«دار صادر» تحتفي بـ160 سنة من النشر بدأت ببيع المسابح

في بيروت ومضت فكرة وأينعت كتباً

«دار صادر» تحتفي بـ160 سنة من النشر بدأت ببيع المسابح
TT

«دار صادر» تحتفي بـ160 سنة من النشر بدأت ببيع المسابح

«دار صادر» تحتفي بـ160 سنة من النشر بدأت ببيع المسابح

يصرّ صاحب «دار صادر» للنشر، في بيروت، التي تحتفي هذا العام بمرور 160 سنة على تأسيسها، على أن مؤسسته التي بدأت في تسليم الأمانة إلى الجيل الخامس من العائلة، ما كانت لتصمد، وتستمر، في بلد عاش حروباً ضارية، وانهيارات، واضطرابات متلاحقة دون استراحة، لولا نعمتي الإصرار والمثابرة. ويقول نبيل صادر الذي أدار الدار منذ وفاة والده أنطوان مع إخوته إبراهيم وسليم، بأن «المهمة لم تكن سهلة. والصعوبات اليوم أكثر من أي وقت مضى بسبب الأزمة الاقتصادية والوباء... لكن أسلافنا تجاوزوا بالدار مهالك كثيرة أيضاً. مروا بالحرب العالمية الأولى والثانية، وعلى أيام والدي كانت الحرب الأهلية، وبيروت منقسمة بين شرقية وغربية. كنا ننقل الكتب من جهة إلى أخرى تحت الخطر. هذا عدا صعوبات الشحن وسط المعارك».

وخلال حرب إسرائيل على لبنان عام 2006، كما يضيف نبيل الذي كان قد تسلّم زمام الدار بعد وفاة والده: «يومها لم نعرف كم ستستمر الحرب، وخشينا أن نخسر أسواقنا، فكنا نعبر بكتبنا الحدود السورية إلى طرطوس، ومن هناك نشحنها إلى تونس والمغرب والجزائر. كافحنا بكل ما نملك لنصمد. إنه صراع البقاء. وهذا جزء من التاريخ».

الأزمة اليوم أسوأ من الحرب، هو وضع لا سابق له. ولحسن الحظ، يقول نبيل صادر: «إن الإخوة العرب يتعاطفون معنا ويتعاونون، فيما يخص تسهيل المشاركة في المعارض، والاشتراكات، وهناك دول تعفينا من الدفع. نحن مؤتمنون على رسالة نعرف قيمتها، ومصرون على المضي بها، وعلى الحفاظ على الصورة الجميلة لبلدنا».

لا يشعرك نبيل صادر -الوريث من الجيل الرابع- أن التكنولوجيا تشكّل أزمة بالنسبة للدار، مع أن كثيرين ينعون الكتاب الورقي: «لأن الكتاب يتمتع بقدرة قوية على المقاومة. يجب أن نفكر دائماً في كيفية الإفادة من التحولات. صرنا بفضل هذه الوسائل نبيع في جنوب أفريقيا، وأميركا الجنوبية، واليابان، وكازاخستان. هي أماكن لم نكن نحلم -لولا التقدم التكنولوجي- ببلوغها. إضافة إلى أننا منذ عام 2000 كنا قد وضعنا (لسان العرب) على أسطوانة ممغنطة. وما نطمح إليه اليوم أن نصدر كتباً إلكترونية بقدر ما لدينا من كتب ورقية». يستطرد: «صحيح أن القواميس قد خفّ بيعها؛ لكن كتب التراث التي كنا رواداً في طباعتها، وكتب الأدب والشعر، تشعر القارئ بحنين إليها باستمرار».

مطلع الشهر الحالي، كرَّم «الديوان– البيت الثقافي العربي» في برلين: «دار صادر» اللبنانية للنشر، بمناسبة 160 سنة على تأسيسها، ضمن فعاليات «معرض الديوان الأول للكتاب العربي»، وهو تكريم للنشر اللبناني، لما لهذه الدار من تاريخ طويل وممتد، وقصة كفاح.

