محمد حقي صوتشين: «أردتُ أن أقدّم المتنبي شاعراً عالمياً عظيماً»

بعد صدور كتابه «أغنية إنسان» أول ترجمة لأبي الطيب بالتركية

محمد حقي صوتشين
محمد حقي صوتشين
TT

محمد حقي صوتشين: «أردتُ أن أقدّم المتنبي شاعراً عالمياً عظيماً»

محمد حقي صوتشين
محمد حقي صوتشين

للمرة الأولى يقرأ الأتراك المتنبي بلغتهم، بفضل الكاتب والمترجم الدكتور محمد حقي صوتشين، الذي يعدّ، اليوم، من أبرز مترجمي الأدب العربي الكلاسيكي والمعاصر إلى اللغة التركية، أستاذ بجامعة غازي في أنقرة، كان لسنوات رئيساً لقسم الأدب العربي فيها، قبل أن يتفرغ تماماً لترجماته وكتاباته، حيث تمكّن بفضل نشاطه الاستثنائي من إعادة الاهتمام بالأدب العربي في بلاده، وترجم كثيرين؛ منهم يحيى حقي، وغسان كنفاني، ومحمود درويش، ومن الأدب القديم المعلقات السبع وأبا نواس، وأخيراً المتنبي، وكان على رأس اللجنة التي وضعت مناهج اللغة العربية في تركيا، ومعنياً عن قرب بهذا المسار. وهنا حديث معه.

غلاف ترجمة المتنبي - أغنية الإنسان

- صدرت، قبل أيام، ترجمتك لمختارات من ديوان المتنبي تحت عنوان «أغنية إنسان»، وهي أول مرة يقرأ فيها الأتراك المتنبي بلغتهم، كيف بدأ هذا المشروع؟

*في الجامعة، في أنقرة، كنا ندرس المتنبي من خلال حياته وبعض الصور النمطية، مثل ادّعائه النبوّة، وأنه كان ينتقل من بلاط إلى آخر لكسب المال، ولا نخوض في شعره. ربما لا يختلف الأمر كثيراً في الجامعات العربية. بعد ترجمتي المعلّقات السبع، كان بعض الشعراء الأتراك المعروفين يطلبون مني أن أواصل ترجمة الشعر العربي القديم، فبدأت أترجم من قدماء الشعراء العرب؛ بينهم المتنبي، والمعري، وأبو نواس، وأنشره بمجلة «فارليك» التركية العريقة، وقد ترجمت عدداً لا بأس به من قصائد المتنبي، لكن لقائي مع الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية، الذي أبدى اهتماماً كبيراً لاستكمال الترجمة وشجّعني بحرارة، دفع عجلة المشروع بقوة. وقد كتب د. علي تقديماً رائعاً للترجمة التركية بوصفه أحد المتخصصين في شعر المتنبي والمحبّين له. لولاه ربما تأخر المشروع سنوات.

- هل المتنبي اسم معروف في تركيا؟

*كان معظم شعراء «الديوان» - وهي تسمية لشعراء الشعر العثماني - لديهم معرفة بالمتنبي، إذ كانت النخبة الشعرية التركية، في ذلك الوقت، تتقن ثلاث لغات: التركية والفارسية والعربية، وبينهم مَن ترك دواوين شعرية بثلاث لغات، فضلاً عن أن اللغة التركية العثمانية كانت خليطاً من هذه اللغات الثلاث، لذلك لم تكن ثمة حاجة لترجمة الشعر العربي. وكان للمتنبي تأثير على شعراء عثمانيين مثل «نفعي» و«باقي». كنا مع زميلي الألماني شتيفان فايدنر مدعوين إلى مركز الملك عبد العزيز العالمي «إثراء» للحديث عن تأثير المتنبي على الشعر خارج الوطن العربي، حيث قرأت نماذج من قصائد الشاعر «نفعي» بترجمتي إلى اللغة العربية، سمعتُ همس بعض الناس قائلين: «نعم، هذا صوت المتنبي».

