«تشيللو» تلهم آل الشيخ فكرة مشروع «جائزة القلم الذهبي»

لقد مضت الأيام التي كان القص الشعبي فيها مهمشاً ومهملاً

تركي آل الشيخ
تركي آل الشيخ
TT

«تشيللو» تلهم آل الشيخ فكرة مشروع «جائزة القلم الذهبي»

تركي آل الشيخ
تركي آل الشيخ

شهد شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1994 حدثاً مهماً ذا صلة بالسيرة الإبداعية لكاتب الرعب والإثارة الأميركي الشهير ستيفن كِينغ. ففي الواحد والثلاثين من ذلك الشهر، حملت مجلة «ذا نيو يوركر»، إلى قرائها، ولأول مرة في تاريخها، قصة من قصصه القصيرة: «الرجل في البدلة السوداء». وقبل القصة سالفة الذكر، وفي الشهر نفسه، صدر آخر عدد من مجلة «أنتيياس - Antaeus»، محتوياً قصة أخرى لكينغ؛ قصة «ويلي الأعمى». «أنتيياس» مجلة أدبية فصلية، أسسها في مدينة طنجة دانيال هالبيرن وبول باولز. وتولى تحريرها هالِبيرن. صدر عددها الأول في صيف 1970. واستمرت تصدر في طنجة إلى حين انتقالها إلى مقرها الجديد في نيويورك منتصف الثمانينات من القرن الماضي، لتشهد نيويورك صدور العدد الأخير منها.

وبين العامين 1994 و1965، يمتد تسعة وعشرون عاماً، هي المدة التي تفصل بين نشر قصتي كينغ المذكورتين أعلاه، ونشر قصته «كنت لص قبور مراهقاً» في مجلة المعجبين «كوميكس ريفيو». أما أول قصة تلقى مقابلاً مالياً على نشرها، فكانت «الأرضية الزجاجية»، نُشِرَتْ في مجلة «قصص غامضة مرعبة» في 1967.

غلاف رواية «تشيللو» لتركي ال الشيخ

تغير في المناخ الثقافي

بنشرهما قصتي كينغ، أسهمت المجلتان في ردم أخدود صغير من الأخاديد الفاصلة في الثقافة السائدة بين ما هو «نخبوي» و«شعبي». ويوحي فعل المجلتين بحدوث تغير في المناخ الثقافي الأدبي والأكاديمي تجاه القص الشعبي «popular fiction»، أو الفن القصصي الشعبي، كما يسميه البعض؛ تغيرٌ ظهرت إرهاصاته في الثمانينات، وتبلور وبلغ إحدى ذرواته كما يبدو في منح جامعة كولومبيا الأميركية في نيويورك جائزة «بوليتزر» لرواية «يمامة وحيدة - 1985» لمؤلف روايات «الويسترن» والسيناريست لاري ماكميرتري. ذكرت هذا في مقالة سابقة.

وفي عام 1994 نفسه، وبدون أن يعلم كينغ أو غيره من كُتّاب القص الشعبي، ولا حتى أميركا كلها، باستثناء بعض طلاب الأكاديمي والروائي الأميركي ديفيد فوستر والاس، وربما بعض زملائه أيضاً؛ كانت رواية كينغ «كاري - 1976» ورواية ماكميرتري «يمامة وحيدة»، وكذلك «صمت الحملان - 1988» لتوماس هاريس، ضمن قائمة من ثمانية كتب من القص الشعبي اختارها والاس لتدريسها في «مقرر اللغة الإنجليزية 102 - التحليل الأدبي» في فصل الخريف.

أسامة المسلم

تحذير والاس

يوضح والاس للطلاب المحتملين ضمن وصفه للمقرر، في الخطة الدراسية التي عُثر عليها في مكتبه بعد موته في 2008، أن مقرر «اللغة الإنجليزية - 102» يهدف إلى إطلاعهم وتعريفهم على بعض الطرق لقراءة القص على نحو أكثر عمقاً، وإكسابهم رؤى للكيفية التي تشتغل بها بعض النصوص، ولأجل أن تتبلور لديهم أسباب ذكية، سواء لحب أو لعدم حب أي نص. وفي الأخير، للكتابة بوضوح وعلى نحو مقنع.

