قناة ثقافية سعودية أمام التحديات

تنطلق قريباً بإدارة شابة ورؤية تجمع بين العمق والمتعة

قناة ثقافية سعودية أمام التحديات
TT

قناة ثقافية سعودية أمام التحديات

قناة ثقافية سعودية أمام التحديات

لأنها تسعى إلى تقديم الثقافة بصورة جذابة؛ فإن أمامها تحديات؛ بالفعل ليس تحدياً واحداً وإنما جملة تحديات... قناة ثقافية سعودية سوف تنطلق قريباً بإدارة شابة ورؤية تجمع بين العمق والمتعة، ومن التحديات أنها تسعى إلى تقديم الثقافة بصورة جذابة. القناة الثقافية السعودية القادمة في 23 سبتمبر (أيلول) الحالي، الموافق لليوم الوطني للمملكة، كما أعلن وزير الثقافة السعودي الأمير بدر الفرحان والأستاذ وليد الإبراهيم، رئيس مجموعة «إم بي سي»، ستواجه توقعات غير متفائلة إن لم نقل محبطة لدى الكثير من المعنيين بالشأن الثقافي سواء في السعودية أو غيرها. تلك التوقعات تعود إلى سببين، أحدهما مباشر والآخر غير مباشر. غير المباشر هو أن «تسويق» الثقافة – والتسويق هو لغة العصر كما يبدو – ليس بالأمر السهل، لا سيما حين تتراكم التوقعات التي ترى أن من الصعب أن ينجح مشروع إعلامي لا يعتمد في حياته على شرايين السياسة أو الاقتصاد أو الترفيه. هذه الأقانيم الثلاثة هي التي تهيمن على عالم الإعلام، بل حياة الناس وهي التي تجذب المشاهد والمستمع والقارئ، تجذبه على نطاق واسع. العلوم والفكر والأدب والفنون (غير الترفيهية) تجذب فئة من الناس يسمون المثقفين أو محبي هذه المجالات أو المختصين فيها، لكنها ليست معشوقة الجماهير. يكفي أن ننظر إلى السينما وما يسيطر على شاشات العرض في دوره الكثيرة: هي بالتأكيد سينما «الأكشن» والإثارة والكوميديا السطحية والبطولات الخارقة. لن تمتلئ القاعات لمشاهدة أفلام جادة لإنغمار بيرغمان أو كيروساوا أو يوسف شاهين، أو من يسير على خطاهم اليوم. قد تمتلئ القاعات لموسيقى كلاسيكية كما امتلأت لحفلات أم كلثوم، لكن لا مقارنة بين عدد الحضور هنا وعددهم في حفلات الروك وما يعرف بالبوب أو حفلات الترفيه الراقصة والغناء الشعبي الجماهيري، حيث العدد ليس بالآلاف وإنما بعشرات الآلاف.

الثقافة بحد ذاتها ليست جاذبة. هي هكذا ببساطة. ليست بلغة السوق، لغة عصرنا، سلعة جاذبة. وللسعوديين تجربة سابقة في قناة دعمتها وبثتها وزارة الإعلام السعودية حين كانت أيضاً وزارة للثقافة. وهنا ندخل في السبب المباشر وراء التوقعات غير المتفائلة. لقد كانت التجربة السابقة لبث قناة ثقافية محبطة فعلاً، بل إن غير المتفائلين بنجاح القناة القادمة يجدون تلك التجربة التي أوقفت منذ سنوات عدة مثالاً فاقعاً على فشل أي قناة ثقافية في المستقبل. ولذلك حين أخبرني الأستاذ مالك الروقي، مدير عام القناة الثقافية الجديدة والشاب المتقد حماسة والممتلئ رؤية، بالمشروع الجديد كان من المحتم أن تقفز إلى ذهني صورة القناة الثقافية السعودية السابقة. ولأن مالك ألَّف تلك الرؤية القاتمة التي ربما طالعها بها كل من حدثه عن المشروع قبلي وبعدي، سارع لتذكيري بما ستملك القناة القادمة من سمات تجعلها قادرة على تخييب التوقعات الخائبة، أي نفي النفي الذي يعني الإثبات أو نجاح المشروع.

