«المنسيون بين ماءين» لليلى المطوع

حكايات البحر الكثيرة من منظور مختلف

الروائية البحرينية ليلى المطوع
الروائية البحرينية ليلى المطوع
TT

«المنسيون بين ماءين» لليلى المطوع

الروائية البحرينية ليلى المطوع
الروائية البحرينية ليلى المطوع

تتدفق في رواية «المنسيون بين ماءين» للكاتبة البحرينية ليلى المطوع (دار «رشم للنشر والتوزيع» - 2024) محفزات تثير مشاعر مختلطة لدى المتلقي، خصوصاً في أبرز عنصرين من عناصر البيئة المحلية: البحر والنخيل. وهي رواية تعيد الشعور بنشوة ارتطام الماء بالأقدام على السواحل، وتعود بنا إلى مباهج الطفولة من التقاط الأصداف. إنها تذكرنا بطعم «الخلال» اللاذع، وبأصوات العصافير وهي تلتقط الرطب الجني. وترجعنا إلى مواسم الاصطياف في بِرَك الماء الارتوازية وسط مزارع النخيل.

لقد نسجت الكاتبة بلغة رشيقة بساطاً سردياً تداخلت فيه الأزمنة وتقاطعت. وحبكت خيوطه من حكايات تربط سيرة النساء في صراعهن المرير لعيش مشاعر الأمومة، مع غموض وكرم الماء والنخيل سواء بسواء، في معالجة سردية تستمد نسغها من الفانتازيا. فتارة تقدم النذور للبحر، وأحياناً يتم الاستعانة به لقضاء الحوائج.

وتنجح المؤلفة في إصدارها الثاني هذا على إيجاد صيغة فنية وإبداعية تؤكد من خلالها الارتباط المصيري بين عنصري النخلة والبحر في هذه الرقعة الجغرافية وانعكاسهما على الإنسان، تكويناً وحياة. ورسمت داخل هذا الإطار تاريخاً مفصلاً ضارباً في القدم منذ أرض الخلود: «دلمون» ذات المياه العذبة، في شكل ينابيع وعيون فوارة بعد مباركة الإله أنكي - كما تقول الأسطورة.

تشكل الرواية جهداً لافتاً أفصح عن امتلاك الكاتبة للأدوات اللازمة لتقديم رؤية جديدة ومن منظور مختلف لحكايات البحر الكثيرة، التي قال عنها الشاعر علي عبد الله خليفة: «مَلَّها الليل ومَجَّتها الظهيرة»، النخلة، كما يقول الناقد الدكتور علوي الهاشمي للنخلة هي الأم الحقيقة، والبحر هو الأب الشرعي مانح الخير والرزق، رغم قسوته وتجهمه وغدره من ناحية أخرى.

تتحرك أحداث «المنسيون»، وفق توجيه من البطلة «ناديا»، التي تعيش في جزيرة اصطناعية، نتيجة دفن البحر وتطويقه، وإثر القضاء على الينابيع الطبيعية. وذلك بين الماضي والحاضر، في صورة قصص مستلَّة من مذكرات جدتها نجوى عاشقة البحر والنخل، التي كشف عنها زميلها (آدم)، بعد أن كانت مجهولة.

تبدأ الرواية بقصة «سليمة»، المرأة التي تمّت التضحية بابنتها الوحيدة قرباناً حتى تتدفق المياه في عيون الماء من جديد، وتصف من ثم شقاءها. وتعود بعدها إلى الماضي السحيق في حكاية «إيا ناصر» فتصور مشاهد وطقوس عبادة إله الماء، بدراما حسية، لترسيخ فكرة ارتباط النوع البشري بمصدري الحياة على الجزيرة المتمثل في الماء والنخيل.

ومع تقدم أحداث الرواية، تحيك في قصة «درويش» مسار العادات القديمة بين أهالي الجزيرة وانتقالها إلى مَن استوطنها لاحقاً. فتصور مشاهد نقل الأحجار من بناء المعابد إلى بناء المساجد لحظة دخول أهالي الجزيرة في الإسلام. وتضيف إلى ذلك بعض العادات والتقاليد مع لمسة خاصة منها، مثل إلقاء الأطفال النبتات الصغيرات التي تُزرع في سلال الخوص في البحر، للترفق بحالهم وإعادة آبائهم. وملاقاة النساء للبحر بغرض ترويضه، زجراً ورقصاً.

وفي منعطف آخر من الرواية، تتم في قصة «مهنا» إعادة رسم مشاهد المعاناة في مهنة الغوص على اللؤلؤ، وما يصاحبها من شظف، وإعياء.

لقد ضفَّرت الكاتبة روايتها بعناية من مادة التاريخ، ومواد التراث، فضلاً عن طاقة خيالية وأسطرة أسبغت على العمل أبعاداً إضافية وكأنها تسطر سفر تكوين جديد خاص بهذه اليابسة المحاطة بالماء. وتمكنت في المحصلة النهائية من تقديم رؤية بدأت مع نقطة الصفر في التاريخ حتى وصلت بحركة دائرية إلى خلق أسطورة جديدة تمثلت في انتقام الماء لنفسه، وذلك بعد الاعتداء على البحر ومحاصرته في مكانه «بحيث لا سبيل له حتى يجزر بمائه فيفرّ، ولا سبيل ليمد موجه فينتقم، أو تعود فيه الحياة» صفحة 195.

تعيد الرواية الماضي المعيش في كنف البحر والنخل، والحكايات والميثولوجيا الموثَّقة التي تداولتها ألسنة الآباء والأجداد: بودرياه، وأم السعف والليف، وأم حمار، والحوتة التي ابتلعت القمر. وتبسط الأناشيد التي لازمت مرحلة الطفولة. ولكنها لم تكتفِ بذلك، بل جعلت البطلة تأخذ بزمام الحكي وتوجهه إلى أقصى نقطة في التاريخ حتى اللحظة الراهنة، من خلال تتبع سيرة البحر والنخلة، وما يحملانه من قيمة رمزية ومادية. لتتداخل ما حملته الأجيال من عادات وتقاليد موروثة.

واختارت أن تتكئ على أساطير دلمون، من خلال ناديا البطلة والشاهدة التي سجلت على صفحة الماء، بفراته وأجاجه، حيوات متعددة لأجدادها على مر العصور. شريط ذكريات سطرها الأسلاف في علاقتهم بالبحر والعيون العذبة وحب النخيل، لتدون ذاكرة الماء وذكريات لا يمكن قراءتها إلا حين يكون دمها «نخلاوياً». دم ورثته من جدتها «نجوى» وجدها «مهنا» الذي امتهن الغوص على اللؤلؤ. لتعرض بشكل مفصّل أهوال ما يتعرض له الغاصة في رحلة «الهولو واليامال»، ولتسطر تلك المشاهد من وسط «الهيرات»، حيث تتدفق المياه العذبة والمالحة. وتدخل، من ثم، فيما يسمى في علم النفس بـ«الديجافو»، مشيرة إلى أهمية هذه الينابيع العذبة ودورها المهم لمهنة الغوص على مر العصور: «هناك ينابيع عذبة متدفقة تقع على مقربة من الجزيرة الطاهرة، هناك سر الخلود، ومكامن القوة، فامنح البحر آلهتك»، صفحة 116.

تتنقل الكاتبة إذن في روايتها بين أزمنة متفرقة، وتتلمس في هذا التجوال الإسهام المهم لينابيع المياه العذبة ودورها في استيطان الجزيرة بوصفها مقصداً مغرياً. وهو ما حدث من قبل جميع الحضارات التي تركت أثراً، كاشفة عن طقوس كل حضارة، مستعينة بخيال ميثولوجي وآخر مستمَد من ذخيرة الثقافة الشعبية «كانت الجزيرة تحوي نساء دُفِنّ تحت الرمال، وتحولن إلى عُيُون، وحين تشرب من كل عين، ستجد طعمها مختلفاً كطعم صاحبتها» صفحة 56.

وحول هذه المسألة، نلحظ التفنُّن في استنبات هذه الأساطير، مثل تقديم قرابين البنات الصغيرات كي تبتل الأرض بدموعهن ويرتوي التراب بمائهن، فتتدفق المياه ويهلل الناس فرحاً في مواسم القحط. وتعرض لوحة لفتيات يغنين لإله المطر كي تبتلّ أرضهن، ويصاحب الغناء رقص تتحرك فيها شعورهن يميناً وشمالاً. وتستحضر في سياقات أخرى الحكايات المخيفة الخاصة بالبحر، من خرافة «بودرياه» خاطف الصيادين الذي كان يعيش في العالم السفلي، إلى حكاية البحر الغدار في صورة ملك متربع على عرشه، ومن حوله ترقص النسوة ويلفحن شعورهن أمامه، لعله يعيد الغائبين، وإلى عين سمّتها «حوز»، دمجت فيها عدة أساطير معاً، فهي امرأة تخرج حين يسود الليل، تختطف الرجال والأطفال، ذات جلد يشبه الحراشف، وعين حمراء مرعبة، وشعر ذي أفاعٍ صغيرة، وقدم حيوان، دمجاً لأسطورة «ميدوزا» التي تحوِّل مَن يقع نظره عليها إلى حجر، وخرافة أم حمار، وهي من أشهر الخرافات المرتبطة بذاكرة أهل البحرين.

وسلَّطت المطوع الأضواء على الوجود المهم للنخلة بشكل موازٍ مع الماء/ البحر. فقد سنّت القوانين لحمايتها على مدى عصور، فالأرض طُوّعت لتغرس فيها جذورها، لدرجة من يقطع نخلة أو يمس سعفها يُلعن وتطارده الآلهة، لتمنحهن بذلك خلال السرد ذاكرة، ذاكرة وقوفهن على الساحل ورؤيتهن جميع الوقائع التي حدثت على هذه الأرض؛ فهن شواهد، وعمرهن يتجاوز آلاف السنوات، ولهن ذاكرة واحدة، ووجع واحد، وكل نخلة تشعر بالأخرى، وينقلن ذاكرة بعضهن إلى بعض من خلال الماء، ويُوصى سابقاً بعدم النوم على أرض لا نخلة فيها، فهن حارسات الجزيرة. «حين لم تكن الطبيعة تعترف بالتقسيمات التي وضع حدودها البشر، تتمدد الأشجار في كل الاتجاهات، جذورها في قرية وثمرها يسقط في قرية أخرى» صفحة 74.

تتقاطع «المنسيون بين ماءين» إذن بين المستقبل والماضي. وناديا البطلة تعيش حاضراً ومستقبلاً فقد اتصاله بالماء، وتعوض ذلك بحالة ولادة وانبعاث لحيوات متعددة وتجارب سابقة وذكريات بتفاصيلها، كتذكر تلك الجزيرة الصغيرة في شرق الجزيرة الأم (النبيه صالح)، التي يحذرون الجميع من مد يدهم إلى أي فاكهة تُزرَع فيها، مهما كانت رغبتهم بها كبيرة، فالبحر سيعلم وسيطالب بها، وسيقلب أي قارب يخرج من الجزيرة والفاكهة على متنه. ولترى ذاكرة الماء، تنقيباً وبحثاً، ولتسطر سيرة البحر الذي أتت الحضارة الجديدة على موجه. إلا أنه غدر بجميع من يحبونه رافضاً التوبة حتى عندما تردد له النسوة: «توب توب يا بحر». تقول الكاتبة: «عليك قراءة البحر، فلكل شيء ملامح تختلف عن ملامح البشر، ولكن عليك إجادة قراءتها، كل شيء على وجه البحر من الممكن قراءته» صفحة 26.

«المنسيون بين ماءين» رواية كُتِبت لتسطر من جديد علاقة جميع من استوطن هذه الأرض بمائه وترابه، لتعيد أمجاد اسمها المرتبط بالماءين، وتدوّن ذاكرة أديان انطلقت من معابدها، وتعيد صياغة قصة المليون نخلة على أراضيها.

تتنقل الكاتبة إذن في روايتها بين أزمنة متفرقة وتتلمس في هذا التجوال الإسهام المهم لينابيع المياه العذبة ودورها في استيطان الجزيرة


مقالات ذات صلة

سنوات جبران الباريسية

ثقافة وفنون سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية

عاش جبران خليل جبران مرحلةً مفصليةً من حياته في العاصمة الفرنسية باريس. ففي الأول من يوليو (تموز) عام 1908، غادر مدينة بوسطن متوجهاً إلى باريس ليدرس الفنون،

شاكر نوري
ثقافة وفنون الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة

«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

في كتابها «إسكندرية فين؟.. رحلة تناجرا» الصادر أخيراً عن دار العين للنشر بالقاهرة، لا تنطلق الكاتبة والباحثة المصرية ياسمين عبد الله، في بحثها عن مدينتها

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أجاثا كريستي تحتسي الشاي على شرفة المدرسة البريطانية لعلوم الآثار في بغداد خلال الخمسينيات (فيسبوك) p-circle 01:43

«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

ولدت الكاتبة أجاثا كريستي في مثل هذا التاريخ قبل 136 سنة. اشتهرت برواياتها البوليسية، لكن قلّة تعرف أنها أمضت جزءاً من حياتها متنقّلةً بين البلدان العربية.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط..

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى

رشا أحمد (القاهرة)

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

عالية ممدوح
عالية ممدوح
TT

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

عالية ممدوح
عالية ممدوح

يُلزمنا غلاف «خلوة النقص: الآداب - 2026» على اعتماد هوية الكتاب الجديد للكاتبة العراقية عالية ممدوح، وهي المثبتة على غلاف الأمامي للكتاب، فهي «رواية»؛ وهذه عتبة أولى أساسية للكتاب، وليس بوسع القارئ، أبداً، القفز على هذا التحديد الأجناسي الرئيس. لكن القراءة الأولى للكتاب، ربما حتى العاشرة بعد الألف، تقول لنا إن الكتاب هو سيرة ذاتية لكاتبة «الغلامة»، وهو، بدقة أكثر، سيرة مريضة في نزاعها مع الألم. ثمة أدلَّة نصية لسانية تؤيد هذا الفرض، بل وتؤكده، ليس آخرها التزام سيرة الكاتبة المعروفة لدينا، نحن قراءها. نتحدَّث هنا عن سيرة الكاتبة عالية ممدوح بمحطات حياتها المعروفة لدينا. ولا ينتهي ميثاق السيرة بصيغة الراوي المتكلم، فهذا من نافلة القول، برغم أن عدم وجود «المتكلِّم» لا ينفي جنس السيرة الذاتية، ولا يلغي أن خطاب السيرة الذاتية تشكِّله صيغ لسانية وثقافية ورؤية تُغالب هوية الجنس الأدبي ذاته وتخترقه، بل وتعيد توجهه. فهل يكفي هذا لمغالبة «رغبة» الكاتبة المكرَّسة في توصيف وتسمية نصها؟ لا أظن؛ فهوية الجنس الأدبي وصفته النوعية اللسانية تقرِّرها إرادة «الكاتب»ـة ورغبته، مثلما هو ذاكرة نصية وصفة تاريخية مختلفة من عصر لآخر. ولا بأس؛ فالسيرة الذاتية، أو حتى الغيرية عامة، مثل الرواية تعيدان تحديد خصائهما النوعية حسب موضوعهما، وهو هنا سردية المرض الكبرى. ولا مغالطة أبداً؛ فثمة سردية تكبر وتتضخم موضوعها المرض.

غلاف خلوة النقص

ونظل عند حدود التصنيف الأجناسي لـ«خلوة النقص»؛ أهي سيرة ذاتية للكاتبة العراقية المعروفة عالية ممدوح، أم هي رواية؟ هل الإجابة مهمة؟ نزعم أنها الأصل في أي قراءة ممكنة لـ«خلوة النقص»، فالنزوع السيري، الذاتي، غالباً، للمؤلف الكاتب، هو الجوهر الأساسي لنصوص ما بعد الحداثة عامة، فهي نصوص تؤسس لمجالها الصنفي بنفسها، وتسعى لمغالبة الذاكرة الأجناسية المسبقة. وأول ما يخطر ببال القارئ في هذا السياق المتمرد هو رفض الإيهام بالواقع المتبنى منذ القدم، فيجري تبريز الواقع ليس كما هو، إنما يجري إعادة اختراعه بالاستعانة بمسمياته. هكذا سنجد «خلوة النقص» تعيد تأسيس الحكاية على أساس من سيرة الكاتبة ذاتها. نحن هنا إزاء كتابة جديدة لسيرة الكاتبة تحت ضغط موضوع أساسي جديد هو المرض المهدِّد للحياة. ألم نقل إننا في سياق سردية كبرى اسمها المرض!

لكن المرض، أو سرديته الضاغطة، لا تأتي بصفتها المجردة، كما يمكن أن نجدها في نصوص مماثلة؛ فهو «خلوة» خاصة ومخصوصة للنقص. فما النقص هنا؟ إنه المكان الذي نهبط إليه في «المصاعد» الكهربائية، تحت الأرض، في البنايات الكبرى، مثلما هو في البنايات السكنية والمولات وما يتصل بها من بناء كبير يحتوي على طوابق فوقية، وأخرى أرضية سالبة، كما ترسم علامات السالب في لوحات السيطرة الخاصة بالمصاعد. نحن نهبط، هنا، مع الكاتبة إلى «النقص» ونحقق «خلوة» مع «النفس» وأوهامها، فيكون المرض مجازاً كليّاً عن حياتنا. والنقص حكاية الجميع، مثلما أن الخلوة تسع الجميع.

المرض... تاريخ آخر للعائلة

ليس المرض قدراً فردياً يتعثر به المرء فينجو أو يموت بسببه، إنما هو قدر العائلة المنحوسة، عائلة الكاتبة التي «تركت» بلادها المضطربة واستقرت، بعد تشرد طويل، في باريس. هذا استهلال غير كافٍ لرواية تريد أن تجعل من المرض سردية كبرى، سوى أنه يُفيدنا في ضبط سردية المرض؛ فلا أمراض موسمية، إنما هي أمراض ذات سمات رتيبة ومتكرَّرة، كما أن الإحساس بالمرض يشبه الانتظام في «مدرسة داخلية». هل يعني هذا أن النقص سمة خاصة بعائلة الكاتبة؟ هو، كذلك، ولا شكَّ؛ بل إنه الدلالة الأساسية الأولى لسردية النقص. فالنسيان نقص، واللغة يصيبها النقص، والبلد نقص أكيد، والحياة كلها نقص، حتى الذاكرة نقص، وكذلك النسيان إنه نقص فادح. وفي المستهل تشدد الكاتبة، في خلوتها بالمستشفى العسكري، على أن «النقص» يتعلَّق، ابتداءً، بالتصرفات الشخصية كلها؛ ويتَّسع ليفرض سلطانه علينا فيصنع، ببراعة، مصائرنا وطرائق، وربما حتى مواقيت رحيلنا.

لكن النقص يتضخم بقصدية واضحة حتى كأنه صار الرواية كلها؛ فهو ذو صيغة سردية كلية تريد منها الكاتبة مراجعة مقولة الرواية وما تعتمده من وسائل خادعة، وربما مخادعة. أول ما ينقص هو المعنى ذاته. نتحدث عن الدلالة المضمرة للنقص، وهو القول بتهافت المعنى وضموره. فماذا يعني ضمور المعنى، وربما، حتى تلاشيه؟ إنه يُفيد أن النقص يرمي شباكه بعيداً فيصيب قدرة العالم السردي على إنتاج معنى يُعتدُّ به؛ فليس النقص هنا ما يختصُّ قدرة الجسد على المقاومة والحركة، إنما هو نقص المعنى. لنأخذ هنا نقص المعرفة، لماذا لا أقول الإدراك، فيما يخص إشكالية كنايات الراوي، من يتولى سرد وقائع النقص: هل هو كاف المخاطب أو ياء المتكلم، أم تاء التأنيث الساكنة التي لا محل لها من الإعراب. يدعم نقص المعرفة نقصان التجربة، ونقصان العمر كله، ونقصان الإدراك، ونقصان اللغة الغريبة في الجغرافيات البعيدة عن موطنها؛ فالنقص هو المعنى الأول والأخير لحياتنا الطارئة.

النقص: خلوة الذات الأخيرة

سوى أن النقص لا يكون نقصاً قبل أن تكون هناك «خلوة»، وليس مهماً مداها أو صورها؛ يكفي إنها خلوة إجبارية. وقد يكون الأمر مضحكاً أن نفترض أو نتساءل عما يمكن أن نفعله في خلوتنا؛ فيما الأصل هو ماذا ستفعل بنا تلك الخلوة الرهيبة! فعلها الأول هو أنها تجبرنا على إعادة تصورنا عن ذاتنا؛ إذ لا نعود، بعدها، أصحاء، نحن مرضى. ولا تبدأ الخلوة، خلوتنا، من دون الإقرار الشخصي بالتحوُّل من إنسان أو شخص سوي متعافٍ إلى مريض يفقد تدريجياً قدرته على التحكم بحياته. والخلوة هنا هي المدخل الأساسي للمرض ولتأمل الذات بعد تبدُّل أحولها. لكن الرواية تجادل في كيفية تحقُّق الخلوة، لا سيَّما ما يتصل منها بالشرط الوجودي، بعض هذا الجدل يقودنا لعوالم «خلوة النقص»؛ فلكي تحقَّق خلوة الذات بصفتها الرئيسة، وهي الإجبار، يلزمها سبب، لنقل فاعل قاهر، مثل المرض. هل ثمة سبب آخر، قاهر وإرغامي، غير المرض يعيد الذات لعالمها الأول، قصتها المتروكة في الزاوية البعيدة والمعتمة من الذاكرة؟

أغلب الظن أن «المرض» مقولة عامة، لا تملك توصيفاً كافياً لغرائبية الذات وتهافتها. لا سبيل للخلاص سوى إعادة تعريف المرض وضبط ماهيته؛ وليس لدى الرواية من سبيل، أو وسيلة، سوى سردية «الألم» المتدفقة بلا هوادة. وهل «الألم» هو منطق الرواية ومكان تدفقها السردي، ولا نقول الحكائي، للرواية؛ إذ يكاد التسلسل الحكائي أن ينعدم في أغلب الفصول؟ النص يجيبنا ويسميه باسمه، ابتداءً، بلا كنايات، أو مجازات كبرى؛ فـ«الألم حالة إنسانية حميمية عكس نتائجها الكونية، حتى أن تبذير الألم عند البعض هو سلوك سفيه جداً (..). أن تكون متألماً وحدك، وأنت تنكب عليه وهو يهيل عليك هذا الاستغناء البهيج عن الجميع. ص 30»، هذا أول العزلة وربما آخرها، وستنتظم الرواية، بعدها، في سرد وقائع الألم، وهي ذاتها وقائع الذات في عزلتها المديدة.

الواقعة الأساسية هي إشكالية التعبير عن الألم، لماذا لا أقول إن النص، هنا، يشكِّل كثيراً في طرائق استعادة الواقعة السردية المنتجة جراء خلوة الألم! في فقرة «ليالي الرحيل»، مثلاً، نظل عالقين في براثن المعنى، فالهاء مثلاً هل تعود لليالي، أم تعود للرحيل؟ الجواب حاضر، ومثله إشكالية التعبير عنه، ثم لا نعرف أن «الهاء» تعود لـ«المحبوب» الذي «سيحضر» ويقاسم الكاتبة شقتها في باريس. يقول لنا النص الكثير، وهو يبرع في إخفاء رغبته بالتملص من هوية أجناسية جاهزة، فنجد الرواية تتحدث ولا تقول عن المرض وآلامه عندما يصبح «بروفة» التأليف السردي الأخيرة. كيف هذا؛ والنص يجاهر بالانتساب للسيرة، ثم يتنكَّر لها!

فما مأثرة «خلوة النقص»، إن كان يجب أن يكون للرواية مأثرة تميزها عن روايات عراقية وعربية كثيرة؟ إنها سردية النقص الكبرى في اجتياحها الكاسح لحكاياتنا، بل لمعنى السرد كله في مسعاه لأن يكون لحياتنا معنى وقيمة؛ فالمرض، أقصد خلوته، أقصد النقص الذي يعجزنا عن التمييز بين السيرة والرواية، هو ما يتبقَّى للرواية أن تقوله بأي صيغة ممكنة؛ إن توفَّرت سبلها!


استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة
TT

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

يُعنى كتاب «المنام والسجن وحُجرة ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربيّة» للباحثة الأكاديمية اللبنانية الدكتورة لينا الجمّال، بالمنامات وكتب تعبيرها في القرون الهجريّة الأولى، فيدرس المنامَ واستحضاره وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة، وعلاقة ذلك كلّه بالفضاء بوصفه كياناً أوّلاً، ومن ثمّ مفهوماً. وتشتمل هذه المقاربة على عدد من الموضوعات، منها ما يربط بين الحضارة العربيّة-الإسلاميّة وحضارات أخرى قديمة كممارسة الحالومة والاستخارة والمبيت بجانب القبور، ومنها ما يُسائل الحضارة المادّيّة لاستيعاب تأثيراتها في منامات السجناء وتأويلات العمارة والمنامات التي تترك أثراً ملموساً، ومنها ما يحاول تجذير التجربة المناميّة في نظريّات الفلسفة والإبصار التي قدّمها العلماء العرب القدامى. والكتاب بذلك يضع المنامات في الإطار الأوسع للتراث العربيّ الأدبيّ والفكريّ، ويحاول تقديم قراءة جديدة للفضاء في الحضارة الإسلاميّة.

ينقسم الكتاب إلى خمسة أقسام رئيسية تراعي أمرين: أولاً فهمَنا للفضاءات التي يُحتمل اتّصالها بالمنام؛ الفضاء الذي بات فيه الرائي، والفضاء الذي صُوِّر في المنام، والفضاء المؤوَّل في كتب التعبير. وثانياً، مراعاتَنا لورود المنامات في السياقين السرديّ والتأويليّ.

يُعَدّ القسم الأوّل «المنامات وتعبيرها في الثقافة الإسلاميّة المبكرة» تمهيداً ضروريّاً لأقسام الكتاب المختلفة، فهو يستعرض طبيعة المنامات في الإسلام ومدى تقاطعها مع الحضارات القديمة المجاورة. ويسرد بإيجاز نشأة علم التعبير في الإسلام وانتقاله تدريجيّاً من التراث الشفهيّ إلى المكتوب، ثمّ يُحصي مناهج التعبير الإسلاميّة باستنباطها من مقدّمات كتب التعبير الأولى، وقد بلغ عدد المناهج المعتمَدة أحد عشر منهجاً. وينتقل القسم بعدها إلى إحصاء العوامل المؤثّرة في التأويل، والتي تأخذ في الحسبان أحوال الرائي والمعبّر، وزمان الرؤيا ومكانه، وأسلوب القصّ. وفي هذا القسم أيضاً، إشارات مقتضبة إلى موضوعات إشكاليّة تخصّ المنامات، منها الإسناد الذي يسبق رواية المنام، وظاهرة المنامات المشتركة أو المتواطئة، وأخيراً الاحتجاج بالمنام في المسائل الشرعيّة. وجميعها مسائل تُثار في مواضع متفرّقة من الكتاب لاحقاً.

يخوض القسم الثاني «استحضار المنام، عادة أم عبادة؟» في ظاهرة الحالومة التي ارتبطت بالمنامات منذ العصور القديمة، وانتشرت في الحضارات اليونانيّة والهنديّة والمصريّة القديمة، وتجلّت في بعض ممارسات العرب في شبه الجزيرة العربيّة. ويبني هذا القسم على العناصر المشتركة بين الحالومة والاستخارة النبويّة، ليعلّل خروجَ الاستخارة النبويّة من إطار الصلاة والدعاء إلى إطار المبيت في أماكن مخصوصة لاستحضار منام. وبعد البحث في أدب التنوخيّ، يكتشف القسم أنّ رواسب الحالومة ظهرت في زيارة العرب لقبور المعروفين بسخائهم، قبل أن تظهر في زيارة قبور المعروفين بصلاحهم. هذا فضلاً عن حلول محراب الصلاة محلّ القبور في ممارسات بعض المستخيرين لاحقاً.

ينتقل القسم الثالث «في قميص يوسف» إلى دراسة منامات السجناء، وأثر السجن فيها، في كتاب «الفرج بعد الشدّة»، فيحلّل منامات ثلاثة عشر سجيناً. ينطلق القسم من منام ليعقوب بن داود -وزير المهديّ (حكم 158-169/775-785) 123- الذي حُبس في سجن المطبق، فيعرّج على سيرة الوزير وخصائص سجن المطبق، ثمّ عناصر المنام وضريبة عبوره من نوع أدبيّ إلى آخر. ويرصد القسم تشابهاً واضحاً بين قصّة الوزير يعقوب وقصّة النبيّ يوسف، ويمتدّ هذا التشابه ليطول منامات السجناء الآخرين، مؤكّداً تأثير السجن الرمزيّ في منامات قاطنيه. وأخيراً، يربط القسم المنام بالشعر.

يقارب القسم الرابع «بين الرؤية والرؤيا» بنظرة أكثر شموليّة علاقة المنام بالفضاء في الحضارة العربيّة-الإسلاميّة، فيحفر في الأبعاد اللغويّة بين الرؤية والرؤيا، ودور الفضاء المُعتِم في إدراك كلٍّ من المنام والصورة. ينطلق القسم من تجربة عالم المناظر ابن الهيثم في السجن، واستلهامه الاختبار التجريبيّ على الحُجرة المظلمة، ومفارقته الإرث اليونانيّ في نظريّات الإبصار. ثمّ يسترسل القسم في الكلام عن خصوصيّة تلقّي المنامات في الثقافة الإسلاميّة عن طريق ثلاثة طروحات: نظريّة عين القلب عند الغزاليّ، والعلاقة بين المنام والعمى واللغة، وتقاطع المنامات مع الصور. وتترسّخ خصوصيّة التلقّي هذه في كتب التعبير الإسلاميّة، إذ تفترق مناهج المعبّرين المسلمين عن مناهج أسلافهم اليونانيّين، وتنعكس هويّاتهم الدينيّة وأبعادهم الاجتماعيّة الخاصّة.

يحلّل القسم الخامس والأخير «الدنيا منام، والمنام رحلة» المناماتِ بصفتها تجسيداً رمزيّاً للرحلة، أو انتقالاً من فضاء إلى آخر. ويُثبت بالعودة إلى أدب التنوخيّ أنّ المنامات تحقّق بعض أغراض الارتحال، وهي زيارة الموتى، وطلب الحديث النبويّ، والتكسّب، والاستشفاء، وتشريع السلطة. ثمّ يعالج ثيمة المعراج وما يتّصل بها من فضاء صالح للحساب، وثيمة المنامات الملهِمة للشعر، وهاتان الثيمتان تُغنيان عن ارتحال سابق راسخ في العقل الجمعيّ. وتكمن أهمّيّة هذا القسم في أنّه يجعل تجربة المنام في مقام تجربة الحياة الدنيا، إذ يعوّل المؤمن العابر فيهما على ما حقّقه في عبوره.

تقارب أقسام الكتاب الخمسة علاقة المنام بالفضاء من جوانب مختلفة، وفي موادّ أدبيّة مضبوطة بإطار زمنيّ محدّد، لتفهم بأيّ العينين يُدرَك الفضاء في ثقافة المجتمع العبّاسيّ. تلك الثقافة المتمثّلة في نتاج أدبائه وفلاسفته وعلمائه، والمختزِلة لمحمولات دينيّة واجتماعيّة وتاريخيّة في العقل الجمعيّ.


كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي
TT

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

يسلط كتاب «خطاب المصالحة في سوريا: نحو استجابة إعلامية تستلهم نظريات التغيير» للصحافي والباحث الإعلامي السوري مرشد النايف؛ الضوء على أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في المجتمعات الخارجة من النزاعات: كيف يمكن للإعلام أن يتحول من أداة لتأجيج الصراع وإعادة إنتاج السلطة، إلى فاعل مؤسسي يشارك في ترسيخ المصالحة الوطنية؟

ويمثل الكتاب، الصادر حديثاً عن «مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر»، محاولة لبناء إطار نظري وتطبيقي لعمل الإعلام في مرحلة ما بعد النزاع، ينطلق من فرضية ترى أن إعادة الإعمار لا تكتمل من دون إعادة تأسيس المجال العام، بوصفه الحيز الذي يعاد فيه تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبداخله تتشكل الذاكرة الجمعية ويتعزز التماسك الاجتماعي.