بدأت الحكاية عندما فتح إبراهيم صادر عام 1863 دكاناً في سوق «أبو النصر» في بيروت؛ حيث راح يبيع المسابح التي يصنعها بنفسه من الأحجار الكريمة. وكان في عداد الزبائن رهبان، يصنع لهم كتيّبات الصلوات، بعد أن اشترى آلة طابعة ووظف عاملاً لإنتاج تلك الكتب، ثم سرعان ما حوّل دكّانه إلى ما سمّاه «المكتبة العموميّة»، وأصبح أحد أوائل الكُتبيين في بيروت، ولم تكن كلمة «مكتبة» شائعة بعد.

يروي لنا نبيل صادر أنه بعد بضع سنوات، أخذ صاحب «المكتبة العمومية» يطور عمله من طباعة الكتب الدينية إلى الأدب: «توجد دراسة تُظهر أن المكتبة العموميّة نشرت ما لا يقلّ عن 28 كتاباً بين عامَي 1873 و1889، إضافة إلى 26 مؤلَّفاً خلال الفترة نفسها تقريباً؛ لكنها غير مؤرَّخة». حملت هذه الكتب غالباً عبارة «طُبع بنفقة إبراهيم صادر، صاحب المكتبة العموميّة». وهذا النوع من العبارات بدأ يشيع في مصر ولبنان، مع ظهور أولى سمات النشر الاحترافي، بحيث بدأ التمييز بين عمل الناشر، والمطبعة، والموزع.

«هي أيضاً فترة وصول الإرساليات إلى لبنان»، كما يقول نبيل صادر. كانت الأولى هي إرسالية «الكلية الإنجيلية السورية» عام 1866 التي صار اسمها «الجامعة الأميركية» في بيروت. كانت لها «مطبعة الكلية»، من بعدها وصلت البعثة اليسوعية 1875 التي صارت «جامعة القديس يوسف»، وأسسوا ما سمُّوه «المطبعة الكاثوليكية»، وأغلقت من نحو 20 سنة، وبيعت أرضها. وكذلك «مطبعة الأميركان» أغلقت بعد الحرب الأهلية، ومطابع أخرى لم يعد لها من أثر.

للحديث عن ملامح دور نشر بالمعنى العصري للكلمة، علينا انتظار بداية القرن العشرين. في عام 1903 نشرت «دار صادر» كتاب «مائة قصة صغيرة» وهي مجموعة قصص مترجمة بالفرنسية والعربية، كتب عليها «سليم صادر ناشر ومكتبي». من بعدها صارت تتبلور المهنة، وتحولت بعض المكتبات إلى دور نشر.

عام 1893، نقل إبراهيم صادر المؤسس صلاحياته إلى ولديه، بموجب عقد نصَّ على أن «المكتبة العموميّة» و«المطبعة العلميّة» تشكّلان معاً شركة واحدة يملكها الوريثان، على أن يتكفّل هذان الأخيران بإعالة أبيهما وأمّهما حتى وفاتهما.

وبمقتضى هذه الوثيقة، كان سليم وحده مخوَّلاً التوقيع باسم المكتبة، ويوسف باسم المطبعة. دامت هذه الشراكة إلى أن قرّر الشريكان وضع حدّ لها عام 1907. وسليم هو مؤلّف نحو 20 كتاباً، وصاحب مكتبة، وناشر وصاحب مطبعة، كرّس حياته كلَّها لخدمة الكتب. حاول فتح فرع في الإسكندرية، وأقام سليم نقاط بيع في حيفا، وربطته علاقة وثيقة بصاحب «مكتبة المنار» في تونس، وهي علاقة لا تزال آثارها باقية إلى اليوم.

انتقلت «دار صادر» لعناية أنطون سليم صادر عام 1935، ومعه أصبحت المكتبة دار نشرٍ بالمعنى الحديث. يومذاك، بدأ النشر اللبناني يزهر، وتُطبع القواميس والكتب المدرسيّة والتاريخ والتراث العربي.

