عبده خال: أفتش عن مشاعر القطة!

في معرض الرياض... روائيات وروائيون خليجيون: الجوائز ليست طريقاً للعالمية

عبده خال: أفتش عن مشاعر القطة!
TT

عبده خال: أفتش عن مشاعر القطة!

عبده خال: أفتش عن مشاعر القطة!

في المسرح الكبير بمعرض الكتاب الدولي في الرياض، التقى روائيون وروائيات من الخليج، ممن يحفل سجلهم بالجوائز الأدبية، لكنهم أجمعوا على أن الجوائز ليست معياراً لتقييم جودة العمل، وأن الوصول للعالمية لا يمرّ قسراً بطريق الجوائز، ولا ينبغي للكاتب أن يلهث خلف الجوائز، مثلما لا ينبغي له أن يضيع الوقت في السعي لتحقيق العالمية عبر الترجمة.

جمعت ندوة «الرواية الخليجية وسؤال ما بعد العالمية»، التي أقيمت ضمن البرنامج الثقافي لمعرض الرياض الدولي للكتاب، كلاً من الروائي السعودي عبده خال، والروائي والشاعر العماني زهران القاسمي، والروائية العمانية بشرى خلفان، والباحثة والناقدة العمانية الدكتورة عزيزة بنت عبد الله الطائية، والكاتب والروائي السعودي عبد الواحد الأنصاري، وأدارتها الباحثة العمانية الدكتورة منى بنت حبراس السليمي.

الجوائز والعالمية

تساءل الروائي السعودي عبده خال، الذي حصد جائزة «البوكر العربية» عن روايته «ترمي بشرر»: هل يعتيّن على الكاتب أن يسعى للعالمية عبر حصوله على الجوائز؟ ليجيب: إذا كانت الجوائز معياراً للعالمية، فماذا يعني أن روائياً كبيراً مثل الروائي الكولومبي إكتور آباد فاسيولينسي، والأرجنتيني خورخي بورخيس، لم يحصلا على جائزة «نوبل»، ومع ذلك فهما روائيان عالميان؟

وأضاف: «المبدع الذي يملك مشروعاً روائياً، لا يكتب من أجل الجائزة، فالجائزة تأتي أحياناً تثميناً لما تكتب، لكن ليست هي المستهدفة بحد ذاتها، ولو أن أي كاتب استهدف الحصول على جائزة، فعليه أن يتوقف عن الكتابة».

وزاد قائلاً: «الكتابة مختبر داخلي للبحث عن مشروعات الكاتب الخاصة ولغته الخاصة وإنسانه الخاص، فإذا كان التكريم بالجائزة يوقف هذه المسألة؛ فأتمنى ألا أحصل على أي جائزة.. فأنا أسعى للبحث عما في داخلي من عوالم، هي عالمية بذاتها ولم تأتِ عالميتها من حصولها على جائزة».

وأضاف: «العالمية تأتي حين يعبر الكاتب عن إنسانيته، وعن إنسانية الإنسان مهما كان في أي بقعة من العالم. إن الكاتب في ذاته هو عالمي، ومتى ارتقى بذاته أصبح كاتباً عالمياً، وحين يكتب عن الإنسان في أي بقعة من العالم فقد وصل إلى العالمية».

وأضاف: «في كتاباتي لا أريد جوائز بتاتاً... الذي أريده كيف أستطيع إخراج ما في داخلي من حيوات كثيرة... لي ستُ سنوات منذ شاهدتُ قطاً تمّ دهسه من قبل سيارة مسرعة، ورأيت قطة عادت تحوم حول القط المصاب وتراقبه بألم وحسرة... فقد تملكني المنظر واستولى على جوارحي وطيلة ستِ سنوات أحاول أن أكتب هذه المشاعر التي صدرت من هذه القطة دون أن أتمكن حتى الآن... فأمنياتي كلها إخراج ما في داخلي من شخوص ومن مشاعر إنسانية، وعدا ذلك لا يعنيني الحصول على الجائزة».

