حنين الصايغ: لم أكتب دفاعاً عن طائفة إنما عن بشر لهم حيواتهم

صاحبة «ميثاق النساء» تقول لـ«الشرق الأوسط» إن النسوية أصبحت كلمة مشوّهة

 الكاتبة والشاعرة اللبنانية حنين الصايغ
الكاتبة والشاعرة اللبنانية حنين الصايغ
TT

حنين الصايغ: لم أكتب دفاعاً عن طائفة إنما عن بشر لهم حيواتهم

 الكاتبة والشاعرة اللبنانية حنين الصايغ
الكاتبة والشاعرة اللبنانية حنين الصايغ

استطاعت الكاتبة والشاعرة اللبنانية حنين الصايغ أن تحقق حضوراً لافتاً في المشهد الأدبي من خلال روايتها الأولى «ميثاق النساء» (دار الآداب)، التي أثارت تفاعلاً واسعاً بين القرّاء والنقّاد، وبلغت مراحل متقدّمة بوصولها إلى القائمة القصيرة لجائزة «البوكر» العالمية للرواية العربية. في «ميثاق النساء»، تمنح الصايغ أولوية لصوت النساء، وترى أنه يتجاوز الإطار الضيق للعالم الدرزي الذي تدور فيه أحداث الرواية، ليعبّر عن هواجس إنسانية أبعد وأكثر تشعباً. هنا حوار معها... حول الرواية وهموم الكتابة.

> كتابة رواية عن جماعة مغلقة كالطائفة الدرزية يفرض تحديات خاصة، ماذا تعني لكِ الكتابة عنها؟ وهل شعرتِ أنك تكتبين «ميثاق النساء» من منطقة «أدب الأقلية»؟

- حين بدأت كتابة «ميثاق النساء»، لم أكن أفكر من أي منطقة أكتب، ولا لأي فئة سأوجّه الرواية. لم أضع جمهوراً بعينه في ذهني، ولم تكن هناك نية واعية للحديث عن جماعة أو طائفة. كل ما كان يحركني في البداية هو مجموعة من الأسئلة تؤرقني، عن المرأة، عن الذاكرة، عن التديّن والسلطة والخوف. ومع تقدّم السرد وجدتني أكتب عن المجتمع الذي أعرفه، لا كموضوع جاهز بل كنسيج حيّ من التفاصيل: عاداته، توجسه من الآخر، صراعاته الخفية، وأساطيره التي تشكل وعي أفراده من حيث لا يدرون.

لم يكن في نيتي أن أكتب «أدب أقلية»، لكن بعد صدور الرواية، بدأ بعض القراء والنقّاد يضعون العمل ضمن هذا التصنيف، أو يرونه في خانة «الأدب النسوي». لا أعترض على هذه الأسماء، ولكنني أرى أن مثل هذه التصنيفات باتت قاصرة عن الإحاطة بتجارب الكتابة الصادقة. ما كتبته لم يكن دفاعاً عن طائفة ولا هجوماً عليها، بل غوص في التجربة الإنسانية بكل هشاشتها وتعقيدها، بعيداً عن الحدود التي تضعها الهويات الصلبة.

وعندما تُرجمت الرواية إلى الألمانية، لفتني أن أغلب القراء الألمان لم يلتفتوا إلى الاختلاف الثقافي، بل تعاطوا مع الشخصيات من مدخلها النفسي والإنساني. شعروا بالقرب منها، رغم المسافات الجغرافية والدينية. وهذا، بالنسبة لي هو المعنى الأعمق للكتابة: أن نعبر من ضيق الخصوصية إلى اتساع الإنسانية.

> في عالمنا العربي، كثيراً ما تُقابل الكتابة النسوية بشيء من الحذر وربما الرفض. من واقع تجربتك في «ميثاق النساء» هل كان هناك تخوّف من التلقي؟

- ما ساعدني على كتابة «ميثاق النساء» بهذه الصراحة والشفافية هو أنني كتبت دون أن أفكر في أحد. لم يكن القارئ حاضراً في ذهني، ولا الناشر، ولا الرقيب. كنت أكتب فقط لأنني أشعر بأن لديّ شيئاً لا يحتمل التأجيل. ربما لهذا السبب لمس كثير من القراء صدق السرد، لأن النص لم يكن مقيّداً بالخوف من الأحكام، ولا مزيناً لإرضاء ذائقة بعينها. لم أكتب الرواية بدافع تبنّي خطاب نسوي محدد، وفي الوقت نفسه لا أحتاج أن أنفي عن نفسي «تهمة» النسوية. لكن المشكلة اليوم أن كلمة «نسوية» أصبحت مشوّهة ومثقلة بالإسقاطات.

هناك من يتحدث عن النسوية المتطرفة التي تشهر العداء للرجل، وهناك من يطالب بأن تكون لطيفة، وهناك من لا يعارضها ما دامت لا تطالب بتغيير فعلي. وبين هذه التصنيفات، تضيع الفكرة الأساسية: إن النسوية، ببساطة تعني أن يكون للمرأة الحق في أن تختار، أن تقرر، أن تُعامل ككائن كامل، ليس تابعاً ولا ناقصاً.

وعودة لسؤالك، لم أخف من التلقي، لأنني كنت صادقة مع نفسي، ولم أكتب شيئاً لا أومن به. والانتشار الواسع للرواية، خاصة بين النساء من خلفيات وثقافات مختلفة، أكّد لي أن ما كُتب كان ينتظر أن يُقال، بلا مواربة، وبلا تجميل للوجع الذي تعيشه كثير من النساء في عالمنا العربي.

> كيف يتقاطع مفهوم «الميثاق» مع الحكاية النسائية في الرواية بمنظورها الأوسع عن كتاب طائفة الموحدين؟

- «ميثاق النساء» ليس مجرد عنوان، بل مفتاحٌ لعالمٍ هشٍّ ومُحاطٍ بالمحرّمات، وعنواني، إذ يستعير عبارته من عنوان إحدى رسائل كتاب الحكمة المقدّس في الطائفة الدرزية، بدا لبعضهم وكأنه إعلان صريح للدخول في منطقة محرمة على الغرباء، بل حتى على أبناء الطائفة أحياناً. لكن هذا القلق لم يكن باعثاً على التراجع، بل كان جزءاً من الشجاعة التي استدعتها الكتابة نفسها.

