محمد حقي صوتشين: «أردتُ أن أقدّم المتنبي شاعراً عالمياً عظيماً»

بعد صدور كتابه «أغنية إنسان» أول ترجمة لأبي الطيب بالتركية

محمد حقي صوتشين
محمد حقي صوتشين
TT

محمد حقي صوتشين: «أردتُ أن أقدّم المتنبي شاعراً عالمياً عظيماً»

محمد حقي صوتشين
محمد حقي صوتشين

للمرة الأولى يقرأ الأتراك المتنبي بلغتهم، بفضل الكاتب والمترجم الدكتور محمد حقي صوتشين، الذي يعدّ، اليوم، من أبرز مترجمي الأدب العربي الكلاسيكي والمعاصر إلى اللغة التركية، أستاذ بجامعة غازي في أنقرة، كان لسنوات رئيساً لقسم الأدب العربي فيها، قبل أن يتفرغ تماماً لترجماته وكتاباته، حيث تمكّن بفضل نشاطه الاستثنائي من إعادة الاهتمام بالأدب العربي في بلاده، وترجم كثيرين؛ منهم يحيى حقي، وغسان كنفاني، ومحمود درويش، ومن الأدب القديم المعلقات السبع وأبا نواس، وأخيراً المتنبي، وكان على رأس اللجنة التي وضعت مناهج اللغة العربية في تركيا، ومعنياً عن قرب بهذا المسار. وهنا حديث معه.

غلاف ترجمة المتنبي - أغنية الإنسان

- صدرت، قبل أيام، ترجمتك لمختارات من ديوان المتنبي تحت عنوان «أغنية إنسان»، وهي أول مرة يقرأ فيها الأتراك المتنبي بلغتهم، كيف بدأ هذا المشروع؟

*في الجامعة، في أنقرة، كنا ندرس المتنبي من خلال حياته وبعض الصور النمطية، مثل ادّعائه النبوّة، وأنه كان ينتقل من بلاط إلى آخر لكسب المال، ولا نخوض في شعره. ربما لا يختلف الأمر كثيراً في الجامعات العربية. بعد ترجمتي المعلّقات السبع، كان بعض الشعراء الأتراك المعروفين يطلبون مني أن أواصل ترجمة الشعر العربي القديم، فبدأت أترجم من قدماء الشعراء العرب؛ بينهم المتنبي، والمعري، وأبو نواس، وأنشره بمجلة «فارليك» التركية العريقة، وقد ترجمت عدداً لا بأس به من قصائد المتنبي، لكن لقائي مع الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، الذي أبدى اهتماماً كبيراً لاستكمال الترجمة وشجّعني بحرارة، دفع عجلة المشروع بقوة. وقد كتب د. علي تقديماً رائعاً للترجمة التركية بوصفه أحد المتخصصين في شعر المتنبي والمحبّين له. لولاه ربما تأخر المشروع سنوات.

- هل المتنبي اسم معروف في تركيا؟

*كان معظم شعراء «الديوان» - وهي تسمية لشعراء الشعر العثماني - لديهم معرفة بالمتنبي، إذ كانت النخبة الشعرية التركية، في ذلك الوقت، تتقن ثلاث لغات: التركية والفارسية والعربية، وبينهم مَن ترك دواوين شعرية بثلاث لغات، فضلاً عن أن اللغة التركية العثمانية كانت خليطاً من هذه اللغات الثلاث، لذلك لم تكن ثمة حاجة لترجمة الشعر العربي. وكان للمتنبي تأثير على شعراء عثمانيين مثل «نفعي» و«باقي». كنا مع زميلي الألماني شتيفان فايدنر مدعوين إلى مركز الملك عبد العزيز العالمي «إثراء» للحديث عن تأثير المتنبي على الشعر خارج الوطن العربي، حيث قرأت نماذج من قصائد الشاعر «نفعي» بترجمتي إلى اللغة العربية، سمعتُ همس بعض الناس قائلين: «نعم، هذا صوت المتنبي».

