هل تأثّر بورخيس بالغزالي؟

مقارنة بين نصّين

هل تأثّر بورخيس بالغزالي؟
TT

هل تأثّر بورخيس بالغزالي؟

هل تأثّر بورخيس بالغزالي؟

الأدب في مجمله ليس سوى تاريخ يجنح إلى المحو... محو اسم كاتب وتثبيت اسم كاتب جديد آخر فوقه في عملية لا نهائية

يعرف قارئ بورخيس أن مفردات وأسماء، مثل القرآن، التأريخ الهجري، العباسيين، بغداد، «ألف ليلة وليلة»، القاهرة، زهير بن أبي سلمى، البلاذري، ابن خلدون، ابن رشد، والغزالي، بما تنطوي عليه من دلالات، هي بعض مما يحتويه سِفر بورخيس في بعده العربي - الإسلامي الظاهر. هذه المفردات، بقدر ما تكون باعثاً على دهشة القارئ لسعة اطلاع واهتمام الكاتب، من جهة، وتفاعله مع نصوص ورموز في الثقافتين العربية والإسلامية والاستفادة منها أو استنطاقها بطريقة مغايرة، من جهة أُخرى، هي بالقدر ذاته تمثل علامة، وشاهداً آخر على موسوعية بورخيس، وكونيته. وكثيراً ما استحال هذا التفاعل إلى تأثر، الشيء الذي لا يفاجئ كثيراً دارسي بورخيس والمهتمين بأدبه؛ فهو في الأخير يشكل ملمحاً مهماً وأساسياً في سيرته الكتابية، عامة، إن لم يكن العنوان الأبرز فيها، والحديث هنا عن تفاعل بورخيس مع الثقافة الإنسانية بإطلاقها. وما يعزز حكماً كهذا، من بين شواهد كثيرة، ما شخّصه بجرأة ألبرتو مانغويل، في حوار معه، تضمنه كتاب «بورخيس صانع المتاهات»، ترجمة محمد آية العميم، حيث يرى أن «المظهر الأكثر إثارة للاهتمام أو الأكثر أهمية لعمل بورخيس فيما ندعوه بتاريخ الأدب أو تاريخ القراءة هو أنه لم يأتِ بجديد؛ فهو يعيد اكتشافاتٍ وأفكاراً مبتدعة تشكّلت عبر تاريخنا الأدبي بغية إعادة نشرها وإشاعتها ليجعلنا نكتشفها ونستعملها في توليفات مغايرة». ومبدأ التأثر، عموماً، مما لا ينكره بورخيس نفسه، ولطالما أشار إلى مقولة روبين داريو، الشاعر النيكاراغوي، التي تفيد بأنّ الوحيد الذي يحق له نفي تأثره بأي كاتب قبله، هو آدم. ويمكن وصف بورخيس بأنه سليل مكتبة العالم، والأكثر انتماءً لها، وما أكثر المواضع التي يؤكد فيها تأثره المباشر بكتَّاب آخرين، باختلاف وتنوع اتجاهاتهم وعصورهم. وقد يكون تبحّر بورخيس في ثقافات وآداب العالم المختلفة ليس من دون ثمن، «فهو قد قرأ كلّ شيء»، كما يرى أندريه موروا! والثمن المعني هنا هو هذا التسرب الذي يحدث من تلك الآداب والثقافات، جرّاء إبحاره فيها، إلى أدبه ونتاجه، تسرب يحفر بالتالي مجراه عميقاً لديه، سواء فيما يخوض فيه من تفاصيل أو ثيمات كبرى في ذاتها، كالخلود، شكّلت بالأخير هويته وكرّسته كاتباً ومفكراً على صعيد عالمي.

