طه حسين... مؤسسة ثقافية تمشي على قدميها

خمسون عاماً على رحيل صاحب «الأيام»

طه حسين... مؤسسة ثقافية تمشي على قدميها
TT

طه حسين... مؤسسة ثقافية تمشي على قدميها

طه حسين... مؤسسة ثقافية تمشي على قدميها

بعد رحيله، اعتقدت سوزان رفيقة طه حسين أنه كان ينظر إليها من عليائه، ومثلها اعتقد محبوه من كبار الأدباء؛ لأنهم تصوروه خالداً لا يموت، فماذا لو رآنا اليوم في العام الخمسين بعد رحيله؟

كان من المفترض أن تتواصل الاحتفالات هذا العام في مصر كما تفعل الدول في احتفائها بأعلام ثقافتها، بمشاركة كل المؤسسات بحيث تصدر الكتب وتقام المؤتمرات وتصدر طوابع البريد تحمل صور المحتفى به وغير ذلك، لكن عام طه حسين بدأ بتهديد مقبرته بالهدم ككثير من مقابر الكبار في الثقافة المصرية بسبب إنشاء الجسور التي تخترق جبانات القاهرة. لكن العميد أكثر حظاً من الجبرتي وابن خلدون ويحيى حقي، فقد انتهى الأمر بمرور من فوق مقبرته دون إزالتها!

رحل طه حسين في أكتوبر (تشرين الأول) 1973 فلم يرَ اكتمال الغدر بوصيته الكبرى «التعليم» الذي تآكلت مجانيته ولم يعد حقاً طبيعيّاً للبشر كالماء والهواء. ولو لم يتم الغدر بوصيته فما كان لعظامه أو عظام غيره من الكبار أن تتعرض للخطر. ولكان من الطبيعي أن يُخصص العام للاحتفال بذكراه كما تفعل الأمم المتعلمة.

لكن أبناء وأحفاد طه حسين من الكتاب أقاموا احتفالاتهم الخاصة في شكل وفرة من الكتب يتوالى صدورها في القاهرة وغيرها من العواصم العربية، من بينها كتاب الباحث والروائي الدكتور عمَّار علي حسن، الذي صدر مؤخراً كتابه «بصيرة حاضرة... طه حسين من ست زوايا» عن مركز أبوظبي للغة العربية. الكتاب الذي يقع في 504 صفحات لديه طموح أن يكون مرجعاً شاملاً عن طه حسين، يحجز لنفسه موقعاً وسط وفرة التأليف عن عميد الأدب العربي، حيث يستند عمَّار إلى عدد كبير من المراجع مع نفس سردي يعيد بناء سردية متماسكة عن الرجل.

لا يستطيع باحث أن يقاوم ذكريات نشأته التعليمية الأولى وموقع طه حسين منها. هكذا يحكي عمَّار كيف تلقى سيرة العميد «الأيام» التي كانت مقررة على طلاب المدارس، وكيف كان معلموه يجتهدون في النطق ليكون مكافئاً لبلاغة العميد.

ويعتبر عمَّار علي حسن العميد مؤسسة كاملة كانت تمشي على قدمين، ويعتبر أن البحث في منجزه ليس بحثاً في الماضي، بل في الآني؛ نظراً لأن نصه وأسلوبه وسلوكه الثقافي لا يزال قادراً على إفادتنا فيما يواجهنا اليوم. داعياً إلى إعادة درسه بكل جدية بما في ذلك دراسة إخفاقاته بعيداً عن كتابات المغامرين وهواة السجال الذين وقع تراث العميد ضحية لهم.

وكما اختط طه حسين لنفسه منهجاً في دراسة غيره؛ يضع عمَّار لنفسه خطة لدراسة العميد من ست زوايا: المنهج، النص، الذات، الصورة، الموقف، والأفق.

لماذا وكيف؟

المنهج عصب أي علم، ورغم أن طه حسين بدأ حياته في مسار ينشغل بالرواية قبل الدراية، إلا أنه أدرك منذ وقت مبكر بفضيلة المساءلة، وأبرز سؤالين لديه هما: لماذا وكيف؟ ويرى علي أن انشغال طه حسين بالمنهج فاق كل شيء، وفي الوقت نفسه يبدو المنهج بارزاً إلى جانب عطائه المعرفي في كل كتاب. على سبيل المثال، فالمهم في «الشعر الجاهلي» هو ثورة المنهج، وليس ما جاء بالكتاب حول الشعر بذاته.