«والدي أنطون هو الجيل الثالث» كما يقول نبيل صادر. «أيامه بدأت دور النشر تزدهر، كانت (دار المكشوف) لصاحبها الشيخ فؤاد حبيش، ومن الدور المعروفة (دار الكشاف) لمصطفى فتح الله، و(دار الآداب) لسهيل إدريس، و(دار بيروت) لمحمود صفي الدين، وقد أسسوا معاً نقابة، وبدأت مهنة النشر تتبلور في مصر ولبنان والعالم العربي مع بداية الأربعينات، وكان والدي من المؤسسين. وتحول لبنان إلى ملجأ للكتاب والأدباء بفضل الحرية الفكرية».

حين توفي أنطوان، 1983، كانت الحرب الأهلية اللعينة في ذروتها، و«نحن معروفون بعملنا على كتب التراث، وقد اشتغلنا مع أشهر المحققين، من إحسان عباس، ويوسف نجم، وإبراهيم شبوح، وعدد كبير من المتخصصين، ويسعدنا كثيراً أننا خدمنا التراث العربي».

حتماً، الجيل الرابع الذي يدير «دار صادر»، أي نبيل صادر وأخواه، لا بد من أنهم يشعرون بوطأة التحولات، وصعوبة الظرف؛ لكن هذا الإرث الثقافي والعلمي الكبير، يدفع بهم لمزيد من الإصرار على الاستمرار.

فقد استقطب والدهم أنطوان كبار المثقّفين والكتّاب الذين غالباً ما كانوا يلتقون في مكتبه، وينشرون كتبهم في داره، منهم ميخائيل نعيمة وإلياس أبو شبكة، والناقد الفلسطيني إحسان عبّاس، والمترجم المصري مصطفى ماهر، وإيليا أبو ماضي، وكذلك مي زيادة.

لا يشعرك نبيل صادر -الوريث من الجيل الرابع- أن التكنولوجيا تشكّل أزمة بالنسبة للدار مع أن كثيرين ينعون الكتاب الورقي

ستنتقل الدار تدريجياً إلى الجيل الشاب. إنه الجيل الخامس. سارة ابنة نبيل هي أول الغيث. تخصصت في الترجمة وعلم الاتصال، وهي تهتم بالمعارض والتواصل مع الصحافة ودور النشر. وأولاد عمها، كل منهم توجه إلى اختصاص مختلف، بعضها علمي، لتحقيق التكامل الذي يخدم الدار في النهاية. «نحن نسعى إلى الاستفادة من التطورات التكنولوجية، ونجيرها لمصلحة الكتاب»، كما يعلق نبيل صادر.

تاريخ شيّق لعائلة من الناشرين، يتوارثون الحمل جيلاً بعد آخر، والتفاصيل تستحق فعلاً القراءة. وقد عمدت «دار صادر» إلى إصدار مجلد قيّم حمل عنوان «في بيروت... ومضت فكرة»، يوثق لهذا التاريخ، استغرق العمل به سنوات طوالاً.


مقالات ذات صلة

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

ثقافة وفنون الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون قبّة ديوان قصر هشام

قبّة ديوان قصر هشام

تمّ استكشاف سلسلة من القصور الأموية الموزّعة على نواحٍ من بوادي بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

صدر حديثاً عن دار «TASQ» للنشر كتاب «يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين» للكاتب إبراهيم اليوسف، وهو عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي

«الشرق الأوسط» (برلين)
ثقافة وفنون «أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر»

«أشواك حديقة تورينغ»... حكاية الإنسان مع «الأخ الأكبر»

رواية صغيرة، أو «نوفيلا» كما بات يطلق عليها، تحاول أن تغوص فيما يمكن للذكاء الاصطناعي حتى في مستواه البدائي الذي لم يبلغ سن الرشد بعد،

سوسن الأبطح
ثقافة وفنون «قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة

«قطط طهران »... لعنة تاريخية تطارد عائلة

في بنية سردية مدهشة تجمع بين الواقعي والفانتازي، ترصد رواية «قطط طهران» للكاتب الإيراني علي رضا عراقي، الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، ترجمة أحمد فيصل،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء
TT

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية، بل لطالما أسهمت من خلال دورها المحوري في إخصاب الأرض ورفدها بأسباب النماء، وسد غائلة الجوع والعطش عن كائناتها المختلفة، وفي جعل الكوكب الأرضي مكاناً صالحاً للعيش، وفي رسم خرائط الهجرات التي رسمت من خلالها حدود الدول.

