لا صوت يعلو على صوت القلب

أكبر إنجاز إبداعي في أزمان الحرب هو البقاء على قيد الحياة

أريك ماريا ريمارك
أريك ماريا ريمارك
TT

لا صوت يعلو على صوت القلب

أريك ماريا ريمارك
أريك ماريا ريمارك

إحدى الروايات التي سحرتني منذ قراءاتي الأولى، والتي بالتأكيد شجعتني - ومن ضمن أعمال خالدة ألمانية أدبية أخرى - على دراسة الأدب الألماني في جامعة بغداد، قسم اللغات الأوروبية، في أواسط السبعينات، وربما هي وراء ذهابي إلى منفاي في ألمانيا. إنها رواية الألماني أريش ماريا ريمارك: «للحياة وقت... للموت وقت» (كما هو عنوان الأصل الألماني) أو «للحب وقت وللحياة وقت»، كما نقلها عن الفرنسية المصري سمير التنداوي، وصدرت عن «دار المعارف» المصرية بجزأين في بداية الستينات.

تدور أحداث الرواية في ربيع عام 1944، تاريخ الانعطافة الحاسمة في مجرى الحرب العالمية الثانية وبداية تقهقر الجيوش النازية وهزيمة أدولف هتلر، وقصف طائرات الحلفاء الغربيين للعاصمة الألمانية برلين عندئذ بالتوازي مع زحف الجيش الأحمر السوفياتي عليها، قبل سقوطها نهائياً في 8 مايو (أيار) 1945 وانتحار مدمر العالم هتلر قبلها بيومين أو بثلاثة أيام وربما أكثر!

الرواية تروي مغامرة الجندي أرنست غريبير، البالغ من العمر 23 عاماً، الذي يحصل على إجازة غير متوقعة قادماً من الجبهة الشرقية التي كان يقاتل عليها في الحرب العالمية الثانية في وحدة عسكرية تابعة للجيش السادس الألماني. الجندي الشاب غريبير الذي عاش للتو بنفسه هزيمة الجيش السادس على جبهة ستاليننغراد، ورأى الآلاف يموتون هناك، لم يكن يعلم أن عليه أن يعيش حطاماً آخر هذه المرة، حطام مدينته برلين، وكيف ترك قصف طائرات الحلفاء أثره البالغ في المدينة. بيوت محطمة وشوارع محفورة، وأسر مشردة تركت منازلها خوفاً من الموت تحت الأنقاض. حتى أسرته هو نفسه انتهى بها المطاف إلى الهروب من المدينة ومغادرتها إلى مكان مجهول. الجندي أرنست غريبير الذي سيبدأ بالدوران في المدينة مثل غريب، بحثاً عن مأوى أو عنوان لمعارف وأصدقاء له وللأسرة، لن يشعر بالفرحة، بالحياة، إلا بعد أن يلتقي مصادفة بإليزابيث، الفتاة التي انتهى أبوها «الشيوعي اليهودي» إلى معسكر للاعتقال النازي بسبب وشاية.

غلاف الرواية

كم من المصادفات يجب أن تحدث لكي تتشكل حياة إنسان في الاتجاه الذي تريده له الحياة!

أرنست غريبير وإليزابيت، كانا يسيران هائمين بلا هدف عبر حطام وخراب برلين، يتنقلان من مكان إلى آخر، كأنهما يبحثان عن مكان أو شيء لا يستطيعان منحه تعريفاً، وحين تتقاطع خطواتهما مصادفة، كان لا بد لهما أن يقعا في حب بعضهما البعض، وهي مسألة وقت ويقرران الزواج من بعضها البعض، كيف لا يفعلان ذلك، وقد وجد الاثنان السلوى ومعنى للحياة بوجودهما معاً، وهما اللذان تقاسما مائدة يأس واحدة؟ إنهما في مشروع زواجهما لا يفعلان شيئاً غير تلبية نداء القلب، يسيران هذه المرة باتجاه واحد، إلى هدف واحد، حيث يقودهما القلب.