غلاف "كيمياء السعادة" للغزالي

وبما أن «مصادر» بورخيس أكبر وأوسع من أن يتم حصرها، بالمعنى الدقيق، وتحديدها، فإن هذا المقال لن يكون معنياً هنا سوى بنص واحد يرى أنّ بورخيس قد عمد إلى استثمار فكرته، بعد تمريرها في مختبره، بلاغة ومعالجة، اتساقاً مع الهدف الأدبي - الجمالي، حيث يمكن النظر إلى نص بورخيس هذا، أيضاً، كقصيدة نثر بمعناها الأوروبي. وبمجرد قراءة النصين، يخرج القارئ بانطباع عن مدى التشابه، وكأنّ نص بورخيس صدى للنص المذكور، والنص المعني يعود لأبي حامد الغزالي (1058-1111م)، الفيلسوف والعالم الإسلامي، وستتم مقارنته بما يقابله لدى الأديب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1899 - 1986)، ومناقشته. يرد النص في كتاب «كيمياء السعادة»، وقد اعتمدت، هنا، نسخته المتضمنة في مجلّد «مجموعة رسائل الإمام الغزالي»، بمراجعة وتحقيق إبراهيم أمين محمد، المكتبة التوفيقية - مصر. وكتاب «كيمياء السعادة» المترجَم عن الفارسية هو اختصار وتشذيب لكتاب «شرح عجائب القلب» في موسوعة «إحياء علوم الدين»، ذائعة الصيت. أما نص بورخيس فقد تضمنته خاتمة كتاب «الصانع»، الذي يضم نصوصاً مختلفة وقصائد، وهو بترجمة سعيد الغانمي، وإصدار «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

نص الغزالي

«واعلم أن نفس ابن آدم مختصرة من العالم، وفيها من كل صورة في العالم أثر منه، لأن هذه العظام كالجبال، ولحمه كالتراب، وشعره كالنبات، ورأسه مثل السماء، وحواسّه مثل الكواكب». وأيضاً فإن في باطنه صُنّاع العالم، لأن القوة في المعدة كالطبّاخ، والتي في الكبد كالخبّاز، والتي في الأمعاء كالقصّار، والتي تُبيّض اللبن وتُحمّر الدم كالصبّاغ. والمقصود أن تعلم كم في باطنك من عوالم مختلفة كلهم مشغولون بخدمتك، وأنت في غفلة عنهم، وهم لا يستريحون، ولا تعرفهم أنت، ولا تشكر مَن أنعم عليك بهم.

نص بورخيس

«يوكل رجل لنفسه مهمة رسم العالم. وخلال السنين يعمر الفضاء بصورة الأقاليم والممالك والجبال والبحار والسفن والجزر والأسماك والغرف والأدوات والنجوم والخيول والناس. وقبل موته بقليل، يكتشف أنّ ما ترسمه تلك المتاهة الطويلة من خطوط هي صورة وجهه».

غلاف "كيمياء السعادة" للغزالي

على الرغم مما بين النصين من فارق على صعيد هدفية كل منهما؛ فلدى الغزالي يسمو الهدف الأخلاقي فوق أي اعتبار، بحكم طبيعة انشغال وتوجه كاتبه اللاهوتي، وهو ما يقوله النص ابتداءً، وما يفسر، أيضاً، تسمية «رسالة» المعتمدة للكتاب ككل (هنا تجب الإشارة إلى أن المقال يتناول نص الغزالي حتى جملة «وحواسّه مثل الكواكب»، فهذا الجزء هو المعني بالمقارنة بنص بورخيس، وهو الذي استدعى هذه الكتابة)، فيما يكون الهدف وكما هو متوقع لدى بورخيس، أدبياً، جمالياً، فإن ما يوحد النصين، إضافة إلى وحدة الفكرة فيهما، وهو المشترَك الأهم، طابعهما الكوني المتمثل بسعي الكاتبين إلى تقديم صورة يتكامل فيها الإنسان والعالم، ويختصر كلٌّ منهما الآخر. وهي خصيصة حاسمة تعطي كلا النصين صبغته وفخامته الجمالية والفنية وتعزز من قيمته الإبداعية. إنّ الأدبي يمكن له أن يتفوّق على أي اعتبار آخر في نص الغزالي، فالمنطلق في النظر إلى كتابة الغزالي هنا منطلق فني يرى أن الأخير قد استوى في نصه القصير هذا مبدعاً استطاع أن يرسم بكلماته لوحة متكاملة، داغماً فيها الإنسان بمظاهر عظمة الكون وتجليات الطبيعة، موحِّداً ومناظِراً بينهما، ليتعاظم حجماً ونفْساً، وقد كانت ذروة شعرية النص والتماعته تشبيه الرأس بالسماء، ومعادلة الحواس بالكواكب. وعلى الرغم مما تقدم من هدفية الغزالي الروحانية، بالمعنى المضموني - الرسالي، في نصه هذا أو كتاب «كيمياء السعادة»، إجمالاً، فإن ذلك لم يأتِ على حساب الاكتناز المجازي، وبالتالي، الجمالي للنص.