بشرى خلفان: نزاهة الجوائز

قالت بشرى خلفان إن «فكرة ربط جودة الكتابة بالجوائز تمثل نظرة سطحية للأدب، فكم من الكتاب الذين نعرفهم ونقدرهم ولكنهم لم يحوزوا على (نوبل)، فهل يعني أن من حاز على تلك الجائزة هم الأفضل في مجال الأدب من الآخرين؟ وهذا ينطبق كذلك على بقية الجوائز».

وأضافت: «الجوائز تنتقي ما قُدم لها في فترة محددة، واختيار الأفضل يكون عادة خاضعاً لذائقة القارئ – المحّكم، بل إن الاختيار في كثير من الأحيان يخضع للاتجاهات الفكرية والسياسية، فهناك شكل من أشكال (الموظة) يحكم اتجاه اختيار الأعمال الفائزة، كالأحداث التي تقود الرأي والأفكار المطروحة في فترة وزمان محددين».

وتساءلت: هل الجوائز تُعلي من شأن الأدب، وهل هناك نزاهة مطلقة للجوائز؟ وفي السياق نفسه قالت: هل يعقل أن أمة عظيمة كالهند يفوز منها كاتب واحد بجائزة نوبل بينما يأتي أغلب الفائزين من فرنسا؟

ورداً على كلام منى السليمي بأن الجوائز هي أنجع الطرق للتعريف بالرواية، قالت بشرى خلفان: يمكننا القول إن الجوائز أنجع الطرق للتسويق وليس للمعرفة.

الترجمة والعالمية

لكنّ ما هو دور الترجمة في الوصول للعالمية؟ وعن أي عالمية يجري الحديث، فثمة من يرى أن الوصول للعالمية يعني الوصول إلى القارئ الغربي تحديداً، وإغفال بقية شعوب الأرض.

الدكتورة منى السليمي استشهدت بمقولة للكاتب والروائي والناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو، يصف فيها العلاقة بين الكاتب العربي والقارئ الفرنسي بأنها علاقة «حبّ من طرف واحد»: «فإن هذا الكاتب قلق بشأن رضا ذلك القارئ ويبحث عن رضاه، بينما القارئ هناك غير معني بما ينجزه الكاتب العربي، كذلك فإن الكاتب في الغرب لا يهتم إن كان القارئ العربي اهتمّ بأدبه أم لا»، لتتساءل: بناء على ذلك هل هناك جدوى من ترجمة غير غربية ولا يقوم بها الغرب للأدب العربي؟

من جهته، تساءل الروائي زهران القاسمي: هل يترجم أصحاب اللغة أعمالهم إلى لغات أخرى، أم يبادر أصحاب اللغات الأخرى إلى البحث عن هذه الأعمال وترجمتها إلى لغاتهم؟ وقال إنّ الفكرة من الترجمة هي البحث عن الأدب بلسان آخر، أي «المقروئية»، وبالتالي فإن ترجمة الأدب ليست حكراً على اللغتين الفرنسية والإنجليزية، فلدينا عالم مليء باللغات، وفي الفترة الأخيرة كان هناك توجه من دول شرق آسيا كالصين مثلاً لترجمة الكثير من الأعمال العربية إلى الصينية، ولديهم مراكز كثيرة للترجمة وتبحث عن الإنتاج العربي مهما كان موطنه.

وأضاف: نحن حتى الآن أنظارنا مصوبة نحو الغرب ونتجاهل اللغات الأخرى.

المركز والأطراف

وبدا أن الروائيين الخليجيين المشاركين في هذه الندوة يحملون ندوباً في الذاكرة مما يعدونه ثنائية «المركز والأطراف»، التي عبرّ عنها الروائي السعودي عبده خال قائلاً: لو عدنا للخلف قليلاً سنجد أننا في دول الخليج نعاني من عقدة «الدونية» تجاه المثقف العربي، وأضاف: في الستينات والسبعينات وحتى ثمانينات القرن الماضي كنا نُعد أطرافاً، وكانت بعض الشخصيات العربية تعدنا أطرافاً.