ويضيف أنهم سيقرأون مجموعة متنوعة من أجناس القص الذي يعدُّ شعبياً أو تجارياً: الغموض، الرعب، البوليسي، ويسترن، ونوار (Noir)، والفانتازي. وسيتجلى نجاح «الكورس» في اكتسابهم القدرة، في نهايته، على اكتشاف وتحديد التقنيات المتطورة والثيمات الكامنة تحت السطح في الروايات التي لا تبدو سوى للترفيه بالقراءة السريعة خلال سفر بالطائرة أو جلسة على الشاطئ.

ويحذر طلابه ألا يدعوا الصفات التي قد تبدو خفيفة الوزن، على حد قوله، تضلهم وتقودهم إلى الاعتقاد بأن هذا «الكورس» مضيعة للوقت. ويؤكد أن تفكيك وقراءة تلك النصوص نقدياً سيكونان أشد صعوبة من تفكيك وقراءة النصوص «الأدبية» من وجهة نظر تقليدية.

والاس لم يكن وحيداً

اللافت والمهم أن والاس، الروائي الذي أقحمه النقاد في قوالب تصنيفات عدة، لم يكن أستاذ الأدب الوحيد الذي درّسَ نصوصاً من القص الشعبي، خلال عقد التسعينات بالذات. وكما ذكرت في مقالتي «جدار عازل يقسم الثقافة إلى ثقافتين والقص إلى قصين» (الشرق الأوسط - 5/9/2023»، حدث تغير دراماتيكي في الموقف التقليدي المتعالي تجاه القص الشعبي أفضى إلى حدوث ما يمكن وصفه بالطفرة في نقده والتنظير عنه ودراسته.

«ميتالِيبسيس» في القص الشعبي

ذات أيام كرّسْتُها للقراءة عن «ميتاليبسيس»، المصطلح الذي نقله جيرار جينيت من البلاغة إلى علم السرد، الكلاسيكي كما يسمى الآن بعد الظهور الانفجاري لعلوم السرد ما بعد الكلاسيكية ابتداءً من التسعينات أيضاً، اكتشفت وجود كتاب بعنوان «عندما تتصادم عوالم القصة... ميتاليبسيس في القص الشعبي والفيلم والكوميكس، 2015» للدكتور جف ثوس المتخصص في نظرية السرد، وعلم السرد عبر الوسائطي.

يطرح د. ثوس في كتابه نظريته عن «ميتاليبسيس» ويطبقها على الأشكال السردية الثلاثة الواردة في العنوان الثانوي. كان رأيي فيه، بعد الانتهاء من قراءته، ولا يزال، أنه من أفضل الكتب القليلة التي قرأتها التي تتناول ظاهرة «ميتاليبسيس» تنظيراً وتطبيقاً. وأكثر ما أدهشني فيه - ربما لأنني لم أتوقعه بتلك الكثافة - تجلي «ميتاليبسيس» كمكون فني وخصصية جمالية في القص الشعبي. وكان ستيفن كينغ حاضراً، مع أسماء أخرى، في الفصل الثاني «القص - Fiction» عبر سلسلة روايته «برج الظلام» بأجزائها الثمانية، وقصته القصيرة «حالة أَمْني الأخيرة».

مضت أيام التهميش

لقد مضت الأيام التي كان القص الشعبي فيها مهمشاً ومهملاً من المُنَظِّرين والنُقّاد، وازداد عدد أبواب قاعات الدراسة في المرحلتين الثانوية والجامعية التي انفتحت، وتنفتح، أمام نصوصه في كل من الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة، وآيرلندا، وفي دول أخرى وفقاً لما يذكره بيرنيس ميرفي وستيفن ماتِرسَن في مقدمة الكتاب «القص الشعبي في القرن الواحد والعشرين»، الصادر عن جامعة أدنبرة في 2018. قبل ذلك في عام 2017 فازت الرواية «السكة الحديدية تحت الأرض» لكولسون وايتهيد بجائزة «بوليتزر»، وكانت قد وصلت إلى القائمة القصيرة أيضاً لجائزة «آرثر سي كلارك» البريطانية للخيال العلمي. ذكرت هذا سابقاً أيضاً. وكان من أسباب فوزها وفوز رواية ماكميرتري بجائزة «بوليتزر» تقليصهما للفجوة بينهما والرواية الأدبية، كما يقال.

