غزة تقسّم المشهد الثقافي الفرنسي

موجة من الإلغاءات طالت التظاهرات الثقافية حول فلسطين

ميشيل ويلبيك
ميشيل ويلبيك
TT

غزة تقسّم المشهد الثقافي الفرنسي

ميشيل ويلبيك
ميشيل ويلبيك

- «كيف بتطلعي على واحد خسر كل شيء؟».

- «بشفق عليه».

- «إحنا ماكنش بدنا شفقة من حدا كان بدنا نرجع على بلادنا».

بوستر" وردي"

هذا الحوار من فيلم التحريك «البرج» أو («وردي» في النسخة الفرنسية)، وهو عمل من إنتاج نرويجي سويدي فرنسي، للمخرج النرويجي ماتس غرود. هذا العمل الفني يجسّد أحلام اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون على أمل العودة إلى وطنهم بعيون فتاة صغيرة تسمى «وردي»، وكان من المفروض أن يُعرض في عدد من المدارس الفرنسية على جمهور من الأساتذة والتلاميذ، في إطار ما يسمى «مهرجان السينما في التكميليات» إلى أن صدر قرار مفاجئ بإلغاء كل العروض المبرمجة عقب هجوم 7 أكتوبر (تشرين الثاني). عميد أكاديمية باريس المسؤول عن هذا الإلغاء برّر القرار «بالسياق الدولي الشّديد التوتر» وهو ما أثار موجة من الانتقادات، على رأسها موقف «المرصد الفرنسي للإبداع» الذي استنكر في بيان رسمي بعنوان «الأعمال الفنية ليست مُذنبة»، جاء فيه ما يلي: «المرصد يستنكر بشدة إلغاء العروض الثقافية، ويناشد المُبرمجين من مسؤولين على مستوى المؤسسات الثقافية والساسة احترام التزاماتهم بنشر الأعمال مهما كانت جنسية المبدعين أو موضوع الأعمال». صحيفة «ليبيراسيون» التي نقلت هذا الخبر أشارت إلى أن قرار الإلغاء سابقة خطيرة لم تشهدها فرنسا منذ 30 سنة من وجود هذه العروض التي يشاهدها سنوياً مليونا تلميذ. الصحيفة نقلت التعليق التالي: «دعونا نسمي الأشياء باسمها، إنها رقابة... وهو أمر مؤسف، خاصة أن (وردي) فيلم غني بالمعلومات والحقائق التاريخية التي يجهلها الجمهور غير العربي، والتي قد تفسر له حيثيات الوضع الحالي». وفي مقال آخر بعنوان «منع عرض فيلم تحريك عن فلسطين»، نقرأ على موقع «كونتر أتاك» أن مشكلة هذا الفيلم هي أنه يضفي على الفلسطينيين طابعاً إنسانياً، أي أنهم ليسوا إرهابيين مُتوحشين، ليس لهم هدف آخر في الحياة سوى قتل الإسرائيليين، وهذه حقيقة قد تزعج البعض. في حوار مع موقع «أنفيستيغ إكسيون» صرحّت الفلسطينية روان عودة، إحدى منظمات «مهرجان سينما فلسطين»، في مقال بعنوان «كل مبادرة ثقافية على صلة بفلسطين أصبحت مهددة»، أن «قرارات رسمية صدرت بقطع المساعدات المادية عن المخرجين الفلسطينيين، وكل التظاهرات الثقافية والسينمائية والموسيقية التي نوّد تنظيمها لشرح الأوضاع في فرنسا تمنع، بل تُلغى تماماً، ليست لدينا أي أخبار عن المشاركين في الطبعة العاشرة من (مهرجان سينما فلسطين) بسبب الأوضاع، كما أن رفض منح تأشيرات السفر عقّد الأمور أكثر، وبالرغم من ذلك نحن نكتب لهم باستمرار، على أمل أن يروا رسائلنا ولا يفقدوا الأمل».

كارولين فورسيت

كما نقلت أسبوعية «تيلي راما»، في موضوع بعنوان «في مرسيليا، وباريس، وتولوز، إلغاء النشاطات الثقافية المرتبطة بفلسطين يثير القلق»، شهادة كثير من مسؤولي المؤسسات الثقافية الذين عبّروا عن استيائهم من موجة الإلغاءات التي أعقبت هجوم 7 أكتوبر. فلورانس مارفين، رئيسة لجنة التوأمة بين مدينة حلحول الفلسطينية (الضفة الغربية) وأنوبون (شمال فرنسا)، عبّرت عن غضبها بعد قرار البلدية إلغاء تظاهرة فنية حول السينما الفلسطينية، مصّرحة للمجلة الفرنسية: «التوأمة تعزز العلاقات بين المدن مع مراعاة جميع الحساسيات، وهي جمعية غير سياسية، ولذا فلا يوجد سبب لإلغاء هذه التظاهرة، هناك من يمنعنا من الحديث عن فلسطين... إنه أمر مُنافٍ للديمقراطية». معهد العالم العربي، على غرار المؤسسات الأوروبية الأخرى، قرر أيضاً إلغاء التظاهرات المبرمجة على هامش فعاليات معرض «ما تقدمه فلسطين للعالم». مارتان غارايان، مساعد رئيس المعهد شرح سبب هذا الإلغاء في بيان صحافي: «نظراً لعدد الضحايا من المدنيين من غير اللائق الاستمرار في الفعاليات، وخاصة الموسيقية»، مذكراً بأن التحاق المشاركين بالمعرض في باريس أصبح مستحيلاً حالياً بسبب الحصار. وسائل الإعلام الفرنسية نقلت أيضاً قرار عمدة شوازي لو روا (ضاحية باريس) بإلغاء عرض مسرحية البريطاني العراقي حسن عبد الرزاق «ها أنا ذا»، المستوحاة من القصّة الحقيقية لأحمد الطوباسي، وهو شاب فلسطيني ولد في مخيم جنين، وتتّبع رحلته من الكفاح المسلح إلى المسرح كأداة للمقاومة.