فالميثاق الديني، كما ورد في المتن المقدّس، كُتب بقلم رجل، يُقدّم فيه تعاليم وإرشادات مُوجهة للنساء، ويضبط من خلاله علاقاتهن بالرجال، بل حتى بأنفسهن. أما «الميثاق» الذي تنسجه الرواية فليس قانوناً ولا وصيّة. إنه أقرب إلى وشوشة بين النساء، شهادة حية تُكتب بين السطور، وتُسرّ من امرأة إلى أخرى، لا لتُطاع، بل لتُفهم. هو ميثاق غير مكتوب، غير مُعلن، لكنه أقوى من النصوص الجاهزة، لأنه ينبع من الحياة، من الهزائم المتكررة، من لحظات الخذلان والانتصارات الصغيرة التي لا تُروى في المجالس العامة. ذلك هو الميثاق الحقيقي، لا تعاليم تُلقى من علٍ، بل عناق خفيّ بين المجروحات، ورغبة خافتة في النجاة دون ضجيج.

> تبدو هناك صورتان واضحتان للمجتمع الدرزي: صورة يرسمها أفراده عن أنفسهم من الداخل، وأخرى يراهم بها الآخرون من الخارج. هل الكتابة من داخله كانت محاولة لكسر الصور النمطية المحيطة به؟

- لكل أقلية صورتان: واحدة تصنعها لنفسها في الداخل، مليئة بالفخر والقلق والحذر، وأخرى تُسقِطها عليها عيون الخارج، غالباً بعين الريبة أو الشيطنة. وقد لاحظت، كما لاحظ غيري، أن المجتمع الدرزي كثيراً ما يُختزل من الخارج، في صورة «مجتمع باطني مغلق»، وكأن الغموض قدر لا فكاك منه. في حين تميل بعض الخطابات الأخرى إلى تصويره نموذجاً نقياً ومثالياً، أشبه بكائن مهدّد بالانقراض، يُغدق عليه المراقبون كلمات الإعجاب الفولكلوري. أما أنا، فلم أرد أن أُساهم في تغذية أيٍّ من هاتين الصورتين. لم أكتب لأقدّم دروزاً استثنائيين، ولا لأُفكك طائفة مغلقة. كتبت عن بشرٍ لهم حيواتهم المعقدة، لم أرد فتح النوافذ عليهم، بل فتحت النوافذ معهم، من الداخل. ولذلك كانت سعادتي كبيرة حين بدأت تصل إليّ رسائل من قراء لا ينتمون للمجتمع الدرزي، رجالًا ونساءً، قالوا لي إنهم وجدوا أنفسهم في شخصيات الرواية. وهذا، برأيي، جوهر الأدب الحقيقي: أن يُذيب المسافات، أن يحرّر الإنسان من علب التصنيف والانتماء.

> تشغل فلسفة تناسخ الأرواح موقعاً جوهرياً في العقيدة الدرزية، كيف فكرتِ في توظيفها داخل النص، وربما علاقتها بتحوّلات النساء عبر الأجيال؟

- فلسفة تناسخ الأرواح، كما تحضر في العقيدة الدرزية، تُغري الكثيرين بجرّها نحو عجائب السرد أو كوميديا العبث. لكنني، حين اقتربت منها، لم أقترب بروحٍ ساخرة ولا بعين واقعية سحرية، بل بقلبٍ مثقل بالتعاطف. كنت أفكّر في الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن فجأة، في عمر الورد، ووجدن في هذه الفلسفة عزاءً يقيهن الجنون. من جهة أخرى، شغلتني في هذه العقيدة تلك الومضة الفلسفية المتعلقة بالعدالة الكونية: أن يعود الإنسان بعد الموت ليُجرب الحياة مجدداً، من موقعٍ مختلف، في جسدٍ آخر، وبين مصائر جديدة. أحببت أن أرى في التناسخ تعويضاً عن الخسارة والخذلان، استدراكاً لما لم يكتمل؟ لكن الرواية لا تتبنى موقفاً واضحاً من هذه الفكرة. فهي لا تروّج لها ولا تدحضها، بل تفتح لها المجال كي تُختبر داخل النفس البشرية المتقلبة. إحدى الشخصيات تُدافع عن التناسخ بحرقة، كمن ضاقت به سُبل الحياة ويبحث عن معنى آخر، عن فرصة أخرى. في حين ترى شخصية أخرى أن التناسخ مجرد وهم، يولد من عجز الإنسان عن تقبّل الفقد، ومن حاجته المستميتة لتسكين ألمه بقصةٍ مريحة للقلب حتى لو رفضها العقل.

> يحضر الشعور بالذنب كظل ثقيل في الرواية، وقد بدأتِها بإهداء لابنتك يتراوح بين «اعذريني وسامحيني» بما يحمل صدى واضحاً من هذا الشعور، هل الكتابة كانت وسيلة لتحريرك من هذا العبء؟

- الشعور بالذنب ليس شعوراً فردياً أو عابراً، بل يكاد يكون ميراثاً تتناقله النساء، جيلاً بعد جيل، بين الخوف من التقصير، والرغبة في نيل رضا الآخرين. من هنا كان الإهداء لابنتي، بين «اعذريني» و«سامحيني»، لا بوصفه تبريراً، بل هو سؤال مفتوح، تركته لها وربما لكل امرأة أخرى، تبحث عن معنى التوازن في معادلة لا عدل فيها. ثنائية الأمومة والشعور بالذنب تأخذ حيزاً كبيراً في الرواية، لا لأنها حاضرة فقط في بيئتنا الشرقية، بل لأنها ظاهرة عالمية كما اكتشفت من خلال حواراتي مع نساء من ثقافات وخلفيات متعددة تُصوَّر الأم في المخيال الجمعي ككائن لا يُخطئ، لا يتعب، لا يشكو، لا يتراجع. وهذا التصوير، وبسبب مثاليته المنافية للواقع، يجعل من كل لحظة ضعف أو تقصير جرحاً في ضمير المرأة. في «ميثاق النساء»، حاولت أن أقدّم الأمومة كما هي: تجربة إنسانية تحتمل الصواب والخطأ، العطاء والتقصير، الحضور والغياب. والكتابة لم تكن وسيلة للهروب من الشعور بالذنب، بل كانت طريقاً لمواجهته.

