هل ستنصف التكنولوجيا الذكية المرأة المبدعة؟

ليس سهلاً أن يثبُت في الذاكرة الجمعية اسم مبدعة حتى وإن أدركَت التميز

سيمون دو بوفوار
سيمون دو بوفوار
TT

هل ستنصف التكنولوجيا الذكية المرأة المبدعة؟

سيمون دو بوفوار
سيمون دو بوفوار

الأمر الواقع الذي لا مجال للشك فيه، هو أن العالم بكل مكوناته يتغير بسرعة مدوخة من حولنا، لا يستثني النساء ولا الرجال، مثل حتمية مخاض ولادة لا فكاك منها، فلا مجال لردها أو تجاهلها أو تجاوزها وكأنها لم تكن. كمثل موجات تسونامي عاتية لم يسببها زلزال تحت سطح البحر، أو ثوران بركاني تحت الماء، بل خلقتها ظاهرة التطور العلمي والتكنولوجي والرقمي، التي ما فتئت تزعزع اليقينيات والقناعات المتخشبة، وتذهب بعيداً لتوسيع آفاق المعرفة، وتحفيز قدرات العقل والفهم، وإيقاظ ما غفا من مهارات الفكر وصنوف الإبداع الأدبي والفني والتفكير الفلسفي والنقدي... كل شيء في تغير مضطرد على هذا الكوكب، وإن بإيقاعات متفاوتة جغرافياً وحضارياً. لكن، ألا ننتظر من هذا كله تغييراً جوهرياً للأساليب الذهنية والاجتماعية في طبيعة التعامل مع المرأة المبدعة بشكل عام، والمرأة الكاتبة بشكل خاص، وهذا ما نحاول الاقتراب منه هنا.

نازك الملائكة

تعالوا إذن نعبُر ممرات التاريخ الأدبي والإبداعي، خاصة تلك الدروب المنسية منها والمغبرة... لكن تريّثوا قليلاً، وركزوا التفكير - فلا فضل لطريق على أخرى إلا بقدرتها على خرق العادة - على حد قول الشيخ الأكبر ابن عربي. تأمل، ستجدونها تعج بأسماء كاتبات أُسدلت عليها ستائر من حرير، إن لم نقل وُوريت تراب النسيان. لا تُتداول في سوق الإعلام الضاجّة، ولا أروقة الدعاية التي كثيراً ما تنفخ وتطيّر بالونات ذكورية ضخمة، سيتبين بعد حين ونيف، أنها مجرد معاطف فارغة.

دقِّقوا النظر في جنبات الطرق الهامشية للحياة أو التاريخ، ستجدونها مؤثثة بأشباح، وظلال وجوه نساء تترقرق في مرآة الزمن، نساء ذوات تجارب إبداعية عالية، جئن فنون الأدب من كل حدب وصوب، ولغة ولون، وقومية ومعتقد. بلغن بها الوعي بالذات والعالم، خلقن التعليل البارع، والفكرة المبتكرة الطريفة، ونسَجْن الخيال المحيّر المتمرد، ولمسْن أفق العمق الاجتماعي والإنساني رغم وعورة سبل الحياة غير الرحيمة. هن قليلات هؤلاء اللواتي فلتن من عيون غربال الذاكرة الانتقائية، منذ أمدٍ بعيد من علاقة المرأة بالأدب، واهتمامها بالشؤون الإنسانية، وغير معلبة في النطاق النسوي الضيق.

مي زيادة

لنتذكر إِذن... ألم يشترط الناشر على مؤلفة أشهر سلسلة عالمية أدبية وسينمائية «هاري بوتر» الكاتبة «جُوآن رولينغ»، أن تغيِّر اسمها إلى «ج.ك.رولينغ» J.K.Rowling، وعذره في ذلك أنها حيلة تجارية ومن دونها لن تنجح، لأن الفتيان لا يقرأون قصصاً من تأليف النساء!! طبعاً ستدركون أن الأمر ليس سهلاً وليس من اليسير أن يثبُت في الذاكرة الجمعية بشكل عميق وواضح اسم مبدعة حتى وإن أدركَت التميز. مثلاً، هذه الكاتبة التشيلية Gabriela Mistral غابرييلا ميسترال 1889 – 1959، التي استلفت اسمها المركب ونحتته من اسمي كاتبين، واحد إيطالي والآخر فرنسي، علّها تبرأ من وجع ذكرى والدها بملاحقة اسمه لها، وهو الذي ترك البيت فجأة وتخلى عنها وأمّها وهي في الثالثة من عمرها. هل سيعلو اسمُها وحضورُها المكانَ والزمان والإعلام، رغم أنها أول كاتبة «امرأة» في التاريخ تنال جائزة نوبل سنة 1945. ثم إنها أول كُتّاب أميركا اللاتينية على الإطلاق، تحصل على جائزة نوبل، وذلك قبل أن يحصل عليها كل من ميغيل آنخيل أستورياس 1967 وبابلو نيرودا 1971 وغابرييل غارسيا ماركيز 1982... وكما مواطنها نيرودا الذي كان سفير تشيلي في باريس 1970، عُيّنت غابرييلا قنصلاً ثقافياً قبل ذلك في دول مختلفة كسويسرا والبرتغال وإسبانيا والمكسيك وإيطاليا... ومثلت ثقافة بلادها بحنكة دبلوماسية وحب عارم، ولم تتوان عن الترويج لثقافة الشيلي وأدبه، كما لم تتردد في البوح بعشقها لبلدها حيثما مرت، ويشاع عنها أنها كانت تنقل معها صرَّة صغيرة تجمع فيها حفنة من تربة بلدها ترافقها في غربتها.