روفائيل أنتوفين

وإضافة إلى موجة الإلغاءات، فإن تفاعل المثقفين الفرنسيين مع الأوضاع المأساوية في غزة تباين بين تأييد مُطلق لإسرائيل، واستنكار لما يتعرض له المدنيون في غزة. ففي صحيفة «لوموند»، في موضوع بعنوان «الحرب بين إسرائيل و(حماس) تقسم النخبة الفكرية» يشرح الفيلسوف بيار شاربونيي أنه بعد هجوم 7 أكتوبر تكوّن لدينا معسكران، من جهة من يُتهمون بمعاداة السامية ممن يؤيد القضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى من يُتهمون «بالفاشية»، وهم الفريق الذي يؤيد الحرب التي تشنّها إسرائيل.

صحيفة «لومانيتيه» مثلاً نشرت لائحة من إمضاء مثقفين وفنانين، من بينهم الكاتبة الحاصلة على جائزة نوبل للأدب، آني إرنو، جاء فيها أن «هذه الهجمات تشكل عقاباً جماعياً بغيضاً للشعب الفلسطيني وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، ولا تشكل بأي حال من الأحوال ممارسة لحقّ الدفاع عن النفس». في عمود آخر بصحيفة «لوموند»، بعنوان «للدفاع عن السلام يجب الاعتراف بأن حياة البعض تساوي حياة البعض الآخر...» يحذر مجموعة من المفكرين، منهم الباحث في العلوم السياسية برتران بادي ورجان سيناك والفيلسوف إيتيان باليربار والمؤرخ جيروم سيغل من غياب التوازن في التعامل مع أطراف النزاع الفلسطيني والإسرائيلي، فبينما تتعاطف وسائل الإعلام والجهات السياسية مع ما حدث للإسرائيليين، تتجاهل تماماً آلام ومعاناة الفلسطينيين، وكأنهم مجرد أرقام. المجلة الثقافية «لي زاروكوبتيبل» سألت في عددها الـ26 المفكر المخضرم إدغار موران (102 سنة) عن أكثر حدث استاء منه هذه السنة فقال: «لا أشعر بالاشمئزاز فقط، بل بالرعب، بؤرة حرب جديدة ظهرت بعد هجوم (حماس)، والردّ القاسي والمتوحش لإسرائيل على غزة، القضية النائمة لآخر احتلال في الكون، الذي يستهدف الشعب الفلسطيني، استيقظت، نحن أمام خطر اشتعال الوضع في الشرق الأوسط وحرب عالمية جديدة».

في المقابل، عبّرت شخصيات أخرى عن تعاطفها مع إسرائيل، أحياناً بطريقة صادمة كالكاتبة كارولين فوريست، التي أعلنت في لقاء بقناة «بي إف إم تي في» أن «هناك فرقاً بين الضحايا الإسرائيليين والضحايا الفلسطينيين، لأن إسرائيل لم تقصد قتل الأطفال، لأنها كانت تدافع عن نفسها، عكس (حماس)». تصريحات كارولين فوريست انتقدت بشدة، لأنها توحي بأن أرواح الإسرائيليين أكثر قيمة من أرواح الفلسطينيين. النائبة ماتيلد بانو من حركة «فرنسا الأبية» اليسارية تقدمت بشكوى لهيئة «أركوم»، التي تراقب محتوى وسائل الإعلام للاحتجاج على تصريحات الكاتبة الصادمة.

صحيفة «ليبيراسيون»: قرار إلغاء عرض فيلم «وردي» سابقة خطيرة لم تشهدها فرنسا منذ 30 سنة من وجود هذه العروض التي يشاهدها سنوياً مليونا تلميذ

الفيلسوف رافائيل أنتوفن هو الآخر حاول تبرير جرائم إسرائيل بقوله: «هناك فرق بين المدنيين الذين يُقتلون في الشوارع على يد قوات كوماندوز إسلامية، وبين الضحايا العرضيين للتفجيرات التي أعقبت هذا الهجوم، يجب أن ننوه بهذا الفرق، بل من المهم القيام بذلك». الفيلسوف برنار هنري ليفي ذهب أبعد من ذلك، حين شرح في لقاء صحافي ما مفاده أن «المسؤول عن موت الأطفال الفلسطينيين هم آباؤهم، لأن الجنود الإسرائيليين يحذرون سكان غزة قبل إطلاق القنابل». الكاتب المثير للجدل ميشيل ويلبك أكد مرة أخرى مساندته لإسرائيل، حين صرّح في حوار مع التلفزيون الإسرائيلي بأن الجيش الإسرائيلي يفوز دائماً، وسيفوز هذه المرة أيضاً، منتقداً ردود الأفعال المُعادية لإسرائيل في فرنسا، التي أرجعها لنفوذ اليسار، الذي يحاول كسب أصوات المسلمين من سكان الضواحي.


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.