قناة ثقافية سعودية أمام التحديات

تنطلق قريباً بإدارة شابة ورؤية تجمع بين العمق والمتعة

قناة ثقافية سعودية أمام التحديات
TT

قناة ثقافية سعودية أمام التحديات

قناة ثقافية سعودية أمام التحديات

لأنها تسعى إلى تقديم الثقافة بصورة جذابة؛ فإن أمامها تحديات؛ بالفعل ليس تحدياً واحداً وإنما جملة تحديات... قناة ثقافية سعودية سوف تنطلق قريباً بإدارة شابة ورؤية تجمع بين العمق والمتعة، ومن التحديات أنها تسعى إلى تقديم الثقافة بصورة جذابة. القناة الثقافية السعودية القادمة في 23 سبتمبر (أيلول) الحالي، الموافق لليوم الوطني للمملكة، كما أعلن وزير الثقافة السعودي الأمير بدر الفرحان والأستاذ وليد الإبراهيم، رئيس مجموعة «إم بي سي»، ستواجه توقعات غير متفائلة إن لم نقل محبطة لدى الكثير من المعنيين بالشأن الثقافي سواء في السعودية أو غيرها. تلك التوقعات تعود إلى سببين، أحدهما مباشر والآخر غير مباشر. غير المباشر هو أن «تسويق» الثقافة – والتسويق هو لغة العصر كما يبدو – ليس بالأمر السهل، لا سيما حين تتراكم التوقعات التي ترى أن من الصعب أن ينجح مشروع إعلامي لا يعتمد في حياته على شرايين السياسة أو الاقتصاد أو الترفيه. هذه الأقانيم الثلاثة هي التي تهيمن على عالم الإعلام، بل حياة الناس وهي التي تجذب المشاهد والمستمع والقارئ، تجذبه على نطاق واسع. العلوم والفكر والأدب والفنون (غير الترفيهية) تجذب فئة من الناس يسمون المثقفين أو محبي هذه المجالات أو المختصين فيها، لكنها ليست معشوقة الجماهير. يكفي أن ننظر إلى السينما وما يسيطر على شاشات العرض في دوره الكثيرة: هي بالتأكيد سينما «الأكشن» والإثارة والكوميديا السطحية والبطولات الخارقة. لن تمتلئ القاعات لمشاهدة أفلام جادة لإنغمار بيرغمان أو كيروساوا أو يوسف شاهين، أو من يسير على خطاهم اليوم. قد تمتلئ القاعات لموسيقى كلاسيكية كما امتلأت لحفلات أم كلثوم، لكن لا مقارنة بين عدد الحضور هنا وعددهم في حفلات الروك وما يعرف بالبوب أو حفلات الترفيه الراقصة والغناء الشعبي الجماهيري، حيث العدد ليس بالآلاف وإنما بعشرات الآلاف.

الثقافة بحد ذاتها ليست جاذبة. هي هكذا ببساطة. ليست بلغة السوق، لغة عصرنا، سلعة جاذبة. وللسعوديين تجربة سابقة في قناة دعمتها وبثتها وزارة الإعلام السعودية حين كانت أيضاً وزارة للثقافة. وهنا ندخل في السبب المباشر وراء التوقعات غير المتفائلة. لقد كانت التجربة السابقة لبث قناة ثقافية محبطة فعلاً، بل إن غير المتفائلين بنجاح القناة القادمة يجدون تلك التجربة التي أوقفت منذ سنوات عدة مثالاً فاقعاً على فشل أي قناة ثقافية في المستقبل. ولذلك حين أخبرني الأستاذ مالك الروقي، مدير عام القناة الثقافية الجديدة والشاب المتقد حماسة والممتلئ رؤية، بالمشروع الجديد كان من المحتم أن تقفز إلى ذهني صورة القناة الثقافية السعودية السابقة. ولأن مالك ألَّف تلك الرؤية القاتمة التي ربما طالعها بها كل من حدثه عن المشروع قبلي وبعدي، سارع لتذكيري بما ستملك القناة القادمة من سمات تجعلها قادرة على تخييب التوقعات الخائبة، أي نفي النفي الذي يعني الإثبات أو نجاح المشروع.