- كيف كانت ردود الفعل الأولى؟

*الترجمة صدرت قبل أسبوع تقريباً، نحتاج إلى وقت لقياس الإقبال على «المتنبي التركي»، لكن ردود الفعل الأولى جيدة جدّاً. تلقيت اتصالات تهنئة من بعض الكتّاب الأتراك، ودعوات من الجامعات التركية، ومجموعات قراءة، وجمعيات أدبية كي أتحدث عن المتنبي والترجمة وتوقيعها نيابة عن المتنبي. نحن بصدد ترتيب هذه اللقاءات، وأتوقع أننا سنقرأ، في الأيام المقبلة، مقالات عن المتنبي في مجلات أدبية تركية.

- تراكيب أبي الطيب صعبة، أيّ تحديات واجهتك أثناء عملك، وقد أردت لهذه الترجمة أن تكون شعرية؟

*في ترجماتي للشعر العربي، أحمل همّين: عدم التضحية بالمضمون لصالح الإيقاع، وإعادة خلق الإيقاع الشعري. في ترجمة الشعر العربي القديم، أقوم بإعادة إبداع النص الشعري باللغة التركية، من خلال الإيقاع الداخلي وقوافٍ منسابة، دون تكلّف يهدّم بنية القصيدة. مذهبي أن أخلق في التركية لغة حديثة لها نكهة كلاسيكية، الأمر الذي نتوقعه من ترجمات شكسبير ودانتي وغيرهم من عظماء الشعراء. وأنا أردتُ أن أقدم للقارئ؛ ليس شاعراً عربياً فحسب، بل شاعراً عالمياً عظيماً، وسأعدّ نفسي ناجحاً إذا جرى تلقّي المتنبي في تركيا بهذه الصورة.

- من قرّاء الأدب العربي الذي تترجمه؟ هل هو جمهور عريض؟

*شخصيّاً، أصبَح لي جمهور لا يستهان به يتابعني ويقرأ كل ما أُصدر تقريباً، فقد اختارت مجموعات قراءة عدة أعمال من هذه الترجمات وناقشتها في كل أنحاء تركيا، وخصوصاً في المدن الكبرى. وكتَبَ النقاد والأدباء حول الأعمال المترجمة في دوريات، مما أدى إلى تداولها أكثر. وجرى تقدير بعض الأعمال بجوائز أدبية لم يسبق للأدب العربي أن نالها. في هذه المرحلة، تمكنّا من شدّ انتباه القارئ والناشر على حد سواء، وتوجيهه إلى الأدب العربي.

- ترجمت عدداً من الأدباء الفلسطينيين، هل ازداد الطلب عليهم بسبب الحرب الأخيرة على غزة؟

لم أترجم من الأدب الفلسطيني لفلسطينيّته، بل لأنه أدب جيّد على المستوى العالمي. محمود درويش كان مترجَماً إلى التركية لكنها ترجمات رديئة جداً، باستثناء ترجمة لطف الله غوكطاش. كان محمود درويش نفسه حزيناً إزاء هذه الترجمات القاتلة، بشهادة شعراء عرب عاشروه، منهم أحمد الشهاوي. أعدتُ ترجمة كلّ ما هو رديء، ثم ترجمتُ أعمالاً جديدة. أعدتُ كذلك ترجمة «رجال في الشمس» من العربية مباشرة، إذ كانت مترجَمة من الإنجليزية، وقد كتبوا اسم الكاتب «حسن كنفاني» على الغلاف. أما عدنية شبلي ونجوان درويش فترجمتهما إلى التركية للمرة الأولى. ليس بيدي إحصاء حول ازدياد الطلب على الأدب الفلسطيني، لكن الشعب التركي معروف بتعاطفه مع فلسطين وقضيتها العادلة.

ترجمات ركيكة

- ما أقنية التعاون بين تركيا والعالم العربي في مجال الترجمة؟ أم أن الأمر متروك لاختيارات دُور النشر؟