استثمار وجوائز وأسئلة

هل حدثت الالتفاتة الكبيرة والمفاجئة إلى الرواية الشعبية؛ العمود الفقري لجائزة «القلم الذهبي»، استجابةً لمؤثرات من تغيرات المواقف من القص الشعبي في ثقافات الآخرين؟ هل جائزة «القلم الذهبي» و«جائزة الأدب» لهذا العام تُعبِّران عن إدراك ووعي بأن الرواية الشعبية أصحبت توازي، أو تكاد، نظيرتها الأدبية فنياً وجمالياً وشكلاً وتطوراً في التقنيات وأساليب الكتابة؟ أو هل ثمة مشروع يراد منه، وعبر الجوائز، الدفع في اتجاه تقليص الفجوة بين النخبوي والشعبي، الفجوة التي ينكر عدد من المثقفين والأدباء وجودها إيماناً بأن الثقافة كل لا يتجزأ، وغير تراتبية، في حين أنه بانت علامات التفاجؤ عليهم لمَّا بُوغتوا بظاهرة شعبية الروائي المسلم، التي باغتت أيضاً العديد من المشتغلين في الإعلام بقنواته وأوعيته ووسائطه المختلفة؟

النفي، هو الجواب عن تلك الأسئلة؛ فالاستثمار هو ما أعتقد أنه الجواب المقنع والصحيح. وللتوضيح، يبدو أن الهيئة العامة للترفيه رأت فرصة «ذهبية» سانحة في رواج الرواية الشعبية وكثافة مقروئيتها على امتداد العالم العربي لإقامة مشروع ترفيهي جديد يضاهي في ضخامته مشاريعها القائمة التي طبّقَتْ شهرتُها الآفاق وأصبحت مغناطيساً جاذباً للأضواء الإعلامية، «جوي أوورد» على سبيل المثال.

هل حدثت الالتفاتة الكبيرة والمفاجئة إلى الرواية الشعبية؛ العمود الفقري لـ«جائزة القلم الذهبي»، استجابةً لمؤثرات من تغيرات المواقف من القص الشعبي في ثقافات الآخرين؟

الرواية في البداية والفيلم في النهاية

الرواية مادة مشروع «جائزة القلم الذهبي»؛ الصورةُ المكبرّةُ (الجائزة) لِما كان مشروعاً صغيراً وفردياً، وتكرارٌ له محلياً وعربياً. ربما يتذكر البعض رواية «تشيللو» للمستشار تركي آل الشيخ وقصة تحويلها إلى فيلم بالعنوان نفسه. هذه هي نواة مشروع «جائزة القلم الذهبي»، ومنبع الفكرة في اعتقادي.

وبوصف كابسولي، فإن الجائزة مشروع تحويل «جَنْرَ فيكشن - genre fiction» إلى «جَنْرَ موفيز - genre movies». هذا ما ينبغي التنبه له لأن المئات من هذه الأنواع «genre movies» من الأفلام الأجنبية تصب في البيوت وفي صالات السينما على مدار العام، ولا أعتقد أن الفيلم المحلي - العربي قادر على منافستها في جذب ساكني البيوت إليه، ما لم يكن في مستواها.

جائزة «هيئة الأدب»

بادرت هيئة الأدب والنشر والترجمة، بدورها، إلى استثمار شعبية أسامة المسلم بمنحه «جائزة الأدب» لهذا العام لتسبق - ولو بمنح جائزة أدبية واحدة - هيئة الترفيه التي سبقتها إلى إعلان جائزة أضخم ومتعددة المسارات. ولكن من يجاري هيئة الترفيه المتحررة من تعقيدات البيروقراطية، كما يبدو، في إقرار وسرعة تنفيذ مشاريعها، والمتمتعة بصلاحيات لا تتردد في دفعها إلى حدودها القصوى. ولكن ثمة «لكن أخرى»: إن نجاح لجنة تحكيم «جائزة القلم» في اختيار روايات، حتى وإن تكن كتلك التي يتحدث عنها والاس، لا يضمن نجاح ترجماتها السينمائية عند شبابيك التذاكر. وينطبق هذا على السيناريوهات الفائزة. فما بين السيناريوهات والشاشات الكبيرة معامل صنع الأفلام التي يتوقف نجاح منتوجاتها على مدى كفاءة وخبرة ومهارة العاملين فيها. وهذا هو بيت القصيد والجزء الصعب من مشروع الجائزة.

* ناقد وكاتب سعودي


مقالات ذات صلة

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.