لوحات العمارة الأندلسية... تأويل اختزالي للأثر العربي الإسلامي

جدران وأبراج وأسوار وأقواس وما يتخللها من شروخ ومقدمات تداع

" فناء قمارش" لصورويا
" فناء قمارش" لصورويا
TT

لوحات العمارة الأندلسية... تأويل اختزالي للأثر العربي الإسلامي

" فناء قمارش" لصورويا
" فناء قمارش" لصورويا

الظاهر أن المشترك الموضوعي بين تقاليد فنون اللوحة الأوربية، وتأويلات الفنانين الإسبان، لقصة الوجود العربي الإسلامي بالأندلس، تتجلى على نحو ساطع في اعتماد خلفية العمارة على نحو متواتر، ابتداءً من أواسط القرن السادس عشر، إبَّان هيمنة الأساليب النهضوية، وحتى موجة ما قبل الانطباعية، حيث مثلت معالم العمائر التاريخية الفخمة خلفية آسرة، في الاشتغال على موضوعات تراوح بين البورتريهات، وتصوير الحياة اليومية، وتشخيص الوقائع التاريخية.

واحتلت عمائر «مسجد قرطبة» و«قصور النصريين» في قلعة الحمراء بغرناطة، و«صومعة لا خيرالدا» و«البرج الذهبي» بإشبيلية و«الأسوار التاريخية» المتبقية بمدن الجنوب الأندلسي، الحيز الأعظم في أغلب تلك اللوحات، مشكلة علامات بصرية مركزية في بيان انزياحات التأويل الفني الإسباني للقصة الموروثة. ولعل الطبعات الرائجة لكتاب الرحالة والدبلوماسي الأميركي واشنطون إرفينغ «حكايات الحمراء» وما تضمنته من صور مطبوعة لأعمال فناني القرن التاسع عشر، ممن اشتغلوا على غرف وفناءات وحدائق هذا القصر الأسطوري، وامتداده العمراني تمثل النموذج الأكثر تداولاً لمظاهر هذا التأويل البصري.

"صومعة لا خيرالدا" لبريك

وتدريجياً انزاحت العمائر من خلفيات اللوحات لتشغل بؤرة الأعمال، متراسلة مع انشغالات باروكية ورومانسية وانطباعية، متحولة من مجرد كتلة متشظية إلى قاعدة لبطولة اللون، بتنويعات لا محدودة لطبقات الضياء وتسجيمات المنظور. وتحتل أعمال الفنان خينارو بيريث بيّاميل (1807- 1854)، مساحة شديدة الدلالة في تنويعها لمقامات التعلق بالأثر العمراني الأندلسي، فما بين لوحة: «منظران متخيلان لقصر الحمراء»، ولوحة «أطلال وطواحين في قلعة كواديرا»، ترتصف مجموعة بالغة الثراء من الأعمال الزيتية والمائية عن البوابات العربية والأقواس والجدران والأفنية، تحمل عناوين من قبيل: «من داخل مسجد قرطبة»، «البرج الذهبي في إشبيلية»، «السوق العربي»، و«ورشة المغاربة في طليطلة»، و«تفاصيل من غرناطة»...، وغيرها، المعروضة في أغلبها ضمن مقتنيات الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة - سان فيرناندو بمدريد، وتطل منها جميعاً الهالة المتعاظمة للبناء العتيق والمخيف والملغز، الحاضن لكائنات متضائلة لعابرين ومتحلّقين محليين، حيث تنهض الكتل من سديم داكن، بتكوينات متداعية مكتنفة بالغبار، تمتزج فيها بقايا البياض واللون الطيني بصدأ الوقت، فتبدو مثقلة باغترابها عن محيط الأزياء والسحنات، بيد أنها هناك تصعق العين، وتعيد إنتاج أثرها الملغز.