> كون «ميثاق النساء» الرواية الأولى لك، وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، هل يشكّل هذا الأمر نوعاً من الضغط عليكِ؟ أم ترينه دفعة نحو مزيد من الثقة في مشروعك الأدبي؟

- لحسن الحظ، أنهيت روايتي الثانية قبل أن تُعلَن القوائم الطويلة والقصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية. وكأنني أغلقت الباب على نفسي بهدوء، لأكتب دون أن يتسلل إليّ صدى التوقعات أو ثقل المنافسة. لكن لا أنكر أن وصول «ميثاق النساء» إلى القائمة القصيرة منحني دفعة مضاعفة: من جهةٍ فتح أمام الرواية أبواباً كانت مغلقة، وقرّبها إلى قرّاء لم أكن أحلم أن أصل إليهم بهذه السرعة، ومن جهة أخرى، جعلني أعي أن خطواتي التالية ستكون أكثر مراقبة، وأكثر انتظاراً للحُكم. لكنني أُذكّر نفسي دائماً بأن الجوائز ليست الغاية، بل إحدى الثمار التي قد تتدلى من شجرة إذا كانت جذورها عميقة بما يكفي. الكتابة، كما أفهمها، ليست سباقاً نحو التتويج، بل رحلة لاكتشاف صوتي الداخلي، ذلك الصوت الذي لا يشبه أحداً، والذي لن يصدقني الناس فيه ما لم أصدّقه أنا أولاً. أتمنى أن أحتفظ بالبراءة الأولى، بتلك التلقائية التي كتبت بها روايتي الأولى والثانية، أن أظل أكتب لنفسي أولاً، ثم لهؤلاء الذين يجدون في كلماتي مرآةً لما لم يستطيعوا التعبير عنه. المشروع الأدبي، كما أراه، لا يُبنى على خوارزميات الجوائز ولا على استرضاء الذائقة السائدة، بل يبدأ حين يجد الكاتب صوته، وحين يؤمن بأن هذا الصوت، مهما كان خافتاً يستحق أن يُنصت إليه. وحين تأتي الجائزة، إن أتت، فلتكن صدىً طبيعياً لهذا الصدق، لا غايةً تُشوّه المسار.


مقالات ذات صلة

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

ثقافة وفنون معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

أن يُقحِمَ المرءُ الشعر في قلب المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها الإنسان مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية، فذلك عمل لا ينهض به سوى بشر قدّوا من قماشة خاصة:

ندى حطيط
ثقافة وفنون الفنان في مرسمه

هورفن أندرسون ينقب بالفرشاة في الذاكرة الكاريبية

ليست فكرة مثيرة أن يستمر فنان في رسم صالون حلاقة باعتباره مصدر إلهام جمالي على مدار خمسة عشر عاماً.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون سحر الحب الأول في رواية ألمانية

سحر الحب الأول في رواية ألمانية

تقوم الفكرة الرئيسية في رواية «الأرض الصلبة» للكاتب الألماني بينيدكيت ويلز، ترجمة زهراء باحكيم، على قوة الحب الأول وما يكتنفه من سحر ودهشة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «علوم السرديات» و«الأقلمة الشعرية» لنادية هناوي

«علوم السرديات» و«الأقلمة الشعرية» لنادية هناوي

تذهب الباحثة والناقدة نادية هناوي إلى أن علوم السرديات ما بعد الكلاسيكية المستحدثة فيما قبل وخلال العقدين المنصرمين من الألفية الحالية كثيرة ومتشعبة

«الشرق الأوسط» (بغداد)
كتب بول أوستر و سيري هوستفدت

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

«أنا حيّة... زوجي بول أوستر ميّت» بهذه الجملة الصارمة، تفتح سيري هوستفدت مذكراتها «حكايات شبح»، الصادرة عن دار نشر «غاليمار» 2026.

أنيسة مخالدي (باريس)

الصيف الحارق... كيف انعكس في نصوص كتاب فرنسيين؟

ألبيير كامو
ألبيير كامو
TT

الصيف الحارق... كيف انعكس في نصوص كتاب فرنسيين؟

ألبيير كامو
ألبيير كامو

في هذا الصيف، تتصاعد درجات الحرارة في عواصم القارة العجوز إلى مستويات كانت حتى وقت قريب تُعدّ استثناءً، فتنبثق من ثنايا الذاكرة تلك النصوص الأدبية الكبرى التي سبقت العلماء إلى تشخيص ما يجري، وسبقت المتنبئين الجويين إلى إدراك حقيقة ساطعة: الحرارة، حين تبلغ حدّ الجحيم، لا تُغيّر المناخ وحده، بل تُغيّر الإنسان من الداخل.

ومن أهمّ سرديات القيظ ما كتبته الروائية جورج صاند في الخامس عشر من سبتمبر (أيلول) عام 1870، في قرية «نوهان» الصغيرة وسط فرنسا. لم تكن صاند في رحلة، ولم تكن تكتب رواية، بل كانت تُدوّن ما تراه بعيون لا تكاد تُصدّق ما ترى. الكاتبة التي أدهشت أوروبا بإنتاجها الروائي الهائل وجرأتها الاجتماعية غير المسبوقة، وقفت أمام صيف لم تعرفه فرنسا من قبل، فكتبت في «يوميات مسافر في زمن الحرب» هذه المقاطع التي نشرتها مجلة «رفيو دو دو موند»: «صيف لم أره قط، ولم أكن أظنّه ممكناً في مناخنا المعتدل: أيام كان فيها الزئبق في الظل يرتفع إلى خمس وأربعين درجة، لا بقعة عشب، لا زهرة واحدة في مطلع يوليو (تموز)، الأشجار تصفرّ وتسقط أوراقها، والأرض المتشققة تنفتح كأنها تريد أن تبتلعنا، والفزع من نقص الماء يتعاظم يوماً بعد يوم...».