تلك هي المفارقة التي تجعلنا الرواية نعيشها: قصف المدينة يتواصل، القائد المجنون الذي اسمه هتلر ما زال مصراً على تنفيذ جريمته حتى النفس الأخير، يرسل الأطفال في آخر الأيام إلى جبهات الحرب، الناس تهرب، ليس أمامهم غير الموت تحت الأنقاض. فقط هما الاثنان، أرنست غريبير وإليزابيت لا يريدان المغادرة. إلى أين؟ هكذا يطوف الاثنان عبر شوارع برلين وأحيائها، محصنين بحبهما، وهما يلبيان نداء الحواس لا غير، وحين يحل المساء، يبدآن بالبحث عن مأوى يمكنهما اللجوء إليه، النوم تحت سقف يحميهما تحت ظلمة الليل، ولا يهم ماذا يكون المكان، قبواً كان أم خرابة بيت. اثنان غريبان في مدينتهما، يكافحان في سبيل قضيتهما الخاصة بهما، قضية لها علاقة بشؤون القلب، وليس لها علاقة بالوضع العام: الحرب!

إنهما يعيشان في عالمين في الوقت نفسه: النضال في سبيل قضية حبهما من جهة (عندما يقرران الزواج والاحتفال بليلة العرس مع زجاجة شمبانيا!)، ومن الجهة الأخرى الحرب بكل ما تحمله من عبثية وموت وخراب، وحيث لا أحد يوضح مَنْ هو المسؤول عن كل هذا الدمار الذي لحق بألمانيا والألمان، مَنْ هو المذنب في الحرب المدمرة تلك؟ حتى البروفيسور العجوز بولمان (قام بتمثيل الدور في الفيلم المأخوذ عن الرواية أريش ريمارك نفسه)، الذي يعرفه أرنست غريبير منذ أيام المدرسة لا يقدم له أي جواب كعزاء. «الذنب»، يقول بولمان بصوت رقيق، «لا أحد يعرف، أين يبدأ الذنب وأين ينتهي. إذا شئت فإنه يبدأ في كل مكان وينتهي في اللامكان. لكن ربما الأمر هو أيضاً بالعكس. أما الشراكة في الجريمة، فلا أحد يعرف ماذا يعني ذلك؟ الله وحده»، وحين يسأله غريبير مرة أخرى إن كان عليه الالتحاق بالجبهة بعد انتهاء إجازته أم لا، ليكون بهذا الشكل هو أيضاً شريكاً بالجريمة؟ يجيبه العجوز الحكيم: «ماذا أقول لك؟ إنها مسؤولية كبيرة. لا أستطيع اتخاذ القرار لك»، وعندما يلح أرنست غريبير بالسؤال: «هل يجب على كل واحد أن يقرر لنفسه؟»، يجيبه بولمان: «أظن نعم. ماذا يكون غير ذلك؟».

لقد رأى أرنست غريبير وسمع الكثير، «المرء يُقتل من أجل لا شيء في الجبهة»، وهو يعرف الجرائم التي تنطوي عليها الحرب: «الكذب، القمع، الظلم، العنف. الحرب، وكيف نخوضها، مع معسكرات العبودية ومعسكرات الاعتقال والقتل الجماعي للمدنيين». وهو يعلم أيضاً «أن الحرب قد خُسرت»، وأنهم «سيستمرون في القتال فقط لكي تبقى الحكومة والحزب وكل أولئك الذين تسببوا في كل هذا، لكي يبقوا في السلطة لفترة أطول، لكي يكونوا قادرين على التسبب في المزيد من البؤس». مع كل هذه المعرفة، يتساءل عما إذا كان ينبغي عليه العودة إلى الجبهة بعد إجازته، وبالتالي ربما يصبح شريكاً في الجريمة. «إلى أي مدى أصبح متواطئاً عندما أعرف أن الحرب لم تُخسر فحسب، بل أيضاً يجب أن نخسرها حتى تتوقف العبودية والقتل ومعسكرات الاعتقال وقوات الأمن الخاصة وقوات الصاعقة وفرق القتل الخاصة والإبادة الجماعية واللاإنسانية، إذا كنت أعرف ذلك وأخرج مرة أخرى في غضون أسبوعين لمواصلة القتال من أجلها؟».

أي عمل في وقت الحرب غير معني بالحرب هو نوع من المقاومة. في عمل ريمارك، يصبح الحب كفعل إنساني بسيط بمثابة رمز تحدٍ لإحدى «جماليات المقاومة» ضد الديكتاتورية والحرب، لكي نستعير قول بيتر فايس، رائد ألماني آخر، اضطر أيضاً للذهاب إلى المنفى بعد استيلاء النازيين على السلطة. القلب أقدس من الوطن، من أي وطنية اخترعت فقط لإقناع الناس بإرسالهم إلى الحرب ونزف الدم من أجل القرارات التي يتخذها الأقوياء والمتسلطون. مَنْ منا لم يعرف ذلك وهو يقاوم العيش في بلاد وادي الخرابين أو في أي بلاد أخرى عاشت خرائب شبيهة لها؟

