دونييل كلايتون تريد تغيير صناعة النشر الأميركية

75 % من المؤلفين من البيض... والمؤلفون الملونون يتقاضون أجوراً أقل

دونييل كلايتون
دونييل كلايتون
TT

دونييل كلايتون تريد تغيير صناعة النشر الأميركية

دونييل كلايتون
دونييل كلايتون

في إحدى أمسيات الخريف هذه السنة، اجتمع حشدٌ من الكتاب والمهنيين بمجال النشر داخل صالة في قلب مانهاتن. وينتمي هذا الحفل الذي استضافته شركة جديدة تدعى «إلكتريك بوستكارد إنترتيمنت» إلى نمط الفعاليات الفاخرة التي أصبحت نادرة بمجال صناعة الكتب خلال حقبة تتميز باندماج الشركات وتقليص أحجامها.

خلال الحفل، تبادل الضيوف أطراف الحديث حول الصناعة. وضم الحشد مديرين تنفيذيين من شركة «سوني»، ووكلاء أفلام ومنتجين، وكشافة كتب، وروائيين ومحررين، ومسؤولين عن الدعاية من دور نشر مثل «ماكميلان»، و«سيمون آند شوستر»، و«ويليام مورو».

وجرى تقديم عروض مبيعات الشركة خلسة عبر أكياس الهدايا المحشوة بالشموع، وسترة من النوع الثقيل والشاي. وإلى جانب غنيمة الحفلة، كان هناك مظروف صغير مختوم يحمل بطاقة بلاستيكية بها رمز الاستجابة السريعة المؤدي إلى موقع على شبكة الإنترنت، وجرى نشر مقتطفات من 10 من مشروعات الكتب الجديدة للشركة. من بين هذه المشروعات قصة رومانسية حول السفر عبر الزمن، وتدور عن كاتبة رحلات صاحبة بشرة داكنة وهي «خالدة» تتجول حول العالم لعدة قرون، وكذلك قصة خيالية حول تنافس ملحمي بين عائلتين من السود بارزتين تمارسان السحر.

اللافت أن القصص لم تكن قد جرى الانتهاء منها تماماً بعد، وشكلت هذه المقتطفات مقاطع دعائية تشويقية لكتب محتملة، وكانت شركة «إلكتريك بوستكارد إنترتيمنت»، التي تتولى ابتكار أفكار هذه الكتب، تتطلع نحو مشترين. وهناك ملحوظة منشورة على موقع الشركة، تحث المهتمين على الاتصال بـ«نيو إيف ليتراري آند ميديا»، وهي وكالة تمثل مشروعات «إلكتريك بوستكارد إنترتيمنت».

أما العقل المدبر وراء هذه «المؤامرات الخيالية» وعشرات غيرها فهي دونييل كلايتون - أمينة مكتبة سابقة تحول خيالها الجامح إلى مصنع غزير الإنتاج للملكية الفكرية. ومع أن اسمها لا يظهر دوماً على أغلفة الكتب التي ينتجها خيالها، فإنها تحولت بهدوء إلى وسيط نافذ في عالم صناعة الكتاب. في حديثه عنها، يقول الروائي جيسون رينولدز، الذي حققت رواياته أعلى المبيعات، والذي حضر الحفل: «إنها تشبه محرك الدمى، فالناس لا يعرفون أن يد دونييل حاضرة في كل شيء».

بالإضافة إلى إدارة شركة «إليكتريك بوستكارد إنترتيمنت»، التي أسستها العام الماضي، تتولى كلايتون منصب رئيس «كيك كرييتيف»، وهي شركة تغليف أخرى تتولى تطوير الملكية الفكرية لكتب الأطفال، بجانب تأليفها أكثر من 10 روايات.

ومثلما الحال مع غيرها من العاملين بمجال صناعة الكتاب، تبتكر كلايتون، البالغة من العمر40 عاماً، أفكاراً لروايات محتملة، وتستأجر كتباً لتنفيذها، ثم تبيع الكتب لدور نشر. وقد شكل ذلك ملمحاً أساسياً من صناعة النشر على مدار عقود، وكانت المحرك وراء نجاحات مثل «غوسيب غيرل» و«ذي فامبايرز دياريز» و«بريتي ليتل لايرز».

ومن خلال عرض أفكار على الكتاب، مع الاحتفاظ بحقوق الطبع والنشر، يتمكن القائمون على صناعة الكتاب من إنشاء كتالوجات ضخمة ومربحة للملكية الفكرية. وفي حين يعرض البعض على المؤلفين جزءاً من المبلغ المقدم وحقوق المؤلف، ما يسمح لهم بالمشاركة في نجاح الكتاب، يدفع البعض الآخر فقط رسوماً يجري التفاوض حولها، التي يمكن أن تتراوح من بضعة آلاف من الدولارات إلى عشرات الآلاف.

ومع ذلك، تبقى لدى كلايتون طموحات أكبر، وشرعت بالفعل في تأسيس شركة من نوع مختلف. وهي تسعى إلى إنشاء ما يشبه «خط أنابيب للخيال» يضم شتى أطياف التنوع العرقي، وكذلك شخصيات من أصحاب الاحتياجات الخاصة، وكذلك شخصيات تنتمي إلى خلفيات دينية وثقافية متنوعة، وذلك لإقناع الناشرين بأن هذه الأعمال يمكن أن تحرز نجاحاً مدوياً. وتعمل كلايتون حصراً مع كتاب ينتمون إلى مجتمعات تعاني التهميش، وتسعى لأن تمنح المؤلفين العاملين معها نصيباً عادلاً من الربح، وكذلك الأدوات التي تعينهم على بناء مسيرتهم المهنية.

في صناعة طالما كانت تعاني من مشكلة التنوع، كافحت كلايتون لجذب الناشرين. وقوبلت في خضم ذلك بعدد لا يحصى من الردود الرافضة، وسمعت الكثير من من الحجج القائلة بأن الكتب التي تركز على الأشخاص الملونين لا تباع. إلا أنه خلال العقد الماضي، نجحت الشركة الخاصة بها في بيع 57 كتاباً؛ جرى بيع 41 منها منذ عام 2020، وجرى اختيار 9 مشروعات للتلفزيون والسينما. وقالت كلايتون إن الكثير من الكتاب الـ26 الذين عملوا معها وقعوا صفقات لكتب تقوم على أفكار خاصة بهم.

ومن بين من تخرجوا من تحت يد كلايتون، كوامي مباليا الذي بدأ في ترك بصمته الخاصة في «ديزني»، بعد أن حققت سلسلته الخيالية الأولى «تريستان سترونغ»، أفضل مبيعات عام 2019 من بين خريجي «كيك كرييتيف» كذلك نيك بروكس، الذي أبدع «بروميس بويز»، قصة تدور حول جريمة قتل غامضة تقع داخل حرم جامعي، بينما أبطال القصة مجموعة من الطلاب أصحاب البشرة الداكنة القادمين من السلفادور، ويجري اتهامهم عن طريق الخطأ بقتل مديرهم في الجامعة. وتقوم هذه القصة بناءً على فكرة اقترحتها كلايتون.

وقد بيعت هذه القصة، التي صدرت في وقت سابق من العام الحالي، إلى هنري هولت مقابل مبلغ مكون من سبعة أرقام. كما وقع اختيار شركة «نتفليكس» عليها لتنفيذها بالتعاون مع كل من شركتي «تيمبل هيل» و«هاير غراوند»، المملوكة لباراك وميشيل أوباما.

ومثلما الحال مع الكثير من مجالات عالم الترفيه، كان العرق الأبيض، ولا يزال، مهيمناً بأغلبية ساحقة على صناعة الكتب. وكثيراً ما يتقاضى المؤلفون الملونون أجوراً أقل من أقرانهم البيض، ولا يستثمر الناشرون الكثير في تسويق كتبهم، ما يعيق مبيعاتهم.

وعلى الرغم من وجود ضغوط لتغيير ذلك الوضع على مر السنين، كان التقدم بطيئاً بشكل مؤلم. ويمثل البيض 76 في المائة من العاملين صناعة النشر في أكثر من 150 شركة، بما في ذلك دور النشر والوكالات والمجلات الأدبية، حسبما أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «لي آند لو بوكس» عام 2019. (من المقرر صدور تقريرهم التالي مطلع عام 2024).

عام 2020، بعد أن أشعل مقتل جورج فلويد الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، واجه الناشرون ضغوطاً مزدادة لجعل صناعة النشر أكثر شمولاً. وعليه، حرصت دور النشر الكبرى على تعيين وترقية محررين من خلفيات عرقية متنوعة، والاهتمام بأعمال الكتاب الملونين. وسارع المحررون إلى الاشتراك في كتب المؤلفين أصحاب البشرة السمراء، واهتموا بالكتب التي تستكشف العرق والعنصرية، وقد حقق الكثير منها أرباحاً جيدة.

ورغم عدم وجود إحصائيات حالية على مستوى الصناعة حول الخلفيات العرقية للمؤلفين الأميركيين، فإن التقارير الأخيرة الصادرة عن اثنين من أكبر الناشرين في البلاد تكشف خطوات كبيرة في هذا الصدد، مع استمرار وجود اختلالات عنصرية. وفي إطار تقرير التنوع الذي صدر حديثاً، أعلنت دار «بنغوين راندوم هاوس»، أكبر دار نشر بالولايات المتحدة، إن مراجعة برامج النشر الخاصة بها من عام 2019 حتى عام 2021، خلصت إلى أن نحو 75 في المائة من المؤلفين من البيض.

وبالمثل، أعلنت دار «هيشيت بوك غروب»، هذا الربيع، أنه رغم ارتفاع حصة مشاركة المؤلفين والرسامين من غير البيض بمعدل 20 في المائة، بين عامي 2019 و2022، شكل الكتاب والفنانون البيض 76 في المائة من إجمالي الكتب التي اشترت حقوقها الدار عام 2022.

حسب استطلاع من المقرر صدوره 2024: يمثل البيض 76 % من العاملين في صناعة النشر بأكثر من 150 شركة بما في ذلك دور النشر والوكالات والمجلات الأدبية

من جهتها، قالت كلايتون إن بعض الناشرين سارعوا إلى تنويع قوائم المتعاونين معهم، لكن عندما واجهوا مبيعات مثيرة للإحباط لبعض الكتب نكصوا على أعقابهم اليوم وعادوا لحججهم القديمة التي تدعي أن مثل تلك الكتب لا تترك أصداءً واسعة ـ وهو معيار لا يبدو أنه ينطبق على الكتاب البيض!

وأضافت: «يكافح الكثير من الكتاب من أجل إحراز اختراق كبير من جديد». وقد حرصت كلايتون على حفظ كل مذكرة رفض لدراسة الأنماط والاحتفاظ بسجل لديها. وقالت عن ذلك: «أنا أمينة مكتبة، وأمينة أرشيف. كما أن لدي الإيصالات».

نشأت كلايتون في ولاية ميريلاند، وكانت، وفقاً لروايتها الخاصة، «مهووسة بالقراءة، قارئة نهمة ترتدي نظارات سميكة، مثل قطة صغيرة مزعجة». وفي معظم الأوقات، كانت تختبئ تحت طاولة غرفة الطعام وتقرأ - وتلتهم الكلاسيكيات بشكل خاص.

وبدأت كلايتون حياتها المهنية روائيةً، لكنها وجدت أنها لا تستطيع الكتابة بالسرعة الكافية التي تناسب جميع الأفكار التي في جعبتها. وبعد تدريس اللغة الإنجليزية في واشنطن العاصمة وماريلاند، انتقلت عام 2010 إلى نيويورك، حيث التحقت ببرنامج «أدب الأطفال» في المدرسة الجديدة، وعملت أمينة مكتبة في مدرسة مستقلة في هارلم، حيث تعيش الآن. وقد كافحت للعثور على كتب جذابة لطلابها الذين ينتمون في الغالب إلى مجتمعات المهاجرين من منطقة البحر الكاريبي وأمريكا الوسطى والجنوبية وغرب أفريقيا وبنغلاديش. ووجدت أن الكثير من الكتب التي وجدتها والتي تضم شخصيات من خلفيات متنوعة كانت قديمة، وكان الكثير منها يدور حول موضوعات مثل العبودية أو الفصل العنصري.

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».