الرواية متوّجة على رأس قراءات المثقفين اللبنانيين عام 2023

لا تزال الترجمة ركناً أساسياً من الزاد السنوي

رشا الأمير
رشا الأمير
TT

الرواية متوّجة على رأس قراءات المثقفين اللبنانيين عام 2023

رشا الأمير
رشا الأمير

لا تزال الرواية تحتلّ مكان الصدارة لدى المثقفين اللبنانيين وقراءاتهم، لكن الظروف الصعبة أعادت البعض إلى التاريخ ومراجعة الأحداث، وكذلك المؤلفات الفكرية، والسير الذاتية، لكن تبقى الرواية مُتوَّجة، سواء المكتوبة باللغة العربية أم المترجمة من لغات أخرى. وهنا حصاد لأمتع الكتب لحصاد عام 2023.

حسن داود (روائي): روايات مترجمة من كل اللغات

اخترت عشرة كتب قرأتها، وهي في معظمها صادرة هذا العام. كتاب توماس مان «تونيو كروغر»، وهو مزيج من رواية وسيرة لحياة الكاتب، أو سيرتين اثنتين تفصل بينهما ثلاث عشرة سنة من الزمن. الكتاب الثاني هو رواية كورية لهان كانغ عنوانها «النباتية»، وهي عن السقوط في الجنون الكامل لامرأة. الرواية قاسية وعنيفة الوصف، لكنها عميقة ومبدعة.

«ماكيت القاهرة» لطارق إمام، تحكي عن شبان تقدموا للاشتراك في صنع ماكيت للقاهرة؛ لتحطيمها بعد ذلك.

حسن داوود

رواية للكولومبية بيلار كينتانا عنوانها «الكلبة»، تحكي عن قرية صغيرة وباردة، قليلة السكان، وعن امرأة تُربّي كلبة، في تعلق مأسوي بينهما «الشبيه» لجوزيه ستراماغو، تحكي عن تشابه رجلين وعلاقة مُرعبة بينهما أدت إلى قسوة وعنف قاتلين.

«قطار الشرق السريع - مذكرات رحلة» للأميركي جون دوس باسوس. الرحلة جَرَت في أول القرن العشرين، وقد تنقّل باسوس خلالها بين بلدان عدة، بينها أرمينيا وتركيا ومصر وإيران والعراق وسوريا.

«نهاية الصحراء» لسعيد لخطيبي، وهي رواية كثيرة الرواة متداخلة الشخصيات، تدور في بلدة جزائرية حول حياة وموت مغنية. «منازل الأمس» رواية سومر شحادة عن الزواج والانفصال وضيق العيش.

«كوزموس» رواية البولندي فيتولد غومبروفيتش عن شابّين يهجران مكان عيشهما ليعيشا حياة يشاركان في صنعها. تُذكِّر هذه الرواية بـ«الحارس في حقل الشوفان».

«ذات شتاء في سوكشو» كتبتها إيليزاشوا دوباسان، عن بلدة حدودية بين الكوريتين متروكة منهما معاً.

فارس يواكيم (أديب وناقد وإعلامي لبناني): شعر ورواية وأمثال شعبية

من الكاتبات اللاتي أُعجبت دائماً بموهبة السرد لديهن: علوية صبح، صاحبة «مريم الحكايا»، فأقبلت على قراءة آخِر رواياتها: «افرح يا قلبي». العنوان المستوحى من أغنية لأم كلثوم يعبّر عن العكس، فمصائر شخصيات الرواية لا تأخذنا إلى الفرح؛ والبلدة التي تنحدر منها تُدعى «دار العز». فرحٌ تَكدَّر، وعِزٌّ غَبَر. الماضي ذكريات وحنين، والحاضر تعبٌ وهموم وجراح نفسية. الأب دركي تقليدي، ذكوري بامتياز، والأم المستكينة الراضية بأمرها الواقع. والأبناء الستة، منتخبون ليصوّروا ملامح متنوّعة من المجتمع اللبناني بأطيافه المختلفة: المحافظ الروتيني، اليساري، المتطرّف الديني، المِثلي الجنس، الموسيقيّ، المصوّر، اللامبالي. هم إخوة بالمولد، وخصوم بالطبع، وبما تغذّوا من محيطهم. صورة مصغّرة عن المجتمع اللبناني المعاصر.

فارس يواكيم

وباللغة الإنجليزية قرأت كتاباً بعنوان «أمثال أمي» للباحثة هناء الصمدي نعمان. موسوعة الأمثال اللبنانية مدوَّنة في 600 صفحة، مبوَّبة وفقاً للموضوعات، مترجمة إلى الإنجليزية مع شرح حكاية المَثل: منشؤه واستخدماته، ومقارنة مع أمثال مُشابِهة في لغات أوروبية مختلفة، ولغات القارات الأخرى، وفقاً لتوفّرها. استمتعتُ بتذكّر أمثال أعرفها، واكتشفت ما لم أكن أعرفه. رغم معرفتي أصول هذه الأمثال، فقد أعجبتني الترجمة الدقيقة والمقارنات.