بهذا المعنى فإن الغزالي قد كتب قصيدته، بمعنى تحقق الشرط الشعري وليس بالضرورة قصْديته. إن التواتر لدى الغزالي في استخدام أدوات أدبية، كالتشبيه والعناية بالصوغ والنحو إلى التكثيف، وطبيعة بناء النص، كل ذلك يشف عن قصدية إبداعية ومنهجية أدبية. كما لا يمكن إغفال البعد الجوهري للنص، وهو بُعد صوفي يلتقي، بالضرورة، بالبعد الفني، ليتحدد بذلك الإطار النهائي له، وهو إطار أدبي، بامتياز، وهو ما يكون عليه الخطاب الصوفي، منظوراً إليه في مداه الإبداعي الخالص، من وجهة نظر الأدب، كما لدى ابن عربي، والنفّري، والبسطامي، تمثيلاً لا اقتصاراً. بالمقابل، فإن المسعى الأدبي لبورخيس لم يسلب نصه المسحة الصوفية التي بدا عليها، فالروح التي حكمت النصين هي روح واحدة، تسعى لأن تتسقّط أو تتقرى ظل العالم على الإنسان، وبالعكس، ليبدو بالأخير كل منهما هو الآخر. هنا ما يدعو إلى القول، بشيء من المفارقة، بغزالية بورخيس وبورخيسية الغزالي!

إن صوفية بورخيس، وإن اختلفت دوافعها لديه، تلتقي مع الصوفية بصفتها اللاهوتية، فهي تعني عنده، أيضاً، التحرر من ثقل العالم المادي، المحسوس، لذا فإنّ بورخيس الميتافيزيقي، يغلب على بورخيس الفيزيقي، من دون الاستنكاف عن اليومي أو الجزئي، كما في تفصيلة الانتقال من رحابة الأقاليم إلى محدودية الغرف، في النص أعلاه. وفضلاً عن الثقافة العربية الإسلامية، تخبر آثار بورخيس عن درايته بالشنتو، والبوذية، والهندوسية، والوثنية، والقابالا اليهودية، وما يتجاوز ذلك إلى تفاصيل وشوارد في ثقافات الشعوب، وهو ما ينبئ أن ذلك يكون أدعى لاطلاعه على آثار الغزالي، الحاضر لديه مع عنوان كتابه المعروف «تهافت الفلاسفة»، في قصته «بحث ابن رشد». وإجمالاً، فإن حضور الغزالي جلي في الثقافة الأوروبية، حتى إنّ كتابه «إحياء علوم الدين»، مترجم إلى أكثر من لغة رغم الطابع الفقهي لكثير من محتواه. أما «كيمياء السعادة»، فهناك ترجمتان بالإنجليزية له تعودان إلى عامَي 1873 و1910.

إنّ ما يمكن القطع به، إلى كل ما تقدّم، هو أن الأدب في مجمله ليس سوى تاريخ من التأثير والتأثّر، بل حتى ما يتجاوز ذلك. تاريخ يجنح إلى المحو؛ محو اسم كاتب وتثبيت اسم كاتب جديد آخر فوقه، في عملية لا نهائية، وإذا كان الاسم ينحو إلى طمس الاسم، وقد ينجح في ذلك، سوى أنّ المتن يقف على الضد، فهو الطرس الذي يفضح ذلك. والطِرس، في القاموس، هو الصحيفة أو الكتاب الذي مُحي وأُعيدت كتابته، والتطريس وفقاً لجيرار جينيت هو محو نص قديم وكتابة نص جديد فوقه، دون أن يستطيع النص الجديد إخفاء آثار المكتوب القديم، تماماً. وقد يكون هذا هو ما فعله بورخيس مع نص الغزالي، بشكل أو آخر، دون نسيان أن بورخيس هو ذاته مَن سعى دائماً إلى تأكيد وتعزيز هذه الحقيقة، فالكتّاب جميعاً، برأيه، إنما يكتبون في الواقع كتاباً واحداً. وهكذا، فإنّ قراءة بورخيس تعني توقّع الاستماع، لا إلى صوت وحيد معزول، بل إلى صوت مسكون بسيل من الأصوات الأدبية للرواد السابقين عليه. مثلما يذهب إلى ذلك الناقد هارولد بلوم في كتابه «كيف نقرأ ولماذا»، وكأنّ بورخيس الكاتب لا يكتمل دون شرط حضور الكتاب الآخرين فيه، مثلما أن قراءته لا تتم دون الوعي بحقيقة هذا الحضور.



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.