخر بطبيعة المنهج الذي اعتمدته الكاتبة؛ إذ غلب اهتمامها بالطرائف البايوغرافية والتفاصيل الشخصية على حساب الفحص الفلسفي الغائر للمتون والاحتجاجات النظرية، الأمر الذي قد يمنح انطباعاً مضللاً بأن الفلسفة مجرد صرعة ثقافية عابرة أو موضة فكرية ترتبط بزمن محدد. ويبدو أنها في محاولتها للتوفيق بين موقعها السابق كطالبة مأخوذة بالنظريات وموقعها الحالي بوصفها محررة صحافية مرموقة في جريدة «نيويورك تايمز»، قد فضلت تبسيط الأفكار لصالح الحبكة السردية المشوقة، متخليةً عن التعمق العلمي الذي تتطلبه مساجلات عاتية من وزن المناظرة التاريخية بين فوكو ودريدا حول فلسفة ديكارت وسؤال العقلانية.

ومع ذلك، فإن للفرنسيين قيمة استثنائية تستمدها من قدرة إيكين الباهرة على صياغة مراجعة فكرية ممتعة تجمع الرشاقة الصحافية إلى العمق الثقافي، متجنبةً السقوط في فخ الإدانة السطحية أو التبجيل الأعمى لهذه الحقبة المفصلية من تاريخ الفكر البشري.

في نهاية هذه الرحلة الممتدة عبر الأفكار والسير نخلص إلى أن القيمة الباقية للنظرية الفرنسية تكمن في منحنا أدوات النقد اليقظ والتفحص الصارم للغة، وإيقاظ التشكك الدائم أمام الشعارات السياسية التي تتزين بزي الحقائق السرمدية. وسيظل عمل إيكين دعوةً مفتوحةً لإعادة اكتشاف هؤلاء المفكرين المعقدين واستعادة روح المساءلة الفكرية الحرة في زمن تزداد فيه الحاجة إلى بناء وعي نقدي متماسك ومحصن ضد التبسيط والتضليل والسطحية المعرفية.


تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة
TT

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تحولات المكان في «دارة بلقيس» للأردني المدادحة

تتبع رواية «دارة بلقيس» للكاتب الأردني عبد الهادي المدادحة التحولات الدرامية العميقة التي تعصف بالمكان العمّاني وهويته التراثية، مبرزة التنازع الأزلي بين سحر الذاكرة الحميمة وأطماع الاستثمار العقاري الجاف. ويأخذنا الكاتب في رحلة لاستكشاف تفاصيل الحياة اليومية في جبل اللويبدة العريق، وتحديداً عمارة «جيهان 4» في شارع كلية الشريعة، رابطاً بين مصائر أبطاله وحركة النجوم والأبراج الفلكية في القبة التنجيمية بأوتادها الأربعة، ليعكس من خلالها تقلبات النفس البشرية ومشاعر العجز البشري أمام ويلات الواقع وقسوة التغيير.

ويمكن إدراج هذه الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في 135 صفحة من القطع المتوسط، في إطار الرواية الاجتماعية الفلسفية التي تتوسل بالفلك الأسطوري لتفكيك الواقع؛ حيث تُسلط الضوء على قصص إنسانية متشابكة لجيران يتقاسمون المكان والذكريات، كالسيدة أليس بركات الشغوفة بعالم الفلك، وصديقة طفولتها الدكتورة سعاد الصبّان التي تقع ضحية لشَرَك عقاري يقوده أحد السماسرة المغامرين بهدف هدم دارتها التراثية، ليمثّل الكتاب صرخة أدبية تدافع عن أصالة الأحياء العريقة في مواجهة زحف الأسمنت الحداثي.

بدأت الرواية التي صمم غلافها «عيد بنات»، باستهلال أسطوري لافت مستوحى من الموروث الفلكي العربي حول قصة مقتل رجل غدراً في الأسواق البعيدة، فيأخذك في رحلة بحث وثأر أبدية من القاتل «سهيل» الذي فرّ نحو السماء الجنوبية. ومن هذا الفضاء السديمي الفسيح، يهبط المدادحة بسرديته بسلاسة نحو جغرافية عمّانية شديدة الواقعية والدقة، ليتجول بالقارئ بين شارع كلية الشريعة، وكلية تيراسانتا، وساحة باريس، ومستشفى لوزميلا، عارضاً تفاصيل دراسة بطلته للطب في القاهرة، ومسترجعاً أحداثاً تاريخية وإقليمية مأساوية تركت ندوباً في وعي الشخصيات ونفسياتها.