فرجينيا وولف

لن تتعجبوا إن عرفتم أن غابرييلا التي رحلت منذ أكثر من ستين سنة، لم يُعترف بمكانتها سوى منذ سنوات قليلة لتتحول إلى أيقونة في بلادها، ويروج لأشعارها وأدبها وأفكارها، وتدرج في المناهج المدرسية، لتعتلي من جديد مدرجها المستحق، ومكانها التاريخي والرمزي في المشهد الثقافي الشيلي والإنساني العالمي. ولا بد أن السيد غوغل سيعدل من إجاباته، فإن أنت سألته عمَن هو أول كاتب من أميركا اللاتينية حصل على جائزة نوبل يجيبك - وكأنه هو الآخر لم ينج من فيروس العقلية «الذكورية الاصطناعية» - ويخبرك بأن أول المتوجين بجائزة نوبل هو غابرييل غارسيا ماركيز... ثم وبعد، يضيف لك المعلومة - ربما على مضض - أن ذلك حدث بعد غابرييلا واستورياس ونيرودا...

سافو، ومارغاريت بوريت، وهيلويز، وماري دو فرانس، وكريستين دو بيزان، وأنيتا لووس، وكيو جين، ومَرْيمَ بان، وفدوى طوقان، وزليخا السعودية، ومي زيادة، ويوميكو كوراهاشي، وآنّا سويل، ونازك الملائكة، ويانغ جيانغ، وسيمون دو بوفوار، ومارغاريت ميتشال، وإيميلي برونتي، وأمريتا بريتام، وماها سويتا ديفي، وميريام تلالي، وإيريس موردوك، وتوني موريسون... وأخريات كثيرات غيرهن، اقترحن من خلال كتاباتهن رؤية جديدة للعالم وللسكن فيه. كاتبات انتشين بتُوقِهن إلى الكمال عبر التاريخ واللغات والقارات، ولم يغبن منذ الثورات الثلاث: من الكتابة إلى الطباعة الميكانيكية إلى الرقمنة، وظللن قائمات رغم الكسور النفسية الموجعة.

أما بعد... كيف يقابَل الانكسار في الأدب والحياة عند الكاتبة؟ هل حقاً يشكل الرحيلُ النهائي وحده صكّ الاعتراف بوجودها، هل يمثل الموت، الغياب المادي والجسدي والفعلي عن الحياة، الوجه الآخر للحضور الرمزي، أم لا بد من التشبث بالحياة والكتابة معاً؟ حل فيرجينيا وولف Virginia Woolf بالانتحار... تلك الكاتبة المدهشة، والإنسانة بالغة الحساسية والهشاشة، تلجأ إلى الإلقاء بنفسها في الحضن البارد، والغرق في قعر النهر، هروباً من الجنون ومن أصوات تلاحقها وتصرخ في علبة رأسها، نتيجة معاناة نفسية وصحية هي كل إرثها من تفاصيل حياة اجتماعية معقدة ومأساوية؟ إنه ذلك الجنون نفسه الذي تفطنت لأخطاره الكاتبة الشهيرة سيمون دو بوفوار، فأوكلتْه إلى شخصياتها الروائية النسائية، فأضحى موضوعة شائعة تعج بها سرودها. بحكمة روائية متمرسة، وزعت سيمون أهواله على شخصياتها الروائية، ربما كي لا تقع بين مخالبه هي الأخرى، في مجتمع ذكوري قاس وماكر، لا يمل من أن يبحث للمرأة عن نقصان أو عن «مَحْرَم» حتى في عالم الأدب، فيذكرها للتقليل من شأنها ومسارها، بأنها تأثرت برفيقها الأبدي الفيلسوف «جان بول سارتر»، ولولاه لما كانت. فتجيب سيمون دو بوفوار بحنكة المجادلة، وهي الأديبة والمفكرة وأستاذة الفلسفة، التي كانت - وعلى لسان سارتر نفسه - تقرأ مؤلفاته قبل نشرها، بأنها تكتب الأدب ولا تعد نفسها فيلسوفة.