ورغم ارتباط طه حسين في الذاكرة الثقافية بمنهج الشك الديكارتي، فإن هناك من المصريين والمستشرقين من أثروا فيه أكثر من رينيه ديكارت وبينهم ثلاثة يحملون اسم المرصفي، هم حسين، وسيد علي، ومحمد حسن نائل المرصفي، وهناك حفني ناصف وإسماعيل رأفت مع مستشرقين مثل جويدي ونالينو.

هناك ركائز ومسارات متعددة قادت طه حسين إلى «الشك من أجل التحقق»، أهمها تكوينه التراثي؛ فقد استفاد من دراسته للفقه الإسلامي، وهو العلم الذي يدرس الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، كما ساهمت في شكه ضرورة التثبت التي يشدد عليها القرآن الكريم، بالإضافة إلى علم الجرح والتعديل أو «علم الرجال» الذي تفردت به الأمة الإسلامية وقام عليه عماد رواية الأحاديث النبوية.

اختبار النص

الركيزة الثانية لحضور طه حسين - فيما يرى عمار علي حسن - هي نصه الذي مر باختبار الزمن ولم يزل حيّاً من بعده. وأولى خصائص نصه أنه ابن الإملاء، لا ينشأ إلا في حضور المستمع؛ لهذا فكل ما بين أيدينا هو «حديث طه حسين لا كتابته» وهذه مسألة جوهرية من النظر إلى نصوصه، وقد عبّر طه حسين عن هذه المسألة «أنا لا أكتب وإنما أُملي. وقد لاحظ البعض ذلك وخصوصاً فيما يتعلق بمقالاتي. فإذا أمليت في بيتي، مشيت وأنا أُملي. إذا أمليت في الصحيفة فإنني أجلس إلى مكتبي ساكناً بلا حراك كأنني تمثال... (كتابات من الشاطئ الآخر)، جمع وترجمة عبد الرشيد الصادق المحمودي».

على الأرجح يكون المتكلم أقوى شعوراً بذاته من الكاتب المنفرد بنفسه ولديه فرصة لينساها. يحمل «الأيام» طرفاً من مشافهة طه حسين، ومن ثباته بينما يُملي نصاً لصيقاً بحياته إلى هذا الحد، ويبين في الوقت ذاته مدى قدراته السردية التي تبدت في هذا النص بأكثر مما ظهرت في نصوصه السردية الأخرى. وهناك شهادات من تلاميذه في الجامعة تقول إن أسلوبه في إلقاء محاضراته كان يشبه أسلوبه في إملاء ما يكتب، وينقل عمَّار عن عبد المنعم شميس قوله «كان في محاضراته يشبه الشيخ محمد رفعت في ترتيله للقرآن».

ولأنه لم يكن يعيد التنقيح؛ فنصه بِكر فكر فيه طه حسين طويلاً قبل أن يمليه، لم يكن يطلب من المدون أن يعيد قراءته ولم يكن يعرض نصوصه على أحد من أصدقائه قبل النشر كعادة بعض الكتاب، ويتفق عمار مع المحمودي في اعتبار طه حسين هو سيد النثر العربي الحديث، منزلته كمنزلة الجاحظ من النثر القديم إجادة وتنوعاً. له بصمته التي لا يخطئها قارئ بعد أسطر عدة، بما يتميز به من إيقاعية وحس قصصي واحتفاء بالمألوف من الكلمات وتكرارية للتوكيد وصيغ أفعل التفضيل. لكن لغة طه حسين لم تكن وليدة عن تصور نظري منطقي لبنية اللغة، بل كانت لغة وظيفية تلتزم المعنى بصرامة.