من أجواء الرواية

«تتعدد رغباتنا وتتنوع وربما تتناقض، فليست كل رغبة ثبت وجودها، يثبت عدم وجود رغبات أخرى معاكسة لها في الاتجاه، فالحياة كأنها ميدان حرب وساحة صراع بين رغباتنا من جهة وما ينازعها ويعارضها من جهة أخرى، ففي الحياة ثمة متسع لكل هذا.

ثم تضيف: كثيرة هي الأشياء التي تجري في حياتنا بلا حساب أو مراجعة، تصبح شيئاً يشبه العادة، نؤمن بها ونعمل بمقتضاها ولا نبحث لها عن دليل عقلي يثبت الفائدة منها أو الضرر. أحياناً تصبح الفكرة مثل العادة أيضاً، تؤتى بلا دليل عقلي قاطع على صحتها.

نفرح ونشعر بوجودنا عند زيادة قدرتنا على التأثير في العالم من حولنا، ونحزن عندما تنقص القدرة على الفعل والتأثير. نلجأ إلى التنجيم سعياً وراء الفرح أو هرباً من حزننا الذي يشعرنا بالعجز».

وكان قد صدر للمدادحة: «قالت لي العرافة»، قصص (2015)، «على جمر الغضا.. قراءة في تاريخ الحكومات الأردنية»، دراسة سياسية، (2016)، «هوامش البساط الأحمر»، رواية، (2018)، «كرك موبا... رسائل المدينة»، رواية، (2021)، و«حارسة»، رواية، (2022)، و«رعاش المدينة»، رواية، (2026).


«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»
TT

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

«التوحش الرقمي» أو «كتب بلا قراءة» في العدد الجديد من «القافلة»

في العدد 718 (سبتمبر/أيلول - أكتوبر/تشرين الأول 2026) من مجلة «القافلة» السعودية التي تصدرها شركة «أرامكو»، يتأمل الدكتور عبد الله المطيري معنى السياحة بوصفها حالةً وجودية تتجاوز التنقل، والترفيه، مستكشفاً جذورها اللغوية، والفلسفية.

كما يتتبّع الكاتب محمود مبشر، نشأة صناعة الورق في سمرقند، مستعرضاً الجدل حول أصولها، وتطورها، وكيف أسهمت تحسينات الصُنّاع السمرقنديين في إنتاج الورق الذي أصبح ركيزةً لازدهار التأليف، والنسخ، وانتشار المعرفة في الحضارة الإسلامية.

الإرهاق الوظيفي

وتطرح قضية العدد مسألة «الإرهاق الوظيفي»؛ عن جذوره، وتداعياته، وطرق تشخيصه، وسبل الوقاية منه، والتعافي. كما يتتبّع فريق «القافلة» جذور المفهوم منذ ظهور «الوهن العصبي»، وصولاً إلى تبلور مصطلح (Burnout)، والاعتراف به من منظمة الصحة العالمية، مستعرضاً أسبابه النفسية، والاقتصادية، والمهنية. حيث يميّز هادي الدخيل بين ضغوط العمل الطبيعية والاستنزاف المزمن، ويتحدث عن العلامات الخفية للإرهاق، وتطوّرها التدريجي. ويناقش الدكتور أحمد الخلف آثار الإرهاق الوظيفي في الصحة النفسية، والجسدية، والحياة الشخصية، وسبل الوقاية، والتعافي. أما نايف الفهد، فإنه ينظر إلى المشكلة من زاوية المنظمات، مؤكداً ارتباطها بثقافة العمل، وأساليب الإدارة، وتوزيع الأعباء.

