«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«الإرساليّة» للروائي القطري خالد الجابر

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


مقالات ذات صلة

أدباء اكتشفوا في باريس جوهر هويتهم اللاتينية

ثقافة وفنون اوكتافيو باث

أدباء اكتشفوا في باريس جوهر هويتهم اللاتينية

لم تكن باريس في ستينات وسبعينات القرن العشرين مجرد مدينةٍ أوروبيةٍ، بل كانت «المِرجلَ» الذي انصهرت فيه طموحاتِ أدباء أميركا اللاتينية، لتولد من رحمِ غربتها

شاكر نوري
ثقافة وفنون «سيدي الحب»... تركة التاريخ الثقيلة

«سيدي الحب»... تركة التاريخ الثقيلة

في رواية «سيدي الحب» (دار ديوان للنشر - القاهرة) للكاتبة والروائية المصرية رشا زيدان، تبدو ظلال قصة الحب التي كتبها محمود درويش في قصائده عن «ريتا» وكأنها تؤطر

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

أن يُقحِمَ المرءُ الشعر في قلب المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها الإنسان مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية، فذلك عمل لا ينهض به سوى بشر قدّوا من قماشة خاصة:

ندى حطيط
ثقافة وفنون الفنان في مرسمه

هورفن أندرسون ينقب بالفرشاة في الذاكرة الكاريبية

ليست فكرة مثيرة أن يستمر فنان في رسم صالون حلاقة باعتباره مصدر إلهام جمالي على مدار خمسة عشر عاماً.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون سحر الحب الأول في رواية ألمانية

سحر الحب الأول في رواية ألمانية

تقوم الفكرة الرئيسية في رواية «الأرض الصلبة» للكاتب الألماني بينيدكيت ويلز، ترجمة زهراء باحكيم، على قوة الحب الأول وما يكتنفه من سحر ودهشة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

بول أوستر و سيري هوستفدت
بول أوستر و سيري هوستفدت
TT

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

بول أوستر و سيري هوستفدت
بول أوستر و سيري هوستفدت

«أنا حيّة... زوجي بول أوستر ميّت» بهذه الجملة الصارمة، تفتح سيري هوستفدت مذكراتها «حكايات شبح»، الصادرة عن دار نشر «غاليمار» 2026، لتُقيم من خلالها حواراً مستمراً مع غائب لم يغادر، وتُشيّد صرحاً أدبياً نادراً لعلاقة جمعت كاتبيْن عاشا 43 عاماً في داخل صفحات بعضهما البعض.

الكتاب ليس رواية خيالية، بل نصّ اعترافي يعود بنا إلى الأيام الأخيرة في حياة بول أوستر، وإلى سنوات الحياة التي جمعت الكاتبين في زواج أدبي وإنساني استثنائي. فحين قال بول أوستر لسيري هوستفدت في لقائهما الأول في مطلع الثمانينات إنه يريد أن يعود يوماً ما كشبح، لم يكن يدري أنها ستُنجز وصيّته بعد 44 عاماً في كتاب استثنائي يُعيده إلى الحياة بكل عيوبه وعاداته ونكاته وأوراقه غير المكتملة.

في «حكايات شبح» يظهر بول أوستر بوصفه زوجاً وكاتباً وصديقاً وشريكاً في الحياة اليومية، لا بوصفه فقط اسماً لامعاً في الأدب الأميركي. إذ تكتب أرملته سيري هوستفدت: «بول كان عنيداً وأحياناً عديم اللباقة، لكنه كان أيضاً رقيقاً عاطفياً وطيب القلب». وهي تصفه في صفحات عديدة بأنه كان رجلاً لا يعيش وكأن البرق سيضربه مجدداً، أي أنه لم يكن يترقب المجد بل يعيش الحياة في حضور كامل وبساطة أخّاذة. تستعيد هوستفدت حضور زوجها في أدق التفاصيل: صوته، عاداته اليومية، محيطه، طريقته في الكتابة، وحتى ما تركه خلفه من أوراق وآثار شخصية، ورسائل ومذكرات ومسودات لم يسبق نشرها. أبرزها مخطوطة لم يُكملها تتضمّن خمساً وثلاثين صفحة كان يعدّها هدية لحفيده مايلز الذي وُلد في الأول من يناير (كانون الثاني) 2024، أي قبل أربعة أشهر فقط من رحيل جدّه. النصّ بعنوان «رسائل إلى مايلز»، يحكي فيه تاريخ العائلة ويوصي الطفل بطريقة عيش كريمة. هذه الصفحات، التي تضمّ جوهر ما أراد أوستر توريثه، هي ربما أكثر ما في الكتاب توهّجاً وإيلاماً، إذ يظهر وهو يكتب لطفل لن يراه يكبر، لطفل لن يتذكر وجهه، لكنه سيقرأ ما كتبه جدّه يوماً ما.

تعود هوستفدت إلى بداية علاقتها بأوستر في نيويورك في ثمانينات القرن الماضي، ثم تتقدم نحو المرض والرحيل، مستعينةً بمراسلات شخصية ومقاطع من يومياتها ورسائل كتبها زوجها في أيامه الأخيرة. ومن خلال هذه المواد، تبني صورة لعلاقة كُتبت بالحوار الدائم، إذ كان كل منهما يقرأ أعمال الآخر ويعلّق عليها ويشارك في صوغها ذهنياً، وكأن الزواج نفسه صار شكلاً من أشكال الكتابة المشتركة. وفي هذا السياق يبدو الكتاب كمحاولة لاستعادة الشراكة الثقافية التي جمعت الزوجيْن الكاتبيْن، إذ كان كل منهما يقرأ الآخر ويعتمد عليه في اختبار النص ومعناه. ولذا فإن كثيراً ممن قرأوا «حكايات شبح» وصفوه أيضاً بأنه كتاب عن الزواج بقدر ما هو كتاب عن الحداد، فهو يلتقط كيف يصبح الحب، مع الزمن، جزءاً من بنية التفكير نفسها، وكيف يخلخل الغياب هذه البنية من الداخل.

تتطرق سيري هوستفدت في كتابها إلى طقوس العمل المشتركة: القراءة بصوت عالٍ في فترة بعد الظهر، ومشاركة الجمل والأفكار وأحياناً الشخصيات نفسها. لم يكونا يكتبان في الغرفة ذاتها، كان هو في الطابق الثالث وهي في الثاني، لكنهما كانا يلتقيان لمراجعة ما كتباه، وكأن المنزل نفسه كان يُمليهما معاً.

ما يجعل «حكايات شبح» مؤثراً ليس موضوعه وحده، بل الطريقة التي تصف بها هوستفدت التفاصيل الصغيرة: الرسائل، اليوميات، الملاحظات، الأشياء المتروكة على الطاولة، ونبرة البيت حين يغيب أحد أركانه. إنها لا تكتب عن موت زوجها فقط، بل عن تحوّل الحياة اليومية نفسها بعد الموت، وكيف يصبح الزمن متكسراً حين يغيب الشخص الذي كان يضبط إيقاعه. الكتاب، بحسب أكثر من قراءة نقدية، لا يكتفي بتسجيل الحزن، بل يفكك أثره على اللغة والذاكرة والجسد، حتى إن القارئ يشعر أن هوستفدت لا تلاحق بول أوستر كشخص، بل تلاحق صورته داخلها، داخل البيت، وداخل المعنى الذي تشكَّل من سنوات العيش المشترك.

كتبت سيري هوستفدت «حكايات شبح» بلغة متماسكة، دقيقة، ومشحونة بالتأمل. وهي لا تنزلق إلى العاطفية المباشرة، بل توازن بين حرارة التجربة وصرامة التفكير، بين الاعتراف الشخصي والأسئلة الكبرى عن الذاكرة والهوية والوقت. ولهذا تبدو بعض المقاطع كأنها تنتمي إلى نوع من «الفلسفة الحميمة»، حين يصبح الحزن مدخلاً لفهم الذات لا مجرد استعادة مأساة. وتُجمع القراءات النقدية على أن قوة الكتاب تكمن في هذا التوتر الخصب بين الوجع والوعي. فهو لا يريد أن يبتز عاطفة القارئ، بل يدعوه إلى مرافقة تجربة إنسانية عميقة، تتكشف فيها هشاشة العلاقات، وعبث اللغة أمام الموت، وفي الوقت نفسه قدرتها على حفظ ما لا يُحفظ.

كتبت «نيويورك تايمز بوك ريفيو»: «مؤثر حقاً... كتاب هوستفدت يشبه في نبرته (عام التفكير السحري) لجوان ديديون... كتاب مُحبَّب ومؤثر عن الوحدة واليأس والارتباك. إنه قريب من الصرخة». فيما لفتت «نيويورك تايمز» إلى أن «جزءاً من الكتاب عن الحزن وتداعياته النفسية والفيزيولوجية، وجزءاً آخر هو لمحة كاشفة عن الزواج الأدبي بين بول وسيري، والتزامهما العميق بمشاركة أعمال بعضهما البعض».