الوعي بالذات

في تناقض مع منهجه في التمحيص رفع البعض طه حسين إلى أعلى مراتب السمو ورماه البعض الآخر بكل ما يهبط به ويذري بمكانته، فماذا عن صورته في مرآة ذاته؟

في «الأيام» لم يشأ أن يعبّر عن ذاته بالضمير الأول، بل أشار إلى نفسه بوصفه «الفتى» ولكنه تحدث بصيغة «الأنا» في مواقف متفرقة في ندوات وحوارات تكشف عن تصوره لنفسه. عد طه حسين الكتابة فعل حرية، وكان في هذا معجباً بسقراط الذي كانت حريته قرينة وجوده. وقد وضع الحرية قبل العدل في سلم القيم لديه، معتبراً أنها الطريق إلى الفضائل، فالشعور بالعدل يقوى ويشتد كلما قويت الحرية واشتدت. هذا الإيمان المطلق بالحرية يضع طه حسين على مسافة من أصحاب نظرية الالتزام الذين يمكنهم التخلي عن الحرية ولو جزئيّاً في سبيل تحقيق أهداف كبرى.

صور العميد

تتسيد صورة قاهر الظلام غيرها من صور طه حسين لدى الغالبية العظمى من الناس، هي نقطة النور المبهر التي تجذب الجميع. وقد حوَّل عميد الأدب العربي إعاقته إلى ميزة؛ إذ مدته بأشياء لا غنى عنها للكاتب الجاد، منها العزلة ومنها انطلاق الخيال لرسم عالم لا يراه، وتعزيز البصيرة والذاكرة اللاقطة، وقد تعرضت ذاكرته القريبة للضعف بعد الثمانين، فسرعان ما كان ينسى زواره بعد انصرافهم.

وهو المثل بالنسبة لكل من عانوا وسوف يعانون من هذه الإعاقة، فانتصار طه حسين انتصار لهم، وها هو الأديب الكويتي عبد الرازق البصير يقول عن تأثير طه حسين عليه: «لم أكد أمضي في قراءة كتاب (الأيام) حتى انفتح لي باب الأمل في الحياة» وها هو الشاعر اليمني عبد الله البردوني يرفض تعلم الكتابة بطريقة «برايل» لأن طه حسين حقق ما حقق دون أن يتعلمها.

غير قاهر الظلام، للعميد صور متعددة؛ فهو التلميذ النجيب الذي يجلّ أساتذته مثل لطفي السيد ومحمد عبده وماسنيون ويجد في نفسه الشجاعة ليختلف معهم ويعبّر عن اختلافه، وهو الأستاذ البارع والأب الذي يقبل اختلافات أبنائه دون أن ينكروه أو ينكرهم، وهو المدافع عن كرامتهم وعن استقلال الجامعة.

لكن ذلك لم يمنع طه حسين من اكتساب صورة الشخص الأسطورة بعد رحيله، فها هو يوسف إدريس يزور مكتبه مع آخرين بعد وفاته، ويقول إننا وقفنا ننتظر أن يطل علينا بقامته المديدة، فقد كان في نظرنا خالداً لا يموت».

الرجل الموقف

قد يشبعنا نص جميل وترضينا فكرة شجاعة، لكن بمجرد أن نكتشف أن الكلمات لم تمسس قلب كاتبها أو أن سلوكه ومواقفه تختلف عما يدعو إليه سرعان ما يفقد الكاتب مكانته. لهذا يجعل عمَّار علي حسن مواقف العميد السياسية والثقافية ميزاناً يزن به رصيده الهائل من الكلمات. الحرية هي القيمة العليا التي دافع عنها في كل شيء، واعتبرها أم الفضائل.

وكان العدل الاجتماعي وتهيئة الفرص المتساوية من أهم أولويات طه حسين، وعمل لتحقيق ذلك من خلال جهوده لإصلاح التعليم الذي عدَّه كالماء والهواء، يجب أن يكون حقاً للجميع مؤمناً بديمقراطية لا رأسمالية التعليم. وخاض في سبيل ذلك معارك في مناصبه المختلفة وفي الصحافة ضد خصوم شرسين بينهم العقاد الذي وقف ضد المجانية؛ إذ كان مهووساً بالعداء للاشتراكيين والثوريين.