في لوحة بعنوان «ورشة المغاربة في طليطلة»، يقدم بيّاميل تأويلاً اختزالياً للأثر العربي الإسلامي الدارس، عبر لمحة عن العمارة المفتونة بالأقواس، وتكرار الموتيفات، على سطوح من جبس، في الجدران والأبواب ونوافذ الضوء. وفي تصميم مبني على طباقية المجسمات الزخرفية، يتناظر قوسان متجاوران، تطل من الأكبر فيهما دفقات الضوء على الداخل الظليل، حيث تتحلق ثلاث مجموعات، لرجال ودواب منغمرة في تواصلها الصامت، على أرضية المبنى القديم، بهيئات لا تلفت الانتباه إلا بانعكاس الضوء المطل من القوس الفارع على المجموعة المتضائلة في وسط. كل ما في تفاصيل اللوحة يوحي بهيمنة البناء، وطغيانه الحاجب لما حوله؛ من الأصفر الباهت في الجدران ذات الزخرفة المتآكلة، إلى الإبهار الضوئي المتدفق من فراغات القوس والنوافذ الخمس فوقه، مجاز لما يمكن تسميته بـ: «الممتنع على المحو»، هو هناك دوماً بتصدعاته وغباره، وبإشراق وحداته الزخرفية المتراسلة، في مواجهة الزمن، والوجود «في غير محله»، لمنح عراقة ممتدة في غير اللسان ولا المعتقد.

ومثلما هو ظاهر بجلاء فإن بيّاميل، كشأن عدد من معاصريه، ممن خرجوا عن دوائر مستنسخات الفن المسيحي، فإن عمارة الغازي القديم باتت موضوعاً محلّياً ينتمي إلى «الشرق الإسباني»، مخترقاً عقيدة العداء، ومشاعر الغلبة، بحيث يتجلى ممهوراً بغير قليل من الشغف الجمالي؛ فالجدران والأبراج والأسوار والأقواس وما يتخللها من شروخ ومقدمات تداعٍ، تعيد توجيه وعي العين بالمرئي فيما تبقى من الحكاية القديمة. إنه القصد الذي يومئ له قول موريس ميرلو بونتي: «في أفق كل الرؤى أو ما يشبه الرؤى، يوجد العالم ذاته الذي أقطنه، العالم الطبيعي والتاريخي مع كل الآثار البشرية التي قُدَّ منها».

ومن صلب منحى إعادة امتلاك الأثر، يبرز أسلوب الانطباعيين الإسبان الأوائل، بوصفه النموذج المكتمل لهذا الشغف البصري، ففي لوحة بعنوان «فناء قمارش» لخواكين صورويا (1863- 1923)، تتخلى الجدران عن إهابها الحسي، وتكتسي لحاء بطبقات لونية/ نورانية، تحاكي طبقات الأديم الأرضي المتضاعف عبر الزمن، بقدر جدلها مع متواليات الحجب التي تعترض التقاط الرؤية للسطح الصلب والعريق، يكشف صورويا، فنان الضياء، المنتمي لحساسية ما بعد الرومانسية، في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، عن الاختراق الانطباعي الحاسم في تمثل «اللون» وجعله بؤرة العمل الفني في اللوحة، حين يولّد مع تحولات الضوء المتراكب، عبر ساعات النهار، كيمياء حسية تغلغل في الداخل المعتم والكئيب للسطوح الخرساء.