وقال خال: «ساهمت الطفرة الاقتصادية في أن تحظى دول الخليج بقفزة اقتصادية عالية، تلا ذلك ما حدث من «تهشيم» لبعض دول المركز في العالم العربي... وحين عادت دول الخليج للصدارة عاد السؤال مجدداً: هل يحصل كتاب الخليج على جوائز لأنهم من دول أصبحت مراكز في العالم العربي، أم لأنهم جديرون بتلك الجوائز؟».

بينما قالت الدكتورة عزيزة الطائية: «هناك من ينظر إلى العمل الأدبي من منظار الآخر، ولا ينظر للعمل مجرداً من إيحاءات الآخرين. فنحن نطلب من الآخر أن يعترف بنا قبل أن يعترف بنا أبناء (جلدتنا)، وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى جدلية المركز والهامش، وهذا ما يعاني منه الكتاب في الخليج، خصوصاً عندما يحقق أحدهم الفوز في أي مسابقة أدبية، أو جرى استحسان نصوصه، فإن الملامة توجه إليه فوراً بدعوى كيف يتفوق هذا النصّ على نصّ أديب عربي آخر، لأن الأديب الخليجي يُنظر إليه على أنه خرج من هذه البقعة المهمشة».

منيف والعالمية

أوردت الدكتورة منى السليمي، نقداً كتبه في عام 1988 الروائي الأميركي المعروف جون جون أبدايك في مجلة «نيويوركر»، قال فيه «إنه لأمر يؤسف له أن السيد (عبد الرحمن) منيف لم يكن متشبعاً بما يكفي بالقيم الغربية التي تؤهله لإنتاج سردية روائية تقترب كثيراً مما ندعوه رواية بالرغم من أنه يعيش في فرنسا»، وتساءل السليمي: هذا الحكم الذي أطلقه جون أبدايك على رواية «مدن الملح»، ألا يعطي إجابة على مفهوم العالمية من وجهة نظر الغرب..؟

ليجيب عبد الواحد الأنصاري، بأنه يتفق مع جون أبدايك بأن رواية «مدن الملح»، «ليست ذات فنية عالية رغم أنها عالمية، (..) فهي أصبحت عالمية لأنها تعد مختلفة في فترة ما، ولأجل أنها حملت مسحة هجائية كان اليسار العربي الاشتراكي واليسار الغربي يبحثان عنها في تلك الفترة التي كانت الحرب الباردة تستدعي نوعاً من التنازلات بحيث إن أي شخص يهجو الحكومات الملكية ولا يدعو للشيوعية السوفياتية فإنه يكون مقبولاً ومحتفى به».

ومضى يقول: «أوافق جون أبدايك في ضعف مستوى هذه الرواية على الرغم من أنها اشتهرت وتحظى بجماهير كثيرة، وفي الوقت نفسه أتفق مع رؤية لغازي القصيبي حول رواية (مدن الملح) - رغم أن القصيبي ليس روائياً وليس ناقداً – حيث عدَّ هذه الرواية رواية مترهلة».

وقال: «ربما كان جون أبدايك يقصد بالقيم الغربية في حديثه عن رواية منيف القيم الفنية التي يقوم على أساسها تحرير الرواية وشدها، وهذا لا يمنع أيضاً أن كلامه يحتمل تلك القيم التي جرى عولمتها مع انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، والمأخذ المحتمل إن منيف لم يستوعب الرؤية التي جرى تبنيها في ذلك الوقت».


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رسم تخيلي لامرئ القيس

النزعة النرجسية وتمثُّلاتها في التراث الشعري العربي

لم تقتصر الانعكاسات الفكرية والإبداعية لأسطورة نرسيس على الثقافة الغربية وحدها، بل اتسعت دائرتها لتطال ثقافات العالم المختلفة،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفصيل من جدارية تزي_ن ركن العرش في قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه الجدارية

عرش الأرض الطيبة في قصير عمرة

يحتل قصير عمرة موقعاً خاصاً في خريطة القصور الأموية التي تمّ الكشف عنها في صحاري بلاد الشام، ويتميّز في المقام الأوّل بجدارياته التي تشكّل منجماً فنياً

محمود الزيباوي

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.