حكاية مائة عام بين طرابلس والإسكندرية

عائلة خلاط تلخّص العلاقة بين مدينتين عربيتين

حكاية مائة عام بين طرابلس والإسكندرية
TT

حكاية مائة عام بين طرابلس والإسكندرية

حكاية مائة عام بين طرابلس والإسكندرية

عادةً ما تتحول كتب نالت حظاً من الشهرة إلى أفلام، وهذا شائع. لكن نادراً ما يكون المخرج أو كاتب السيناريو، في طور جمع المعلومات والتصوير لفيلمه، فإذا به ينتهي إلى كتاب يسبق الشريط السينمائي، ويمهد له.

لأسباب لوجيستية، أبصر كتاب «طرابلس – الإسكندرية: مائة عام في هجرتين» النور، مستفيداً من مادة توثيقية لفيلم في طور الإعداد. وهو يعود بنا إلى مرحلة تمسّ عائلات كثيرة في بلاد الشام، ترك أفراد منها أوطانهم، وذهبوا إلى مصر باحثين عن فرص أفضل، ومداخيل أوفر. الكتاب يُخبرنا بأن هؤلاء «الشوام» كانوا في غالبيتهم تجّاراً، أسسوا شركات، وحققوا نجاحاتٍ جعلت بعضهم يبقى في مهجره المصري، ولا يتذكّر أولادهم من موطنهم الأصلي غير ما رواه لهم الأهل، والبعض الآخر كان يعود ليُنهي حياته ويُدفَن في أرض الأجداد.

صاحب الكتاب إلياس جاك خلاط، هو مؤسس ومدير «مهرجان طرابلس للأفلام» مخرج ومنتج، وله باع مع القصص والحكايا والسينما، لذلك ليس مستغرباً، أن يخطر له توثيق حكاية عائلته التي عاشت لأربعة أجيال، وطوال أكثر من مائة وخمسين سنة بين مدينتين. تشاء الصدف، أن يتلقى الكاتب اتصالاً تليفونياً من الإسكندرية، موضوعه عقار يعود لعائلته، لا يزال أمره معلقاً، منذ سنين، ولحلّ المشكلة تُكلِّفه عائلته بالسفر، لإنهاء قضية الإرث هذه، خصوصاً أن الظروف باتت مهيأة. ومن اللافت أن الكاتب لم يكن قد زار المدينة التي عاش بها أجداده قبلاً سوى مرتين، خاطفتين، للعمل وللمشاركة في أحد المهرجانات السينمائية، ولم تسنح له الفرصة، خلالهما بالتعمق في ماضي العائلة، أو البحث عمَّا خلَّفه أجداده.

لهذا نرى الكاتب يقوم بسفرات مكوكية طوال ثلاث سنوات، وقد تحول خلالها، من باحث عن حلّ قضية إرث قديم، إلى نابش في الجذور، كأن الفرصة أتته من حيث لم يكن ينتظر، ليقتفي أثر أجداده في تلك البقعة التي كل ما فيها يبعث على الفضول. ثم يتحول البحث عن جذور العائلة وتتبع خطى الأجداد إلى رغبة أكبر تشمل محاولة فهم دور الشوام في تلك المدينة، ومَن بقي من العائلة هناك وانقطعت علاقتهم بوطنهم الأم.

ومن اللافت أن أول ما سأل عنه الكاتب هو وجود مدفن معروف لعائلته في الإسكندرية، ليكتشف أن لها أربعة. وهكذا تتحول زيارة المدافن في حد ذاتها إلى رحلة استكشافية من نوع آخر، خصوصاً لتاريخ طائفة الروم الأرثوذكس في الإسكندرية. فغالبية الشوام دُفنوا في البدء في مدافن يونانية (تأسست في نهاية القرن الثامن عشر، قبل أن يصبح اليونانيون نصف سكان الإسكندرية تقريباً منتصف التاسع عشر)، كما حال عائلته، لعدم وجود مدافن لها. وهنا في هذا المكان الذي سكن إليه أفراد عائلته، لمعت في رأسه فكرة الفيلم الوثائقي الذي يحكي عن الهجرة، والنزعة الوطنية في زمن نهاية السلطنة العثمانية. «فيلم يبدأ بمدافن الإسكندرية، وينتهي في مدافن طرابلس»، خصوصاً وهو يلاحظ أن أسماء العائلات الموجودة على شواهد القبور في المدينتين، تكون أحياناً هي نفسها، بسبب هجرة البعض وبقاء باقي الأسرة في لبنان.