عالم التوحش الرقمي

في أدب وفنون، تناقش بثينة العيسى حال النشر في عالم التوحش الرقمي، وكيف أسهمت الفيديوهات القصيرة واقتصاد الانتباه في تراجع القراءة.

وتشير العيسى إلى دراسةٍ أميركية امتدت من 2003 حتى 2023، وجد فيها الباحثون أنَّ «القراءة من أجل المتعة» بين الشَّباب قد انخفضت بنسبة 40 في المائة خلال عشرين عاماً. وربطت هذه الدِّراسة بوضوحٍ بين تطوُّر البيئة الرقمية وتراجع القراءة.

وقالت: ليس من المبالغة القول إنَّ شركات التكنولوجيا قد نجحت في توجيه الضربة الأقسى للكتاب عبر التاريخ، ووحده المستقبل سيكشف إن كانت ضربةً قاصمة أم لا، وإن كان الكتاب قادراً على النَّجاة هذه المرة أم لا، وبأي شكلٍ؟ وما الثمن؟ لكن الضربة أسوأ من (...) إلقاء مخطوطات «بيت الحكمة» في نهرِ دجلة على يد المغول؛ إذ لم ينجح أيٌّ من هؤلاء في التسبّب في نكوصٍ قرائي بنسبة 40 في المائة، مهما أرادوا ذلك.

وتقول الكاتبة: الكتاب كائنٌ مشاغب، رعوي، ولا يمكن ضبطه، ينجو باستمرارٍ من المنع، والحرق، والغرق، ويتحالف مع الورّاقين من حفظة الذاكرة، ومع القراصنة، والمهرِّبين، والصعاليك إن اقتضى الأمر. تمتَّع الكتاب، عبر التاريخ، بمرونة قتالية مدهشة، وقد انتصر غالباً أمام الفاشية، لكنه اليوم يحاربُ خصماً مختلفاً تماماً، وفي معركةٍ مختلفة تماماً، وبأدواتٍ مختلفة تماماً، فهل سينجو؟ ومرَّة أخرى: بأي شكل؟ وما الثَّمن؟

وتضيف: هذا شيءٌ لم نتخيل أن نقوله في يومٍ من الأيام، لكننا لو خُيّرنا بين الرقابة الكلاسيكية والعيش في مناخ رقمي مملوء بالكتب التي لا يقرأها أحد، لاخترنا الرقابة في شكلها الأوَّل، الواضح، والصريح؛ لأن محاربتها أسهَل، ولأنها لا تخفي آثارها بهذه البراعة، ولا تجعل الواحد منّا يشعرُ بفشله الشخصي بسبب اعتلالٍ بُنيوي في المنظومة. ففي حين تستهدف الرقابة الكلاسيكية منع الكتب نفسها، تعمل المنصات الرقمية على تقويض قدرتنا على القراءة، من دون أن تضطر إلى منع كتابٍ واحد، أو شيطنته. وقد وجدت نبوءة راي برادبيري في روايته «451 فهرنهايت» فرصةً للتحقق أخيراً: «لست مضطراً إلى حرق الكتب لتدمير الثقافة، كل ما عليك فعله أن تُوقف الناس عن قراءتها».

وتقول العيسى: لقد نجح رأس المال الحر، في الشمال العالمي «المتحضّر»، في تحقيق ما لم تنجح الرقابة في تحقيقه قط. وتضيف: من الواضح أننا لا نعيش في عالم أورويل القائم على القمع الصريح، بل في عالم هكسلي الذي يرتكز على التخدير، والترفيه المتواصل، فما الذي حدث فعلاً؟ وأين نحن من نبوءة أورويل في رواية «1984»، بأن وسيلة التحكّم في الأفراد هي الألم، ونبوءة هكسلي في رواية «عالم جديد شجاع» التي تصوّر المتعة وسيلةً للتحكّم في الأفراد؟ وبعبارة موجزة: خشي أورويل أن يدمِّرنا ما نكرهه، وخشي هكسلي أن يدمِّرنا ما نحبُّه.