أما في فرنسا، فقد رأت «لوموند» أن هوستفدت «تُنجز الأمنية الأخيرة لبول أوستر، وهي العودة في هيئة شبح»، في كتاب «مؤثر» لا هو «رثاء ضبابي» ولا «ضريح أدبي». وقدّرت المجلة الثقافية «تيليراما» أن الكتاب «يسبر بلطف أرواحنا في مواجهة الغياب»، فيما وصفته «ليزانروكوبتيبل» بأنه «رواية آسرة ووداع جميل لبول أوستر».

وفي «لكسبريس»، كتبت إيميلي لانيز: «تقرأ هذه النصوص وكأنها كتاب رثاء رائع. إنه تسلسل زمني للغياب، وتصوير لزوجين، وتشريح لحوارهما الخصب الذي بلغ من العمق حدّاً حوّل الكائنَين إلى كيان ثالث هجين ومعتَّق».

«حكايات شبح» ليس مجرد كتاب عن الفقدان. إنه عمّا يبقى حين يرحل الحضور، عن تلك الطبقات المتراكمة من الكلام والصمت والعادات والنكات والمشاريع المشتركة التي لا تختفي بالموت، بل تتحوّل إلى شيء آخر: أشباح مقيمة داخل الجُمل، داخل الأوراق، وداخل طريقة النظر إلى العالم.


نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة
TT

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

تنبنى رواية «أغنيات جنائزي السرية»، للروائية المصرية نسمة عودة، منذ بدايتها حتى نهايتها، على تقنية الرسائل، لكنها رسائل من طرف واحد، من الأم «أمينة» إلى ابنتها «عائشة»، التي أخذها والدها معه في سفره منذ سنوات بعيدة، ولم ترها الأم منذ طفولتها. رسائل أقرب إلى مذكرات، تحكي فيها الأم لابنتها سيرة حياتها، وما عانته من قسوة منذ طفولتها، وسبب تخليها عنها للأب، نافيةً عن نفسها تهمة «الجنون» التي حاصرتها من الجميع. فعلى مدار الرواية لا نسمع صوت الابنة، غير المهتمة برسائل أمها الإلكترونية، لنرى عبر هذه السيرة مواضع الجنون المجتمعي الأعمق.

جسد الرواية، الصادرة في القاهرة عن «دار المحرر للنشر»، هو ذكريات الأم، وآلامها، فهي -عبر رسائل «واتساب»- تحكي لابنتها الغائبة سيرة حياتها، وسيرة مجتمع بأكمله، تحكي لها عن ميتاتها الرمزية منذ طفولتها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مروراً بمراهقتها، وزواجها رغماً عنها من رجل يكبرها بعقود، تزوجها لمجرد أنها تشبه عشيقة صباه ومراهقته، التي كانت تربطه بها علاقة جسدية قبل مولد «أمينة» بكثير، هذه العشيقة لم تكن سوى «أم أمينة» نفسها، لكنهما لم يتمكنا من الزواج حينها، فسافر لسنوات طوال، وعندما عاد كانت حبيبته القديمة قد تزوجت وأنجبت، فاستغل ثروته ونفوذه وتزوج الابنة، فكانت «أمينة» مجرد دوبلير لأمها، يُسقط عليها غضبه وانتقامه.

برهافة شديدة، ولغة موجعة وحادة، تقدم الرواية مسارات وخطوط درامية كثيرة ومتشابكة، تحكيها البطلة الساردة «أمينة»، مفكِّكةً كثيراً من بنية الواقع الاجتماعي المسكوت عنه، يتضافر فيها الاجتماعي بالسياسي بالأخلاقي بالديني، وتعرِّي بجرأة فنية البنية الاجتماعية، وسيكولوجية الفقر، ودوامات القهر التي تبتلع الجميع، فضلاً عن التواطؤ الجمعي الذي يسمح بزواج فتاة من حبيب أمها القديم، وبتواطؤ الجميع، رغم علمهم بالماضي وبنيّات الزوج، تحت قاعدة أن «الحرام لا يحرّم حلالاً».

على عكس الشائع، لا تأتي الذكورية والتسلط على المرأة من جانب الرجال، رغم حضور هذا التسلط، لكن الرواية تكشف عن تسلط أكثر ضراوة تمارسه النساء على البطلة، خصوصاً الجدَّات، المتحكمات في مصائر الأبناء والأحفاد، فالجدة تقمع بناتها الست وابنها، والد البطلة، الذي يبدو ظلاً باهتاً وضعيفاً أمام أمه، المتحكمة في كل شيء، في تمثل واضح واستعادة للماترياكية. هذا التحكم ذاته، مارسته أيضاً جدة «دهيبة»، صديقة «أمينة» الوحيدة والمقربة، والأكثر جرأة وتمرداً، فقد كان الإيذاء الجسدي والنفسي الذي مارسته هذه الجدة الأخرى على حفيدتها أكثر قسوةً وإيذاءً جسدياً، من اعتداء عمها المدمن «عزيز» عليها جسدياً، في حين بدا الأب أيضاً غائباً، وبلا حضور حقيقي.

تقطع الساردة أحياناً مجرى السرد، مقدمةً لمحات تحليلية رشيقة لسلوكيات أبطال عالمها، وفق منطق كتابة المذكرات أو الرسائل، فتقول مفسرةً سبب قسوة وتسلط النساء بعضهن على بعض: «لا أحد يتعاطف مع النساء، حتى النساء، كأنهن لا يُردن لدائرة الألم أن تتوقف، حتى لا يشعرن بسوء أقدارهن. في المعاناة الجماعية مواساة، وفي النجاة الفردية خيانة».

تكشف الرواية عن غياب الأب في مجتمعات الفقر، وانتقال السلطة داخل البيوت إلى كبرى نساء العائلة. في طفولتها كانت «أمينة» تتخيل أن والدها يمكن أن تنبت له أجنحة ويطير؛ إنها صورة السوبر مان المتخيَّلة في ذهن كل فتاة عن أبيها، لكن رويداً رويداً ينكشف ضعفه وانسحاقه أمام أمه، وأمام رئيسه في العمل، وزوجته، وابنته، وأمام العالم أجمع، وينتهي به الأمر إلى أن تراه في مشهد استثنائي، وذكي في غرائبيته، تراه وقد تقزَّم وتضاءل، بشكل مدهش في تصويره جمالياً، تقول: «في تلك اللحظة ذاب أبي المتضائل بالفعل، ذاب حتى أصبح في حجم بلية صغيرة ملونة بالأزرق. تدحرج حتى عتبة الشقة، ثم قفز على درجات السلم. طار للأعلى قليلاً».

إلى جانب حيوات البطلتين، «أمينة» وصديقتها «دهيبة»، ومعاناة كل منهما مع عائلتها، تقدم الرواية تمثيلاً للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر، فتبدو هذه الأوضاع حاضرة في خلفية المشهد دائماً، تؤثر بشكل واضح ومحسوس في حياة الشخوص. كما ترسم صورة سردية لطبيعة الحياة في المناطق الشعبية وشبه العشوائية، في مناطق على أطراف القاهرة، حيث يقيم النازحون إلى العاصمة من المحافظات البعيدة، كحال أسرة «دهيبة» التي تنحدر من أصول نوبية. ويأتي النازحون بنسقهم القيمي الريفي، ويغرسونه في قلب المدينة، مع تسييد العادات والتقاليد الريفية، على المكان الذي يُفترض به أن يكون فضاءً للانفتاح والتحرر.

تمزج البطلة الساردة، التي كانت مولعة في صباها بالرسم والفنون عامة، بين سيرتها وبين أغنيات شهيرة في حقب مختلفة، إذ تبدأ كل فصل بمقطع من أغنية. هذه الأغنيات التي أصبحت تستدعيها بعد ذلك في أثناء علاجها النفسي، وتخبر طبيبها بأن كل أغنية منها كانت مرافقة لإحدى ميتاتها السابقة، ميتاتها الرمزية. إضافةً إلى الأغنيات، ثمة حضور قوي للأفلام، وهناك ثلاثة أفلام يبدو حضورها لافتاً: «آيس كريم في جليم» أول فيلم شاهدته في السينما مع صديقتها «دهيبة»، بعد أن هربتا يومها من المدرسة، تحدياً لتصور الجدَّات عن البنت التي تذهب للسينما. والثاني «أحلام هند وكاميليا» فكان بمنزلة حلم لها، تريد أن تتمثله وتهرب مع «دهيبة» وتعيشان معاً، ومعهما «عائشة» ابنتها بعد ذلك. والثالث «موعد على العشاء»، فكانت تتمنى أن تنتقم من زوجها، مثلما فعلت البطلة سعاد حسني مع زوجها.