نجت دو بوفوار من الجنون. ونجت من الاكتئاب، ونجت من الانتحار، الذي طالما لاحق أقدار بعض أهم الكاتبات عبر الأزمنة، رغم ذكائهن، وثقافتهن، وجمالهن... نجت سيمون ولم تنج «سيلفيا بلاث» Sylvia Plath1932 - 1963 الشاعرة والروائية الأميركية ذات الإسهامات الأدبية الكبيرة، من قدرها التراجيدي الحزين، بإقدامها على الانتحار بواسطة الغاز. سيلفيا التي ضاقت بها الحياة الشخصية الصعبة والتحديات النفسية التي واجهتها بعد طلاقها من الشاعر والكاتب «تيد هيوز» بعد خيانته لها. هل آلمها إخفاق أحلامها الكبيرة في الأدب أولاً، وفي خلق عش دافئ لطفليهما الصغيرين فريديا ونيكولاس، فقررت إما أن تملك كل شيء تريده وتحبه أو أن تتركه كله، الشعر والحب والعش الذي لم يعد دافئاً! خلّف اختيارُها الرحيلَ المبكرَ على ذلّ حياة الإخفاق صدمة في عالم الأدب. صمتت روحُها الجريحة عن الشعر، صمتت عن «الكلام الأكثر تعبيراً، الذي يمر عبر الأحاسيس ليصل إلى الروح»، كما يصفه الشاعر السنغالي الكبير ليوبولد سيدار سنغور. لعلها كانت تعلم أن مؤلفاتها الشعرية والنثرية، حتى تلك التي صدرت بتوقيت انتحارها، ستحقق شهرة وانتشاراً كبيرين، وكأنها كانت تؤمن بحتمية مأساة المرأة المبدعة، في كل المجالات من فنون وآداب وعلوم، تُقصى وتُتناسى وتُتجاهل، ولن تنال حقها من التقدير والاعتراف بموهبتها سوى بعد رحيلها، بعد خلوّ البسيطة من ظلها.

إنه مجتمع ذكوري قاس وماكر، لا يمل من أن يبحث للمرأة عن نقصان أو عن «مَحْرَم» حتى في عالم الأدب للتقليل من شأنها ومسارها

ثم ماذا، والثامن من مارس (آذار) يعود كل سنة ليذكّر بأن لا مفاجأة بين يديه ولا من خلفه، وأن فيروس الكراهية والحروب بكل أشكالها الواقعية والرمزية، ما فتئ يفْتكُ بالعلاقات الإنسانية فوق هذا الكوكب غير المحظوظ، ويخشى أن يعود ذات زمن فيجده خالياً من البشر - وقد أفنتهم رغبتهم العمياء في التسلط والهيمنة والاستبداد - بل سيجده مأهولاً بسكان من أناسٍ آليين.

صحيح أننا على عتبة بوابة زمن الفتوحات العلمية الجديدة، والإنسان الآلي، والذكاء الاصطناعي، وما بعد الإنسانية... فهل ستظل دار لقمان بفروقها التقليدية بين الإنسان المرأة والإنسان الرجل، على حالها المزرية، أم أن تحديات ما بعد الإنسانية، ستنجح في تفكيكها من خلال تأثير التكنولوجيا الحديثة، والعلوم والتطورات الثقافية، على مفهوم الإنسان والمجتمع والحياة، والفهم الجديد للجسم والعقل. هل نأمل في أن مكونات عالمنا بكل اختلافاتها ستغيرها المعطيات الجديدة نحو الأحسن، فتضحى الإنسانية أكثر إنسانية، أم أن وضع ساعة بعض البشر، بعقاربها المتحركة داخل إطار من ذهب، أو من خشب، لن يِؤثر بمكان في مسار الزمن؟!


مقالات ذات صلة

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

يوميات الشرق إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

إلغاء مهرجان أدبي أسترالي رائد بعد منع مؤلفة فلسطينية من المشاركة

ألغى منظمون أحد أهم مهرجانات الكتَاب في أستراليا اليوم (الثلاثاء) بعدما قاطع 180 مؤلفاً الحدث، واستقالت مديرته قائلة ​إنها لن تكون شريكة في إسكات مؤلفة فلسطينية

«الشرق الأوسط» (سيدني )
ثقافة وفنون الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)

«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو حمزة شحاتة

هناك تماثلٌ عجيب بين محمد الثبيتي وحمزة شحاتة، وكلاهما دخل في اشتباك عميق مع القصيدة، فالقصيدة عند شحاتة لم تكن مجرد شعر، ولكنها نظامٌ ذهني وجودي.

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون رولان بارت

موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

وضْع الناقد الأدبي أمام المساءلة خيار يبدو لي صعباً، والتبشير أو الإعلان عن «موته» الرمزي هو موقف يحتاج إلى مراجعة نقدية أيضاً،

علي حسن الفواز
ثقافة وفنون مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن…

فاروق يوسف
ثقافة وفنون رامبو

رامبو في مرآة العباقرة

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص.

هاشم صالح

«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو حمزة شحاتة

الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
TT

«لكنه ينفجر شعراً»... محمد الثبيتي أو حمزة شحاتة

الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)
الناقد الأدبي عبد الله الغذامي (الشرق الأوسط)

هناك تماثلٌ عجيب بين محمد الثبيتي وحمزة شحاتة، وكلاهما دخل في اشتباك عميق مع القصيدة، فالقصيدة عند شحاتة لم تكن مجرد شعر، ولكنها نظامٌ ذهني وجودي، تتجاوز حدود جماليات النص وتوقع الشاعر في حبائل المعنى الوجودي، بحيث يصبحان معاً نصاً يعيش حياة خصوصية.

