السعودي الدحيلان يستلهم الأسطورة وينحاز لـ «الوضوح الغامض»

في مجموعته القصصية «الرجل الذي لا يُقطع لسانه»

الغربان في فيلم "الطيور"لفريد هيتشكوك
الغربان في فيلم "الطيور"لفريد هيتشكوك
TT

السعودي الدحيلان يستلهم الأسطورة وينحاز لـ «الوضوح الغامض»

الغربان في فيلم "الطيور"لفريد هيتشكوك
الغربان في فيلم "الطيور"لفريد هيتشكوك

تجسد صورة «المقص» على غلاف المجموعة القصصية «الرجل الذي لا يُقطع لسانه» للقاص السعودي عبد الله الدحيلان معنى العنوان، بإظهار المقص وقد قطع الفعل «يُقطع» إلى مقطعين «يُقـ/طع»، تاركاً الكلمة «لسانه» سليمة معافاة. عنوان جاذب للانتباه ومثير. لا أخفي أنه أثار فيَّ موجة فضول وتشوق لقراءة قصة هذا الرجل قبل أي قصة أخرى، كيما أرى كيف ولِمَ لسانه لا يُقطع، وما الذي يجعله استثناءً ومختلفاً عن الآخرين الذين يفهمُ القارئ من استثنائيته أن ألسنتهم تقطع، أو قابلة للقطع.

ولكن ما إن قرأت عنوان القصة «الغربان»، قررت البدء بها. فكانت بداية تجربة قراءة لقصص في غاية الإمتاع والوضوح الغامض. هذه المقالة محاولة لإسقاط بقع ضوء على بعض الثيمات التي تعالجها المجموعة، وعلى بعض ملامحها الفنية والجمالية.

هيمنة السارد العليم

للسارد العليم -السارد بضمير الغائب- حضور مهيمن في المجموعة؛ إذ ينفرد بالسرد في سبع عشرة قصة من قصص المجموعة العشرين، ويظهر شريكاً في السرد في قصتين. يراوح في فعله وأدائه السردي بين التخفي والظهور، والحياد والانحياز في موقفه من المسرود. ففي الفقرة الاستهلالية في «أصحاب السعادة» يظهر في منتهى الحيادية؛ وهو يصف خروج القرية إلى الشوارع، بطريقة كاميرا تجوس خلال المكان تصور الحشد بلقطة (Pan/) مؤسسة: «خرجت القرية عن بكرة أبيها، في عادة سنوية يلهج الجميع فيها بالدعاء ألا تنقطع أو تتأخر عن موعدها... في مقدمة الصفوف يقف العمدة منفعلاً...». ويستمر في حياده إلى نهاية الفقرة من دون النبس برأي أو بتعليق على المشهد.

على النقيض منه، يضفر السارد العليم في قصة «الغربان» رأيه ومشاعره تجاه الغربان في نسيج الخطاب. فعندما يشير إلى هيئة الغربان القبيحة، فإنه يسقط القبح عليها، ويصفها بأنها سيئة السمعة، والسوء آتٍ منه؛ لأنه لا يوجد في عالم القصة شخصية مبئرة من الغربان يمكن القول إنه ينقل إلى القارئ رأيها ومشاعرها تجاه الغربان الأخرى. وتؤكد الفقرة الأخيرة عدم حياديته، وهي في رأيي فقرة فائضة، يستحضرها من خزينه المعرفي في الذاكرة، وليس لها علاقة مباشرة بالحدث، وهو وجود الغربان في المدينة، فبالإمكان محوها من القصة، فسرد الأحداث انتهى بالجملة الأخيرة من الفقرة السابقة: «لذا تُعرض عن هذه الحقيقة بالتباهي، بأنه تم اصطفاؤها لأداء مهمة مقدسة، لا يمكن تعليلها أو الإحاطة بها» (17).

بدايات التوتر المعرفي

بعد أن يبسط أمام القارئ مشهد الغربان وسيطرتها على المدينة جواً وأرضاً، يختم السارد الفقرة الأولى بالعبارة: «بغية استراق السمع، ورصد تحركات الغافلين». أعتقد أن هذه العبارة تجيب عن تساؤلات القارئ عن معنى ودلالات مشهد الغربان الذي ربما يُذكِّره بمشاهد أسراب الطيور في فيلم ألفريد هيتشكوك «الطيور». كان بالإمكان ذكر العبارة السابقة في البداية، ولكنه كان سيجازف لو فعل بخسارة فرصة إثارة اهتمام وفضول القارئ، لمواصلة القراءة لمعرفة ما يكمن وراء وجود الغربان.

لدى السارد معرفة كاملة بالغربان ووضعها في الحكاية، بيد أنه لا يكشف كل ما لديه. يمسك ببعض المعلومات، فتنتج عن ذلك فجوات في السرد تنشأ بسببها حالة عدم التساوي المعرفي بينه (السارد) وبين القارئ. ويتولد من هذا اللاتساوي المعرفي ما يسميه جيمس فيلان «cognitive tension»، أترجمه هنا «التوتر المعرفي»، آخذاً في الاعتبار الترجمتين الأخريين (إدراكي وعرفاني) للكلمة «cognitive». يدفع التوتر المعرفي القارئ إلى الاستمرار في قراءة النص، لعلَّه يلتقي بما يخفف حدته أو يبدده تماماً.