كان مالك يعرف أنني طالبت كثيراً بعودة القناة الثقافية. والحق أنني فعلاً طالبت بذلك، لكن مطالبتي تضمنت في الوقت نفسه اعترافاً بأن القناة السعودية التي ظلت تبث سنوات عدة تحت اسم «القناة الثقافية» لم تكن مؤهلة للنجاح بالطريقة التي كانت تدار بها. كنت وما زلت أؤمن بإمكانية نجاح المشروع لو أدير بطريقة مغايرة لا تركن إلى العروض المملة والبرامج الثقافية الجامدة والبائتة، لكني لم أمتلك الحل، لم أعرف – حتى اللحظة التي حدثني فيها مالك – ما هو البديل المناسب.

ثم كانت المفاجأة.

كانت المفاجأة حين أخبرني المدير الشاب الذي عرفه الناس متألقاً في برامج ثقافية على «إم بي سي» (برنامج «مالك بالطويلة» وبرامج حوارية أخرى)، حين أخبرني بأن القناة القادمة ستكون نتاج تعاون بين وزارة الثقافة السعودية و«إم بي سي» الإعلامية. الخبرة الكامنة وراء إدارة قنوات «إم بي سي» التي حققت نجاحات ضخمة على مستوى العالم العربي منذ انطلقت في أوائل التسعينات ستضمن النجاح للقناة الثقافية الجديدة. وحين اطلعت على بعض التفاصيل اقتنعت بأن احتمالات النجاح ستكون عالية فعلاً؛ ذلك أن القناة الثقافية حشدت فعلاً مجموعة من البرامج الكفيلة بشد انتباه المشاهد دون السير في أي من الاتجاهين المحتملين: البرامج التقليدية (أفلام، سيمفونيات، برامج توعوية... إلخ مما هو إما نخبوي وإما ممل) أو البرامج الشعبوية التي تقوم على الترفيه السهل والجاذب للجماهير. الخط الوسط، أو الخط الصعب، سيجمع بين ما اعتدنا أن يكون من المتناقضات: الجدية والعمق إلى جانب الترفيه: تقديم الجاد والعميق على أطباق من الفنون المختلفة والمقدمة بطريقة مبتكرة غير مملة وغنية بالمتعة. معادلة بالغة الصعوبة، لكنها ممكنة التحقيق. ربما ليس على نحو مثالي وخالٍ من النقص، فكل جهد بشري مهدد بذلك، بل محتم عليه، لكن الوصول إلى تسعين بل ثمانين بالمائة من المزيج الناجح من تلك العناصر سيكون نجاحاً مدوياً.

هذه الوصفة هي كما نعرف جميعاً التحدي الذي يواجه المنتج الثقافي حيث كان، فهو إما يخاطب النخب ولا يأبه بغيرهم فيكون فلسفياً أو تجريبياً، يضيف ويثري لكن في إطار محدود، أو يستسلم لمغريات الجماهيرية أو الشعبوية فينتشر لكن بعد أن يخسر رهان الجدية والعمق. في المسرح، في السينما، في الرواية، في الشعر، في التشكيل، في الموسيقى، يظل هذا التحدي قائماً، لكننا نعرف جميعاً أيضاً أن قصة نجاحه تحققت في كل اللغات والثقافات والأزمنة، مثلما تحققت إخفاقاته أيضاً وربما بصورة أكبر. المواجهة التاريخية بين شاعر كبير مثل أبي تمام المجدد ومنتقديه من المحافظين هي التي تتكرر باستمرار: لم لا تقول ما يفهم/ لم لا تفهم ما يقال؟ ذلك الطريق الذي لا يفضي إلى شيء هو ما استطاعت أعمال كثيرة تجاوزه في الجمع بين المقول الجميل والقابل للاستيعاب في الوقت نفسه، أي بين العميق والممتع، وهو سر عظمة شعر المتنبي ودرويش، وسبب القيمة الكبرى لمسرحيات شكسبير وقصص تشيخوف ولوحات رمبرانت وفان غوخ، هو الذي جعل ثلاثية محفوظ و«آنا كاريننا» و«دون كيخوته» روايات لكل الأزمنة واللغات إلى جانب كثير مما لا يحصى من الأمثلة.