وقد كان شحاتة يتمثل معانيه الشعرية والنثرية في ذاته وكأنه بطل نصوصه، كحال ممثلٍ يكتب المسرحية، ثم يمثلها (كما كانت حال شكسبير). ولا يقف شحاتة عند ذلك، بل يتحول تمثيله للمسرحية إلى تمثلٍ لها، فيغير مسار حياته وفق شروط بطل المسرحية. ومحاضرة شحاتة الشهيرة «الرجولة عماد الخلق الفاضل» تحولت لتكتب سيرة شحاتة في سلوكه اليومي والحياتي، لدرجة أنه عزل نفسه عن الواقع المعيشي، ودخل في واقع افتراضي يتمثل فيه مستدعيات خطابه ومقولاته ويتخلق بها، وعاش غريباً ومختلفاً وغير قادرٍ على تقبل شروط الواقع.

وكذلك كان محمد الثبيتي الذي عاش حياة القصيدة وليس حياة الواقع البشري؛ فهو وُلد مسكوناً بالشعر، ولو لم يتعلم حسب نظم التعليم الحديثة لصار شاعراً نبطياً؛ لأنه ليس له من طريق للحياة إلا أن يكون شاعراً؛ ولذا عاش بوصفه كائناً شعرياً مشاغباً للواقع، ولا يقر له قرارٌ واقعي؛ فقد تورط بالقصيدة منذ عرفته الثقافة؛ أي حين خرج من رداء المجتمع الواقعي ودخل في خيمة النابغة. ولم تكن خيمة النابغة بعيدة عنه، فهو ابن مكة المكرمة، وعلى مد البصر هناك «سوق عكاظ» يستنشق محمد هواءه، وفُتن به وبذاكرة الشعر وخيمة القصيد. وحين شبّ شرع بكتابة الشعر حيث بدأ مع صيغة الشعر الحر (شعر التفعيلة)، ولكنه في بدايات الشعر حيث حضرت القصيدة الرومانسية عبره، ولم يبلغ بعد شعر القصيدة الحداثية، ثم اقتحم النص الحداثي، وكانت قصيدته «التضاريس» مغامرة شعرية كبرى أحرقت تجاربه السابقة في ديوانه «تهجيت حلماً تهجيت وهماً»، فقد كره هذا الديوان.

وفي أول لقاء لي معه عام 1984 بعد عودتي من رحلتي العلمية في أميركا ومعي «الخطيئة والتكفير» الذي مثل لي تحولاً جذرياً أولياً تبعه تحولاتٌ كثرٌ؛ في ذلك اللقاء نطقت عنوان ديوانه الأول من باب كسر جهامة اللقاء الأول، فرد عليّ وكأنه يتبرأ من الديوان ذاك ويتعالى عليه، مما جعله يقفز قفزة عملاقة خارج سلطة ذاك الديوان. وتم نشر ديوانه «التضاريس» في «النادي الأدبي» حاملاً قصيدته تلك، وهي النص الذي ظل يحتل أمسياته الشعرية رغم طوله؛ لأنه كان يرى أن القصيدة تلك مطلوبةٌ ومتوقعةٌ من أي جمهور يقف أمامه. وفي ليلة من ليالي الشعر الحداثي التدشينية التي ضمت أربعة شعراء حداثيين عام 1985 في «النادي الأدبي» بجدة، وحضرها معظم أدباء المملكة من كافة مدنهم، خاصة جيل الحداثة حينذاك، وكان محمد الثبيتي في صدارتها، وكنت رئيس تلك الجلسة، وعن يساري الشعراء، وأولهم الثبيتي، حضرت قصيدة «التضاريس» وطوّقت كل أركان القاعة المكتظة بالحضور، من جمهور حداثي جاء مؤازراً للحداثة، وجمهورٍ آخر معارضٍ وناقمٍ على الحداثة. وكانت الجلسة في عهدتي ليلتها، وبذلت جهداً استثنائياً لحماية الأمسية من الانهيار بما أن الأجواء متوترة، وهناك من جاء بنية إفساد الجلسة، ولكني استخدمت كل ما في خيالي من حيل احتلت بها لتمرير الجلسة دون مشاكل، وتم ذلك رغم كل التوترات، وأصبحت تلك الليلة ليلة فارقة في مسار الحداثة الشعرية، ولم يماثلها إلا ليلةٌ أخرى بفارق خمس سنوات في النادي نفسه حيث تم إجهاض حفل تكريم محمد الثبيتي وتتويجه بجائزة النادي على ديوانه إياه (التضاريس)، وقد فاز بجائزة النادي متغلباً على كل المتسابقين، وهذا أول فوز تفوز به قصيدةٌ حداثية، ولكنّ حشوداً حاصرت النادي ومنعت تسليم الجائزة، وتم ليلتها تهريب الثبيتي من الباب الخلفي للنادي حفاظاً على سلامته التي كانت معرضة لاعتداء من جمهورٍ متوترٍ ومتربصٍ بالنادي، وبتلك الليلة، وبالثبيتي شخصياً.