- كيف كانت ردود الفعل الأولى؟

*الترجمة صدرت قبل أسبوع تقريباً، نحتاج إلى وقت لقياس الإقبال على «المتنبي التركي»، لكن ردود الفعل الأولى جيدة جدّاً. تلقيت اتصالات تهنئة من بعض الكتّاب الأتراك، ودعوات من الجامعات التركية، ومجموعات قراءة، وجمعيات أدبية كي أتحدث عن المتنبي والترجمة وتوقيعها نيابة عن المتنبي. نحن بصدد ترتيب هذه اللقاءات، وأتوقع أننا سنقرأ، في الأيام المقبلة، مقالات عن المتنبي في مجلات أدبية تركية.

- تراكيب أبي الطيب صعبة، أيّ تحديات واجهتك أثناء عملك، وقد أردت لهذه الترجمة أن تكون شعرية؟

*في ترجماتي للشعر العربي، أحمل همّين: عدم التضحية بالمضمون لصالح الإيقاع، وإعادة خلق الإيقاع الشعري. في ترجمة الشعر العربي القديم، أقوم بإعادة إبداع النص الشعري باللغة التركية، من خلال الإيقاع الداخلي وقوافٍ منسابة، دون تكلّف يهدّم بنية القصيدة. مذهبي أن أخلق في التركية لغة حديثة لها نكهة كلاسيكية، الأمر الذي نتوقعه من ترجمات شكسبير ودانتي وغيرهم من عظماء الشعراء. وأنا أردتُ أن أقدم للقارئ؛ ليس شاعراً عربياً فحسب، بل شاعراً عالمياً عظيماً، وسأعدّ نفسي ناجحاً إذا جرى تلقّي المتنبي في تركيا بهذه الصورة.

- من قرّاء الأدب العربي الذي تترجمه؟ هل هو جمهور عريض؟

*شخصيّاً، أصبَح لي جمهور لا يستهان به يتابعني ويقرأ كل ما أُصدر تقريباً، فقد اختارت مجموعات قراءة عدة أعمال من هذه الترجمات وناقشتها في كل أنحاء تركيا، وخصوصاً في المدن الكبرى. وكتَبَ النقاد والأدباء حول الأعمال المترجمة في دوريات، مما أدى إلى تداولها أكثر. وجرى تقدير بعض الأعمال بجوائز أدبية لم يسبق للأدب العربي أن نالها. في هذه المرحلة، تمكنّا من شدّ انتباه القارئ والناشر على حد سواء، وتوجيهه إلى الأدب العربي.

- ترجمت عدداً من الأدباء الفلسطينيين، هل ازداد الطلب عليهم بسبب الحرب الأخيرة على غزة؟

لم أترجم من الأدب الفلسطيني لفلسطينيّته، بل لأنه أدب جيّد على المستوى العالمي. محمود درويش كان مترجَماً إلى التركية لكنها ترجمات رديئة جداً، باستثناء ترجمة لطف الله غوكطاش. كان محمود درويش نفسه حزيناً إزاء هذه الترجمات القاتلة، بشهادة شعراء عرب عاشروه، منهم أحمد الشهاوي. أعدتُ ترجمة كلّ ما هو رديء، ثم ترجمتُ أعمالاً جديدة. أعدتُ كذلك ترجمة «رجال في الشمس» من العربية مباشرة، إذ كانت مترجَمة من الإنجليزية، وقد كتبوا اسم الكاتب «حسن كنفاني» على الغلاف. أما عدنية شبلي ونجوان درويش فترجمتهما إلى التركية للمرة الأولى. ليس بيدي إحصاء حول ازدياد الطلب على الأدب الفلسطيني، لكن الشعب التركي معروف بتعاطفه مع فلسطين وقضيتها العادلة.

ترجمات ركيكة

- ما أقنية التعاون بين تركيا والعالم العربي في مجال الترجمة؟ أم أن الأمر متروك لاختيارات دُور النشر؟

