دونييل كلايتون تريد تغيير صناعة النشر الأميركية

75 % من المؤلفين من البيض... والمؤلفون الملونون يتقاضون أجوراً أقل

دونييل كلايتون
دونييل كلايتون
TT

دونييل كلايتون تريد تغيير صناعة النشر الأميركية

دونييل كلايتون
دونييل كلايتون

في إحدى أمسيات الخريف هذه السنة، اجتمع حشدٌ من الكتاب والمهنيين بمجال النشر داخل صالة في قلب مانهاتن. وينتمي هذا الحفل الذي استضافته شركة جديدة تدعى «إلكتريك بوستكارد إنترتيمنت» إلى نمط الفعاليات الفاخرة التي أصبحت نادرة بمجال صناعة الكتب خلال حقبة تتميز باندماج الشركات وتقليص أحجامها.

خلال الحفل، تبادل الضيوف أطراف الحديث حول الصناعة. وضم الحشد مديرين تنفيذيين من شركة «سوني»، ووكلاء أفلام ومنتجين، وكشافة كتب، وروائيين ومحررين، ومسؤولين عن الدعاية من دور نشر مثل «ماكميلان»، و«سيمون آند شوستر»، و«ويليام مورو».

وجرى تقديم عروض مبيعات الشركة خلسة عبر أكياس الهدايا المحشوة بالشموع، وسترة من النوع الثقيل والشاي. وإلى جانب غنيمة الحفلة، كان هناك مظروف صغير مختوم يحمل بطاقة بلاستيكية بها رمز الاستجابة السريعة المؤدي إلى موقع على شبكة الإنترنت، وجرى نشر مقتطفات من 10 من مشروعات الكتب الجديدة للشركة. من بين هذه المشروعات قصة رومانسية حول السفر عبر الزمن، وتدور عن كاتبة رحلات صاحبة بشرة داكنة وهي «خالدة» تتجول حول العالم لعدة قرون، وكذلك قصة خيالية حول تنافس ملحمي بين عائلتين من السود بارزتين تمارسان السحر.

اللافت أن القصص لم تكن قد جرى الانتهاء منها تماماً بعد، وشكلت هذه المقتطفات مقاطع دعائية تشويقية لكتب محتملة، وكانت شركة «إلكتريك بوستكارد إنترتيمنت»، التي تتولى ابتكار أفكار هذه الكتب، تتطلع نحو مشترين. وهناك ملحوظة منشورة على موقع الشركة، تحث المهتمين على الاتصال بـ«نيو إيف ليتراري آند ميديا»، وهي وكالة تمثل مشروعات «إلكتريك بوستكارد إنترتيمنت».

أما العقل المدبر وراء هذه «المؤامرات الخيالية» وعشرات غيرها فهي دونييل كلايتون - أمينة مكتبة سابقة تحول خيالها الجامح إلى مصنع غزير الإنتاج للملكية الفكرية. ومع أن اسمها لا يظهر دوماً على أغلفة الكتب التي ينتجها خيالها، فإنها تحولت بهدوء إلى وسيط نافذ في عالم صناعة الكتاب. في حديثه عنها، يقول الروائي جيسون رينولدز، الذي حققت رواياته أعلى المبيعات، والذي حضر الحفل: «إنها تشبه محرك الدمى، فالناس لا يعرفون أن يد دونييل حاضرة في كل شيء».

بالإضافة إلى إدارة شركة «إليكتريك بوستكارد إنترتيمنت»، التي أسستها العام الماضي، تتولى كلايتون منصب رئيس «كيك كرييتيف»، وهي شركة تغليف أخرى تتولى تطوير الملكية الفكرية لكتب الأطفال، بجانب تأليفها أكثر من 10 روايات.

ومثلما الحال مع غيرها من العاملين بمجال صناعة الكتاب، تبتكر كلايتون، البالغة من العمر40 عاماً، أفكاراً لروايات محتملة، وتستأجر كتباً لتنفيذها، ثم تبيع الكتب لدور نشر. وقد شكل ذلك ملمحاً أساسياً من صناعة النشر على مدار عقود، وكانت المحرك وراء نجاحات مثل «غوسيب غيرل» و«ذي فامبايرز دياريز» و«بريتي ليتل لايرز».

ومن خلال عرض أفكار على الكتاب، مع الاحتفاظ بحقوق الطبع والنشر، يتمكن القائمون على صناعة الكتاب من إنشاء كتالوجات ضخمة ومربحة للملكية الفكرية. وفي حين يعرض البعض على المؤلفين جزءاً من المبلغ المقدم وحقوق المؤلف، ما يسمح لهم بالمشاركة في نجاح الكتاب، يدفع البعض الآخر فقط رسوماً يجري التفاوض حولها، التي يمكن أن تتراوح من بضعة آلاف من الدولارات إلى عشرات الآلاف.

ومع ذلك، تبقى لدى كلايتون طموحات أكبر، وشرعت بالفعل في تأسيس شركة من نوع مختلف. وهي تسعى إلى إنشاء ما يشبه «خط أنابيب للخيال» يضم شتى أطياف التنوع العرقي، وكذلك شخصيات من أصحاب الاحتياجات الخاصة، وكذلك شخصيات تنتمي إلى خلفيات دينية وثقافية متنوعة، وذلك لإقناع الناشرين بأن هذه الأعمال يمكن أن تحرز نجاحاً مدوياً. وتعمل كلايتون حصراً مع كتاب ينتمون إلى مجتمعات تعاني التهميش، وتسعى لأن تمنح المؤلفين العاملين معها نصيباً عادلاً من الربح، وكذلك الأدوات التي تعينهم على بناء مسيرتهم المهنية.

في صناعة طالما كانت تعاني من مشكلة التنوع، كافحت كلايتون لجذب الناشرين. وقوبلت في خضم ذلك بعدد لا يحصى من الردود الرافضة، وسمعت الكثير من من الحجج القائلة بأن الكتب التي تركز على الأشخاص الملونين لا تباع. إلا أنه خلال العقد الماضي، نجحت الشركة الخاصة بها في بيع 57 كتاباً؛ جرى بيع 41 منها منذ عام 2020، وجرى اختيار 9 مشروعات للتلفزيون والسينما. وقالت كلايتون إن الكثير من الكتاب الـ26 الذين عملوا معها وقعوا صفقات لكتب تقوم على أفكار خاصة بهم.

ومن بين من تخرجوا من تحت يد كلايتون، كوامي مباليا الذي بدأ في ترك بصمته الخاصة في «ديزني»، بعد أن حققت سلسلته الخيالية الأولى «تريستان سترونغ»، أفضل مبيعات عام 2019 من بين خريجي «كيك كرييتيف» كذلك نيك بروكس، الذي أبدع «بروميس بويز»، قصة تدور حول جريمة قتل غامضة تقع داخل حرم جامعي، بينما أبطال القصة مجموعة من الطلاب أصحاب البشرة الداكنة القادمين من السلفادور، ويجري اتهامهم عن طريق الخطأ بقتل مديرهم في الجامعة. وتقوم هذه القصة بناءً على فكرة اقترحتها كلايتون.

وقد بيعت هذه القصة، التي صدرت في وقت سابق من العام الحالي، إلى هنري هولت مقابل مبلغ مكون من سبعة أرقام. كما وقع اختيار شركة «نتفليكس» عليها لتنفيذها بالتعاون مع كل من شركتي «تيمبل هيل» و«هاير غراوند»، المملوكة لباراك وميشيل أوباما.

ومثلما الحال مع الكثير من مجالات عالم الترفيه، كان العرق الأبيض، ولا يزال، مهيمناً بأغلبية ساحقة على صناعة الكتب. وكثيراً ما يتقاضى المؤلفون الملونون أجوراً أقل من أقرانهم البيض، ولا يستثمر الناشرون الكثير في تسويق كتبهم، ما يعيق مبيعاتهم.

وعلى الرغم من وجود ضغوط لتغيير ذلك الوضع على مر السنين، كان التقدم بطيئاً بشكل مؤلم. ويمثل البيض 76 في المائة من العاملين صناعة النشر في أكثر من 150 شركة، بما في ذلك دور النشر والوكالات والمجلات الأدبية، حسبما أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «لي آند لو بوكس» عام 2019. (من المقرر صدور تقريرهم التالي مطلع عام 2024).

عام 2020، بعد أن أشعل مقتل جورج فلويد الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، واجه الناشرون ضغوطاً مزدادة لجعل صناعة النشر أكثر شمولاً. وعليه، حرصت دور النشر الكبرى على تعيين وترقية محررين من خلفيات عرقية متنوعة، والاهتمام بأعمال الكتاب الملونين. وسارع المحررون إلى الاشتراك في كتب المؤلفين أصحاب البشرة السمراء، واهتموا بالكتب التي تستكشف العرق والعنصرية، وقد حقق الكثير منها أرباحاً جيدة.

ورغم عدم وجود إحصائيات حالية على مستوى الصناعة حول الخلفيات العرقية للمؤلفين الأميركيين، فإن التقارير الأخيرة الصادرة عن اثنين من أكبر الناشرين في البلاد تكشف خطوات كبيرة في هذا الصدد، مع استمرار وجود اختلالات عنصرية. وفي إطار تقرير التنوع الذي صدر حديثاً، أعلنت دار «بنغوين راندوم هاوس»، أكبر دار نشر بالولايات المتحدة، إن مراجعة برامج النشر الخاصة بها من عام 2019 حتى عام 2021، خلصت إلى أن نحو 75 في المائة من المؤلفين من البيض.

وبالمثل، أعلنت دار «هيشيت بوك غروب»، هذا الربيع، أنه رغم ارتفاع حصة مشاركة المؤلفين والرسامين من غير البيض بمعدل 20 في المائة، بين عامي 2019 و2022، شكل الكتاب والفنانون البيض 76 في المائة من إجمالي الكتب التي اشترت حقوقها الدار عام 2022.

حسب استطلاع من المقرر صدوره 2024: يمثل البيض 76 % من العاملين في صناعة النشر بأكثر من 150 شركة بما في ذلك دور النشر والوكالات والمجلات الأدبية

من جهتها، قالت كلايتون إن بعض الناشرين سارعوا إلى تنويع قوائم المتعاونين معهم، لكن عندما واجهوا مبيعات مثيرة للإحباط لبعض الكتب نكصوا على أعقابهم اليوم وعادوا لحججهم القديمة التي تدعي أن مثل تلك الكتب لا تترك أصداءً واسعة ـ وهو معيار لا يبدو أنه ينطبق على الكتاب البيض!

وأضافت: «يكافح الكثير من الكتاب من أجل إحراز اختراق كبير من جديد». وقد حرصت كلايتون على حفظ كل مذكرة رفض لدراسة الأنماط والاحتفاظ بسجل لديها. وقالت عن ذلك: «أنا أمينة مكتبة، وأمينة أرشيف. كما أن لدي الإيصالات».

نشأت كلايتون في ولاية ميريلاند، وكانت، وفقاً لروايتها الخاصة، «مهووسة بالقراءة، قارئة نهمة ترتدي نظارات سميكة، مثل قطة صغيرة مزعجة». وفي معظم الأوقات، كانت تختبئ تحت طاولة غرفة الطعام وتقرأ - وتلتهم الكلاسيكيات بشكل خاص.

وبدأت كلايتون حياتها المهنية روائيةً، لكنها وجدت أنها لا تستطيع الكتابة بالسرعة الكافية التي تناسب جميع الأفكار التي في جعبتها. وبعد تدريس اللغة الإنجليزية في واشنطن العاصمة وماريلاند، انتقلت عام 2010 إلى نيويورك، حيث التحقت ببرنامج «أدب الأطفال» في المدرسة الجديدة، وعملت أمينة مكتبة في مدرسة مستقلة في هارلم، حيث تعيش الآن. وقد كافحت للعثور على كتب جذابة لطلابها الذين ينتمون في الغالب إلى مجتمعات المهاجرين من منطقة البحر الكاريبي وأمريكا الوسطى والجنوبية وغرب أفريقيا وبنغلاديش. ووجدت أن الكثير من الكتب التي وجدتها والتي تضم شخصيات من خلفيات متنوعة كانت قديمة، وكان الكثير منها يدور حول موضوعات مثل العبودية أو الفصل العنصري.

- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
كتب «طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون أنطوان الدويهي

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

مع روايته الأخيرة «الشتاء الكبير» الصادرة في بيروت عن «الدار العربية» و«دار المراد»، يستمر أنطوان الدويهي على مدى ثلث قرن في صوغ عالمه الأدبي.

شوقي الريّس (بيروت)

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».