عند تأمل نصوص المجموعة، تبرز حقيقة توظيف الدحيلان للتوتر المعرفي في الجملة الأولى أو الثانية من الفقرة الاستهلالية في معظم النصوص، لغاية الإمساك بانتباه القارئ وإثارة فضوله. في قصة «الخائن» -مثلاً- ورغم احتمالية تخمين القارئ أن الخائن هو المقصود في الجملة الأولى «حتى الآن مضى شهران متواصلان دون أن يخرج من منزله، فهو لا يعلم كيف سيتعامل معهم بعد ذلك اليوم المشؤوم، لم يعد منهم» (19)، سيكون المشار إليهم بـ«معهم» و«اليوم المشؤوم» وسبب أنه «لم يعد منهم» ألغازاً يتعذر حلها من دون الاستمرار في القراءة. وفي «السائل» ينتظر القارئ حتى الفقرتين الثالثة والرابعة ليعرف أسباب انقلاب حال القرية، والتوتر والقلق اللذين انتابا أهلها، وسبب خروج موكب رئيس الشرطة إلى مركز القرية. والفقرة بين الفقرتين (الأولى والثالثة) استطراد أضاف معلومات عن الساحة في مركز المدينة وارتباطها «بحادثة فارقة» في تاريخ القرية. ويتعين على القارئ أن يقرأ الفقرة الأولى من «أصحاب السعادة» (10 أسطر)، ليكتشف في الفقرة الثانية أن مَن «خرجت القرية عن بكرة أبيها لاستقباله» هو ضيف اعتاد زيارة القرية -مسقط رأسه- كل عام. وتدين القرية له ولأبيه الذي خلفه في العمل لدى علية القوم بوضع اسم قريتهم على الخريطة.

التجسس ومرادفاته

ويشكل التجسس بعناصره ومرادفاته: التنصت، والتلصص، واستراق السمع والنظر، والتفتيش، والمراقبة، ثيمة رئيسة ظاهرة، تتخلل عدداً من قصص المجموعة: الغربان، معيض، سوء المنقلب، جلبة، الرأس والجسد، اليد المبروكة، المواجهة. في «الغربان» التي تؤسس هذا الاتجاه، وأحد الملامح المميزة للمجموعة، يستلهم المؤلف من أساطير سكان أميركا الأصليين أسطورة الغراب بوصفه محتالاً/ مخادعاً «trickster»، ومغيراً لشكله «shapeshifter». يقول السارد عن الغربان واحتلالها كل شبر من المدينة وسمائها: «فهي في الشوارع والأزقة ومواطن الرزق، وفيها تتشكل حسب الحاجة، سواء على هيئة بشر أو شجر أو حجر... وتكمن في الزوايا... بغية استراق السمع، ورصد تحركات الغافلين» (17).

وتتعمق علاقة الغربان بالأسطورة بإضفاء القداسة على مهمتها، فيما تبدو إشارة ضمنية إلى غربان «الإله أودن» في الأسطورة الإسكندنافية. في الأسطورة، كان لأودن غرابان «هيوغن وميونن»، كانا بمثابة عيونه وأذانه، يطلقهما عند انبلاج الفجر من «فالهالا» إلى «مِدغار» عالم البشر ليتنصتا ويتجسسا على البشر، ويؤوبا بالأخبار عندما يحل المساء. ولكن قصة «الغربان» لا تشير ولا تلمح إلى مَن في المدينة يكلف الغربان بمهمتها المقدسة.

ويمثل «معيض» في القصة المعنونة باسمه حالة متطرفة في التنصت على المكالمات الهاتفية بحكم عمله، فقد أصيب -لطول ممارسة التنصت- باضطراب بارافيلي، فتحول إلى متنصت تثيره المكالمات الخاصة، خصوصاً مكالمات أمه مع صديقتها. وينتهي به المطاف بعد تقاعده إلى طلب نسخة من مكالمات أمه وصديقتها متحججاً بالمحافظة على خصوصيتها. ولكن طلبه يُقابل بالرفض.

وتلعب الكاميرا، آلة التلصص والرصد والمراقبة، دور الشخصية المركزية والمبئرة في قصة «سوء المنقلب»، وهي تشهد آخر اللحظات في حياتها العملية في آخر موقع مراقبة مثبتة فيه. تسترجع الأحداث التي شهدتها واسترقت السمع إليها، والأماكن التي تنقلت بينها «خلال سنوات عمرها» (66). تسهم «سوء المنقلب» مع قصتَي «الغربان» و«الغابة» في خلق الملمح المضاد للمحاكاة وغير الطبيعي في المجموعة، عبر منح المؤلف صفات بشرية «anthropomorphization» للجماد والطير والحيوان. فالكاميرا في القصة تفكر وتتذكر وتشعر بالتعب بعد أن بدأت الشيخوخة تدب فيها. لقد اختار المؤلف لحظة حاسمة لتسرد الكاميرا ذكرياتها، قبل أن ينتزعها فني الصيانة ويرميها في حاوية كرتونية للأشياء التالفة، ويستبدل بها كاميرا جديدة.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

ثقافة وفنون إيمان حميدان

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً.

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فلاديمير نابوكوف

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نجيب محفوظ... الأصل والصورة

نجيب محفوظ... الأصل والصورة

في كتابه «نجيب محفوظ: الأصل والصورة» (دار ديوان للنشر بالقاهرة)، يجمع الكاتب المصري حسن عبد الموجود سيرة الأديب الراحل نجيب محفوظ (1911-2006)

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة

عن دار «التكوين للتأليف والترجمة والنشر»، دمشق، صدر كتاب «الإرث الكولونيالي... والحداثة وما بعد الحداثة» لفاضل السلطاني. وهو دراسة في تجارب أربعة شعراء معاصرين،

«الشرق الأوسط» (دمشق)

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.