وما يجعل هذا المقطع أكثر من مجرد شهادة مناخية هو ما يليه في يومياتها: «الحديث عن عطش الفلاحين الذين لا يجدون ما يسقون به مواشيهم، عن الأوبئة التي تنتشر في المناطق الريفية، عن الحرائق التي تلتهم ما أبقت عليه الشمس».

فصاند لا تصف مشهداً طبيعياً، بل تُؤرّخ لانهيار نظام كامل: نظام الحياة الريفية الفرنسية حين تتخلى عنها السماء. وقد وصفت ذلك كله بعبارة أشدّ قسوةً من أي تقرير علمي، فهو في نظرها «مظهر من مشاهد نهاية العالم».

ولأن هذا الوصف صدر من قلم جورج صاند، ولأن فرنسا كانت تخوض في الوقت ذاته حرباً مهلكة ضد بروسيا، فإن الطبيعة والتاريخ يتشابكان في يومياتها تشابكاً يجعل القيظ يبدو عقاباً كونياً لا ظاهرة عارضة.

وبعد صاند بسبعة وسبعين عاماً، فتح ألبير كامو نافذة أخرى على الحرارة، لكنها نافذة تطلّ هذه المرة على البحر الأبيض المتوسط. ففي روايته «الغريب» الصادرة عام 1942، يرتكب مورسو جريمته على شاطئ جزائري تحت وطأة شمس لا تعرف الرحمة، وما يجعل هذا المشهد علامةً في تاريخ الرواية الحديثة هو أن الشمس ليست فيه خلفيةً موصوفة بل فاعل درامي بامتياز: فهي التي تدفع الحدث نحو ذروته، وهي التي يُحاسَب عليها البطل أمام القضاء. حيث يكتب كامو ما يلي: «بدا لي الرمل المحموم أحمر قانياً، وكنا نتقدم بخطى متساوية نحو العرب، وكانت المسافة الفاصلة بيننا تتقلّص باطراد..» في هذا المقطع الموجز يختزل كامو فلسفةً بأكملها.

فيكتور جيستان

فالشمس ليست رمزاً يُقرأ من خارج النص، بل حضور شبه جسدي، كائن ذو إرادة، وهذا ما يجعل مورسو ضحيةً قبل أن يكون جانياً. وحين تسأله المحكمة لماذا أطلق النار؟ يُجيب في لحظة صدق: «بسبب الشمس». والجواب طبعاً هراءٌ في منطق القانون، لكنه يحمل عمق الحقيقة في فلسفة كامو: العالم لا يُفسَّر، والحرارة لا تُحاكَم. وفي مجموعته التأملية «أعراس» التي أصدرها عام 1936، يمنحنا كامو الوجه الآخر لهذه الشمس ذاتها: «الشمس الجزائرية التي تبسط الإنسان على الأرض وتجعله يشعر بأنه جزء من شيء أكبر منه، حرارة تصالح لا حرارة تقتل». وبين الكتابين يقيم كامو على حدّ السكين: فالشمس يمكن أن تكون نعمة ويمكن أن تكون لعنة، وما الذي يُقرّر أيّهما هي؟ الإنسان نفسه، في لحظة اختياره الكبرى.

أما لويس فرديناند سيلين، فقد اختار للحرارة وجهاً لا مراوغة فيه ولا شاعرية. ففي ملحمته الروائية «السفر إلى آخر الليل» الصادرة عام 1932، تسكن الحرارة النص منذ أولى صفحاته: باريس تخلو من بشرها في يوم صيفي «بسبب الحرارة»، وفي هذه الجملة العابرة يُقيم سيلين برنامجه السردي بأكمله.

فالحرارة عنده ليست موضوعاً يُعالَج، بل بيئة تُصنع داخلها الكوارث. وحين يصف بطله فيردينان بارداموا تجربته في أفريقيا الاستعمارية، يصنّف الحرارة المدارية بين أعداء الحياة الكبار، بكلمات قاطعة وجافَّة تُعدّد العذابات دون أن تطلب تعاطفاً. وفي «موت بالتقسيط» الصادر عام 1936، يذهب سيلين خطوةً أبعد نحو رؤية الجسد البشري كمادة قابلة للاحتراق.

جورج صاند

فالحرارة عنده لا تُؤرَّخ ولا تُحلَّل فلسفياً، بل تُعاش على مستوى الأحشاء، وتُترجَم في لغة خشنة لاهثة تبدو في ذاتها منسوجةً تحت شمس لا تعرف الرأفة. وما يُميّز سيلين عن صاند وكامو هو أنه يُجرّد الحرارة من أي بُعد شاعري: فعنده هي سجنٌ إضافي يُضاف إلى سجون الفقر والحرب والمرض، تلك السجون التي يتحمّلها صغار الناس دون أن يُسمع لهم صراخ.

وفي المشهد الأدبي الفرنسي المعاصر، يأتي فيكتور جيستان ليُثبت أن هذا التقليد لم يختفِ، بل تجدّد وتعمّق. ففي روايته «الحرارة» الصادرة عام 2019 عن دار نشر «فلاماريون»، والتي لاقت استحسان النقاد ورُشّحت لعدة جوائز، يضع بطله الشاب «ليونار» في مخيم صيفي شاطئي يعجّ بالأجساد والضجيج. هناك يكتشف جسداً ميتاً ويُقرّر، في لحظة ذعر صامت إخفاء ما رأى.