كان مالك يعرف أنني طالبت كثيراً بعودة القناة الثقافية. والحق أنني فعلاً طالبت بذلك، لكن مطالبتي تضمنت في الوقت نفسه اعترافاً بأن القناة السعودية التي ظلت تبث سنوات عدة تحت اسم «القناة الثقافية» لم تكن مؤهلة للنجاح بالطريقة التي كانت تدار بها. كنت وما زلت أؤمن بإمكانية نجاح المشروع لو أدير بطريقة مغايرة لا تركن إلى العروض المملة والبرامج الثقافية الجامدة والبائتة، لكني لم أمتلك الحل، لم أعرف – حتى اللحظة التي حدثني فيها مالك – ما هو البديل المناسب.

ثم كانت المفاجأة.

كانت المفاجأة حين أخبرني المدير الشاب الذي عرفه الناس متألقاً في برامج ثقافية على «إم بي سي» (برنامج «مالك بالطويلة» وبرامج حوارية أخرى)، حين أخبرني بأن القناة القادمة ستكون نتاج تعاون بين وزارة الثقافة السعودية و«إم بي سي» الإعلامية. الخبرة الكامنة وراء إدارة قنوات «إم بي سي» التي حققت نجاحات ضخمة على مستوى العالم العربي منذ انطلقت في أوائل التسعينات ستضمن النجاح للقناة الثقافية الجديدة. وحين اطلعت على بعض التفاصيل اقتنعت بأن احتمالات النجاح ستكون عالية فعلاً؛ ذلك أن القناة الثقافية حشدت فعلاً مجموعة من البرامج الكفيلة بشد انتباه المشاهد دون السير في أي من الاتجاهين المحتملين: البرامج التقليدية (أفلام، سيمفونيات، برامج توعوية... إلخ مما هو إما نخبوي وإما ممل) أو البرامج الشعبوية التي تقوم على الترفيه السهل والجاذب للجماهير. الخط الوسط، أو الخط الصعب، سيجمع بين ما اعتدنا أن يكون من المتناقضات: الجدية والعمق إلى جانب الترفيه: تقديم الجاد والعميق على أطباق من الفنون المختلفة والمقدمة بطريقة مبتكرة غير مملة وغنية بالمتعة. معادلة بالغة الصعوبة، لكنها ممكنة التحقيق. ربما ليس على نحو مثالي وخالٍ من النقص، فكل جهد بشري مهدد بذلك، بل محتم عليه، لكن الوصول إلى تسعين بل ثمانين بالمائة من المزيج الناجح من تلك العناصر سيكون نجاحاً مدوياً.

هذه الوصفة هي كما نعرف جميعاً التحدي الذي يواجه المنتج الثقافي حيث كان، فهو إما يخاطب النخب ولا يأبه بغيرهم فيكون فلسفياً أو تجريبياً، يضيف ويثري لكن في إطار محدود، أو يستسلم لمغريات الجماهيرية أو الشعبوية فينتشر لكن بعد أن يخسر رهان الجدية والعمق. في المسرح، في السينما، في الرواية، في الشعر، في التشكيل، في الموسيقى، يظل هذا التحدي قائماً، لكننا نعرف جميعاً أيضاً أن قصة نجاحه تحققت في كل اللغات والثقافات والأزمنة، مثلما تحققت إخفاقاته أيضاً وربما بصورة أكبر. المواجهة التاريخية بين شاعر كبير مثل أبي تمام المجدد ومنتقديه من المحافظين هي التي تتكرر باستمرار: لم لا تقول ما يفهم/ لم لا تفهم ما يقال؟ ذلك الطريق الذي لا يفضي إلى شيء هو ما استطاعت أعمال كثيرة تجاوزه في الجمع بين المقول الجميل والقابل للاستيعاب في الوقت نفسه، أي بين العميق والممتع، وهو سر عظمة شعر المتنبي ودرويش، وسبب القيمة الكبرى لمسرحيات شكسبير وقصص تشيخوف ولوحات رمبرانت وفان غوخ، هو الذي جعل ثلاثية محفوظ و«آنا كاريننا» و«دون كيخوته» روايات لكل الأزمنة واللغات إلى جانب كثير مما لا يحصى من الأمثلة.

حين تنطلق القناة الثقافية سيرى الجميع قناة تفيض بالثقافة فعلاً، بصورها المتعددة والمُعدة على نحو غني بالمتعة والفائدة، وسيجدون التعريف بالكتب المهمة من مختلف اللغات والحوار حولها وحول قضايا فكرية مختلفة، وسيجدون أخبار المشهد الثقافي وتطوراته، كما سيجدون الأفلام المنتقاة والمسرح إلى جانب الفنون الشعبية والآثار من حيث هي متصلة بالآداب والفنون، إضافة إلى الشعر العربي قديمه وحديثه. كما سيجدون الفنون التشكيلية بألوانها المختلفة. وفي هذا كله ستنعكس ألوان الثقافة الأخرى المتمثلة بالهيئات الإحدى عشرة التي تتشكل منها وزارة الثقافة السعودية والمؤسسة على تصنيف «اليونسكو» لقطاعات الثقافة.

كل مشروع فكري أو إبداعي ينام حالماً بتحقيق تلك المعادلة البالغة الصعوبة التي تجمع الجاد والممتع. وإذا كان الكثير منها يفشل والقليل ينجح، فإن استمرار ذلك القليل هو ما يعبئ الحلم بإمكانيات النجاح، وهو بالضبط ما يتكئ عليه حلم وزير الثقافة السعودي والشبان والشابات السعوديين الذين تعج بهم أروقة استديوهات الرياض وهم يحفرون باتجاه قناة ثقافية غنية بالجدية والمتعة، قناة تضيف لحياتنا منفذاً إعلامياً ينشر الوعي والرؤية عبر المعرفة والمتعة، الهدف الذي ينشده كل الذين لا يملون من النظر إلى النصف المملوء من الكأس.


مقالات ذات صلة

إحباط تهريب 100 ألف حبة كبتاغون داخل إطار شاحنة متجهة إلى السعودية

المشرق العربي شحنة ضخمة من المواد المخدرة قادمة من الأراضي اللبنانية عبر معبر جديدة يابوس

إحباط تهريب 100 ألف حبة كبتاغون داخل إطار شاحنة متجهة إلى السعودية

أعلنت إدارة مكافحة المخدرات إحباط محاولة تهريب أكثر من ‌‏100 ألف حبة ‌‏كبتاغون، كانت ‏مخبأة داخل الإطار ‏الاحتياطي ‏لشاحنة تبريد متجهة إلى السعودية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد رجل يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (تداول)

مؤشر السوق السعودية ينهي جلسة الأحد متراجعاً بنسبة 0.15 %

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية (تاسي) جلسة الأحد متراجعاً بنسبة 0.15 في المائة، ليغلق عند مستوى 10360 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 2.6 مليار ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا مصر تستنكر «الاعتداءات السافرة» على السعودية (رويترز)

مصر تؤكد استنكارها لـ«الاعتداءات السافرة» على السعودية

وجّه بدر عبد العاطي كلاً من السفير والقنصل بالرياض بزيارة المصابين المصريين بالمستشفيات البالغ عددهم 5 مواطنين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الخليج مطار الملك خالد الدولي بالرياض (واس)

إدانات عربية ودولية للاعتداء الحوثي على مطار الرياض

أثار الاعتداء الذي شنَّته الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران على مطار الملك خالد الدولي في الرياض موجةً من الإدانات الدولية والأممية والعربية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

المبعوث الأممي لليمن: هجمات الحوثيين على السعودية تهدد الأمن الإقليمي

أكد المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ أن هجمات الحوثيين على السعودية تُمثِّل تصعيداً خطيراً، وتُشكِّل تهديداً جسيماً للأمن الإقليمي، وتُديم دائرة العنف.

«الشرق الأوسط» (عمّان)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.