الفن والغناء والصحبة كانت عالم «أمينة»، لكن زواجها عنوةً من رجل ينتمي إلى الإسلام السياسي، وتخليها عن ابنتها له، حيث أصبحت تراها فقط على الشاشة، وهي تقدم برنامجاً عبر قناة دينية يمتلكها والدها وجماعته، إبان صعود «الإخوان» عقب «يناير 2011»، فتراها وهي تطعن في عقيدة ودين كل المختلفين معها... تحزن الأم مرتين؛ الأولى على ضياع حياتها، وتعامل المحيطين معها بوصفها «مجنونة»، والثانية لما آل إليه حال ابنتها. فقد تشوهتا، مثلما تشوه جميع أبطال هذا العالم الروائي، وتحولوا إلى مسوخ: «العنف يا عائشة هو ما يخلق شخصيات مشوهة وخاضعة ومرتعدة، لا تملك حق الرفض أبداً».


السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ
TT

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

عن دار «رشم للنشر والتوزيع» في السعودية، صدر أخيراً كتاب «سينما الاستنساخ المصرية»، للناقد السعودي خالد ربيع السيد، يقع الكتاب في أكثر من 400 صفحة من القطع الكبير. ويناقش آلية نسخ الأفلام الأجنبية، وتحويلها إلى مصرية، مقارنة بالسينما المصرية الأصيلة الرصينة، خاصة في الثمانينات مع حركة الواقعية الجديدة، والتي يرى المؤلف أنها كانت نابعة من قلب الواقع، وقضاياه، ومشكلات الإنسان المصري الحقيقية.

يبدأ الكتاب بمقدمة يوضح فيها المؤلف أن تأليفه لهذا الكتاب جاء «بدافع التعرف على الأفلام المصرية، والاستمتاع بها، وربما لتحريض القارئ على مشاهدة الجيد منها، ومقارنتها بالأفلام الأجنبية التي استنسخت منها، ولم يكن القصد الانتقاص من شأن السينما المصرية عموماً». ويوضح في هذه المقدمة مفهومه الخاص للفوارق بين الاستنساخ والاقتباس، قائلاً: «الاستنساخ كما أرى يعتمد على نقل مطابق لأفكار وحبكات أفلام أخرى، نسخ ولصق، حيث تنحسر مساحة الإبداع، والأصالة، وتنطوي على شيء من إعادة الصنع، أو التكوين بمدخلات جديدة لتنتج معطيات مستجدة. بينما يتوافق مصطلح اقتباس مع ما ينقل من الرواية، والمسرح».

بعد هذه المقدمة، هناك تصديران لناقدين سينمائيين مصريين، الأول بعنوان: «شعرة، وقارة، ما بين الاقتباس والاستنساخ» للناقد عصام زكريا، يوضح فيه الفوارق بين الاقتباس والسرقة، والحدود العلمية بينهما، وتاريخ الاقتباس في السينما العالمية، والأميركية منها بوجه خاص، مشيراً إلى أن الكتاب «إسهام مهم في النقاشات الدائرة حول تعريفات وأصول وحدود الاقتباس، وهو نقاش ضروري، ليس فقط لإعطاء كل ذي حق حقه، ولكن لإثراء الحياة الفنية، وتلقين الشباب الصاعد درساً بليغاً في معنى أن يكون الإنسان فناناً».

التصدير الثاني بعنوان: «سينما ثرية يعتريها نسخ واستسهال» للناقدة فايزة هنداوي، تؤكد فيه أن «الكاتب لا يقف موقف الخصم، بل موقف المحب الغيور، ما يمنحه توازناً نقدياً، فهو لا يتردد في الإشادة بما هو أصيل، ومبدع، ويحتفي بالدور الاقتصادي والاجتماعي الذي لعبته السينما في حياة ملايين المصريين، والعرب. ولكنه في الوقت نفسه لا يتوانى عن كشف مواطن الضعف، وانتقاد أفلام المقاولات البائسة، التي حولت أفلاماً راقية إلى نسخ مشوهة وسخيفة».

يتكون الكتاب من ستة أبواب رئيسة، كل منها ينقسم إلى عدة فصول، متناولاً أشهر الأفلام المستنسخة، وأشهر الممثلين الذين اعتمدوا على الاستنساخ في أفلامهم، بخاصة عادل إمام، وأحمد حلمي، فضلاً عن رصد ظاهرة استنساخ الأفيشات، حتى الموسيقى التصويرية، ويناقش مظاهر التغريب التي نقلتها السينما المصرية. كما يضم قوائم وتحليلات وبوسترات عن الأفلام المصرية المنقولة من السينمات الأخرى. وبعد تطواف كبير في دراسة الظاهرة، وجذورها، وتجلياتها، أفرد الكتاب الباب الأخير، الذي ينقسم إلى خمسة فصول، لإلقاء الضوء على ما أسماه «السينما المصرية الأصيلة» التي أنتجت بدماء وروح مصرية خالصة، وأهم مخرجيها، ومحطاتها، ومؤلفي الموسيقى التصويرية فيها.