آداب وفنون

وفي هذا العدد من «القافلة» يتتبّع بدر الدين عرودكي المسيرة الإبداعية للكاتبة الفرنسية نيللي آلار، من التمثيل، وكتابة السيناريو، إلى الرواية. وفي زاوية شعر نقرأ نصًّا للشاعرة جيهان عمر. ويناقش ياسر مدخلي إدارة المشاريع الإبداعية، والتحوّل الذي يشهده القطاع الثقافي السعودي من نشاط إبداعي إلى صناعة اقتصادية. ويستعرض خليل صويلح سيرة أبي خليل القباني، رائد المسرح العربي الحديث، ورحلته من دمشق إلى القاهرة، وشيكاغو. ويتتبّع يوسف الحربي تحوّل العمل الفني من منجز جمالي إلى أصلٍ استثماري، ودور المزادات والإعلام ورأس المال في صناعة قيمته السوقية. ويناقش حمادي كيروم محاولات اقتباس رواية «مدام بوفاري» سينمائياً، واختلاف رؤى جان رونوار وكلود شابرول وفنسنت مينيلي في نقل عالم فلوبير إلى الشاشة. ويتحدث الدكتور فراس طرابلسي عن تطوّر الموسيقى التصويرية من إضافة جمالية إلى شريكٍ أساسي في بناء السرد السينمائي، وصناعة المعنى. فيما يعرّفنا طاهر الزهراني على تجربة الفنانة السعودية زهرة الغامدي، التي تستلهم أعمالها التركيبية من الأرض، وذاكرة المكان، والطبيعة الجنوبية.

علوم وآفاق

وفي علوم، تناقش الدكتورة ندى الأحمدي تطوّر فهم الأحلام في أبحاث علم الأعصاب الحديثة، وإمكانات «هندسة الأحلام»، وحدودها الأخلاقية. ويتحدث علاء حليفي عن «المدن الإسفنجية»، بوصفها نموذجاً عمرانياً يتعايش مع دورة الماء، ويسهم في الحد من الفيضانات. ويتأمل محمد سناجلة تطورات الحوسبة العاطفية، وإمكان إنشاء «متحف للعواطف» يحفظ آثار المشاعر الإنسانية. فيما يتناول الدكتور فهد المرشدي الفيتامينات، ومصادرها، ومخاطر نقصها، أو الإفراط فيها، مؤكداً أنها ليست بديلاً عن نمط الحياة الصحي. ويتناول محمد الصيعري رهان الحوسبة الكمّية، والتجربة السعودية في هذا المجال، مسلطاً الضوء على إطلاق أول حاسوب كمّي في المملكة، وأول منصة تجارية للحوسبة الكمّية في الشرق الأوسط.

وفي آفاق، يكتب عبد الله الضامن عن «فخ الغضب»، وكيف تستثمر المنصات الرقمية الانفعال والسخط لزيادة التفاعل، فيما يناقش الدكتور خالد حنفي أثر الخوارزميات في صعود الشعبويات الرقمية، وتشكيل الوعي، والسلوك، والهوية. وتتحدث مهى قمر الدين عن تحوّل الهدوء من حاجة إنسانية فطرية إلى سلعة وامتياز في عالم يزداد ضجيجاً. ويأخذنا هشام الحميد إلى كوبا، مستعرضاً ملامحها التاريخية، وعمارتها، وسياراتها الكلاسيكية، وثقافتها النابضة بالموسيقى، والفنون.

وفي «فكرة العدد»، تستعرض مهى قمر الدين تجربة اللوحات البنية على الطرق السريعة في فرنسا، وكيف تحوّلت من أدوات إرشادية إلى وسائط بصرية وثقافية تجمع بين التصميم، والفن، والسياحة، والسلامة المرورية.

ويتحدث ملف العدد عن «النسيان»، بوصفه وظيفةً بيولوجية ضرورية، لا مجرد خلل في الذاكرة. حيث يتناول الدكتور عبد الله العقيبي دور النسيان في التكيّف، واتخاذ القرار، والفرق بين النسيان الطبيعي والمرضي، كما يستعرض حضوره في الأدب، والفنون، والذاكرة الجمعية، ومحاولات الإنسان مقاومته بالكتابة، والتقنية، وصولاً إلى دوره في تشكيل التجربة الإنسانية، والهوية الفردية.