وإذا كانت الأنهار، وفق ما أظهره التاريخ وأكدته الأدلة المحسوسة، قد هيأت الظروف الملائمة لنشوء الحضارات الكبرى، وبُنيت على ضفافها كبريات المدن والعواصم، فلا بد أن تكون تبعاً لذلك محل احتفاء الشعوب القديمة في اليونان ومصر وبلاد الرافدين، وفي شرق العالم وغربه، وأن تكون منجماً للأساطير وآلهة الخصب، وأن تقام لها الاحتفالات والأعياد والأضحيات من كل نوع. ولأن حضور الماء مقترن بحضور الحياة، وغيابه مقترن بغيابها، فقد كان من الطبيعي أن تشكل الأنهار ومجاري المياه وأحواضها، أحد أكثر مسببات الحروب، والنزاعات الدموية بين البشر.

وكما أن على الثلج أن يخسر هويته ومادته الصلبة، ليرفد بالماء اللازم مجاري الأنهار، فإن ما يحدث للأنهار هو الشيء نفسه، ولو بصورة أخرى، حين تكتشف أن حلمها الدهري بعناق البحر والاتحاد فيه، لا سبيل إلى تحقيقه إلا عبر فنائها بالذات. وقد أسهمت الأنهار في تغذية قرائح الشعراء والمبدعين بما يلزمها من الاستعارات، لا بفعل تكوينها اللولبي، المتراوح بين الظهور والخفاء، وهندستها الجمالية التلقائية، ولا بسبب غضب شتائها الطوفاني، أو نعاس صيفها المقمر فحسب، بل بسبب قدرتها الفائقة على الملاءمة بين حاجة الجماعة إلى تاريخ مشترك، وحاجة الأفراد إلى تأهيل ذاكرتهم بالأسرار.

ولهذه الأسباب وغيرها، تمكنت الأنهار بمختلف أحجامها، من رفد الأذهان ورفوف المكتبات، بأعمال وسرديات شديدة الفرادة، من بينها «الدون الهادئ» لشولوخوف، و«قلب الظلام» لكونراد، و«ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ، و«ثلاثمائة فرسخ على الأمازون» لجول فيرن، و«هناك أنهار في السماء» لأليف شافاك.

وإذا كان الليطاني لا يَثبت بمعايير الطول والغزارة والاتساع أمام أنهار العالم الكبرى، فإنه بالقياس إلى البلد الصغير الذي يشقه مجراه من الوريد إلى الوريد، يلعب الدور نفسه الذي يلعبه أترابه في حياة الشعوب والجماعات. إضافةً إلى أنه شكَّل على المستوى الجيوسياسي، محلاً للتجاذب المتواصل بين القوى الدولية المتصارعة، وبخاصة في الفترة التي أعقبت سقوط الدولة العثمانية، حيث تمكنت دولة الانتداب الفرنسي من أن تنجح في دفع الحدود الجنوبية للبنان الكبير، قليلاً إلى ما وراء النهر.

أما الليطاني نفسه، فقد تمكّن منذ خروجه من نبع العلَّيق غربي بعلبك، حتى مصبه في المتوسط، إلى الشمال من صور، من أن يجتذب إلى مجراه كثيراً من الروافد، بدءاً من البردوني وعمّيق والخريزات، وصولاً إلى ينابيع عين الزرقا والحجير والخردلي ووادي السلوقي وغيرها. كما أن إسهامه في حياة الفلاحين الساكنين إلى جواره، تراوح بين ري الأراضي العطشى، وتوليد الكهرباء، وبين إتراع قصص الحب بما يلزمها من الظلال والشجن الرومانسي. وهو إذ أعطى كنيته لبعض القرى، كما هو حال «علي النهري»، و«دير قانون النهر»، اتخذ من بعض محطات مجراه أسماء جانبية له، حتى إذا بلغ المصب أطلق عليه الجنوبيون اسم نهر «القاسمية».