حين تنطلق القناة الثقافية سيرى الجميع قناة تفيض بالثقافة فعلاً، بصورها المتعددة والمُعدة على نحو غني بالمتعة والفائدة، وسيجدون التعريف بالكتب المهمة من مختلف اللغات والحوار حولها وحول قضايا فكرية مختلفة، وسيجدون أخبار المشهد الثقافي وتطوراته، كما سيجدون الأفلام المنتقاة والمسرح إلى جانب الفنون الشعبية والآثار من حيث هي متصلة بالآداب والفنون، إضافة إلى الشعر العربي قديمه وحديثه. كما سيجدون الفنون التشكيلية بألوانها المختلفة. وفي هذا كله ستنعكس ألوان الثقافة الأخرى المتمثلة بالهيئات الإحدى عشرة التي تتشكل منها وزارة الثقافة السعودية والمؤسسة على تصنيف «اليونسكو» لقطاعات الثقافة.

كل مشروع فكري أو إبداعي ينام حالماً بتحقيق تلك المعادلة البالغة الصعوبة التي تجمع الجاد والممتع. وإذا كان الكثير منها يفشل والقليل ينجح، فإن استمرار ذلك القليل هو ما يعبئ الحلم بإمكانيات النجاح، وهو بالضبط ما يتكئ عليه حلم وزير الثقافة السعودي والشبان والشابات السعوديين الذين تعج بهم أروقة استديوهات الرياض وهم يحفرون باتجاه قناة ثقافية غنية بالجدية والمتعة، قناة تضيف لحياتنا منفذاً إعلامياً ينشر الوعي والرؤية عبر المعرفة والمتعة، الهدف الذي ينشده كل الذين لا يملون من النظر إلى النصف المملوء من الكأس.


مقالات ذات صلة

فضل شاكر يشعل مسرح الخبر بـ«يا غايب»... ونجله يقدمه في عودة لافتة

يوميات الشرق أحيا فضل شاكر الحفل على مسرح «الخبر أرينا» في المنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

فضل شاكر يشعل مسرح الخبر بـ«يا غايب»... ونجله يقدمه في عودة لافتة

في مشهد فني حمل الكثير من المشاعر، عاد الفنان اللبناني فضل شاكر إلى لقاء جمهوره على المسرح في مدينة الخبر، وسط استقبال جماهيري حافل، في حفل جمعه بنجله محمد.

علي القطان (الخبر)
يوميات الشرق «بوليفارد وورلد» تتيح لزوارها استكشاف وجهات عالمية متنوعة (واس)

«بوليفارد وورلد»... رحلة بين حضارات متعددة ضمن «موسم الرياض»

افتتحت منطقة «بوليفارد وورلد» أبوابها مُجدَّداً للزوار ضمن النسخة السابعة من «موسم الرياض»، مُستندةً في عامها الخامس إلى حضورها البارز والإقبال الكبير عليها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج المهندس وليد الخريجي لدى لقائه لويجي دي مايو في المنامة الجمعة (الخارجية السعودية)

لقاء سعودي - أوروبي يبحث المستجدات والموضوعات المشتركة

بحث المهندس وليد الخريجي، نائب وزير الخارجية السعودي، مع لويجي دي مايو، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج العربي، المستجدات الإقليمية والدولية.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
الخليج المشروعات السعودية تهدف إلى رفع كفاءة توزيع المياه بالمناطق الحضرية والريفية اليمنية (واس)

السعودية تعزز الأمن المائي في 14 محافظة يمنية بـ62 مشروعاً

قدّمت السعودية 62 مشروعاً ومبادرة تنموية لدعم قطاع المياه في 14 محافظة يمنية؛ رفعاً لكفاءة توزيع المياه بالمناطق الحضرية والريفية، بما يعزز الأمن المائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)

تدمير «باليستي» و«كروز» و3 «مسيّرات» باتجاه السعودية

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن تدمير صاروخ باليستي، و«كروز» باتجاه المنطقتين الجنوبية والغربية، و3 طائرات مسيّرة بمناطق مكة المكرمة والرياض والمدينة المنورة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.