*وزارة الثقافة التركية تدير، منذ سنة 2005، مشروع «تيدا»، ويهدف إلى انفتاح الأدب التركي على العالم. في هذا الإطار جرى دعم الترجمة إلى العربية أيضاً. دعم المشروع حتى سنة 2021، ما مجموعه 2590 عملاً من التركية إلى لغات العالم؛ تتصدرها البلغارية والألبانية، تليهما العربية والفارسية واليونانية والروسية. الأدب التركي مترجم بصورة كبيرة إلى الجغرافيا المجاورة لتركيا، لكن إذا أمعنّا النظر في الاختيارات ونوعية الترجمة، نلحظ في كثير من الترجمات العربية، ركاكة وحرفية في التعبير، وأخطاء في الإملاء والقواعد؛ لعدم مرورها على التحرير والمراجعة. كثير منها ليس بمستوى جيد. عندي مشروع لكتابة مقالات متعمقة بالعربية، عن الأدب التركي؛ من شعر وقصة قصيرة ورواية ومسرح وغيرها، كي تكون مرشدة لمن يريد أن يترجم إلى العربية. نشرتُ مقالاً تحت عنوان «اتجاهات الشعر التركي من الديوان إلى عصر الإنترنت» في مجلة «المجلة»، وأواصل كتابة مقالات مماثلة.

- ترجمتَ من الأدب التركي الصوفي إلى اللغة العربية شعراء مثل يونس أمرة وأحمد يَسَوي، لماذا لا تخوض في مجال الترجمة من الأدب التركي إلى العربية، بحكم معرفتك بأدب بلدك؟

*اتجاه الترجمة عندي غالباً من العربية إلى التركية، لكنني ترجمتُ أكثر من سبعين شاعراً؛ لأشكل مختارات للشعر التركي الحديث بكل أطيافه، وهي شبه جاهزة وتنتظر دار النشر العربية التي لديها الرغبة في نشرها، فاختيار القصائد يتطلب من المترجم جهداً إضافياً، لكنني محظوظ؛ لأن زوجتي شاعرة تركية وناقدة للأدب التركي، وبإمكاننا معاً اختيار الأفضل.

حقي والبدايات

- هل من تجربة خاصة ربطتك بأدونيس أثناء ترجمته؟

*أدونيس له مكانة خاصة في تكويني، عرفتُ نصّه مبكراً من خلال مجلة «فكر وفن» التي كانت تصل إلى مكتبة جامعتنا أثناء دراستي بجامعة أنقرة. وعندي محاولات مبكرة لقراءته وفهمه، لكن شاء القدر أن عرّفَنا ببعضنا الشاعر أحمد الشهاوي. بعد ذلك تحدَّثنا كثيراً على الهاتف، ثم التقينا في إسطنبول وأنقرة وإزمير، ولا تزال العلاقة بيننا حميمية، عندما أحدثه أشعر وكأنني أتحدث مع صديق. تعلمت منه ومن أعماله أموراً كثيرة دعتني إلى التأمل والتفكير، ترجمت حتى الآن أربعة كتب لأدونيس، وسيُنشر في الأشهر المقبلة آخِر ديوان له «أدونيادا» باللغة التركية. إذا واجهت أي مشكلة، بعد الانتهاء من الترجمة، أطرح عليه أسئلتي، ويجيبني دون ملل أو كلل.

- سؤال حول البدايات، ما الذي لفتك في يحيى حقي، الذي اخترت أدبه القصصي موضوعاً للماجستير؟

*يحيى حقي نقطة تحول بالنسبة للقصة العربية القصيرة، من خلال «المدرسة الجديدة»، والانتقال من الرومانسية إلى الواقعية، كما أن موضوع الصراع بين الشرق والغرب اكتسب بُعداً أكثر نضوجاً في الأقصوصة العربية. ربما كان الشبه بين اسمَيْنا أيضاً مما أسهم في الاختيار. عرفتُ بعد قراءتي أعماله أنه ينتمي إلى أصول تركية، وقضى عدة سنوات في أنقرة بصفته دبلوماسياً في السفارة المصرية، حيث التقى أتاتورك وعدداً من النخبة الأدبية، على رأسهم عبد الحق حامد الذي يصفه صاحب «القنديل» وصفاً بديعاً في كتابه «أنشودة البساطة»، كما يذكر، في سياق آخر، أنه سيكتب عن أتاتورك، لكنه، بقدر علمي، لم يكتب.