وكتاب قرأته يضم قصائد لشعراء عرب وألمان، بعنوان «في ظلال البندورة لا يسقط المطر»، ترجمها فؤاد آل عواد في الاتجاهين من العربية إلى الألمانية، وبالعكس، ونَظَم بعضها. ترجمة جميلة ودقيقة، سهّل مهمتها انتماء القصائد إلى لغة الحداثة الغنيّة بالصور، القابلة للترجمة والعبور إلى ثقافة الآخر.

أما كتاب «رؤيا الدمشقي» لبطرس المعرّي، الرسام والكاتب، فهو مزدوج وسائل التعبير، به حكايات مروية، ولوحات ملوَّنة. الكاتب روائي في لوحاته، ورسّام في حكاياته، لا تدري هل الحكاية استوطنت اللوحة، أم أن الألوان المشغولة اقتحمت الحكاية، هي قصص شخصيات دمشقية لم ينسها الفنان السوري الذي درس وأقام في باريس ثم استقرّ به المقام في هامبورغ، فأعاد تشكيلها، هي بطاقة دعوة، بالكلمة واللون، لزيارة دمشق عبر شخصيات من نسيجها، يخيّل إليك أنك تعرف مثيلاً لها، لكنك تكتشف ملامح جديدة لديها. وكتاب عاودت قراءته: «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، حوارت أجراها وحرَّرها رجاء النقاش، ذكريات استدرجه النقاش إلى روايتها، وهي تمتد من الطفولة إلى أرذل العمر، وموهبة الروائي «النوبليّ» في السرد تجعل القارئ يتابع مرويات الذكريات الشخصية، كأنها رواية ممتعة.

لينا هويّان الحسن (روائية): هل قرأتم التاريخ؟

هل قرأتم التاريخ؟! للتوّ انتهيتُ من قراءة الأجزاء الثلاثة للمؤلف المفكر والمؤرخ جواد علي «تاريخ العرب قبل الإسلام»! لا أعرف بالضبط إذا ما كنتُ قد عدت فعلاً إلى أرض الواقع!

زنوبيا، وامرؤ القيس!

لينا هويّان الحسن

أُصارحكم، لم أعد أنا نفسي التي بدأت بقراءة هذا التاريخ: المدوّخ، الغني، المجنون، العاصف، المغرور، الحزين، المطعون بكل أشكال الخيانات، ولعل أقسى خيانة هي نسيانه!

كيف لنا أن لا نعرفهم بهذه الدّقة، أولئك الرائعين، الفاتنين، الصاخبين؟! صرفت معظم حياتي بين الكتب، والحمد لله على نعمة الدهشة. ما دام هنالك ما يدهشنا، إذن فنحن بخير.

بدأتُ رحلتي مع ممالك اليمن: قتبان وذي ريدان وسبأ وحمير وحضرموت، ويا ألله على تلك الفتنة التي سبقت التاريخ.

هل تعتبرون أنّه من الغرابة أن أقرأ تاريخاً حافلاً بالملوك والأمراء والممالك، وأكثر ما يدهشني: زنوبيا وامرؤ القيس!

لأوّل مرّة أقرأ هذه السيرة المفصلة لزنوبيا! زنوبيا، الرأس العربي الطَّموح الذي قرر تصفية روما حرفيّاً. تُصدّقون أنها تواصلت مع فيكتوريا ملكة الغال، وأرادت إبرام اتفاقية على محاربة روما وإنهاء سيطرتها على العالم القديم؟! هتف مجلس الشيوخ باسم إمبراطورهم وطلبوا منه «يا كلوديوس، نجِّنا من زنوبيا».

أما امرؤ القيس فهنا السيرة العجيبة والأصيلة لشاعرٍ بروح ملكية وعربية لم يعرف التاريخ مثلها. والدليل أن مئات من أسماء الملوك الذين مرّ ذكرهم في هذا الكتاب الذي غطى حقبة زمنية رهيبة الثراء، وبرز اسم امرؤ القيس وظلت سيرته وشعره وصِيته أحياء رغم أنف الزمن!

أستيقظ من غفوة التاريخ المذهلة وأقرأ نشرات الأخبار التي لا تشير إلّا لشيء واحد: الهزيمة.