والحرارة في هذه الرواية ليست ديكوراً بل طاقة خام تُذيب الحدود بين المسموح والمحظور، بين ما نفعله وما نُقرّ بفعله. إذ قال جيستان، في أحد حواراته، إن غايته كانت «جعل الاختناق الأخلاقي يمرّ عبر الجسد»، بحيث تفضح الحرارة ما يعجز الوعي عن تسميته.

وهنا تلتقي روايته مع السلسلة الأدبية الكاملة التي سبقته: فمن يوميات صاند إلى رواية كامو إلى ملحمة سيلين، يوجد وعيٌ مشترك عميق بأن الصيف المحترق ليس فصلاً في التقويم بل اختبارا وجودي؛ مساحة تسقط فيها الحواجز المصطنعة، وينكشف فيها الإنسان على حقيقته، مشرِّفة كانت أم مُخزية.

ولعلّ ما يجعل هذه النصوص مجتمعةً أكثر من مجرد أعمال تجمعها صدفة موضوع، هو أنها تُقدّم، كلٌّ في طريقتها، إجابةً عن سؤال يطرحه اليوم المناخيون والفلاسفة والمواطنون العاديون على حدٍّ سواء: ما الذي يفعله القيظ بالروح البشرية؟

وصفت جورج صاند القيظ الذي طال فرنسا عام 1870 بأنه «نهاية العالم»، وجعل كامو الشمس شاهدةً على جريمة


معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية
TT

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

أن يُقحِمَ المرءُ الشعر في قلب المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها الإنسان مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية، فذلك عمل لا ينهض به سوى بشر قدّوا من قماشة خاصة: شعراء يصغون إلى ارتعاشات اللغة، مدجّجين بأدوات النقد الأدبي، أو نقاد تعايشوا مع الشعر تطبيقياً ونظرياً. عند هذي التخوم، يقف فاضل السلطاني، في كتابه «الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة عند تجارب أربعة شعراء معاصرين - دار التكوين عام 2025»، مستنداً إلى كونه شاعراً وناقداً، ليتولى، مُجلياً، ذلك الربط الصعيب.

في صفحات الكتاب تغدو القصيدة أبعد بكثير من بناء لغوي أو ممارسة جمالية، فكأنها أداة معرفة، ونهج في مجابهة العالم، ووليمة فكرية.

يقرأ السلطاني ديريك والكوت (1930 - 2017) - شاعر ومسرحي من سانت لوسيا/ الكاريبي، حائز «نوبل» في الأدب لعام 1992، وبيرناردين إيفارستو (مواليد 1959) - كاتبة وأكاديمية بريطانية من أصل نيجيري تُوجِّت بجائزة بوكر الدولية لعام 2019 -، ولي هاروود (1939 - 2015) - شاعر بريطاني بارز -، وفرانك أوهارا (1926 - 1966) - شاعر وناقد فني أميركي من أبرز أقطاب «مدرسة نيويورك» - بوصفهم شعراء يقفون عند مفارق حضارية متوترة: استعمار ترك أثره في اللغة والاسم والأجساد، وحداثة زعزعت المكان والزمان، وما بعد حداثة دفعت اليومي الصغير إلى واجهة المعنى.

قيمة المقالات الثلاث التي يضمها الكتاب متأتية من قدرتها على تحويل الشعر إلى مختبر فلسفي بكل ما في الكلمة من معنى. فالسلطاني يتعامل مع النصوص الشعرية بوصفها وقائع فكرية حية، تكشف عن اشتباك الذات الهشّة مع قوى هائلة: الإمبراطورية، والذاكرة، والمدينة، والفضاء، والجسد، والأشياء. ولذلك تأتي قراءته أقرب إلى إقامة طويلة داخل القصيدة، متنقلاً بين النظرية والتأويل، وبين باشلار ولوفيفر ودورين ماسي، وبين ما بعد الاستعمار وجماليات المكان، وبين تحولات اللغة وأسئلة الذات. هذا الاشتغال يمنح الكتاب إيقاعاً معرفياً خاصاً يساءل الشعر من داخله، وفي الوقت نفسه يفتحه مشرعاً على حقول التاريخ، والفلسفة، والاجتماع، والجماليات.

في الفصل الأول، يقارب السلطاني ملحمة «أوميروس» لوالكوت ورواية «لارا» الشعرية لإيفارستو من زاوية الهوية الهجينة التي تتخلق في صدام الأعراق والتواريخ واللغات. عند إيفارستو، تتحرَّك الذات داخل ذاكرة عائلية ممتدة، تبحث عن جذورها بين بريطانيا ونيجيريا وأوروبا والبرازيل، وتعيد بناء نفسها عبر الإنصات إلى سلسلة الأسلاف. الهوية لديها عمل ترميمي، وشخصي، وحميم، ينطلق من الجرح الأسري كي يبلغ معنى اجتماعياً أوسع، فالذات الهجينة تئن تحت حاجتها إلى أن ترى نفسها في مرآة ماضيها، وأن تمنح تشتتها شكلاً قابلاً للسرد.

أما والكوت فيذهب أبعد في معركته ليقف أمام الفكرة الأوروبية عن التاريخ، ويعيد مساءلتها من موقع كاريبي تشكّل من الرّكام، والاقتلاع، والعبودية، والهجرات، وتداخل الأعراق. شخصياته تتحرَّك بين الجزر وأفريقيا وأوروبا وأميركا، وتبحث عن اسم ضائع، وجذور مقطوعة، ومعنى يمنح الوجود شرعية روحية. في قراءة السلطاني، تصبح الذاكرة عند والكوت مجالاً لإعادة بناء ما هشمه التاريخ، ووسيلة لاسترداد الذات من قبضة السرديّة الاستعمارية. العبارة المكثفة التي يلتقطها الكتاب، حين يصير أخيل «ذاكرته»، تزيح النقاب عن جوهر هذه الرؤية للإنسان ليس بوصفه كتلة بيولوجية تمشي في الحاضر، بل بوصفه تاريخاً مستعاداً، واسماً مسترداً، وجرحاً عميقاً ينقلب وعياً.

تتقاطع مقالات الكتاب على رؤية الهوية كمادة جدلية وعملية مستمرة. فهي عند هؤلاء الشعراء معبر، ومواجهة، وتفاعل دائم بين الذاكرة والحاضر، وبين الأصل والتحول، وبين الذات كما تراها نفسها والذات كما صاغها الآخر، فلا تظهر كجوهر صاف مغلق، وإنما كطاقة تشكّل دائمة، تولد من الاختلاط، وتتغذى على التوتر، وتكبر في الاشتباك. وتلك واحدة من أهم نقاط قوة قراءة السلطاني الذي يبتعد عن الرثاء السهل لفكرة الجذر المفقود، ويتجه إلى فهم الجذر بوصفه حركة، وبحثاً، ووعياً يكتسب نضجه من قدرته على حمل التناقض.

في الفصل الثاني، ينتقل الكتاب إلى تجربة هاروود عبر ثنائية «المكان والفضاء»، الذي يقرأه الكاتب بوصفه شاعراً تتحرك قصيدته بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والدّاخل والخارج. المكان في بدايات هذا الشاعر الذي ارتبط بحركة إحياء الشعر البريطاني وتأثر بمدرسة نيويورك يبدو حسياً، ملموساً، مشبعاً بالأشياء والمشاهد، ثم يتطور تدريجياً إلى فضاء ذهني، حيث تصبح القصيدة ميداناً لتجربة أكثر تعقيداً: عن كيف يسكن الإنسان العالم، وكيف يتحوَّل البيت إلى ذاكرة، وكيف ينتج المجتمع فضاءه، وكيف تكشف المدينة الحديثة عن اغترابها حين تهدم معالمها وتعيد تشكيل الناس وفق منطق القوة والرأسمال.

استدعاء السلطاني لباشلار ولوفيفر وماسي يمنح هذا الفصل عمقاً استثنائياً. فالمكان عند باشلار مأوى للخيال والذاكرة، والفضاء عند لوفيفر نتاج اجتماعي وسياسي، وعند ماسي مجال مفتوح لتزامن القصص وتعددها. عبر هذه الإضاءات، لا تعود قصيدة هاروود وصفاً لمنظر أو انتقالاً بين مدن بقدر ما هي اختبار لعلاقة الإنسان بما حوله. فحين يستقر الشاعر في الريف بعد تقلب عبر المنافي القلقة، يصبح المكان مصالحة داخلية، فتتراجع أشباح الغربة، وتتبلسم جروح الترحال، وتتدفق رغبة عميقة في أن يكون الإنسان هناك، في جسد واحد، وعينين في علاقة توحد مع التراب والضوء والحقول. عند هذه اللحظة، يقترب الشعر من درجة الحكمة الهادئة: الوجود يحتاج إلى مكان يصدّقه، والمكان يحتاج إلى لغة تجعله مأهولاً بالمعنى.

أما الفصل الثالث، المخصص لأوهارا، فيمثل ذروة أخرى في الكتاب تنقل التأمل من قضايا الهوية والمكان إلى جماليات اليومي والأشياء الصغيرة. السلطاني يقرأ الشاعر الأميركي خارج التصنيف المريح والمباشر الذي يحصره في مدرسة نيويورك، ويمنحه خصوصيته بوصفه مبدعاً اقترف جريمة جعل الحياة اليومية مادة شعرية كاملة. فنجان القهوة، والشوارع، والشطائر، وأضواء النيون، ووجبة الغداء، والوجوه العابرة، والجريدة اليومية، والأشياء التي تبدو عادية جداً، كلها تدخل عند أوهارا في نسيج القصيدة بوصفها إشارات إلى امتلاء العالم. إنّه يتجرأ على أن يهبط بالشعر إلى الشارع كي يرفعه من جديد إلى مستوى الوجود، وفي ذلك لا يقوم بتجميل العادي، وإنما يستدعي طاقته الداخلية. الأشياء في شعره لا تحتاج إلى نبل خارجي كي تصير مادّة شعريّة، إذ حضورها الفيزيائي نفسه يحمل دلالة، وصلابتها اليومية تمنحها قدرة على مقاومة الفراغ. وهكذا تتأسس «جماليات الأشياء الصغيرة» التي يحتفي بها السلطاني: الشعر قادر على أن يمكن القارئ من رؤية ما اعتاد الآخرون تجاوزه، وأن يعيد إلى العين دهشتها الأولى. في هذه الرؤية، يصبح اليومي ميداناً فلسفياً، والتفاصيل العابرة علامات على وحدة الحياة والموت، والسرعة وهدوء التأمل، والمدينة والفرد، والعادي والرفيع السامي.

اللافت في الكتاب أنَّ السلطاني يتعامل مع الشعراء الأربعة بتجاربهم المتباعدة كأسماء متجاورة ومسارات متداخلة في سؤال واحد: كيف يستطيع الشعر أن يقارع العالم ويفهمه؟ والكوت وإيفارستو يبارزان التاريخ من جانب الذاكرة والهوية، وهاروود يشتبك مع الاغتراب على جبهة المكان والفضاء، بينما أوهارا يحارب البلادة الحديثة من بوابة الأشياء الصغيرة وإيقاع الحياة اليومية. وفي كل حالة، تتحوَّل القصيدة إلى وسيلة مقاومة معرفية تعيد تنظيم الحساسية الإنسانية تجاه تجربة العيش برمتها.

تقرأ الكتاب فتحضر في الذهن فكرة الشعر كوليمة تنعش القلب: تجربة مشاركة، وتذوق، وإصغاء، وانفتاح على طبقات متعددة من المعنى. كتاب يقدِّم الشعر بهذه الروح، كمائدة تغص بما لذّ وطاب من عناقيد التاريخ والفلسفة والذاكرة والجمال، لا شكّ يغري بالتورط في علاقة أكثر عمقاً مع الأدب. فالقصيدة الجيدة، كما توحي النصوص الثلاثة، تمنح قارءها زاداً فكرياً وروحياً في آن، لأنها تعطي الألم شكلاً، والضياع اتجاهاً، والتفاصيل العابرة مقاماً في الوعي.

تتمظهر قوة المراجعة النقدية لدى السلطاني في ميلها إلى التوازن. فهو يشتبك مع الحداثة وما بعدها والإرث الكولونيالي ونظريات المكان واللغة، من موقع يقظ يبتعد عن الانفعال الآيديولوجي الجاهز، فلا يختزل الشعر في السياسة أو يفصله عن التاريخ، ويضعه، في المقابل، قيد منطقة أكثر خصوبة، يكون الفعل الجمالي فيها ممراً لإدراك العالم. وهذا ما يجعل الكتاب جديراً بالقراءة، إذ يعبر بالشعراء وعملهم من صرامة التحليل النقدي الأكاديميّ إلى فضاء تصبح فيه القصيدة تجربة إنسانية كاملة، تواجه الكسر، وتستعيد المعنى، وتؤسس للإنسان قدرة أوسع على تجرّع غموض المصير، وقلق الوجود.

«الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة» قراءة عميقة في الشعر بوصفه فناً للنجاة المعرفية. فالهوية فيه ليست معطى نهائياً، والمكان ليس خلفية محايدة، واليومي ليس سطحاً فارغاً، وكل شيء يتحول داخل القصيدة إلى سؤال: الاسم، والبيت، والمدينة، والعبودية، والمنفى، وأضواء الطرقات، وعلبة القهوة، والبحر، والذاكرة. بهذا الاتساع، وبهذه الجرأة، يصبح الشعر ساحة لمواجهة العالم عبر فهمه، ووسيلة لإعادة بناء الذات وسط العنف التاريخي وتحولات الأزمنة.


هورفن أندرسون ينقب بالفرشاة في الذاكرة الكاريبية

الفنان في مرسمه
الفنان في مرسمه
TT

هورفن أندرسون ينقب بالفرشاة في الذاكرة الكاريبية

الفنان في مرسمه
الفنان في مرسمه

ليست فكرة مثيرة أن يستمر فنان في رسم صالون حلاقة باعتباره مصدر إلهام جمالي على مدار خمسة عشر عاماً. وليس متوقعاً أن تكون لوحات تلك المرحلة مدهشة وذات قيمة فنية عالية. لكن تجربة هورفن أندرسون الذي ولد عام 1965 في برمنغهام البريطانية في عائلة مهاجرة من جامايكا تبطل تلك الشكوك من خلال إزاحة ذلك المكان من موقعه الواقعي لتصنع منه عالماً يتجرد من غاياته العملية ويكون بمثابة مسرح يُعاد رسمه بنية استكشاف أنماط مختلفة من الرسم، يتنقل الرسام من خلالها بين التشخيص والتجريد مندفعاً بقوة في اتجاه رسم الموضوعات التقليدية كالطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية والبورتريه. منذ عام 2006 رسم هورفن أندرسون عشرات اللوحات التي صور من خلالها محل الحلاقة، بل إنه أقام معرضاً بعنوان «لوحات الصالون» متخذاً من ذلك المشهد العادي وسيلة للتنقيب في الذاكرة الكاريبية بحثاً عن عناصر الهوية التي تصلح أن تكون معياراً للانتماء الوطني.

انطلق أندرسون في تلك السلسلة من واقعة عاشها في طفولته ورافقته باعتبارها مؤشراً على الاختلاف في الهوية والانتماء. فلأن الحلاقين البيض في بريطانيا كانوا يترددون في قصّ شعر السود كان المهاجرون الكاريبيون في خمسينيات وستينيات القرن الماضي يقصّون شعر بعضهم بعضاً في المنازل. ذلك ما جعله ينظر إلى صالون الحلاقة المؤقت الذي كان والده يتردد عليه باعتباره الفضاء الذي يعيده إلى بيته الحقيقي الذي يقع في مكان بعيد. سيكون من الخطأ النظر إلى رسوم تلك المرحلة الأساسية في تجربة الرسام الذي رُشح عام 2017 لنيل جائزة تيرنر من جهة وصفية. فالجمالية القلقة وغير المستقرة تكشف عن نزعة الرسام في الانضمام إلى ذلك العالم باعتباره زبوناً ولكنه الزبون الذي يعتبر حضوره هناك علامة اختلافه. يعيده الصالون إلى البيت وهو بيت قد يكون متخيلاً غير أنه قد يكون موجوداً هناك، في جامايكا.

عالم وهمي يقيم على ضفتين

يضم المعرض الذي يقيمه تيت بريتان لهورفن أندرسون أكثر من 80 لوحة وهو أشبه بمعرض استعادي يغطي مسيرته الفنية بأكملها، من أيام دراسته وحتى لوحات جديدة لم تُعرض من قبل. في المعرض يكشف أندرسون عن انخراطه العميق في تقاليد الرسم البريطاني للمناظر الطبيعية. غير أن ذلك لا يتعارض مع استعادته لصور أفراد عائلته وتجارب من شبابه وأماكن ذات أهمية شخصية وثقافية مثل صالون الحلاقة. ومن خلال إعادة النظر في عناصر معينة وأحياناً دمج موقع مع آخر، يتناول أندرسون عدم موثوقية الذاكرة والتوتر المحيط بالتراث الثقافي.

بطريقة أو بأخرى يضفي نقاد الفن على رسوم أندرسون طابعاً تجريدياً. في عدد من لوحاته رسم صالون الحلاقة من غير زبائن فبدا كما لو أنه قد رسم حياة صامتة. المرايا فيها تستدعي عالماً وهمياً. وهو عالم غني بالألوان. بالنسبة للفنان يشكل ذلك العالم فضاء يصل الانتماء بالشتات. «لقد ولدت هنا كما لو أنني ولدت هناك» بين بريطانيا والكاريبي هناك مسافة جمال متشنج يحتمل في الوقت نفسه عدم التوافق. تلك مسافة يمكن التحقق منها تجريدياً. يرسم هورفن أندرسون بقوة انتمائه إلى مكانين. كل واحد منهما يلقنه لغة مختلفة. قد يبدو حكماً جاهزاً إذا ما قلنا إن الفنان الذي صارت أعماله منذ أكثر من عشر سنوات تُباع في المزادات بملايين الجنيهات الإسترلينية يوزع اهتمامه من خلال موضوعاته بين الانتماء والشتات. ذلك حكم سريع ومبتسر لا يخلص إلى روح التجربة الفنية.