ومرت تلك الليلة ليس بسلام، وإنما بجرح عميق في ذاكرة الثقافة. أما هو فقد خرج من باب النادي الخلفي تحت ستر الظلام ليدخل الزمن من فوق شمس القصيدة، ولكنه عاش جو القصيدة بطريقته المبتكرة، وهي حال حمزة شحاتة. والشحاتية هنا ستتجسد في الثبيتي، الذي سار دون تقصّد منه مسار حمزة شحاتة؛ فكره الوظيفة كما كرهها حمزة شحاتة. وفرق بين الوظيفة والقصيدة، وقد اعتد الثبيتي بهذا الفارق كما فعل شحاتة، فتحول من معلم براتبٍ مجزٍ إلى موظف براتب أقل؛ لأن عمل الموظف أقل شروطاً من عمل المدرس. وترتب على ذلك أن ينتقل من مكة إلى الرياض بعد أن ترقى وظيفياً إلى مرتبة أعلى في الرياض، وهنا دخل في إشكال عملي بأن يترك أهله وبيته في مكة ليعيش في فندق في الرياض، وهذا ليس عبئاً مادياً فحسب، بل عبء نفسي كذلك بفرقة الأهل والولد. وفاتحني في هذه الحالة لعل لديّ حلاً لها، وقد وجدت الحل عند الدكتور ناصر الموسى الذي علم مني بوجود الثبيتي تحت إدارته، وعلم برغبته في العودة إلى مكة، ولكن النظام لا يسمح بذلك إلا بعد مرور سنة في عمله الذي ترقى إليه. وهنا تصرف الدكتور الموسى بتصرفٍ كريمٍ، وبتقدير خاص للشاعر؛ فأصدر قراراً بتكليف هذا الموظف بالعمل في مكتبة الوزارة في مكة. وهنا أحال الثبيتي للكتب والعيش مع الكتب، ولكنه عيشٌ مقيد يقيد طائر القصيدة، كما كانت حال شحاتة حين استقال من عمله وتفرغ لوظيفته الخاصة بالعيش حياة القصيدة، ومثله الثبيتي؛ إذ ضحّى بنصف راتبه لكي يتقاعد تقاعداً يسمى بالتقاعد المبكر حسب مصطلح النظام الوظيفي، وعاش بنصف الراتب، ولكن براتبٍ مضاعفٍ حسب شرط الشعر والكلمات والمعاني، كما هو جو حمزة شحاتة. ولم يطل به العمر ليمضي إلى ربه، ويترك لنا شعره ونموذجية الغرائبي الذي يستعيد حمزة شحاتة، ومن قبل كان المعري الذي حبس نفسه في محبسين. وهذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة، ويعيش حياة القصيدة، ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة بما أنهم «قصيدة».

وفي كل مرة قابلت فيها محمد الثبيتي كان يبدو حيياً وهادئاً، لكني كنت أرى في داخله بركاناً قابلاً للانفجار في أي لحظة، لكنه ينفجر بالحمم الشعرية، وينفجر شعراً، مما يعني أني لم أكن أراه بشخصه، وإنما كنت أرى القصيدة التي تختمر فيه وترعد لتمطر.

وهكذا مرّ الثبيتي على الحياة مرور المعنى الشعري بمزاياه المجازية في التحول والانزياح؛ أي إنه كائنٌ مجازي لا يقر ولا يسكن إلا بإيقاعه المختلف، لكنه كان راضياً باختلافه وعاشقاً لتحولاته. ومن هنا كان يبدو الهدوء الظاهري في كلماته وسمته، غير أنه ما إن يشرع في إلقاء قصيدته حتى يتفجر صوته ويملأ القاعة، لدرجة أن مكبر الصوت تعطل مرة في قاعة النادي، واضطررنا لتوقيف الإلقاء من أجل معالجة الخلل الصوتي، لكن محمد طلب الاستمرار في الإلقاء؛ لأنه لم يقبل أن يهين قصيدته بقطعها. وكان حماسه في الإلقاء والتماهي مع القصيدة يغني عن كل وسائط الأجهزة الصناعية؛ فالقصيدة أعلى صوتاً، وكأنه صنّاجة العرب القديم يعود، ولكن في ثياب قصيدة حداثية، وفي سيرة مجاز شعري تتحد فيه صورته بين بشريته وشعريته. وهكذا كان الثبيتي كما كان شحاتة بوصفهما كائنين مجازيين ونموذجين متميزين بسلوكهما كما بمنتجهما.

وبقي أن أشير هنا إلى معلومة سبق أن ذكرتها في كتابي «الخطيئة والتكفير» عن حمزة شحاتة، وهي أن في ملفه الوظيفي نجد عدد خطابات الاستقالة يفوق عدد خطابات التعيين، ومثله الثبيتي الذي ظل يتخلص من الوظيفة واحدة تلو أخرى.

وهذه صيغة علاقتهما المتوترة ما بين شروط المعاش وشروط الحالة المجازية. وكلاهما فرّ من الوظيفة إلى القصيدة، ومن الواقعي إلى المجازي. هذه قصص الشعراء حين يتحول الواحد منهم إلى قصيدة ويعيش حياة القصيدة... ويبقى لنا منهم نصوصهم وقصصهم المختلفة.


موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

رولان بارت
رولان بارت
TT

موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

رولان بارت
رولان بارت

وضْع الناقد الأدبي أمام المساءلة خيار يبدو لي صعباً، والتبشير أو الإعلان عن «موته» الرمزي هو موقف يحتاج إلى مراجعة نقدية أيضاً، لأن هذا الناقد ليس بعيداً عن تشكيل هوية المشهد الثقافي الذي تقوض كثير من أبنيته وأطروحاته ومرجعياته، حتى يبدو الحديث عن «موت الناقد» مسوغاً ومقبولاً في التداول.