وفي غمار السياسة أسفر عن مثقف عضوي منخرط في كل شئون البلاد، تفاعل بوعي مع تطورات الواقع، ملتزماً خط النهضة منفتحاً على كل التيارات، ويتوقف عمَّار ملياً أمام صلة طه حسين بضباط يوليو (تموز)، وهذه صفحة يحلو للبعض أن يزايد فيها على العميد، لكنه كان ثائراً من قبلهم، والتقى معهم في أشياء دون أن يتطابق مع سياساتهم، وهم أكبروه - ولو في البدايات - ولم يتطابق معهم أو يعبثوا برأسه، وإن حاول حماية نفسه بستار من المجاملات الشكلية لم تخف الخلاف. وقد نبّه إلى خطورة غياب الحرية في محاضرة ألقاها في نادي الضباط بعد نحو ستة أشهر من قيام الثورة.

وأخيرا، يتساءل عمار علي حسن عن أسباب بقاء طه حسين حيّاً إلى اليوم، هل هو جمال نصه؟ لقد جايله آخرون بنصوص جميلة، وتجاوزت المدارس الفكرية الكثير من أفكاره، فهل يعيش لأننا لم نزل نتعثر في أسئلة زمنه؟ ويخلص إلى أن سره في تحوله إلى أمثولة ومثلاً أعلى لتحرر الفرد بسبب المسافة بين ما كان ينتظره كأعمى ريفي وبين ما حققه من مكانة فكرية عالية.


مقالات ذات صلة

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

كتب رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون قصر هشام في أريحا

قصر هشام في أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون ماهر شفيق فريد

ماهر شفيق فريد... ناقداً

لم أُحصِ عدد المقالات التي كتبها ماهر شفيق فريد، الأكاديمي والمترجم والناقد المصري واسع العلم غزير الإنتاج، الذي أثرى الحياة الثقافية بإسهاماته المتنوعة

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون هل العربية عرقٌ أم لسان؟

هل العربية عرقٌ أم لسان؟

لم أتقبل قط فكرة أن هناك علماً ضاراً أو علماً لا ينفع، وظللتُ وفياً لفكرة العلم بالمطلق، ولكن حدث أن سمعت مقاطعَ تتالت عليَّ مصادفة للعالم الجليل بشار عواد

عبد الله الغذامي

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان
TT

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية التي انتهت إلى ثورة عام 1979 عبر منظور يربط بين هشاشة البنى المؤسسية والنزوع السلطوي المتعاقب، متجاوزاً الطرح الاختزالي الذي يرى في أحداث تلك الحقبة مجرد صعود فجائي للتيار الديني، ليُقدِّم بدلاً من ذلك أطروحةً سوسيولوجيةً ونفسيةً معقدةً تبحث في جذور الانقطاع التاريخي والمفهوم المثير للجدل الذي يسميه «المجتمع قصير المدى».

تُستمَد القوة النظرية للكتاب من التقاطه الأوهام البنيوية المشتركة بين الأنظمة الشمولية المختلفة، مبيناً كيف تلتقي راديكالية الدولة مع الراديكالية الآيديولوجية المعارضة في نقطة إنكار الواقع المجتمعي، ومبرزاً التناقض الجوهري بين رغبة السلطات المتعاقبة في الضبط المطلق، ونزوع المجتمع الطبيعي نحو التَّعدُّد والتشظي خارج أطر التوجيه القسري.

يتتبع كاتوزيان بكفاءة عالية، وعبر لغة تجمع بين التجريد الفلسفي والتوثيق التاريخي، فترات التَّحوُّل الكبرى في التاريخ الإيراني الحديث بدءاً من سقوط رضا شاه عام 1941، مروراً بالانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، وصولاً إلى اللحظة الشمولية - المستمرة - التي توجت أحداث السبعينات.

وفي تفكيكه لـ«الثورة البيضاء» التي قادها الشاه محمد رضا بهلوي، يُحدِّد المفارقة في أنَّ التحديث المادي المفروض من الأعلى، والمتمثِّل في شَقِّ الطرق وبناء الجامعات وتطوير الجيش، واكبه تجريفٌ كاملٌ للمؤسسات السياسية القادرة على استيعاب التعددية، وهضم قنوات التعبير الشرعية.