ومع أن الليطاني قد ارتبط في أذهان كثيرين بالجنوب اللبناني، رغم أن معظم المسافات التي يقطعها تنتمي إلى البقاع، فإن الأمر عائد على الأرجح، إلى أن الشطر الأخير من النهر، حيث تكاد الحدود اللبنانية والفلسطينية تتلامسان تماماً في غير موضع، كان ولا يزال الجزء الأكثر عرضة للأطماع من سواه. فهو الذي اشتعلت من حوله الحروب، وسُميت باسمه «عملية الليطاني»، وتعمدت كل قطرة من مياهه بدماء الجنوبيين، كما بدموعهم وعرق جباههم وتباريح قلوبهم المجهدة.

أما في أزمنة السلم والتعاقب الوادع للسنين، فلطالما أسهمت الطبيعة الأليفة للنهر، والتقارب الحميم بين ضفتيه، في جعله مقصداً شبه دائم لأبناء جبل عامل، يلوذون بمياهه من حر الصيف، ويبثّونه لواعج قلوبهم وشكاواهم من شح المواسم وانقلاب الأحوال، ويُلقون إليه بأجسادهم التعبى، وأرواحهم الظامئة إلى السكينة.

وإذا كان من البديهي، أن يشكل الليطاني، بمياهه الرقراقة وأشجاره الظليلة ومشهديته الاحتفالية الباذخة، أحد ينابيع الإلهام الأكثر ثراءً لشعراء جبل عامل وكتابه، فإن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، هو ألا يحظى النهر بالاهتمام نفسه، الذي لقيته أنهار العالم المماثلة، رغم كل ما يزخر به حوضه من إرث غني، متصل بعضه بالأساطير والطقوس والشعائر الدينية والدنيوية، وبعضه الآخر بالفلكلور والأهازيج والأغاني.

ورغم كل ما بذلته من جهد في هذا المجال، فإن كل ما أمكنني العثور عليه هي أبيات كتبها الشاعر العباسي عبد المحسن الصوري، ابن مدينة صور، تحت عنوان «لا يوم كيومنا بشاطئ ليطا»، وهو اسم النهر آنذاك. وفي تلك الأبيات، ذات النظم المتكلف والتقفية المتعسفة، التي اضطره اسم النهر إلى استخدامها، يقول الصوري:

والطلُّ ينشر كلّ وقتٍ لؤلؤاً فيها سقيطا

وجواهر الأنوار تُطلِع من زبرجدها خليطا

فإذا رأيت الدرّ أبصرت العقيق به منوطا

حالٌ تردُّ إلى التصابي كلَّ كسلانٍ نشيطا

وقد اختلف الوضع قليلاً بين نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، حيث إن تحلُّق العامليين حول النهر لم تقتصر أسبابه على ما وفرته لهم ضفافه من مساحات الفرح والبهجة، بل لأنهم رأوه، في ظل التبلور الصعب للكيانات السياسية الوليدة، بوصفه رمز وجودهم، وصورة هويتهم القلقة والباحثة عن التحقق. وحيث شكّل اختيار وادي الحجير، أحد أجمل بقاع النهر، مكاناً لانعقاد المؤتمر الشهير الذي تنادى إليه العامليون للإعلان عن مبايعة فيصل الأول عام 1920 ملكاً على بلاد الشام، تجسيداً واضحاً لرمزية المكان وخصوصيته ودلالاته، فقد تحول الوادي المذكور وللأسباب نفسها، إلى ملتقى أثير للشعراء وتابعيهم، والى موئل دوري للمناظرات الأدبية والفكرية، ولمجالس الشاي والأنس والسمر.