هند درويش (مديرة دار نشر «شرق الكتاب»، ورئيسة تحرير ملحق «لوريان ليترار»): كتب فرنسية وأخرى مهنية

تتنوع قراءاتي في الموضوعات واللغات والمصادر، منها ما هو مهنيّ بحكم عملي في مجال النشر والأدب، ومنها ما هو للمتعة. أعجبني للكاتب برسي كامب «الأخوات الخمس»، الصادر عن «لو سوي» بالفرنسية. ويتمتع الكاتب، في هذه الرواية كما في رواياته السابقة، بذكاء حادّ وثقافة واسعة تشمل ميادين عدة. في قراءة أحوال يجمع في هذه الرواية إلى التشويق، البعد الفلسفي، إذ يفضح سيطرة التكنولوجيا الحديثة على مفاصل حياتنا، ويحثّنا على التفكير في خطورة ارتهاننا لها. تقرأ الرواية بمتعة نادرة خاصة لجهة حِرفة الكاتب باستخدام اللغة الفرنسية بأسلوب أنيق وسلس.

هند درويش

إعجاب ودهشة كبيران بالفيلسوف الكاتب إدغار مورين الذي مع إتمامه، هذا العام، المائة وسنتين من العمر، أصدر كتابين مهمين: «من حرب إلى حرب»، الذي يغوص فيه في تحليل الحروب في أوروبا من عام 1940 حتى حرب أوكرانيا مؤخراً. وكتاب «لحظة أخرى أيضاً»، الذي يلخص تجارب وحكمة قرن من حياة الكاتب، من خلال مجموعة نصوص سياسية واجتماعية وشخصية وفلسفية وأدبية منتقاة بذكاء ودراية، مفعمة بالحياة على شكل وصية تُعلّمنا «فن العيش». ويتميز موران بوضوح التفكير والبصيرة، والتزامه بالإنسان، فهو يعتبر أن الهوية هي في عمقها إنسانية. سأواظب وأسعد بقراءة جديد موران، ما دام فكره وقلمه لا يعرفان التقاعد.

الدكتور يقظان التقي (صحافي واستاذ جامعي): التاريخ وما عصف بالمنطقة

«وطن اسمه فيروز»، عنوان إصدار «أفق»، عن مؤسسة الفكر العربي، ويبرز حدثاً ثقافياً استثنائياً في توقيته، الذي تزامن مع عيد ميلاد فيروز الثامن والثمانين، وبادرة تكريم، وشكر إذ ما انفكت أغانيها تغمر به الملايين، ولا سيما شرائح جديدة من الشباب العربي في مشرقه ومغربه سواء.

يقظان التقي

مجموعة كبيرة من المقالات، والأبحاث (37 بحثاً)، في عمل جماعي، تعددي، ينتمي المشاركون في تأليفه إلى مختلف الدول العربية. دراسات، ومقالات تتسم بطابَعها البحثي والأكاديمي ومضامينها الأدبية والفكرية، وشهادات يغلب عليها الطابع الذاتي والخواطر التأملية، وتتجاوز على امتداد صفحاتها «مناهج» التوثيق والتحليل والتقييم. على تعدد مؤلفيها، وتنوع بلدانهم، وجنسياتهم، وموضوعات مقالاتهم وأنماط مقارباتهم، يبرز إجماعهم على الاعتراف بعبقرية الرحابنة، نصوصاً وألحاناً، وبفرادة فيروز، صوتاً وأداء، واعتبارها رمزاً، نجمة عالمية، ورسولة سلام وإنسانية، طبع الزمن اللبناني باسمها منذ خمسينات القرن الماضي، وامتدت شهرتها إلى دنيا العرب والاغتراب. إصدار فخم، أنيق بالشكل والرسوم، وفي طريقة إعداده؛ أي المنهجية البحثية، وطباعته الأنيقة، وبيئته الواسعة السياسية والاجتماعية، والثقافية، والفنية.

بين الواقع والفانتازيا، تروي «الأدميرال لا يحبّ الشاي» لنزار عبد الستار مرحلة تاريخية مجهولة لتنافس استعماري تجاري في القرن التاسع عشر بين شركتين عالميتين؛ الأولى هولندية، والثانية هندية، كان لها دور كبير خلال مائتين وخمسين سنة لصالح المملكة المتحدة في احتكار التجارة بالهند والصين، بناء على تفويض مَلكيّ. يعرض للتاريخ بموزاييك ونظرات إلى الهوامش المتبقية من بقايا السلطنة العثمانية وواليها في البصرة. مرحلة تاريخية مختلفة من الحروب التجارية وترويج الأفيون بخلفيات غير مباشرة، معمارية تاريخية بين اليقين والتخمين.