ما طرحته القاصّة والروائية لطفية الدليمي في عدد جريدة «الشرق الأوسط»، الصادر في 8 يناير (كانون الثاني) 2026، يثير أسئلة مفتوحة عن توصيف موت الناقد، وعن المجاهرة بهذا الموت، مقابل الدعوة إلى حضور القارئ الذي سيملأ فراغات النصّ، بوصفه البديل الأكثر حيوية في تمثيل صانع القوة المعرفية الجديد، أو بوصفه القارئ الفائق، أو القارئ العمدة بتوصيف ريفاتير، وهذه الوظيفة تعني جرّ القراءة إلى رهانات صعبة، لا يمكن ربطها إلا بسياق التاريخ الإشكالي للميتات القديمة التي طرحها نيتشه ورولان بارت وفوكو، وأخيراً رونان ماكدونالد الذي ربط موت الناقد بصعود القارئ غير المتخصص والقريب من وظيفة «المُشغّل الثقافي».

التصريح بموت الناقد لا يعني الحديث عن غيابه، بقدر ما يعني الحديث عن أزمة مساءلة الخطاب النقدي، على المستوى الأكاديمي أو المنهجي، حتى المستوى الآيديولوجي، لأن الناقد سيظل شخصية مشاغبة، في سياق وظيفته، أو في سياق وعيه، وتأهيل دوره في توصيف القراءة يعني توسيع أدواته التي تُعطي لنصّه المجاور حرية فاعلة، وربما طاقة أخرى لمواجهة ما يخفيه المؤلف، خوفاً أو تورية، أو مكراً، وهذا ما يدفع الناقد لأن يكون «خبيثاً» أو فضائحياً، عبر جرّ النص إلى التأويل، وهي محاولة في الذهاب به إلى «فائض المعنى» بتوصيف ريكور، حيث يؤسس عبر هذا الفائض موقفاً قد يتقاطع مع المؤلف الآيديولوجي، ومع تمثلاته ومرجعياته المعرفية والجندرية والتاريخية.

الحديث عن «سلطة الناقد» لا يعني الحديث عن شبح يمكن استئجاره بتوصيف سليم بركات، لكي يدون سيرة مضادة، أو يمارس نوعاً من الاستبداد النقدي، بقدر ما يحضر كون القارئ الفاعل، الذي يدرك أن لعبة القراءة مفتوحة، لكنها ستكون أكثر تعقيداً عبر صناعة نصٍ موازٍ، أو عبر ما تقيمه من حوار مع المؤلف، الحوار الذي يشبه «العصف الذهني» المهيج لحوارات متوالية تتفاعل وتتنامى داخل مجتمع القراءة، لذا لا أحسب أن هذا الناقد سيمارس وظيفة «احتكار المعنى» أو أدلجته، بقدر ما سيكون أركيولوجيّاً يدرك أهمية الحفر في مستويات النص، بعيداً عن أي صلاحية، أو تخويل، وعن أي خرق لخصوصية النص الذي تحرسه الآيديولوجيا، وأحسب أن كثيراً من المؤلفين قد تحولوا إلى نقاد، لأنهم أدركوا أهمية الآخر في القراءة، الآخر الذي يمكن أن ينسلخ عن ذات المؤلف، أو من مرآته ليمارس رقابة أو مراجعة مغايرة للنص المكتوب، أو للذات النرجسية.

السرد وغواية الناقد

القاصة الكبيرة لطفية الدليمي من أكثر الكتّاب الذين انشغل بهم النقد العربي والعراقي، لأهمية وعمق مشغلها السردي، الذي استغرق عوالم غامرة بالصراع النفسي والاجتماعي، وبحيوات عاشت أزماتها الوجودية عبر اشتباكها مع واقع غرائبي، ومع تحولات عميقة في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، فهي لم تكن ساردة جندرية، بقدر ما أنها جعلت قصصها ورواياتها أسئلة فضاءات مفتوحة للقراءة والترميز النفسي والإنثربولوجي، ولا سيما ما يتعلق بشخصية البطل الثقافي - الرجل والمرأة - عبر تمثيل وعيها الحاد إزاء الحرية والحب والسلطة والعنف، وهناك من جعل من سردياتها وثائق لمقاربة «صدمة العراق السياسي» عبر شخصيات جعلت منها الدليمي أقنعة اغترابها، وتعقيدات مأزقها الوجودي، عبر تمثلاتها الرمزية في تاريخ العراق وأزماته الكبرى.

هذه الكشوفات ليست بعيدة عن كشوفات الناقد الذي كان قارئاً استثنائياً، الذي وجد في سرديات الدليمي، مرجعاً لتنشيط «التخيل التاريخي» ولتقويض التاريخ عبر السرد، وربما للكشف عن علاقات تخص النص بالمعرفة والجسد، أو بالاجتماع السياسي، أو بالآيديولوجيا، التي كثيراً ما تتسلل عبر لا وعي المؤلف، ومهمة الناقد تتجلى عبر إثارتها، وليس بالتحوط والتحول إلى كائن مهووس بالأحكام، أو ربما بتأويلات يخشى المؤلف الكشف عنها، لأن النص هو مرآته الشخصية، والناقد هو اللص الذي يتنمر بكشوفات خرق نرجسية المرآة.