وإذ كان من الطبيعي في تلك الفترة، أن تنعكس ملامح النهر وصوره الموزعة بين أودية الحجير والخردلي والسلوقي وغيرها، في قصائد العامليين ومقطوعاتهم، فقد خصه برسائل الحب والحنين وقصائد الوصف، غير واحد منهم، فكتب علي محمود الأمين، قصيدة عن وادي السلوقي، مطلعها «طرزتْ ثرَّةُ السحابِ الدَّفوقِ، بصنوف الأزهار وادي السلوقي». وكتب الفقيه المعروف محسن الأمين، قصيدة جاء فيها:

وادي الحجيْر سقاكَ وكَّافُ الحيا

كم فيك للأبصار من مستمتَعِ

جُمعتْ من الأشجار فيك بواسقٌ أمثالها

بسواكَ لم تتجمّع

ولقد تقاسمنا الغضا وغصونهُ

في راحتيك وناره في أضلعي

وادٍ حكتْ أزهارهُ ورياضهُ وجهاً

من الحسناء غير مقنَّعِ

على أن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، لا ينحصر فقط بما تعرض له الليطاني من ظلم أهل السلطة والمتنفذين، ومقاولي الثروات الطبيعية، والتسبب بتلويث مياهه، وتحويل مجراه إلى مستنقع للسموم، بل بكون هذا الجمال الملحمي، الذي شكَّل الظهير الأكثر صلابة، للغة شعراء الجنوب وكتابه اللاحقين، لم يجد عدا استثناءات قليلة، صداه المناسب فيما ظهر لهم من قصائد وأعمال شعرية وروائية. وإذ تحتاج مقاربة هذه الإشكالية إلى غير هذا المقام، فإن ما أستطيع قوله أخيراً هو أن عظمة الأنهار لا تقاس بأحجامها وغزارة مياهها، بل بكونها واسطة عقد الذاكرة الجمعية، وبكونها مصدراً دائم التجدد للإلهام والأمل، وإرادة البقاء. وإذا كان بدر شاكر السياب قد رفع جدولاً صغيراً كنهر بويب، المحاط بغابات النخيل الوارفة في جنوب العراق، إلى مقام الأسطورة، فحريٌّ بأن يحظى الليطاني من الشعراء والكتاب الذين تربوا في كنف مياهه، بالتكريم نفسه والاهتمام إياه.


قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
TT

قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا

تمّ استكشاف سلسلة من القصور الأموية الموزّعة على نواحٍ من بوادي بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين، وخرجت حملات التنقيب المتعاقبة في هذه المنشآت بمجموعات متنوّعة من اللقى الأثرية، شكّلت مادة للتعريف بالفنون الأموية المدنية. يعود الجزء الأكبر من هذه اللقى في الأصل إلى حلل زينية معمارية، ويعتمد في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، وتُعتبر أهمّ شواهده تلك التي خرجت من قصر المَشتى في الأردن، وقصر الحير الغربي في سوريا، وقصر هشام في فلسطين. تتكوّن هذه النقوش الجصيّة من شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرّدة والعناصر التصويرية المتعدّدة، منها النباتي، ومنها الحيواني، ومنها الآدمي. تحضر هذه العناصر المختلفة في قطعة كبيرة مستديرة الشكل، قيل إنها كانت تزيّن قبة ديوان قصر هشام، بأسلوبها الفني الرفيع، وتختزل جمالية خاصة طبعت الفن الإسلامي المدني في تلك المرحلة المبكرة من تكوينه.

تجمع حلل قصر هشام بين عناصر متعدّدة تعود إلى فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، وتعكس قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا تبدو هذه الحلل متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأموي. إلى جانب الزخارف المكوِّنة للعناصر المعمارية، كالتيجان والأفاريز والفتحات المعروفة بالنوافذ، اعتمدت هذه الحلل سلسلة من العناصر النباتية، منها أغصان الكرمة وسعف النخيل وبعض الثمار، كما اعتمدت سلسلة متنوعة من الأشكال الحيوانية، منها المعز الجبلية والغزلان والقردة والأرانب والخيول المجنحة، إضافة إلى أصناف عدة من الطيور. حضرت هذه العناصر الحية في شبكات زخرفية غلب عليها طابع التحوير والموازاة والتجانس المحكم، وحوى بعض منها عناصر آدمية متعدّدة الأشكال، بدت مدمجة بشكل كامل في التصاميم النباتية والسلاسل الزخرفية الهندسية. تجلّى هذا الانصهار بشكل لافت في قطعة دائرية من الحجم الكبير، رأى أهل الاختصاص أنها كانت تزيّن على الأرجح قبة تعلو قاعة قيل إنها تمثّل الديوان الخاص بقصر هشام، وهذه القاعة مربّعة، وطول ضلعها نحو 4 أمتار.