ومن ضمن العودة إلى الروايات التاريخية عن الصراع العربي الإسرائيلي، كتاب «الأعداء والجيران، العرب واليهود»، إيان بلاك، 2017، ويروي تاريخ الصراع وعواقبه العالمية، كما أوحى بها متخصصو التاريخ الفلسطيني (1917 - 2017)، بالتزامن مع الذكرى المئوية لوعد بلفور. وكتاب «سيرة بنيامين نتنياهو» أنشيل فيفر، 2018، صورة السياسي الغاضب، المرفوض، الحذِر. كل الشخصية بظلالها ومنعطفاتها التي تلقى على إسرائيل الحديثة.

عجبني كتاب حسن الرفاعي «حارس الجمهورية»، وهو جامع لفصول من حياة إدارية وبرلمانية دستورية وقانونية، إلى أوراق من سيرة ذاتية لعلاّمة برلماني، أعدّه أحمد عيّاش وجوزيف باسيل وحسّان الرفاعي، صدر عن منشورات «دار سائر المشرق» في 551 صفحة.

«ميزوبوتامي» كتاب مرجعي عن «دار غاليمار»، مراجعة تشكل تحفة فنية بين اكتشافات التراث والفلسفة والجماليات والمخطوطات القديمة في بلاد ما بين النهرين، للمؤرخ جان بوتيرو، ولا سيما عن الشرق القديم وخرائطه وأيديولوجياته الدينية وعلومه عند الآشوريين والبابليين والسومريين بنكهة كتابات الآلهة القديمة.

وثمة كتاب صادر حديثاً هو «اللحظة القوميّة العربيّة»، «دار النهار» للمؤلف شارل رزق، واحد من رموز الشهابية الأصيلة. الكتاب تناول أهم التحولات التي عصفت بالمنطقة في العقود الأخيرة، والقضية الفلسطينية كانت جزءاً من تلك التحولات والمتغيرات. عمق القضية التي يعالجها هو انهيار الناصرية في ستينات القرن الماضي بالسرعة التي قامت بها في الخمسينات. لحظة متفجرة في التاريخ، الذي أمّل خلاله العرب تحقيق حلم قديم افتقدوه منذ القرن الثامن الميلادي، الذي شهد سقوط دولة الأمويين. الخلاصة أن حدثين تاريخييّن أنهيا اللحظة القومية العربية: النكسة العربية أمام إسرائيل في الخامس من يونيو (حزيران) 1967، والثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979. يتزامن إصدار الكتاب مع اندلاع الحرب على غزة، كإحدى النواحي الأكثر تأثيراً في رسم تحولات الشرق الأوسط.

رشا الأمير (أديبة وناشرة لبنانية): أتنقل بين اللغات

قرأت كارولين كامل وروايتها اللطيفة «فيكتوريا» عن الأقباط في مصر، وكذلك جيل كيبيل ومؤلفه الجديد «النبي في وطنه» الذي هو عبارة عن سيرة ذاتية، يتحدث فيها عن مساره الشخصي، ونقرأ بمعيته عن كثير من المستشرقين الذين عايشناهم، وخلفيات حياته التي لم نكن نعرفها، ومعارضيه الذين وضعوه خارج الحياة الأكاديمية. كيبيل له قلم جميل، وفي كتابته نكهة من الطرافة. كذلك أقرأ كتاب إسكندر رياشي، «رؤساء من لبنان»؛ لأننا في «دار الجديد»، نحضّر لإعادة طباعته، ومعه نعرف تاريخ لبنان والمنطقة، وأحوالها المتشنجة والممزَّقة بين الإنجليز والفرنسيين. ميزة رياشي أنه يجعلنا نعيش هذا التاريخ من خلال يومياته الحياتية المعيشة، لا بصيغته الجافة.

وقرأت، بطبيعة الحال، كتاب سبيل غصوب «بيروت على ضفاف السين»، الذي ترجمته «دار الجديد» من الفرنسية، وهو حول سيرته وسيرة عائلته، والانتقال إلى عالم مختلف. هذه الكتب جميعها تتميز بروح الدعابة السوداء. نحن بحاجة في الزمن الذي نعيش، إلى قراءات مهما كانت جادة، أن تتحلى بالظرف.

وبمناسبة وفاة الشاعرة الحائزة على نوبل؛ لويز غلوك، أعدتُ قراءة بعض أشعارها. وهذه السنة فقدنا عدداً من الأدباء الذين لا بد أن نذكرهم، منهم نوتشيو أوردينه صاحب كتاب «لوجه ما لا يلزم» الذي حصل على جائزة أدبية رفيعة قبل وفاته، لكن العمر لم يمهله لتسلُّمها، كذلك لا بد أن نتذكر الأديب السوري خالد خليفة الذي فارَقَنا، والروائية ليلى بعلبكي.


مقالات ذات صلة

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

ثقافة وفنون  عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات،

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة: )
ثقافة وفنون الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها،

خالد الغنامي
ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي