تحديات عبور النصّ الغرامشي في «دفاتر السجن»

ترجمة عربيّة جديدة لمختارات منها

غرامشي
غرامشي
TT

تحديات عبور النصّ الغرامشي في «دفاتر السجن»

غرامشي
غرامشي

في مايو (أيار) 1930 - وفي رواية أخرى فبراير (شباط) 1929 - خطّ الزعيم الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891 - 1937) أولى كلماته فيما أصبح يُعرَف بـ«دفاتر السجن»، وهي 33 كراسة سمحت إدارة السجن الفاشستي له باستخدامها لتدوين ملاحظاته وأفكاره، عندما كان يقضي فترة محكوميته التي تسببت في النهاية بموته المبكّر عام 1937.

ومن المعروف أن تلك الدفاتر، التي هرّبتها عن أعين رجال بينيتو موسوليني شقيقة عقيلة غرامشي الروسيّة إلى الاتحاد السوفياتي، بقيت طي الكتمان لِما بعد الحرب العالميّة الثانية، عندما أُعيدت إلى إيطاليا، ونشر ست منها بلغتها الأصلية، بعناية من جيوليو إينودي بين عامي 1948 و1951. لكن نشر بقية أغلب الدفاتر تأخّر حتى منتصف السبعينات، وتُرجم بعضها للإنجليزية والفرنسيّة، لكنّها لم تصل إلى قرّاء الإنجليزيّة عبر العالم بشكل فعلي قبل الثّمانينات، ولم يكتمل نشرها إلى اليوم، رغم صدور ترجمة للجزء الأهم منها إلى الإنجليزية في ثلاثة مجلدات عن مطبعة جامعة كولومبيا - 1992، والتي أصبحت تُعدّ بمثابة النسخة المعياريّة في العالم الأنجلوساكسونيّ. وتعتزم جمعيّة غرامشي الدّوليّة نشر أعماله الكاملة - بما فيها دفاتر السجن في وقت قريب - وفق ما أعلنت، بما في ذلك طبعة بالإنجليزية، إلى جانب النسخة الإيطاليّة.

ومع ذلك فإن دفاتر سجن غرامشي؛ من شدّة أصالة الفكر الذي حملته نصوصها، استقطبت، فور نشرها، اهتماماً واسعاً في أوساط الأكاديميين من خارج دائرة اليسار، ونشرت حول مختلف طروحاتها، في مجالات الاجتماع، والسياسة، والفلسفة، والأدب، والتاريخ، مئات الكتب، وآلاف المقالات المحكمّة، ولا سيّما بالإنجليزية والإسبانيّة، إلى جانب الإيطاليّة، وعُقدت بشأنها عشرات النّدوات والمؤتمرات في جامعات حول العالم، إلى جانب المساقات الدراسيّة عن فكر غرامشي التي تتوفر لطلبة الإنسانيّات، وكذلك رسائل الماجستير والدّكتوراه، حتى إن المؤرخ البريطاني المعروف إريك هوبسوم كتب يقول إن «غرامشي أصبح منذ الثمانينات أكثر مفكر إيطالي على الإطلاق يجري اقتباس أعماله في الدراسات الأكاديميّة المحكّمة في الإنسانيات والاجتماعيات».

في العربيّة تُرجمت بعض محتويات دفاتر السجن، في صيغ مختلفة من الفرنسيّة والإنجليزيّة، وهناك ترجمة جديدة لمختارات منها ستَصدر قريباً - عن منشورات الجمل بألمانيا - لكن لم تصدر إلى الآن ترجمة كاملة لها؛ لأسباب كثيرة.

على أن عبور نصوص غرامشي، وخصوصاً تلك التي تضمّنتها دفاتر السجن، تبدو مهمّة صعبة للقارئ غير المتخصص، حتى في لغتها الأم، ناهيك بالترجمات، أو الترجمات عن الترجمات - كما هي حال السواد الأعظم مما يتوفر عن غرامشي بالعربيّة. وهكذا ينتهي الكثيرون إلى قراءة مقتطفات منفصلة، أو تجميع جراحي لعدة مقاطع تحت عناوين أو «ثيمات» مختلفة، وهو ما يُفقد النص الغرامشيّ روحه الأصليّة الشديدة التباين عن نُظم التدوين المألوفة للأفكار.

مراجعات وتأملات

ولعلَّ أهم موانع العبور متأتية من طبيعة نصوص «دفاتر السجن» نفسها، فهي ليست فصولاً من كتاب بالمفهوم التقليدي، بل سجلات غير متتابعة زمنياً، دوَّن فيها غرامشي مقاطع متفاوتة الطول حول موضوعات كثيرة، بعضها مراجعات فكريّة، وحوارات مع نصوص قرأها، وبعضها الآخر تأملات في قضايا فلسفيّة وفكريّة وتاريخيّة وسياسيّة، وأيضاً ملاحظات حول قضايا كان يعتزم الكتابة فيها، وأحياناً إعادة صياغة لنصوص كتبها في وقت سابق. ورغم محاولة الكاتب السجين تنظيم تلك الدّفاتر عبر تخصيص بعضها لموضوعات محددة، مثل «النقد الأدبيّ»، أو «الصحافة»، أو «على هوامش التاريخ»، فإن معظم الدّفاتر احتوت نصوصاً من موضوعات مختلفة لا رابط بينها.

وفي الحقيقة، فإن غير العارفين بشؤون غرامشي ينتهون غالباً إلى اعتقاد أن «دفاتر السجن»، بكل ما فيها من أفكار ساطعة، تظل أقرب إلى عمل تحضيري، غير مكتمل، ولا ناضج، ونتاج عقل أسير محاصَر في السجن. وكثيراً ما استُخدمت هذه بوصفها مبررات لتمرير ترجمات مجتزأة، أو طبعات تحت تبويبات مفتعَلة، أو محاولات لتفسير المعاني الكامنة وراء النصوص المغلَقة وتقويلها ما يخدم نظريّة هنا أو تصوراً هناك، وهي طرائقُ حذَّر منها غرامشي في «الدفاتر»، واعتبرها خطراً لا بدّ من تجاوزه، لمن أراد الوصول إلى المعاني التي تَحكيها النصوص المكتوبة.

على أن في ذلك خيانة إضافيّة للنص الغرامشي فوق خيانة الترجمة - التأويل، التي لا مفرّ منها، فـ«الدفاتر» يجب أن تُقرأ حصراً وكأنها «ورشة عمل غرامشيّة مستمرة»، على ما يقول جياني فرانسوني، في كتابه عن غرامشي، فكأنّها رحلة في عقل هذا المفكر الإيطالي الاستثنائيّ بينما يقرأ ويناقش ويحلل ويفكّر في تفاصيل الأمور التي تثير اهتمامه، في إطار منهجيته التي طالما اعتمدها، حتى قبل إيداعه السجن، وتقوم على مقاومة النزوع للأفكار الشموليّة، أو الحلول النهائيّة، أو الاستنتاجات الحاسمة، لمصلحة الاستطلاع المعمَّق المفتوح النهايات للظاهرة المحددة موضوع الدّرس، في إطار تمثلها على أرض الواقع. ومن اللافت أن غرامشي لم يرغب يوماً في تأليف الكتب؛ لأنّه كان يمقت الحتميات والتجريد التي هي نتاج طبيعي لكل نص تجمعه دفتا كتاب، ونشر، بدل ذلك، أفكاره ورؤاه، عبر عدد هائل من المقالات الصحافيّة القصيرة، والمنشورات الثوريّة، إلى جانب بث بعضها في ثنايا رسائله الكثيرة إلى رفاقه وأهله، على نحوٍ يمكن منه استقراء معانٍ عمليّة شديدة الأصالة، من حواره الجدليّ، الشيّق، والمتحرر من القيود المسبقة، مع الظواهر في هذا العالم، ما حدا بمُنظِّرين كبار إلى وصف هذه المنهجية المعرفيّة المشتبكة بأمور الحياة ومعاش الناس، بـ«الطريقة الغرامشيّة».