وصلت هذه القطعة المستديرة مهشّمة، وتم جمع مكوّناتها المبعثرة وصهرها إثر عملية ترميم متأنية. تحضر في الوسط زهرة محوّرة هندسياً تحيط بها ستة وجوه آدمية صيغت في وضعية المواجهة. يشكّل هذا التأليف الدائري نواة هذه القبة المتقنة، ويبلغ طول قطره نحو 1.5 متر. تلتف الوجوه الستة في حلقة دائرية يحيط بها شريط تزيّنه أغصان مورقة. ويلتفّ من حول هذا الشريط شريط أكبر حجماً تزيّنه أغصان مورقة مغايرة في الشكل. حافظت الكتلة الوردية التي تحتل وسط الصورة على مكوّناتها بشكل شبه كامل، ونقع على صورة توثيقية لها في الكتاب المرجعي الذي نشرته جامعة أوكسفورد في سنة 1959، وحمل عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». تتألف الوردة من ست بتلات، تحيط بها سلسلة بتلات، ينقسم كل منها جزأين متجانسين. تحيط بهذه السلسلة ست أوراق نباتية عريضة من فصيلة الأقنثا، وهذه الفصيلة معروفة في قاموس الفن الكلاسيكي، وتشكّل عنصراً من عناصر الفنين اليوناني والروماني المتوارثين عبر العصور والقارات. على صعيد الأسلوب المتبع، تحل الوردة في قالب تحويري يغلب عليه الطابع الهندسي التجريدي. في المقابل، تحل أوراق الأقنثا في قالب كلاسيكي، وتحافظ بشكل كبير على مثالها الطبيعي.

تنعقد حول هذه الأوراق سلسلة من ستة وجوه، تتشابه حتى التماثل. تبدو هذه الوجوه النضرة أنثوية في المقام الأوّل، غير أن التفحّص فيها يظهر أن اثنين منها ملتحيان، ممّا يعني أنها تجمع بين وجوه من الجنسين. التكوين واحد، ويتمثل بوجه بيضاوي ممتلئ، بدت ملامحه المجسّمة واضحة وجليّة. العينان لوزيتان ضخمتان، يتوسّط كلّ منهما بؤبؤ على شكل ثقب دائري غائر، والحاجبان عريضان ومقوّسان ومنفصلان. الأنف ناتئ ومستقيم، ومنخراه ظاهران. الثغر منمنم، وتعلوه ابتسامة خفرة. العنق عريضة ومكتنزة، وتشكّل قاعدة للرأس المنتصب من فوقها.

يعلو كل رأس قوس تزينه سلسلة من الفصوص البيضاوية، وتشكل هذه الأقواس شريطاً يحدّه شريطان نحيلان يخلوان من أي زخرفة. يلتف فوق هذا الشريط غصن مورق تُظهر أوراقه أنه من فصيلة الكرمة. تنصهر هذه الكرمة داخل شريط يتألف من سلسلة مشابهة من الأقواس المتجانسة، في قالب يحافظ كذلك على طابعه الواقعي الكلاسيكي، كما تشهد أوراق الدالية المصوغة بأسلوب واقعي. يلتف حول هذه الدالية شريط يماثل الشريط الذي يحيط بالوجوه، ومن حول هذا الشريط، تلتف سلسلة من الأغصان اللولبية، تشكّل خانات دائرية تحوي كل منها نبتة محوّرة، تستعيد شكل الأقنثا بأسلوب زخرفي مبتكر. تأتلف هذه النبتة من ورقتين متعاكستين، تعلوهما ورقتان عموديتان، وبين هاتين الورقتين، ينساب كوز مثمر بدت حبوبه مرصوفة في كتلة متراصة. يكتمل هذا التكوين الزخرفي المتين مع شريط دائري يلتف من حوله، وتزيّن هذا الشريط كذلك فصوص بيضاوية، وفقاً للطراز المتبع.