ينكشف للمتأمل في فصول الكتاب منطق التفسير الفلسفي لظاهرة الاستبداد، حيث يؤصل لفكرة أنَّ السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها السريع بفعل العزلة النفسية التي تفرضها على الحاكم، ويصف كيف أدَّى سلوك الدولة البهلوية القائم على التسيير الأحادي والاعتماد على جهاز «السافاك» إلى نشوء قطيعة شعورية ونفسية هائلة بين الحكم والناس، لدرجة جعلت المجتمع يرفض الاعتراف بأي منجز مادي تُقدِّمه له السلطة.

يتيح هذا المنظور للقارئ فهم الثورة في 1979 بوصفها انفجاراً مجتمعياً شاملاً شاركت فيه القوى الليبرالية واليسارية والقومية جنباً إلى جنب مع رجال الدين، حيث توحَّدت هذه الأطياف المتناقضة على هدف هدم البنية القائمة، غافلة في الوقت ذاته عن طبيعة البديل المقبل ومآلات التمرُّد الأعزل عن الوعي المؤسسي.

يتجلى عمق التحليل عند مناقشة التداعيات الدولية والإقليمية التي أعقبت لحظة التحول الشاملة، خصوصاً حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية التي يصفها المؤلف بالحدث الكارثي الذي دفع بالبلاد نحو عزلة دولية خانقة وعزَّز من قبضة الراديكالية الدينية في الداخل، ويوثق الكيفية التي استغلت بها السلطة الجديدة هذا المناخ الاستثنائي، مضافاً إليه ظرف الحرب الطويلة مع العراق، لفرض عملية أسلمة قسرية وشاملة للحياة العامة وتطهير المؤسسات من العناصر غير المتماهية مع الآيديولوجيا الرسمية.

هذه القراءة الفلسفية لطبيعة السلطة الثورية تكشف كيف يتحوَّل التمرد على الطغيان، في غياب أطر قانونية راسخة، إلى صياغة طغيان جديد يستعير أدوات القمع السابقة ويغلفها بقداسة غيبية، ما يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستبداد بمسوغات ميتافيزيقية أشد وطأة على الوعي الفردي والجمعي.

تتبدى في المقابل جوانب ضعف منهجية واضحة تحد من قدرة هذا العمل على تقديم دليل موضوعي مطلق لفهم الراهن الإيراني. إذ يسقط المؤلف في فخ الانحياز الفكري المسبق عند معالجته السياسة الخارجية المعاصرة للجمهورية الإسلامية، حيث يتجلى في ثنايا تحليله ميل لتحميل القوى الخارجية المسؤولية الكاملة عن تعثر المساعي الدبلوماسية وأزمات الشرق الأوسط، مغفلاً الدور البنيوي للآيديولوجيا التوسعية للنظام نفسه. هذا الخلل في التوازن التحليلي يضعف من رصانة الأطروحة الفلسفية حول المسؤولية السياسية والمجتمعية، ويجعل القراءة السياسية للأحداث الأخيرة تبدو مفتقرة إلى الحياد الأكاديمي الصارم، متغافلة عن حقيقة أن التطرف يغذي بعضه بعضاً في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والصراع على مجالات النفوذ الحيوي.

يؤخذ على الكتاب كذلك وقوعه في التعميم التاريخي المفرط من خلال تمديد مفهوم «المجتمع قصير المدى» - وهي النظرية التي يستخدمها المؤلف لوصف تكرار هدم البناء المؤسسي بالكامل، ثم إعادة تشييده من جديد على نحو يمنع تراكم الإنجاز القومي - ليشمل فترات التحول الكبرى كافة في إیران. وبينما يبدو هذا المفهوم فلسفياً وجذاباً من الناحية النظرية، فإنَّه يتناسى الخصائص الفريدة والتعقيدات السوسيولوجية التي ميَّزت كل حقبة على حدة، كاختلاف الديناميات بين الثورة الدستورية الإيرانية عام 1906 وثورة 1979. يضاف إلى ذلك اختزال دور الثقافة الشيعية العميقة التي شكلت الوجدان الشعبي الثائر، والتركيز الزائد على سردية المجموعات السياسية الهامشية بدلاً من تشريح اللحظة الثورية ذاتها.

مع ذلك، كتاب كاتوزيان وثيقة فكرية بالغة الأهمية تحفز على التفكير النقدي في مصائر الأمم التي تعيش تحت وطأة التجاذب بين التحديث السطحي والأصالة المنغلقة، وبين المطرقة والسندان في صراع الآيديولوجيات المتطرفة.

وينجح العمل في إثبات أنَّ الشرعية السياسية قيمة معنوية تولد من رحم العقد الاجتماعي الحقيقي، ويستحيل تصنيعها عبر القوة العسكرية أو فرضها بواسطة الأجهزة الأمنية. لذلك فالإضافة الأساس لهذي المراجعة التاريخية تكمن في التذكير بأن الصراع المستمر في إيران، والذي يتجسد في الاحتجاجات الشعبية المتكررة وحركات الرفض المتصاعدة، هو في جوهره كفاح طويل من أجل استعادة المجتمع صوته الذاتي، وإجبار الدولة على الخضوع لمنطق المساءلة الإنسانية والقانونية، بعيداً عن أوهام الخلاص الثوري الزائف.


معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر
TT

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا، كما أمر بإطلاق سراح نحو 500 من العبيد الذين أسرهم أحمد باشا أبو ودان، حكمدار السودان، وأمر بإنشاء مستعمرة زراعية على النيل الأزرق لإيجاد عمل مناسب لمن لم يستطع من هؤلاء العبيد العودة إلى بلاده الأصلية.

هذا ما يرصده الباحث ناجي غابة في كتابه «الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر»، الصادر عن «دار العربي» في القاهرة، إلا أنه يذكر أنه من الواضح أن «الباشا» لم يقتنع على الإطلاق بإلغاء تجارة الرقيق لما سوف ينتج عن ذلك من مشكلات لمشروعه التنموي، وسيُحرم من مورد مالي مهم يتمثل في الجمارك المفروضة على العبيد المجلوبين من السودان.

ومع وصول سعيد باشا للسلطة في مصر عام 1853، تبدلت الأمور، حيث يعتبر سعيد أول حاكم مصري يفرض حظراً جاداً على هذه التجارة، إذ أصدر أمراً إلى المفتش العام للوجه القبلي في ديسمبر (كانون الأول) 1854 بمنع دخول العبيد إلى مصر من السودان، كما صدرت أوامر أخرى مشابهة إلى كثير من المديريات والمحافظات، وكذلك إلى جمرك أسوان وإلى ديوان المالية.

نصت هذه الأوامر على إعادة من يرد إلى مصر من السودانيين بغرض البيع ذكوراً أو إناثاً إلى بلادهم مع تدشين ما سُمي بالبوليس النهري في السودان للتأكد من خلو السفن من الرقيق المجلوبين لمصر وإنشاء نقطة تفتيش عند «فاشودة» كانت مهمتها تفتيش كل المراكب الآتية إلى النيل الأبيض والاستيلاء على أي رقيق مهرب.

لم تهتم إنجلترا على المستويين الرسمي والشعبي بالموضوع، حيث كانت مشغولة بقضية إلغاء الرق في أميركا التي كانت تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تلك الفترة. أما السلطان العثماني فقد بدأ من جانبه فرض حظر على هذه التجارة في فبراير (شباط) 1857، وعلى أثرها أرسل فرماناً لسعيد باشا يعلمه بوجوب إلغاء هذه التجارة، ومنعها منعاً مطلقاً، وتنفيذ ذلك خلال مهلة أقصاها ستة أسابيع، وأنه بعد انقضاء هذه المهلة فإن الرقيق المجلوب إلى مصر يطلق سراحه ويعاد لبلاده.

وأوضح أنه إذا قام «الجلاب» بإحضار رقيق مرة ثانية يعاقب بالسجن لمدة سنة، وإذا تكرر منه ذلك تُرفع العقوبة إلى الحبس لمدة سنتين. ومنح هذا الفرمان حق سفن الأسطول الحربي العثماني ضبط السفن وتفتيشها وعتق من فيها من الأرقاء وإرسال التجار إلى الآستانة لمحاكمتهم هناك.

تقدم الكثير من التجار بشكاوى للوالي مفادها أن معيشتهم كانت قائمة على هذه التجارة، وأن هذا سوف يعرضهم لخسائر كبيرة.