صحيح أن أندرسون وُلد في بريطانيا وصحيح أن طريقته في الرسم متصلة بتقاليد الرسم البريطاني فهو في عدد من أعماله يقف قريباً من تجربة الفنان الراحل ديفيد هوكني على سبيل المثال غير أن الصحيح أيضاً هو أن فنه يطرح أسئلة وجودية متوترة لا تخص هوية المكان وحده، بل وأيضا هوية بشر، يفكرون بلغة ويحلمون بلغة أخرى. هوية لا يمنع الواقع بصلابته تمركز أطياف أسطورية فيها.

تلك الكرة هي قمر سقط من السماء

«عادةً ما تُركّز لوحاته على حالة مزاجية مُعينة أو وقت مُحدد من اليوم أو زاوية مُعينة أو منزل مُعين. ولكن يبقى دائماً حاضراً التفكير في مكان آخر». تقول الناقدة هايس مور. ذلك يعني أن طابعاً رمزياً يخترق لوحات أندرسون من الداخل كما لو أن هناك صوتاً يُسمع بلغة أخرى ليوسع من حدود التجربة البصرية. ما تراه بشكل مباشر ليس هو الحقيقة كلها. هناك حقائق غاطسة لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق التأمل المفعم بالأسئلة.

في لوحته «مراقبة الكرة» التي تعود لعام 1997 تقف مجموعة من الصبية على رقعة عشبية بجوار بحيرة. السماء زرقاء ضبابية والماء فيروزي زاهٍ. يتناقض اللون الأخضر أسفلهم وهم يديرون ظهورهم للمشاهد مع الحصى الداكن خلفهم مما يعزلهم فيما يشبه جزيرة استوائية خاصة بهم. ذلك مشهد سيعود أندرسون إليه في لوحات أخرى بعد أكثر من عشر سنين في محاولة منه لتحويل صورة فوتوغرافية التقطها عام 1983 في حديقة هاندسوورث المهملة في برمنغهام إلى رؤية مشحونة عاطفياً لمدينته الأم ومنطقة الكاريبي، موطن عائلته الأصلي. في واحدة من تلك اللوحات التي يعود تاريخ رسمها إلى سنة (2010) يسترجع الرسام المشهد نفسه غير أن أشجار الكاريبي تهيمن هذه المرة على الأفق وقد خفت بريقها المعتاد بفعل درجات اللون الرمادي. يقترح الرسام هنا معادلة صعبة غير أنها محتملة على المستوى النفسي. أن يرى المرء مكاناً فيما يذهب خياله إلى مكان آخر.

يعلق أندرسون على تلك التجربة «بسبب موقع الكرة في منتصف الصورة، وسط البركة بدا وكأن القمر قد سقط من السماء» لا يخرج الرسام في تصوره بعيداً عن مفهوم الصورة باعتبارها لعبة ذهنية. ما لا تراه العين المباشرة منها تقوم الذاكرة بتخزينه لكي يُعاد إنتاجه في أوقات لاحقة. ببساطة يمكن القول إن هورفين أندرسون يتنقل بخفة بين شواطئ الأطلسي والكاريبي. ذلك ما برع في فعله.

المعرض يغطي مسيرة أندرسون بأكملها من أيام دراسته حتى لوحات جديدة لم تُعرض من قبل

الحنين إلى مكان جرى تدميره

يقول هورفن أندرسون: «أحاول فهم عصرنا». الرسام الذي يُقدم اليوم باعتباره واحداً من أهم الرسامين البريطانيين يضع مفهوم العصر تحت مطرقة تأويل ملتبس. ففي تعليقه على لوحاته القديمة التي سعى من خلالها لتجسيد مهاراته في تجسيد قدرته على هضم عناصر التقليد الفني البريطاني قال: «كنت دائماً في الخارج» وهو ما يمكن فهمه على نحو مزدوج، أي خارج صالون الحلاقة الذي يضم رجالاً سود البشرة وخارج الذات التي ورثت الذكريات لا باعتبارها عقيدة اختلاف حسب، بل وأيضاً كونها تمثل مزاجاً يحلق بحساسية جمالية لا تحتويها تقاليد الرسم المتاحة.

يُعرف أندرسون في المقام الأول رسام مناظر طبيعية وغالباً ما يصوّر منطقة الكاريبي وبريطانيا كما لو أن إحداهما تكمل الأخرى وليس الشيء نفسه. جزء أساس من عالمه إنما يكمن في التلويح بضياعه. ذلك شعورٌ يُمكن أن يتفهمه المهاجرون من غير أن يربك سعيهم في اتجاه الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة. يصف أندرسون أعماله بأنها تدور حول «السفر». ولكنها تسمية مضللة تنطوي على إخفاء المعنى الحقيقي من أجل أن يكون ككل شيء مريحاً. ولكن الحقيقة لا تقف عند حدود الهجرة الجسدية بكل ما تحمله من أعباء نفسية ثقيلة، بل تتعداها إلى تاريخ العبودية الذي لم يكن أندرسون جزءاً من مخلفاته غير أن ملامح ذلك التاريخ بسبب عمق معانيه تنطبع بقوة على سلوك أفراد لم يكونوا من ضحاياه. تنفعنا رسوم هورفن أندرسون في فهم علاقة المهاجر بتراثه الثقافي الذي هو بالنسبة للرسام ليس مجموعة الرموز والعلامات التشكيلية ولا تقاليد الصناعات الشعبية، بل هو ذلك الإنسان المقتلع الذي يحن إلى مكان جرى تدميره.