تتميّز هذه الشبكة بدقّتها ورهافة صناعتها، كما تتميز بهذه السلسلة من الوجوه الفتية التي تحيط بالوردة التي تحتل وسط التأليف. تتبع هذه الوجوه أسلوباً محلياً شاع بشكل خاص في تدمر، وتحضر في شواهد أثرية أخرى خرجت من بين أطلال قصر هشام، منها لوح مستطيل حوى تسعة وجوه تطل من وسط سلسلة من الميداليات الدائرية المتشابكة. في هذه اللوحة، كما في العديد من اللقى الجزئية، تطلّ هذه الوجوه في وضعية المواجهة، وتفتح عيونها اللوزية الشاخصة، وكأنّها تتأمل في ما لا يُرى.


المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين
TT

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

صدر حديثاً عن دار «TASQ» للنشر كتاب «يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين» للكاتب إبراهيم اليوسف، وهو عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي، أحد أبرز مؤسسي الأغنية الكردية الحديثة، وأحد أهم رموز الفلكلور الكردي في سوريا.

يتناول الكتاب حياة يوسف جلبي ومسيرته الفنية والإنسانية، منذ ولادته عام 1927 في قرية جبلكراو التابعة لمنطقة نصيبين، مروراً بانتقاله إلى الجزيرة السورية وبداياته الفنية، وصولاً إلى تحوله إلى واحد من أكثر الفنانين تأثيراً وحضوراً في الوجدان الشعبي الكردي.

ويبرز الكتاب المكانة الريادية التي شغلها يوسف جلبي في تاريخ الأغنية الكردية، إذ كان من أوائل الفنانين الذين عملوا على حفظ الأغنية التراثية الكردية وصونها من الضياع، كما أعاد أداء عدد كبير من الأغاني الشعبية المتوارثة، وفي الوقت نفسه ألّف كلمات أغنيات جديدة، ولحّنها وغنَّاها، ليترك إرثاً فنياً جمع بين الحفاظ على التراث وتجديده وتطويره. وقد شكّلت أعماله جسراً بين الذاكرة الشعبية والإبداع الفني، الأمر الذي جعل اسمه حاضراً في ذاكرة أجيال متعاقبة من الفنانين والجمهور.

ويستند المؤلف إلى جهد توثيقي امتد سنوات، اعتمد خلاله على لقاءات وشهادات ووثائق ومرويات نادرة، ويحتل الحوار المطول مع نجله البكر جلبي جلبي، موقعاً محورياً في الكتاب، حيث يقدم شهادات تفصيلية عن حياة والده وفنه وعلاقاته الاجتماعية والظروف التي أحاطت باعتقاله. كما يضم الكتاب شهادات ومرويات من أفراد أسرته ومحيطه، تسهم في رسم صورة أكثر اكتمالاً للفنان الإنسان وللمرحلة التي عاشها.

كما يتناول الكتاب الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بيوسف جلبي، والضغوط التي تعرض لها بسبب مواقفه وأغانيه، وصولاً إلى اعتقاله وتعذيبه على يد عناصر المكتب الثاني تحت إشراف ضابط الاستخبارات في قامشلي حكمت ميني، وانتهاء حياته تحت التعذيب عام 1962، في حادثة لا تزال حاضرة في الذاكرة الثقافية الكردية بوصفها واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ الفن الكردي.

ويحاول المؤلف من خلال هذا العمل إعادة فتح ملف يوسف جلبي فنياً وإنسانياً، وإعادة الاعتبار إلى إرثه الذي تعرَّض جانب منه للتغييب والضياع نتيجة غياب التوثيق، رغم تأثيره العميق في مسيرة الأغنية الكردية وفي عدد كبير من الفنانين الذين حملوا أغانيه وألحانه إلى الأجيال اللاحقة.

قدم للكتاب الدكتور محمد عزيز زازا والدكتور ولات محمد، اللذان تناولا تجربة يوسف جلبي الفنية ومكانته في تاريخ الغناء الكردي ودوره بوصفه أحد الآباء المؤسسين للأغنية الكردية في سوريا. وكان غلاف الكتاب لوحة تشكيلية للفنان رحيمو حسين.