وحين تبوأ الخديو إسماعيل الولاية انضم إلى حركة العاملين على تحرير الرقيق، كما حدث مع الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، فبذل جهوداً مكثفةً في هذا المجال بدأها في العام الذي تولى فيه الحكم فأرسل إلى حكمدار السودان حمدي باشا يأمره بتعقب تجار الرقيق لقطع دابرهم، فصدع الحكمدار للأمر وكانت النتيجة ضبط 70 سفينة محملة بالأرقاء الذين تم إطلاق سراحهم وإعادتهم لبلادهم، واعتقال التجار الذين لم يفرج عنهم إلا بعد أن أقروا بعدم العودة للنخاسة مرة ثانية.

حتى ذلك الوقت، لم يكن هناك قانون يعاقب التجار الذين يتم ضبطهم بالرقيق، حيث كان يكتفى بمصادرة ما معهم من العبيد، وفي عام 1864 صدرت أولى العقوبات تجاه «الجلابة»، وهي السجن لمدة شهرين حال ضبطهم بأي رقيق وارد لمصر. ووقعت العقوبة على ستة من «الجلابة» الذين تم ضبطهم بمنطقة «أثر النبي»، جنوب القاهرة، بينما ارتفعت العقوبة لستة أشهر لرجال الإدارة المتهاونين في محاربة تجارة الرقيق.

وفي عام 1877 أجريت مفاوضات شاقة ومضنية بين مصر وإنجلترا، حيث أرادت الأخيرة توسيع نفوذها في أفريقيا، خصوصاً في المناطق الجديدة التي سيطر عليها إسماعيل، بينما أردات مصر كسب اعتراف إنجلترا بحقوق السيادة المصرية على ساحل بلاد الصومال حتى نهر جوبا جنوباً. وفي أعقاب موافقة إنجلترا في مارس (آذار) 1877 على أن تشمل السيادة المصرية ساحل الصومال، تم عقد معاهدتين؛ إحداهما في 4 أغسطس (آب) 1877 خاصة بالتعاون بين الطرفين في محاربة تجارة الرقيق.

وافق الخديو إسماعيل على عقد المعاهدة برغم التعنت الشديد من قبل رجال الدين في مصر، فقد عارضه في ذلك مفتي الديار بزعم أن الاتفاقية مخالفة للشريعة، ولكن إسماعيل لم يأبه باعتراضه بل عزله من منصبه.

وفي يونيو (حزيران) 1880 أنشأ الخديو توفيق «مصلحة إلغاء الرق»، وعُين لرئاستها الكونت ديلا سالا الذي اشتُهر بحماسته في محاربة هذه التجارة وكان أحد كبار الضباط الكبار في حرب المكسيك، كما ابتكر خططاً فعالة لمحاربة قوافل الرقيق التي توقفت معظمها بسب إجراءاته القوية.

أما في فترة الثورة العرابية، فقد شن قادة الثورة حملة ضارية ضد تجار الرقيق، وقد أعلن عرابي أنه «ليس في مصر من يود أن يكون له عبيد غير أمراء بيت الخديو والباشوات الأتراك الذين تعودوا على استعباد المصريين، وأن الإصلاحات الجديدة سوف توجد المساواة بين الناس مهما اختلفوا في الجنس واللون والدين».

واتخذت الحكومة الثورية عدة خطوات عملية في هذا المجال بدأت بحملة جماهيرية تزعمها عبد الله النديم بهدف تكوين جمعية سميت بـ«جمعية الأحرار السودانيين» كان هدفها مساعدة الأرقاء المحررين وتقديم المعونات لهم.

بعد أشهر قليلة من تولي عباس حلمي الحكم، وافق على إنشاء بعض المراكز لمتابعة حركة تجارة الرقيق لتكون بمثابة نقاط حراسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبلغت تكاليف إنشائها 600 جنيه مصري، وتم تكليف البكباشي لوتون الإنجليزي الجنسية لقيادتها، كما أصدر في 20 مايو (أيار) 1892 أمراً بإبطال استخدام الرقيق في المقاهي والمحلات العمومية مراعاة للآداب العامة.