عدم مقبولية وظيفة الناقد في «زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّب طويلاً» كما تقول الدليمي، لا يعني عزلاً لمسؤولية الناقد، ولا إحالته لـ«التقاعد الوظيفي»، لأن زمن النص أصبح مكتفياً بذاته، وسلطة القارئ تعمد إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك المعرفي، وممارسة وظيفة سدّ الفراغات وتقبّل صدمة التلقي والتوقع.

أحسب أن هذه المفارقة الوظيفية لا تعني تبادل أدوار، ولا خرقاً لبداهات جعلتها الواقعية النقدية جزءاً من مشروعها، ومن سلطتها ومن مناهجها، بقدر ما أنها أعادت التموضع على وفق تحول القارئ، بوصفه ناقداً، لأن هذا القارئ ليس هامشياً، وحيازته لأدوات القارئ المعرفي تعني أيضاً تبديلاً في عنوانه الإجرائي، وأنه سيكون مشاركاً، ليس في صياغة أخرى للاستبداد النقدي، بل في أن يكون المشارك والمؤوِل الذي يجعل من النص مفتوحاً على قراءات، وعلى مقاربات متعددة، تتجدد مع تجدد تلك القراءات، عبر تعدد مرجعياتها ووسائطها، وعبر مفاهيمها التي تغتني حتماً بالكشوفات الجديدة، ما سيعزز من فاعلية القراءة، بعيداً عن السلطة والآيديولوجيا و«القول الفصل»، كما تذهب الدليمي.

إن تغيّر النصوص، وتنوع اشتغالاتها، وتعدد قراءاتها، وانفتاح سرودها على زمن متشظٍ، لا يبرر عزل الناقد، أو الدعوة إلى إماتته، بقدر ما يعني دعوته لتجديد أدواته، وإلى التخلّص من ذاكرة «الناقد الانطباعي» و«الناقد الآيديولوجي» و«الناقد المسلكي» والانهمام بصياغة «قواعد اشتباك» فاعلة، وحيوية تتسق مع سرعة تشكل وتغاير الأفكار والمناهج، حيث تكون «ديمقراطية التأويل» كما تقول الدليمي سانحة للقبول بالمختلف، ومنافسة المؤلف على حيازة نصوصه التي يتوهم أنه حارسها الوحيد.

ما طرحه رولان بارت عن «موت المؤلف» لا يعني سوى موت المؤلف الآيديولوجي الذي صنعه اليسار التقليدي الستاليني، وأن موته يعني ولادة «النص» الذي يجد في بناه الداخلية ترياقاً للخصب والقوة والاكتفاء، ولأن هذا الموت البنيوي كان خدعة، فإنه سرعان ما تخلى عنه مؤسِّسوه الذين جعلوا من «ما بعد البنيوي» مجالاً لصياغة مفاهيم مضادة، تخصّ الفردانية، و«ما بعد حداثية»، والعودة إلى الكائن المراقب، والعيادي، وصانع الأساطير الصغيرة.

الناقد قد يكون شبيهاً بكائن ميشيل فوكو، الذي يجد هوساً بالرقابة، وبأن النص الذي يكتبه مجالٌ عيادي يحتاج دائماً إلى المشفى، وإلى الجراح كنظير لاستدعاء القارئ والمؤول والباحث الحرّ الذي يجعل من القراءة، أو من القراءات، ممارسة في الحثِّ على التوليد والإغواء والإثارة، وإلى إعادة النظر بسلطة المؤلف ذاته.

موت الناقد... موت القارئ

أجد في هذه الثنائية تلازماً في تغويل إشاعة فكرة الموت الرمزي، وفي زحزحة وظائفهما، لأن موت الناقد أو عزله سيكون باعثاً على موت القارئ الذي يتقنع به، وعلى تجريد النص من مريديه، وتحويل المؤلف إلى كائن مستبد، يروّج لتفوقه، ولسلطته بعيداً عن شغف اللذة التي تستدعي الآخرين إلى ما يحمله النص من إيحاءات، أو من انساق مضمرة، أو من رثاثة لن تكون بعيدة عن المؤلف الذي يرى نفسه وحيداً في المرآة المقعرة، أو المنحنية.

الناقد العمومي ناقد صنعته الصحافة والموضة وأنظمة الاتصال، لكن الناقد المتخصص هو الناقد الذي صنعته «الأكاديميات»، والذي يملك منهجية وفاعلية التجاوز، ويمنح خطابه قوة للتعالي، وللكشف. وأحسب أن من كشف بودلير في «حداثته» وفي نظرته للنص العابر هم النقاد الفاعلون، ومن كشف نيتشه وخرقه الفلسفي هم النقاد الذين خرجوا من زمنه إلى زمن نصوصه، حتى كافكا الذي تحول إلى ساحر سردي كان جزءاً من لعبة النقاد الذين قرأوا نصوصه الغريبة بعد رحيله، بعد أن اتسعت مساحة قراءتها لنقاد آخرين أكثر وعياً بما تحمله من جدة وحساسية وخرق للمألوف السردي.