- رسالتك لليسانس كانت عن «الأرواح المتمردة» لجبران، هل هو من المقروئين في تركيا؟

*تُرجمت بعض أعمال جبران الإنجليزية إلى التركية في الأربعينات، لذلك هو معروف، لكن أعماله التي كتبها بالعربية تُرجمت في وقت متأخر نسبياً. إذا قلت إنني تدرّبت على الترجمة من خلال نصوص جبران، فلن أكون قد بالغت. تعدّ «الأرواح المتمردة»، و«دمعة وابتسامة»، و«العواصف» أول ترجماتي، وأنا طالب في الليسانس، لكنني لم أنشرها. جبران هو معلمي الأول في التدريب على الترجمة.

لم أترجم من الأدب الفلسطيني لفلسطينيّته، بل لأنه أدب جيّد على المستوى العالمي

تعليم اللغة العربية

- كنتَ رئيساً للجنة التي وضعت مناهج تعليم العربية في المدارس التركية؟ هل لنا أن نعرف لأي صفوف؟ وفي أي مدارس يجري تعليم العربية؟

*أتذكر أنكِ أجريتِ معي حواراً في «الشرق الأوسط» عن هذا الموضوع في أبريل (نيسان) عام 2012؛ أي قبل 12 سنة. وها أنتِ تتحدثين معي عن الموضوع نفسه. تدرَّس العربية في كل المراحل، وتنقسم المدارس إلى قسمين؛ أحدهما المدارس العادية، وثانيهما مدارس الأئمة والخطباء. المدارس العادية يجري تدريس العربية فيها مادة اختيارية، ساعتين أسبوعياً، أما مدارس الأئمة والخطباء، التي تضم 515 ألف طالب، فتدريس العربية فيها إجباري، يتراوح بين ساعتين وأربع ساعات وفق السنوات الدراسية والتخصص. أما الجامعات التركية فتدرِّس العربية في ثلاث مستويات: أقسام اللغة العربية وآدابها، أقسام تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها، وأقسام الترجمة.

- ما الذي تغير بعد 12 عاماً من وضع المناهج؟

*أشياء كثيرة، لكن ليس على المستوى الذي كنت أرجوه. السياسات التربوية تتغير بتغير الوزراء، الأمر الذي يخلق نوعاً من عدم الاستقرار في تنفيذ ما جرى وضعه، دون مراقبة النتائج. ما وضعناه كان أول منهج وفق الإطار المرجعي الأوروبي للغات، لكن، يا للأسف، لم يجرِ وضع كتب مدرسية تمشياً مع هذا المنهج، ثم جرى تغيير المناهج ربما، أربع مرات ومراقبة مدى نجاحها بطرق علمية. المشكلة في تركيا أن أصحاب القرار في وضع خطط التدريس ينظرون إلى العربية بصورة عامة، بوصفها لغة دين ووسيلة لفهم العلوم الإسلامية. برأيي، هذه مقاربة تشكل عائقاً في تدريس العربية لغة الحضارة والأدب، ولغة شعب يتحدث هذه اللغة التي يجب أن تعطى الأولوية لتعليمها لأغراض عامة، ثم الانتقال لأغراض خاصة: دينية سياحية، صحية، تجارية، وما إلى ذلك.

- ما الصعوبات التي واجهتكم، خصوصاً أن شكوى غير العرب هي عدم وجود طرق لتعليم العربية لغير الناطقين بها؟ ولك عدد من الكتب لتعليم العربية.

نفتقر إلى أمرين: تدريب المدرّسين، وسلاسل محترفة تدمج المهارات الأربع بطرق تواصلية حديثة. ثمة مبادرات من مؤسسات عربية، لتدريب مدرسي اللغة العربية، مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ومركز أبوظبي للغة العربية، ومراكز تدريب غير حكومية في دول عدة؛ بما فيها تركيا، لكنها يجب أن تكون ممنهجة ومستمرة. بالنسبة لسلاسل الكتب، تتطلب جهداً مؤسساتياً يأخذ بعين الاعتبار مسائل مثل التدريس بطرق تواصلية، تدريس الثقافة العربية، التفكير في دمج العامية بالمناهج، ومهارة المحادثة؛ كي يتمكن الطالب من التعامل مع الشارع العربي، على أقل تقدير. مسافات كبيرة علينا أن نقطعها، لكنني متفائل؛ لأن القدرات المادية والبشرية متوفرة في العالم العربي وخارجه.


مقالات ذات صلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون  عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات،

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة: )
ثقافة وفنون الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها،

خالد الغنامي

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!