*وزارة الثقافة التركية تدير، منذ سنة 2005، مشروع «تيدا»، ويهدف إلى انفتاح الأدب التركي على العالم. في هذا الإطار جرى دعم الترجمة إلى العربية أيضاً. دعم المشروع حتى سنة 2021، ما مجموعه 2590 عملاً من التركية إلى لغات العالم؛ تتصدرها البلغارية والألبانية، تليهما العربية والفارسية واليونانية والروسية. الأدب التركي مترجم بصورة كبيرة إلى الجغرافيا المجاورة لتركيا، لكن إذا أمعنّا النظر في الاختيارات ونوعية الترجمة، نلحظ في كثير من الترجمات العربية، ركاكة وحرفية في التعبير، وأخطاء في الإملاء والقواعد؛ لعدم مرورها على التحرير والمراجعة. كثير منها ليس بمستوى جيد. عندي مشروع لكتابة مقالات متعمقة بالعربية، عن الأدب التركي؛ من شعر وقصة قصيرة ورواية ومسرح وغيرها، كي تكون مرشدة لمن يريد أن يترجم إلى العربية. نشرتُ مقالاً تحت عنوان «اتجاهات الشعر التركي من الديوان إلى عصر الإنترنت» في مجلة «المجلة»، وأواصل كتابة مقالات مماثلة.

- ترجمتَ من الأدب التركي الصوفي إلى اللغة العربية شعراء مثل يونس أمرة وأحمد يَسَوي، لماذا لا تخوض في مجال الترجمة من الأدب التركي إلى العربية، بحكم معرفتك بأدب بلدك؟

*اتجاه الترجمة عندي غالباً من العربية إلى التركية، لكنني ترجمتُ أكثر من سبعين شاعراً؛ لأشكل مختارات للشعر التركي الحديث بكل أطيافه، وهي شبه جاهزة وتنتظر دار النشر العربية التي لديها الرغبة في نشرها، فاختيار القصائد يتطلب من المترجم جهداً إضافياً، لكنني محظوظ؛ لأن زوجتي شاعرة تركية وناقدة للأدب التركي، وبإمكاننا معاً اختيار الأفضل.

حقي والبدايات

- هل من تجربة خاصة ربطتك بأدونيس أثناء ترجمته؟

*أدونيس له مكانة خاصة في تكويني، عرفتُ نصّه مبكراً من خلال مجلة «فكر وفن» التي كانت تصل إلى مكتبة جامعتنا أثناء دراستي بجامعة أنقرة. وعندي محاولات مبكرة لقراءته وفهمه، لكن شاء القدر أن عرّفَنا ببعضنا الشاعر أحمد الشهاوي. بعد ذلك تحدَّثنا كثيراً على الهاتف، ثم التقينا في إسطنبول وأنقرة وإزمير، ولا تزال العلاقة بيننا حميمية، عندما أحدثه أشعر وكأنني أتحدث مع صديق. تعلمت منه ومن أعماله أموراً كثيرة دعتني إلى التأمل والتفكير، ترجمت حتى الآن أربعة كتب لأدونيس، وسيُنشر في الأشهر المقبلة آخِر ديوان له «أدونيادا» باللغة التركية. إذا واجهت أي مشكلة، بعد الانتهاء من الترجمة، أطرح عليه أسئلتي، ويجيبني دون ملل أو كلل.

- سؤال حول البدايات، ما الذي لفتك في يحيى حقي، الذي اخترت أدبه القصصي موضوعاً للماجستير؟

*يحيى حقي نقطة تحول بالنسبة للقصة العربية القصيرة، من خلال «المدرسة الجديدة»، والانتقال من الرومانسية إلى الواقعية، كما أن موضوع الصراع بين الشرق والغرب اكتسب بُعداً أكثر نضوجاً في الأقصوصة العربية. ربما كان الشبه بين اسمَيْنا أيضاً مما أسهم في الاختيار. عرفتُ بعد قراءتي أعماله أنه ينتمي إلى أصول تركية، وقضى عدة سنوات في أنقرة بصفته دبلوماسياً في السفارة المصرية، حيث التقى أتاتورك وعدداً من النخبة الأدبية، على رأسهم عبد الحق حامد الذي يصفه صاحب «القنديل» وصفاً بديعاً في كتابه «أنشودة البساطة»، كما يذكر، في سياق آخر، أنه سيكتب عن أتاتورك، لكنه، بقدر علمي، لم يكتب.