ما طرحه رونان ماكدونالد في كتابه «موت الناقد» يعيد طرح السؤال حول هوية الناقد، وحول الوعي والصلاحية التي يمكن لهذا الناقد أن يملكها بوصفه قارئاً متعالياً، وليس بوصفه حارساً أو صاحب دكان، بل بوصفه عارفاً بالمقروء، وكاشفاً عن المخبوء، وفاعلاً في تحويل القراءة إلى خطاب مجاور، وإلى دليل يعزز من كشوفات النص، ومن محمولاته المعرفية والجمالية حتى القبحية، كما يقول أصحاب النقد الثقافي.

التسمية لا تهم في هذا السياق، لأنها قد تكون مخادعة، فـ«المشغّل» هو الناقد، و«القارئ العمدة» هو الناقد، ومشغله النقدي لن يكون بعيداً عن النص ومرجعياته، وعن إحالاته التي يتحول الدرس والحفر فيها إلى اجتهاد ثقافي معرفي، له قاموسه ومنهجه، وله أدواته التي تجعله فاعلاً في إثراء النص وفي تأهليه للقراءة الفاعلة.


جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
TT

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

وضمت القائمة القصيرة: أماني سليمان داوود عن مجموعتها القصصية «جبل الجليد» (الأردن)، الصادرة عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، وشيرين فتحي «عازف التشيلّو» (مصر)، ومحمود الرحبي «لا بارَ في شيكاغو» (عُمان)، «دار الشروق»، وندى الشهراني «قلب مُنقَّط» (قطر)، «دار جامعة حمد بن خليفة للنشر»، وهيثم حسين «حين يمشي الجبل» (سوريا - بريطانيا)، «منشورات رامينا».

وأطلقت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، على الدورة الثامنة، اسم: دورة الأديب الكويتي فاضل خلف، أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955.

وقالت جائزة «الملتقى»، في بيان: «يواصل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (في الكويت)، أنشطته احتفاءً بالكويت عاصمةً للثقافة العربية والإعلام العربي لعام 2025، وفي تعاون مشترك بين المجلس الوطني وجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، في دورتها الثامنة 2026 - 2025، فإنّ المجلس الوطني سوف يحتضن في مكتبة الكويت الوطنية احتفالية الجائزة في الكويت بداية الشهر المقبل».

المجموعات القصصية المؤهلة للقائمة القصيرة (الشرق الأوسط)

وأضافت أن لجنة تحكيم الجائزة ستجتمع لاختيار الفائز لهذه الدورة، واللجنة برئاسة الدكتور: محمد الشحّات، وعضوية كل من: الدكتور عبد الرحمن التمارة، والدكتورة عائشة الدرمكي، وسميحة خريس، وإستبرق أحمد.

وقد تم فتح باب الترشّح للدورة الثامنة بتاريخ الأول من مايو (أيار) حتى نهاية يونيو (حزيران) 2025. وبعد فرز الأعمال المتقدِّمة، وتحديد الأعمال المستوفاة لشروط الترشّح، تبيَّن أن العدد الإجمالي للمترشِّحين لهذه الدورة هو 231 مترشّحاً من جميع الأقطار العربية والعالم، من 28 بلداً.

وقالت الجائزة إن لجنة التحكيم وضعت جُملة من المعايير الإبداعية والنقدية الدقيقة شملت: «تحديد الثيمة، وتشمل: الجِدّة في التناول، وزاوية الرؤية، وحضور الخيال، ودقة العناوين. وتوظيف اللغة، بما يشمل: التجريب اللغوي، وانتقاء المفردات أو بناء الجملة السردية أو الأسلوب. وجماليات البنية السردية (الحبكة)، وتشمل: بناء الشخصية، والحدث، والزمكان، ومناسبة اللغة مع تقنيات السرد أو الحوار. ومنظومة القيم العُليا (الحق والخير والجمال)، وتشمل: الأبعاد الرمزية في القصص، وحُسن توظيفها لخدمة الرؤية الجمالية.

وكذلك الرؤية الجمالية والثقافية، وتشمل: تمثيلات القصص لقضايا الإنسان (العربي) المعاصر، وروح العصر، ومتغيِّرات الواقع المعيش. ومدى الإضافة النوعية للقصة القصيرة العربية، سواء في انتقاء الموضوعات أو الأساليب الفنية أو طرائق السرد والحوار».

وستُصدِر الاحتفالية كتاباً تذكاريّاً بعنوان «مُختارات من القصّ العربي»، إضافةً إلى مجموعة «أحلام الشباب» للكاتب الراحل فاضل خلف، وبمقدّمة من الدكتور سليمان الشطي، وكتاب تذكاري عن الأديب فاضل خلف.

الأديب طالب الرفاعي مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة (الشرق الأوسط)

وفي كلمة للأديب طالب الرفاعي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة، أشار إلى اعتزاز الجائزة بالشراكة المتينة مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعبَّر عن سعادته بأن تبقى دولة الكويت، ممثّلة بجائزة الملتقى، مكاناً مضيئاً للقصة القصيرة العربية، وأنها ما زالت منذ عشر سنوات تقدّم سنوياً أسماء لقصاصين مبدعين يقدّمون أعمالهم القصصية للوطن العربي عبر الترجمات إلى مختلف اللغات العالمية.