في هذا العمل المعروض بـ«متحف صوريا» بمدريد، تنهض المعادلة التأويلية للأثر الأندلسي على إيهام ملغز بما يهبه سطح الأقواس السبعة للنظر، في اللحظة التي تنعكس في بركة الفناء المفتوح لقاعة السفراء، تنمحي الزخرفات الجبسية في جنبات الأقواس وامتداداتها نحو السقف، وتتداخل في تشكيل إيقاعات البياض نحو الوردي الخافت، وفي العمق تتجاور تقويسة الضوء مع ظلها الداكن، بينما تنعكس في البركة الظلال المنطفئة وحدها، في مساحة الوردي المرقش بالبياض، وخضرة الحواف المزهرة. تبدو الأقواس المتناظرة في وضع تحاك ملتبس وكان الأصل يُردّ إلى النسخة المائية، ويتشرب ملامحها المركبة؛ صيغة من صيغ تناظر الانعكاس، حيث بالرغم من وجود كثير من الأشياء اللا متغيرة عند إجراء الانعكاسات، فهناك أيضاً أشياء عديدة ليست صامدة عند عكسها؛ وهو ما ينشأ في اشتغال «صورويا» بالتكييف الضوئي للمرجع المرئي، الذي يضحى متحولاً حتى قبل أن يخلق نظيره في صفحة المرايا المائية.

يُشخّصُ اشتغال «خواكين صورويا» في «فناء قمارش»، كما في عدد من لوحاته المتصلة بقصر الحمراء، رغبة الانزياح عن استعادة الأثر الأندلسي المبهر إلى خلق معادل يشتغل على منواله، كما تشير عبارة ماتيس في إحدى محاوراته لبيكاسو: «إنني لا أحاول أن أصور الطبيعة، وإنما، على حد تعبير الصينيين، أعمل كما تعمل الطبيعة، وإنني أريد لتلك الموجة الداخلية - وهي طاقتي الإبداعية الحية - أن تكشف عن نفسها للمشاهد بصيغة لوحة تقليدية منتهكة؛ إن مسألة الاستقلالية في التأويل الفني تحضر هنا بالنظر إلى كونها تنتج معنى خاصاً، بصرف النظر عن المعنى الأصلي، إذ لا يمكن استيعاب القصد في هذا المقام باستعمال كلمات من قبيل «تمثُّل» أو «محاكاة» أو «ترجمة» أو «إعادة تشكيل»...، فالتأويل الانطباعي أقرب ما يكون إلى خلق مجال حسي ودلالي مبتكر للمرجع، أو بالأحرى خلق نظير موازٍ له، يزيح الحجب عن اللامرئي في التكوين الجمالي للمعمار الكامل. إنه الإدراك الأكثر تجرداً من أحاسيس الغلبة أو التمجيد أو الامتلاك أو الاستعادة، أو حتى التسامح، هو تشوف إلى كشف المعنى، وخلق ما ينفذ أثره.


مقالات ذات صلة

«أجمل عملة بريطانية» تُباع بـ110 آلاف جنيه إسترليني

يوميات الشرق الجمال القديم لا يبهت (روجرز جونز وشركاه)

«أجمل عملة بريطانية» تُباع بـ110 آلاف جنيه إسترليني

في مزاد علني استقطب اهتمام هواة جمع العملات، بيعت قطعة نادرة وُصفت بأنها «أجمل عملة بريطانية» مقابل 110 آلاف جنيه إسترليني...

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

بعد مرور أكثر من 200 عام على غرقها على يد الأميرال نلسون، تمكّن علماء للآثار البحرية من اكتشاف سفينة حربية دنماركية في قاع ميناء كوبنهاغن.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
يوميات الشرق خوذة كوتوفينيستي الذهبية أثناء عرضها على الصحافة في متحف درينتس بآسن في هولندا 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن سُرقت من متحف هولندي

أعلنت السلطات الهولندية، الخميس، استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن تعود إلى رومانيا، كانت قد سُرقت، العام الماضي، من متحف في هولندا.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
أميركا اللاتينية امرأة تمر أمام السفارة الإيرانية في بوينس آيرس 20 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

الأرجنتين تطرد القائم بالأعمال الإيراني بعد اتهامات طهران لها بالتواطؤ في الحرب

ذكر بيان صادر عن وزير الخارجية الأرجنتيني، الخميس، أن الحكومة عدّت القائم بالأعمال الإيراني محسن طهراني «شخصاً غير مرغوب فيه» وطردته من البلاد.

«الشرق الأوسط» (بوينس آيرس)

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».