السعودي الدحيلان يستلهم الأسطورة وينحاز لـ «الوضوح الغامض»

في مجموعته القصصية «الرجل الذي لا يُقطع لسانه»

الغربان في فيلم "الطيور"لفريد هيتشكوك
الغربان في فيلم "الطيور"لفريد هيتشكوك
TT

السعودي الدحيلان يستلهم الأسطورة وينحاز لـ «الوضوح الغامض»

الغربان في فيلم "الطيور"لفريد هيتشكوك
الغربان في فيلم "الطيور"لفريد هيتشكوك

تجسد صورة «المقص» على غلاف المجموعة القصصية «الرجل الذي لا يُقطع لسانه» للقاص السعودي عبد الله الدحيلان معنى العنوان، بإظهار المقص وقد قطع الفعل «يُقطع» إلى مقطعين «يُقـ/طع»، تاركاً الكلمة «لسانه» سليمة معافاة. عنوان جاذب للانتباه ومثير. لا أخفي أنه أثار فيَّ موجة فضول وتشوق لقراءة قصة هذا الرجل قبل أي قصة أخرى، كيما أرى كيف ولِمَ لسانه لا يُقطع، وما الذي يجعله استثناءً ومختلفاً عن الآخرين الذين يفهمُ القارئ من استثنائيته أن ألسنتهم تقطع، أو قابلة للقطع.

ولكن ما إن قرأت عنوان القصة «الغربان»، قررت البدء بها. فكانت بداية تجربة قراءة لقصص في غاية الإمتاع والوضوح الغامض. هذه المقالة محاولة لإسقاط بقع ضوء على بعض الثيمات التي تعالجها المجموعة، وعلى بعض ملامحها الفنية والجمالية.

هيمنة السارد العليم

للسارد العليم -السارد بضمير الغائب- حضور مهيمن في المجموعة؛ إذ ينفرد بالسرد في سبع عشرة قصة من قصص المجموعة العشرين، ويظهر شريكاً في السرد في قصتين. يراوح في فعله وأدائه السردي بين التخفي والظهور، والحياد والانحياز في موقفه من المسرود. ففي الفقرة الاستهلالية في «أصحاب السعادة» يظهر في منتهى الحيادية؛ وهو يصف خروج القرية إلى الشوارع، بطريقة كاميرا تجوس خلال المكان تصور الحشد بلقطة (Pan/) مؤسسة: «خرجت القرية عن بكرة أبيها، في عادة سنوية يلهج الجميع فيها بالدعاء ألا تنقطع أو تتأخر عن موعدها... في مقدمة الصفوف يقف العمدة منفعلاً...». ويستمر في حياده إلى نهاية الفقرة من دون النبس برأي أو بتعليق على المشهد.

على النقيض منه، يضفر السارد العليم في قصة «الغربان» رأيه ومشاعره تجاه الغربان في نسيج الخطاب. فعندما يشير إلى هيئة الغربان القبيحة، فإنه يسقط القبح عليها، ويصفها بأنها سيئة السمعة، والسوء آتٍ منه؛ لأنه لا يوجد في عالم القصة شخصية مبئرة من الغربان يمكن القول إنه ينقل إلى القارئ رأيها ومشاعرها تجاه الغربان الأخرى. وتؤكد الفقرة الأخيرة عدم حياديته، وهي في رأيي فقرة فائضة، يستحضرها من خزينه المعرفي في الذاكرة، وليس لها علاقة مباشرة بالحدث، وهو وجود الغربان في المدينة، فبالإمكان محوها من القصة، فسرد الأحداث انتهى بالجملة الأخيرة من الفقرة السابقة: «لذا تُعرض عن هذه الحقيقة بالتباهي، بأنه تم اصطفاؤها لأداء مهمة مقدسة، لا يمكن تعليلها أو الإحاطة بها» (17).

بدايات التوتر المعرفي

بعد أن يبسط أمام القارئ مشهد الغربان وسيطرتها على المدينة جواً وأرضاً، يختم السارد الفقرة الأولى بالعبارة: «بغية استراق السمع، ورصد تحركات الغافلين». أعتقد أن هذه العبارة تجيب عن تساؤلات القارئ عن معنى ودلالات مشهد الغربان الذي ربما يُذكِّره بمشاهد أسراب الطيور في فيلم ألفريد هيتشكوك «الطيور». كان بالإمكان ذكر العبارة السابقة في البداية، ولكنه كان سيجازف لو فعل بخسارة فرصة إثارة اهتمام وفضول القارئ، لمواصلة القراءة لمعرفة ما يكمن وراء وجود الغربان.

لدى السارد معرفة كاملة بالغربان ووضعها في الحكاية، بيد أنه لا يكشف كل ما لديه. يمسك ببعض المعلومات، فتنتج عن ذلك فجوات في السرد تنشأ بسببها حالة عدم التساوي المعرفي بينه (السارد) وبين القارئ. ويتولد من هذا اللاتساوي المعرفي ما يسميه جيمس فيلان «cognitive tension»، أترجمه هنا «التوتر المعرفي»، آخذاً في الاعتبار الترجمتين الأخريين (إدراكي وعرفاني) للكلمة «cognitive». يدفع التوتر المعرفي القارئ إلى الاستمرار في قراءة النص، لعلَّه يلتقي بما يخفف حدته أو يبدده تماماً.