لقد مرت سبعون عاماً على صدور الرواية وثمانون عاماً على القصة التي ترويها، وعلى ما حدث من خراب طال مدن ألمانيا، وأولها العاصمة برلين. عندما كنت مراهقاً قرأت عدداً لا يُحصى من الروايات عن الحرب العالمية الثانية، لكن «للحياة وقت... وللموت وقت» وبطلها حفرا نفسيهما بشكل خاص في أعماق ذاكرتي. ربما يكون أرنست غريبير هو السبب الذي دفعني دون وعي إلى رفض الذهاب إلى الجبهة عندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في 22 سبتمبر (أيلول)، وأنني تمردت على الذهاب إلى الجبهة وغادرت إلى المنفى، إلى ألمانيا بلد أرنست غريبير وأريك ريمارك؟

تدور أحداث «للحب وقت... للموت وقت» في ربيع عام 1944 تاريخ الانعطافة الحاسمة في مجرى الحرب العالمية الثانية وبداية تقهقر الجيوش النازية وهزيمة أدولف هتلر

النازيون عرفوا مبكراً قوة روايات أريش ريمارك. إحدى أولى الروايات التي رموها للنار في جريمة حرقهم للكتب في 10 مايو 1933، كانت الرواية الأولى لريمارك «كل شيء هادئ في الميدان الغربي»، رواية مضادة للحرب بامتياز، وكانت إلى ذلك الوقت «بيست سيلر» بيعت بالملايين. ليس من الغريب أيضاً أن يكون أيريش ماريا ريمارك هو أحد أوائل الكتّاب الألمان الذين غادروا ألمانيا مباشرة بعد تسلم هتلر للسلطة عام 1933.

ليس من الغريب إذن أنني أحببت هذه الرواية منذ قراءتي لها وأنا شاب يافع، كأنني كنت أعرف، أن بغداد ستعيش ذات يوم الدمار نفسه الذي عاشته برلين، كأنني كنت أعرف أن دماراً سيلحق بنا جميعاً أينما سنكون، كأنني كنت أعرف أن أجيالاً ستموت في الحروب، وأن أجيالاً أخرى ستأتي، تحلم بالحب، بالزواج، بالسعادة، لكنها ستموت بطلقة طائشة، بقذيفة دبابة أو مدفعية، بقصف طيران يلقي حممه على الجميع أو بصاروخ لا يفرق بين مبنى أو إنسان، بسقف بيت ينهد على الرؤوس ويطمر أسراً بأكملها، كأنني كنت أعرف، أنه لا حاجة لكتابة ما يكفي من روايات الحرب وتذكير أجيال قادمة بماذا تعنيه الحرب، ماذا يعنيه الخراب، كلا، لأن الناس سيعيشون كل ذلك بأنفسهم، بل كأنني كنت أعرف، أن لا أرضاً ولا زاوية في العالم إلا وتتحول إلى ساحة حرب، وأن لا مكان سينجي الناس من الموت تحت قذيفة سلاح مصنع في هذا البلد أو ذاك... وحين تنشب الحرب، أو حين تُطلق قذيفة أو طلقة أو صاروخ ويموت إنسان، ليس من المهم السؤال، طلقة مَنْ هي التي أُطلقت هناك، أو لأي هوية، لأي دين أو لأي قومية دُمغت بها أشلاء قتلى الحروب وصرعى الإطلاقات، كلا، ليس ذلك هو المهم، المهم هو ألا يُقتل إنسان، ومن يقول غير ذلك، ويتغنى منشداً مع العسكر، مدمرين العالم، «لا صوت يعلو على صوت المعركة»، عليه التعلم من جندي المشاة العاشق أرنست غريبير وحبيبته العاشقة إليزابيت في رواية «للحياة وقت... وللموت وقت»، عليه التعلم: أن أكبر إنجاز إبداعي في أزمان الحرب هو البقاء على قيد الحياة، وأن لا مفر أمامنا، لكي نعيش حياتنا بسلام، من غير أن ننشد بصوت أعلى من كل صوت آخر: «لا صوت يعلو على صوت القلب وشؤونه» وكل ما عدا ذلك: هو خراب في خراب.


مقالات ذات صلة

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

كتب «تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى.

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
ثقافة وفنون عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

سواء كنتَ شاعراً تشارك في المهرجانات الشعرية في العالم العربي، أو محباً للشعر يحلو لك حضور المناسبات الشعرية، فلن تجد صعوبة في ملاحظة ما يشبه الهيمنة

د. آمال موسى

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.