- رسالتك لليسانس كانت عن «الأرواح المتمردة» لجبران، هل هو من المقروئين في تركيا؟

*تُرجمت بعض أعمال جبران الإنجليزية إلى التركية في الأربعينات، لذلك هو معروف، لكن أعماله التي كتبها بالعربية تُرجمت في وقت متأخر نسبياً. إذا قلت إنني تدرّبت على الترجمة من خلال نصوص جبران، فلن أكون قد بالغت. تعدّ «الأرواح المتمردة»، و«دمعة وابتسامة»، و«العواصف» أول ترجماتي، وأنا طالب في الليسانس، لكنني لم أنشرها. جبران هو معلمي الأول في التدريب على الترجمة.

لم أترجم من الأدب الفلسطيني لفلسطينيّته، بل لأنه أدب جيّد على المستوى العالمي

تعليم اللغة العربية

- كنتَ رئيساً للجنة التي وضعت مناهج تعليم العربية في المدارس التركية؟ هل لنا أن نعرف لأي صفوف؟ وفي أي مدارس يجري تعليم العربية؟

*أتذكر أنكِ أجريتِ معي حواراً في «الشرق الأوسط» عن هذا الموضوع في أبريل (نيسان) عام 2012؛ أي قبل 12 سنة. وها أنتِ تتحدثين معي عن الموضوع نفسه. تدرَّس العربية في كل المراحل، وتنقسم المدارس إلى قسمين؛ أحدهما المدارس العادية، وثانيهما مدارس الأئمة والخطباء. المدارس العادية يجري تدريس العربية فيها مادة اختيارية، ساعتين أسبوعياً، أما مدارس الأئمة والخطباء، التي تضم 515 ألف طالب، فتدريس العربية فيها إجباري، يتراوح بين ساعتين وأربع ساعات وفق السنوات الدراسية والتخصص. أما الجامعات التركية فتدرِّس العربية في ثلاث مستويات: أقسام اللغة العربية وآدابها، أقسام تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها، وأقسام الترجمة.

- ما الذي تغير بعد 12 عاماً من وضع المناهج؟

*أشياء كثيرة، لكن ليس على المستوى الذي كنت أرجوه. السياسات التربوية تتغير بتغير الوزراء، الأمر الذي يخلق نوعاً من عدم الاستقرار في تنفيذ ما جرى وضعه، دون مراقبة النتائج. ما وضعناه كان أول منهج وفق الإطار المرجعي الأوروبي للغات، لكن، يا للأسف، لم يجرِ وضع كتب مدرسية تمشياً مع هذا المنهج، ثم جرى تغيير المناهج ربما، أربع مرات ومراقبة مدى نجاحها بطرق علمية. المشكلة في تركيا أن أصحاب القرار في وضع خطط التدريس ينظرون إلى العربية بصورة عامة، بوصفها لغة دين ووسيلة لفهم العلوم الإسلامية. برأيي، هذه مقاربة تشكل عائقاً في تدريس العربية لغة الحضارة والأدب، ولغة شعب يتحدث هذه اللغة التي يجب أن تعطى الأولوية لتعليمها لأغراض عامة، ثم الانتقال لأغراض خاصة: دينية سياحية، صحية، تجارية، وما إلى ذلك.

- ما الصعوبات التي واجهتكم، خصوصاً أن شكوى غير العرب هي عدم وجود طرق لتعليم العربية لغير الناطقين بها؟ ولك عدد من الكتب لتعليم العربية.

نفتقر إلى أمرين: تدريب المدرّسين، وسلاسل محترفة تدمج المهارات الأربع بطرق تواصلية حديثة. ثمة مبادرات من مؤسسات عربية، لتدريب مدرسي اللغة العربية، مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ومركز أبوظبي للغة العربية، ومراكز تدريب غير حكومية في دول عدة؛ بما فيها تركيا، لكنها يجب أن تكون ممنهجة ومستمرة. بالنسبة لسلاسل الكتب، تتطلب جهداً مؤسساتياً يأخذ بعين الاعتبار مسائل مثل التدريس بطرق تواصلية، تدريس الثقافة العربية، التفكير في دمج العامية بالمناهج، ومهارة المحادثة؛ كي يتمكن الطالب من التعامل مع الشارع العربي، على أقل تقدير. مسافات كبيرة علينا أن نقطعها، لكنني متفائل؛ لأن القدرات المادية والبشرية متوفرة في العالم العربي وخارجه.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».