ويطرح المؤلف مفهوم «الاستجابة الإعلامية» مدخلاً لتطوير سياسات إعلامية تنبع من خصوصية البيئة السورية الشائكة، في مقابل المقاربات القائمة على استنساخ التجارب الدولية. وفي هذا الإطار، يقترح إعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي عبر حزمة من التدخلات المستندة إلى نظريات التغيير، بما يجعل المؤسسات الإعلامية إحدى روافع التعافي الوطني، بعد أن انحصر دورها لأزيد من خمسة عقود في إنتاج الرواية الرسمية.

ومن أبرز الإضافات النظرية التي يقدمها الكتاب؛ إعادة تعريف مفهوم «صناعة المعنى»؛ بوصفها عملية لإنتاج أطر إدراكية مشتركة، تنبثق من خصوصية السياق السوري. وانطلاقاً من هذا التصور، يدعو المؤلف إلى سياسات تحريرية تجعل الحقيقة، وتمثيل الضحايا، وإتاحة المعرفة العامة، والهوية السورية الجامعة، وبناء السلام المستدام؛ ركائز للعمل الإعلامي، بما يعزز قدرة المجتمع على استيعاب الماضي وإدارة الخلافات وصياغة مستقبل مشترك.

ويوظف الكتاب نظريات التغيير أداةً لتصميم التدخلات الإعلامية، مقترحاً الانتقال من التعامل مع الخطاب بوصفه ظاهرة لغوية إلى اعتباره عملية اجتماعية قابلة للتخطيط والتقويم وقياس الأثر. ويعرض، ضمن هذا الإطار، مجموعة من التدخلات المصوغة خصيصاً للسياق السوري، مدعومةً بأهداف ومؤشرات لقياس أثر السياسات التحريرية في اتجاهات الجمهور وسلوكه.

يتجاوز الكتاب مراجعة الأدبيات الخاصة بالإعلام في المجتمعات الخارجة من النزاعات، ليعيد قراءتها من منظور خصوصية البيئة السورية. واستند في هذا السياق، إلى أطروحات الباحثة السنغافورية ركا شومي حول ضرورة «إضفاء الطابع الجيوسياسي على الدراسات الإعلامية»، بوصفه مدخلاً لفهم العلاقة بين النظم الإعلامية وبيئاتها السياسية والاجتماعية، وما يقتضيه ذلك من فحص النظريات الإعلامية قبل توطينها في سياقات مغايرة.

كما يستند المؤلف، في مقاربته لطبيعة التدخل الإعلامي، إلى المنظور السوسيولوجي لعالم الاجتماع Anthony Giddens، الذي ينظر إلى الفعل بوصفه تدخلاً مقصوداً في مسار الوقائع لتحقيق غايات محددة. وانطلاقاً من هذا الفهم، يعامل الكتاب التدخلات الإعلامية بوصفها أفعالاً اجتماعية قابلة للتصميم والتقويم وقياس الأثر، وليست مجرد استجابات مهنية للأحداث.

وحول الغاية من الكتاب، يقول النايف في المقدمة: «ينصبّ جوهر هذه الدراسة على هدفين متلازمين: أولهما استكشاف أطر نظرية متينة حول المدخلات الإعلامية، وإعادة توطينها بما يلائم خصوصية السياق السوري ودور الإعلام المركزي في تصميم مقاربات حساسة ومؤثرة. أما ثانيهما، فيتعلق بتقديم مقترحات عملية لتفعيل نظريات التغيير بوصفها أدوات تعبئة تنفيذية، تسمح بترجمة المعارف النظرية إلى مبادرات قابلة للتطبيق».

يقع الكتاب في 288 صفحة موزعة على خمسة فصول، تتدرج من تفكيك الخطاب الإعلامي للنظام البائد وتحليل بنيته الدعائية، إلى بناء نموذج لصناعة المعنى، ثم مقاربة الإعلام بوصفه جزءاً من البيئة السياسية والاجتماعية، وصولاً إلى توظيف نظريات التغيير في تصميم مبادرة إعلامية تستجيب لخصوصية السياق السوري.

ومرشد النايف صحافي وباحث إعلامي سوري شغل عدداً من المواقع التحريرية والمهنية، من بينها مدير تحرير صحيفة «جيرون»، والأمين العام لميثاق شرف للإعلاميين السوريين. تتركز اهتماماته البحثية على تحليل الخطاب، وإعلام ما بعد النزاع.