جار النبي الحلو: الكتابة عكازي الحقيقي في شيخوختي

يقول إنه لا يخشى من السهو ويثق بذائقة شباب الكتاب والجمهور

الروائي جار النبي الحلو
الروائي جار النبي الحلو
TT

جار النبي الحلو: الكتابة عكازي الحقيقي في شيخوختي

الروائي جار النبي الحلو
الروائي جار النبي الحلو

في يناير (كانون الثاني) 1970، تقدم شاب صغير السن، بخطوات وجلة وحياء شديد من نجيب محفوظ وهو يتوسط جلسته الأسبوعية بمقهى «ريش» الشهير بوسط القاهرة. وحين اقترح أحدهم على محفوظ من باب المداعبة أن يعيدوا الشاب وقصته التي احتفت بها إحدى الصحف إلى بلدته المحلة بدلتا مصر، رد محفوظ بحسم: «هذا الشاب في حمايتي». وبعد مرور أكثر من 50 عاماً على تلك الواقعة أصدر جار النبي الحلو الذي لم يعد أديباً شاباً رواية باسم «شجو الهديل»، وصفها بعض النقاد بأنها معزوفة سردية شديدة العذوبة والشجن، تعكس ولعاً لا ينتهي بعوالم نجيب محفوظ إنسانياً وإبداعياً، حتى أنه جعل أحد أبطالها مغرماً بشخصية «سعيد مهران» بطل «اللص والكلاب» لأديب «نوبل». هنا، حوار مع جار النبي الحلو الذي يعد أحد أبرز كتاب جيل السبعينات في مصر حول روايته الجديدة وأعماله السابقة وهموم الكتابة:

* جاءت روايتك الجديدة «شجو الهديل» شديدة التكثيف والاقتصاد اللغوي، وهي تحكي قصة رجل فقير يرصد مفارقات العالم من حوله في هدوء... ألا تخشى أن يأتي التكثيف على حساب رغبة الإشباع لدى القارئ؟

- «شجو الهديل» رواية تتضمن مجموعة من المشاهد، اللقطات، تعتمد الصورة والحدث لذلك لا تحتمل إفاضة لغوية، أحب هذا السرد في هذه الرواية لأنه أداتي في التعبير عن شخوص بعينها، إن اتساع الرؤية وتكثيف السرد والاختزال اللغوي تؤدي في الرواية إلى إحكام الشكل.

* استلهمت فكرة الرواية من أحاديث الهواتف المتسربة إليك عبر النوافذ والشرفات التي تطل على بيوت الجيران، كيف صنعت من أحاديث عادية ومكررة كل هذا الشجن والعذوبة؟

- يقف الناس في الشرفات، ويتحدثون في الهواتف بصوت مرتفع، ويتكرر هذا في وسائل المواصلات، ومن خلال «المنور» أو الفراغ بين العمارات السكنية، وكلها تعكس مشاكل خاصة وأشواقاً وأحزاناً، بل أحاديث عادية ومكررة، هي فقط كانت وسيلة «فتحي» في رواية «شجو الهديل» ليلتقط بعض الكلمات ويعيش القليل من اللحظات مع الآخرين، وفيما الأحداث على أرض الواقع أكثر مرارة، لكن حين نتعرف على شخوص الرواية نجد هذا الشجن وهذه الانكسارات.

* أحد أبطال الرواية يبدو مهتماً بشكل خاص بشخصية «سعيد مهران» في رواية «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ، ما هي علاقتك إبداعياً وإنسانياً بعوالم محفوظ؟

- في بداية عام 1970، تحديداً في يوم جمعة من أيام يناير نُشرت لي لأول مرة قصة قصيرة في صحيفة «المساء» وكنت منتشياً بها وذهبت بالعدد إلى القاهرة وكأني أحمل كنزاً ثميناً. اصطحبني الكاتب إبراهيم منصور من يدي وذهبنا إلى مقهى «ريش» الثقافي الشهير بوسط القاهرة، حيث تحلّق حول نجيب محفوظ مجموعة من الكتاب في جلسته الأسبوعية. لم أصدق نفسي أنني في حضرة الكاتب الكبير الذي بدأت في قراءة أعماله وأنا في المرحلة الإعدادية مثل «زقاق المدق» و«خان الخليلي» و«القاهرة الجديدة». خاطب إبراهيم منصور محفوظ قائلاً: الولد جار النبي الحلو نشر قصة جيدة في جريدة «المساء» لكن نريد إرجاعه لبلدته، فرد عليه عميد الأدب العربي بجملة لا أنساها: «جار في حمايتي».