الكتاب صادر عن «مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية»، ويعتمد على المصادر، والتوثيق، وإجراء المقابلات، للتأكد من الوقائع، وهو بذلك أشبه ببحث جديد يضاف إلى جهود كل أولئك الذين اهتموا بتاريخ الشوام في مصر. إضافةً إلى ذلك، يعقد الكاتب المقارنات، بين ظواهر ثقافية وحضارية، عاشتها طرابلس ومثيلاتها في الإسكندرية، ويُعنى بشكل خاص بمتابعة التحديث العمراني، والتحولات التي طرأت على المدينتين منذ نهاية القرن التاسع عشر. يلحظ الكاتب مثلاً أن وسط مدينة الإسكندرية حافظ، رغم كل التقلبات السياسية والاقتصادية، على تراثه المعماري القديم، عكس طرابلس التي تناولت عماراتها المعاول وهدم كثير من مبانيها القديمة، التي لو تُركت لكانت اليوم شبيهة بالإسكندرية. المقارنات لا تنتهي، فحين يصل إلى العقار، موضوع الإرث، ويسمع صوت الأبواق ويرى البسطات المنتشرة وسط البلد، ويسمع الباعة يدللون على بضاعتهم، يشعر أكثر بوجه الشبه بين المدينتين.

المثير في الكتاب فعلاً هو إصرار هذا الحفيد على تتبع شجرة العائلة، صعوداً لثلاثة أجيال، واللحاق بتفرعاتها، يقوده البحث إلى كنائس، ومكتبات بينها مكتبة الإسكندرية، ومراكز أبحاث، وأرشيف صحف ومجلات.

يجد إلياس خلاط أن أربعة فروع للعائلة هاجرت إلى الإسكندرية، ثلاثة منها ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف النصف الثاني منه، وفرع رابع هاجر في بداية القرن العشرين، وهؤلاء من الجيل الثاني. يرسم الكاتب بالأسماء وتواريخ الميلاد، أسماء من هاجروا من عائلته وأبنائهم وأحفادهم، ملاحقاً سلالاتهم. ويقوده البحث مستعيناً بكتاب «تراجم علماء طرابلس» لعبد الله نوفل، ليخرج عن إطار المدينتين وصولاً إلى تركيا. وفي إسطنبول تم تكليف باحث متخصص بالبحث في أرشيف الدولة العثمانية عن العائلة، وبالتحديد عن أحد أفرادها ويُدعى نسيم، بسبب حيازته رتباً وألقاباً وأوسمة عثمانية.

استُعملت كلمة «شوام» في مصر ابتداءً من القرن التاسع عشر للإشارة بشكل أساسي إلى المسيحيين العرب الذين هاجروا من بلاد الشام، وكانوا في غالبيتهم من طبقة ثرية ومتعلمة، وأسهموا في انفتاح مصر على أوروبا. وجاء هؤلاء من المدن الساحلية للبنان وسوريا وفلسطين، وأقاموا في القاهرة والإسكندرية، المدينتين اللتين كانتا الأكثر انفتاحاً في عهد الخديو إسماعيل. ثمة من هاجر من أجل الرزق، وهناك من رحل يبحث عن فسحة أكبر من حرية التعبير. وهناك من أقاموا طويلاً وعادوا ليقضوا بقية أعمارهم في مدينتهم الأم، ومنهم من وُلدوا مصريين وقضوا في مصر، ولم يحملوا يوماً الجنسية اللبنانية.

وأسهم في اقتفاء أثر آل خلاط بشكل خاص، أن بعضهم كانوا كتّاباً، ولهم مقالات في صحف، وتركوا خلفهم نصوصاً وقصائد، مما سهل فهم الكثير عنهم.

نسيم (1833 - 1910) مثلاً (جد الكاتب) حسبما كُتب، في رثائه في «المقتطف»: «عاش عضواً عاملاً في جسم المجتمع وخدم دولته ووطنه بما يُخلِّد ذكره الحسن». ويقصد بدولته هنا الدولة العثمانية، أما وطنه فطرابلس الشام. فقد كان يسافر بجواز سفر عثماني. وقد عبّر نسيم خلاط، نفسه في كتابه «سياحة في غرب أوروبا» عن احترامه الكبير للدولة العثمانية. ويوم زار باريس شعر بضرورة أن يزور «سفارة دولتنا العليّة. فلما بلغتها قابلني سعادة غالب بك سر كاتب السفارة العارف العربية، وأدخلني على دولة السفير منير بك».

وكتب نسيم قصيدة في مدينته وحنينه إليها يقول:

سيري إلى الوطن المحبوب تاركة في قلبنا لهباً أزكى به الحسد

سيري لأرض لها أرواحنا أبداً مرهونة الشوق حتى يرجع الجسد

ويلقي الكتاب الضوء على الصلة التي بقيت تربط هؤلاء الشوام المهاجرين بأوطانهم من خلال رسالة مفتوحة وجَّهها ديمتري خلاط، أحد أفراد العائلة إلى البطريرك إلياس الحويك الذي لعب دوراً في تأسيس دولة لبنان الكبير، وهو في مصر.

فقد كتب للبطريرك هذه الرسالة ونشرها في إحدى الصحف المصرية، عبّر فيها عن قلقه من تفرق الكلمة والنزاعات القائمة، وتمنى لو يكون اتحاد تندغم فيه الطوائف المسيحية والإسلامية، وطالب بضرورة الوحدة بين الطوائف جميعها. وانتقد ديمتري حكومة لبنان، كونها أسندت أعلى المناصب فيها إلى ثلاثة من الموارنة، مردداً شكوى القائلين: «إن تركيا كانت تميز المسلمين، فغدت فرنسا تميز الموارنة».



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.