موانع عبور نص «دفاتر السجن» الأخرى - سوى طبيعة النصوص نفسها - تبدأ من تجذّر الفكر الغرامشي في لحظته التاريخية عند تقاطع الزّمان والمكان، ولذلك فإن معرفة قريبة بتاريخ إيطاليا في العصور الحديثة، وتطورات الحركة الشيوعية فيها، وعلاقاتها بالمنظومة الاشتراكية الدوليّة، ضرورية لوضع النصوص في سياقاتها. وقد تسببت قراءات لاحقة عزلت النصّ الغرامشي عن سياقه، في ظهور ادعاءات بأن مفكّرنا الإيطاليّ لم يكن في مرحلة السجن ماركسيّاً ثوريّاً، أو أنّه نصير لمذهب الاشتراكية الاجتماعية الأوروبيّ، أو حتى مرجعيّة لما يسمى «الماركسيّة الثقافيّة» التي تستهدف تدمير المجتمع الأمريكيّ من الداخل، من خلال أدوات الإنتاج الثقافيّ، وهذا كلّه هراء محض نتاج قراءة تحريفيّة.

صراع السجين والسجّان

المجموعة الأخيرة من موانع عبور النص الغرامشي تتعلق بالظروف الموضوعيّة الشخصيّة للرّجل السجين، والمراقب، والمعتلّ الصحّة، والمعزول عن عالمه ورفاقه وعائلته وزوجته وأولاده، إذ يجب أن نتذكر دائماً أن «دفاتر السجن» كُتبت في ظل رقابة مشدَّدة أمر بها موسوليني نفسه، مما يجعلها موضع صراع يوميّ بين السجين والسجّان. ومنعت السلطات غرامشي من الاحتفاظ بأكثر من 3 كتب في وقت واحد، ولم يسمح له باستخدام دفاتره معاً، بل كانت تُنقل مع الكتب الثلاثة التي لديه، إلى مخزن السجن؛ كي يمكن للرقيب الاطلاعُ عليها عندما يشاء، ولذلك كان يبدع في استخدام مصطلحات وتعبيرات لإخفاء المعاني الظاهرة، فالحزب الثوريّ «أمير حديث»، والماركسيّة «فلسفة ممارسة (براكسيس)»، ولينين يُشار إليه باسم «إيليتش»، وهكذا.

الأمر الآخر المرتبط بذلك هو معاناته النفسيّة الحادّة نتيجة العزلة المفروضة عليه، والتي تتناقض مع طبيعته الشخصية المائلة إلى التواصل الثري مع الآخرين؛ رفاقاً وأقارب وجماهير، والتي رغم التزامه الصلب بالنضال والصمود، أنهكت إحساسه بالعالم من حوله، وانعكست على النصوص نوعاً من نزق، ولا سيما في المراحل اللاحقة من سجنه، بعدما اتجه الحزب الشيوعي الإيطالي، الذي شارك في تأسيسه، نحو مواقف لا تتوافق مع قناعاته الفكريّة. ولا شكّ أن اعتلال صحته، الذي ازداد تفاقماً بمرور الوقت، لم يساعد على التخفيف من معاناته النفسيّة، بل دفعه، في وقت ما، إلى عرضه الطلاق على رفيقته أمِّ أولاده.

لذلك كله، فإن قراءة غرامشي - ناهيك عن ترجمته - عمليّة شديدة التطلّب، وتحتاج إلى تثقيف مسبق، لكّن كنوز الفكر النادرة، التي يمكن العثور عليها في صفحات «دفاتر السجن» - والنصوص الغرامشيّة عموماً - تجعل من تلك المهمّة استثماراً مُجزياً بكل المقاييس.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.