والحق أن موهبة نجيب محفوظ فذة واستثنائية، شخوصه الحية تخرج من التاريخ ومن زمن قديم لتطرح علينا من جديد الصراع مع المحتل وثورة 1919 والحلم بالاستقلال والحلم بحياة جديدة، أعماله هي تاريخ مصر الدرامي، ومن أعماله التي هزتني «بداية ونهاية» و«اللص والكلاب»، وأهم شخصياته التي أثرت في وجداني ووقفت أمامها طويلاً: سعيد مهران في «اللص والكلاب» و«نفيسة» في بداية ونهاية.

* تميل لغتك إلى الحياد وتنأى عن التقريرية أو المباشرة... صعب تحقيق ذلك في عمل روائي... أليس كذلك؟

- رؤية الكاتب هي التي تحدد كيف يرى البشر والأحداث، ووعيه هو الذي يلتقط المشاكل بكل ثقلها وكوراثها، والكاتب ينحاز فيما يطرحه لشخوص روايته. لكنني في النهاية أقدم شخوص كما أراها، ولعل اللغة المقتصدة والجملة النافذة هي التي تكشف ببساطة عن الشخصيات وأحلامها وانكساراتها، ولكن كيف تمر بين ثقب إبرة حتى ينأى الكاتب عن التقريرية أو المباشرة؟ هذا يتوقف على خبرة الكاتب ومهارته وانحيازاته رغم حياد اللغة.

* ما سر مسحة الشجن والتصوير الشاعري التي تغلف أعمالك غالباً؟

- الشجن المشرب بروح الشعر في أعمالي هو المعبِّر عن هذا الحزن، وهذا الشجن ينبع من شخصيات رواياتي، الشخصيات صاحبة الأمراض، والأحلام التي طارت في سماء المستحيل، هو الشجن إذن، والهديل يتحول إلى أغنيات ذات إيقاع حزين، ومواويل تهفو إلى حياة. إنها محاولة للاقتراب بحذرٍ من الهديل، لكنه يتردد في شكل شجو. وهذا ما نراه في شخصية «آمال» وهي تهفو إلى أحلامها وتكاد ترقص وتغني لكن أحلامها تطير في الفضاء. أيضاً «سهير» التي يشملها المرض وتنظر بعين مهمومة إلى أمها السمينة المسكينة، تنظر بعين حب بلا أمل، حتى «فتحي» أحزانه لا تتوقف عند مكان ينام فيه أو حمامات أحبها أو عنزة يرعاها، لكن إحساسه بالمطاردة يداهمه في كل آن. هذا هو الشجو.

* ما الخصوصية التي تتمتع بها مدينتك المحلة، وجعلتك تخصص لها «رباعية» روائية تتكون من «حلم على نهر»، «حجرة فوق سطح»، «قمر الشتاء»، و«عطر قديم»، ما سر تأثيرها الطاغي عليك؟

- المحلة الكبرى كانت الرحم الذي عشت فيه، ومنها شممت هواء الغيطان والشجر، والماء الذي وهبني فرح الحياة، جلست على نهرها وترعها. وكانت شوارعها وحواريها صديقتي، كنت أدور وألف وأعرف أهلها، بيني وبينهم ود ومحبة وابتسامة امتنان، أهلها من العمال والفلاحين والمهمشين. كنت - لاحظي الفعل الماضي - أحفظ أسواقها ولي فيها أصحاب في سوق الخضروات وسوق «الكِرشة» وسوق الطيور، وسوق المواشي. وهبتني المحلة كنوزها من حكايات وقصص، دهشة وتأمل، النهر الذي كان يمر أمام بيتنا، رمى في حِجري عشرات الحكايات عن الغرقى، والمراكب، والسمك، وألعاب الصيف. وفي هذه المدينة أهلي وأصحابي ورفاقي، لم أفكر يوماً في الرحيل إلى مدينة كبيرة، كانت مدينتي الصغيرة تكفيني وتعطيني بسخاء. وحين هرمتْ المدينة القديمة ورحلت صورتها مثل كل المدن الإقليمية، وصرت شيخاً كان لا يمكن أن أترك ذكرياتي وعالمي وأمضي.