عند تأمل نصوص المجموعة، تبرز حقيقة توظيف الدحيلان للتوتر المعرفي في الجملة الأولى أو الثانية من الفقرة الاستهلالية في معظم النصوص، لغاية الإمساك بانتباه القارئ وإثارة فضوله. في قصة «الخائن» -مثلاً- ورغم احتمالية تخمين القارئ أن الخائن هو المقصود في الجملة الأولى «حتى الآن مضى شهران متواصلان دون أن يخرج من منزله، فهو لا يعلم كيف سيتعامل معهم بعد ذلك اليوم المشؤوم، لم يعد منهم» (19)، سيكون المشار إليهم بـ«معهم» و«اليوم المشؤوم» وسبب أنه «لم يعد منهم» ألغازاً يتعذر حلها من دون الاستمرار في القراءة. وفي «السائل» ينتظر القارئ حتى الفقرتين الثالثة والرابعة ليعرف أسباب انقلاب حال القرية، والتوتر والقلق اللذين انتابا أهلها، وسبب خروج موكب رئيس الشرطة إلى مركز القرية. والفقرة بين الفقرتين (الأولى والثالثة) استطراد أضاف معلومات عن الساحة في مركز المدينة وارتباطها «بحادثة فارقة» في تاريخ القرية. ويتعين على القارئ أن يقرأ الفقرة الأولى من «أصحاب السعادة» (10 أسطر)، ليكتشف في الفقرة الثانية أن مَن «خرجت القرية عن بكرة أبيها لاستقباله» هو ضيف اعتاد زيارة القرية -مسقط رأسه- كل عام. وتدين القرية له ولأبيه الذي خلفه في العمل لدى علية القوم بوضع اسم قريتهم على الخريطة.

التجسس ومرادفاته

ويشكل التجسس بعناصره ومرادفاته: التنصت، والتلصص، واستراق السمع والنظر، والتفتيش، والمراقبة، ثيمة رئيسة ظاهرة، تتخلل عدداً من قصص المجموعة: الغربان، معيض، سوء المنقلب، جلبة، الرأس والجسد، اليد المبروكة، المواجهة. في «الغربان» التي تؤسس هذا الاتجاه، وأحد الملامح المميزة للمجموعة، يستلهم المؤلف من أساطير سكان أميركا الأصليين أسطورة الغراب بوصفه محتالاً/ مخادعاً «trickster»، ومغيراً لشكله «shapeshifter». يقول السارد عن الغربان واحتلالها كل شبر من المدينة وسمائها: «فهي في الشوارع والأزقة ومواطن الرزق، وفيها تتشكل حسب الحاجة، سواء على هيئة بشر أو شجر أو حجر... وتكمن في الزوايا... بغية استراق السمع، ورصد تحركات الغافلين» (17).

وتتعمق علاقة الغربان بالأسطورة بإضفاء القداسة على مهمتها، فيما تبدو إشارة ضمنية إلى غربان «الإله أودن» في الأسطورة الإسكندنافية. في الأسطورة، كان لأودن غرابان «هيوغن وميونن»، كانا بمثابة عيونه وأذانه، يطلقهما عند انبلاج الفجر من «فالهالا» إلى «مِدغار» عالم البشر ليتنصتا ويتجسسا على البشر، ويؤوبا بالأخبار عندما يحل المساء. ولكن قصة «الغربان» لا تشير ولا تلمح إلى مَن في المدينة يكلف الغربان بمهمتها المقدسة.

ويمثل «معيض» في القصة المعنونة باسمه حالة متطرفة في التنصت على المكالمات الهاتفية بحكم عمله، فقد أصيب -لطول ممارسة التنصت- باضطراب بارافيلي، فتحول إلى متنصت تثيره المكالمات الخاصة، خصوصاً مكالمات أمه مع صديقتها. وينتهي به المطاف بعد تقاعده إلى طلب نسخة من مكالمات أمه وصديقتها متحججاً بالمحافظة على خصوصيتها. ولكن طلبه يُقابل بالرفض.

وتلعب الكاميرا، آلة التلصص والرصد والمراقبة، دور الشخصية المركزية والمبئرة في قصة «سوء المنقلب»، وهي تشهد آخر اللحظات في حياتها العملية في آخر موقع مراقبة مثبتة فيه. تسترجع الأحداث التي شهدتها واسترقت السمع إليها، والأماكن التي تنقلت بينها «خلال سنوات عمرها» (66). تسهم «سوء المنقلب» مع قصتَي «الغربان» و«الغابة» في خلق الملمح المضاد للمحاكاة وغير الطبيعي في المجموعة، عبر منح المؤلف صفات بشرية «anthropomorphization» للجماد والطير والحيوان. فالكاميرا في القصة تفكر وتتذكر وتشعر بالتعب بعد أن بدأت الشيخوخة تدب فيها. لقد اختار المؤلف لحظة حاسمة لتسرد الكاميرا ذكرياتها، قبل أن ينتزعها فني الصيانة ويرميها في حاوية كرتونية للأشياء التالفة، ويستبدل بها كاميرا جديدة.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.