*ما ذكرياتك مع «شلة المحلة» التي تعد من أشهر المجموعات الأدبية في مصر، وضمت عدداً من الأصوات النابغة الخارجة من المدينة مثل الراحلين الناقد جابر عصفور والكاتب سعيد الكفراوي والمفكر نصر حامد أبو زيد، بالإضافة إليك أنت والروائي محمد المنسي قنديل والشاعر محمد فريد أبو سعدة؟

- مجموعة المحلة أو «شلة المحلة» هي هديل المحبة، المعرفة، والثقافة. غناء بلا حدود، ومحبة لن تنتهي. في شتاء 1965 ذهبت مع المنسي قنديل وفريد أبو سعدة، كنا في المرحلة الثانوية، والتحقنا بالمجموعة في تردد ووجل وهم متحلقون حول مائدة ضخمة بحجرة أنيقة بقصر ثقافة المحلة يناقشون قصة لسعيد الكفراوي. وجدنا الصمت التام، الهدوء، والتنصت، ثم النقد الذي كان بلا هوادة، وباحترام وتقدير، ثم صرنا أصدقاء، ونخرج من قصر الثقافة إلى شوارع المحلة وحواريها حتى حديقة الزهور، وينتهي بنا المطاف في غرفتي فوق السطوح أو في شقة سعيد الكفراوي. تعلمنا كيف نقرأ وكيف نكتب ولماذا.

وكان من حسن حظي أنني انطلقت من بين هذه المجموعة حتى وصلت إلى فارس الأدب والصحافة الثقافية عبد الفتاح الجمل، الذي نشر لي وقدمني بصفحته الأدبية في جريدة «المساء». عشت عمري أجتهد وأكتب بشكل جيد حتى لا أخذل شلتي، ولا أفقد هديلهم الذي يقويني على الحياة.

الشجن المشرب بروح الشعر في أعمالي هو المعبِّر عن هذا الحزن وهذا الشجن ينبع من شخصيات رواياتي

* لماذا تبدو بعيداً عن الساحة الثقافية... عزلة مبدع أم احتجاج صامت؟

-لم أكن في عزلة قط، ولا مارستها طيلة عمري، كنت في المحلة مع أهلي، وكتبي وكتاباتي وأحلامي بالمستقبل، وولعي بالقراءة. أذهب للقاهرة، حيث أصحاب العمر والرفاق ومقهي «ريش» و«زهرة البستان» و«أتيليه القاهرة»، ليمتد العمر وتمتد الشوارع لتصل حتى شيخوختي ويتجدد الأصحاب والرفاق، حتى الأحلام تتجدد.

* هل تخشى من النسيان أو السهو، خصوصاً بالنسبة للأجيال الجديدة؟

-لا أخشى من ذاكرة الأجيال الجديدة وأثق في ذائقة شباب الكتاب والجمهور، حتى لو وقعت في بقعة السهو أحياناً، سأظل دائماً بين يدي قارئ. لا نحكم بالواقع الآن لكن علينا أن ننتظر المستقبل الذي سيهفو فيه البشر إلى المعرفة، والتكنولوجيا الحديثة لا بد أن تغير في الواقع الثقافي.

* تقول إن الساحة الأدبية ينبغي أن تتسع للجميع، وأن يسودها الحب والتآلف، ألا تبدو تلك الرؤية مغرقةً في المثالية بالنظر إلى ما تشهده الساحة من حروب وتكتلات واتهامات متبادلة؟

- الساحة الأدبية تتسع للجميع، بل أتمنى أن تتعدد الأفكار والرؤى ووجهات النظر، لأن الثراء الفكري لا يأتي من فراغ. فالحوار يثري الحياة ويقدم الجديد، والطموح في حرية الفكر يجعلنا دائماً في انتظار وجهات النظر الأخرى، ولذا أرى أن الساحة تتسع للجميع.

* أخيراً، هل تشعر أنك نلت ما تستحقه من إشادة وتكريم أم تنظر خلفك في غضب؟

-لا أنظر خلفي في غضب، التكريم والاحتفاء بي من حق الآخرين. أنا أحب الكتابة وهذا عكازي الحقيقي في شيخوختي.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.