وتعتبر معاهدة 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1895 مكملة للمعاهدة السابقة، حيث لا تختلف عنها كثيراً، وتزيد فقط في أنها نصت على منع التجارة في جميع أنواع الرقيق، بما في ذلك المماليك والجواري البيض، كما أضيف إليها ملحق يتعلق بالإجراءات التفصيلية المختصة بتجارة الرقيق، سواء البائعين أو المشترين.

وفي 21 نوفمبر من العام نفسه، صدرت مذكرة تفسيرية يتضح منها تشديد العقوبة على جالبي الرقيق إلى مدة تتراوح ما بين خمسة أشهر وخمس سنوات.

نتيجة لهذه القوانين الصارمة ونشاط رجال مصلحة منع تجارة الرقيق، انحصرت تجارة الرقيق في مصر، ولم يتبق منها سوى آثار قليلة في السودان، ولذلك احتوت اتفاقية «الوفاق للسودان» الموقعة بين مصر وبريطانيا في 19 يناير (كانون الثاني) 1899 على مادة نصت على منع تجارة الرقيق بالسودان وإزالة ما تبقى من آثاره.


رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»
TT

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان الذي يبوح بقلقه وأحلامه، والإنسان الذي يرى في الحب شراكة فكر وحياة لا عاطفة عابرة.

الكتاب الصادر عام 2025 عن «دار كنعان» للدراسات والنشر في دمشق، في 512 صفحة، يفتح نافذة على جانب وجداني وفني من شخصية المخرج والممثل الراحل حاتم علي، الذي عرفه الجمهور من خلف الكاميرا بهندسته المتقنة للمشهد، وأمامها ممثلاً، فيما تكشف رسائله إلى الكاتبة السورية دلع الرحبي عن عالم حميم يتقاطع فيه الحب مع الفن، والسيرة الشخصية مع أسئلة المسرح والدراما والقضية.

وتقوم خصوصية الكتاب على أنه لا يقدم رسائل حب فقط، بل يرسم ملامح سيرة غير اعتيادية لفنان في بداياته، قبل أن يعرفه الجمهور مخرجاً لأعمال تركت أثراً عميقاً في الذاكرة السورية والعربية، ففي هذه الرسائل يظهر حاتم علي شاباً في مقتبل العمر، منشغلاً بتدريبات المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية، يكتب إلى دلع الرحبي لا ليحكي تفاصيل يومه فحسب، بل ليشاركها خطواته الأولى في الطريق إلى الفن.

وتبدو دلع الرحبي في هذه الرسائل شريكة فكر وحلم، تتلقى الحب بعقل الكاتبة المثقفة وقلب العاشقة، وتتابع ما يصنع خلف الكواليس من قلق واجتهاد وطموح، ومن هنا يتحول البوح الشخصي إلى وثيقة وجدانية وفنية، تكشف عن كيف بدأ وعي حاتم علي يتشكل من المسرح، بوصفه «أبو الفنون»، قبل أن يصبح واحداً من أبرز صناع الدراما السورية.

كتب مقدمة الكتاب الفنان جمال سليمان، الصديق المقرب للعائلة، مشيراً إلى أن «الكتاب وثيقة ثقافية أدبية تحكي قصة حب استثنائية بين حاتم علي ودلع الرحبي، لا تتكون من فصل أو فصلين كما جرت العادة، بل من أربعة فصول، تعود إلى البدايات في المعهد العالي للفنون المسرحية وصولاً إلى مرحلة الزواج».

واعتبر سليمان أن الكتاب هو النقطة الأخيرة في مرحلة «أدب الرسائل» التي امتدت لمئات السنين، آخذاً القارئ في رحلة إلى زمن يمزج بين الشأن الشخصي والمسرحي والدرامي، عبر يوميات وثقها الراحل في رسائله».

تأخذ رسائل حاتم علي بعداً وجدانياً وفنياً؛ إذ يعبّر فيها عن حب روحي يتجاوز ومضات العاطفة السريعة، ليبدو أقرب إلى مشروع حياة قائم على المشاركة والثقة، وقد مزج فيها بين حساسية الفنان الشاب، ولغة المتأمل، ووعي المبدع الذي يدرك أن الفن لا ينفصل عن التجربة الإنسانية.

وتكتسب الرسائل أهميتها أيضاً لأنها كتبت بخط اليد، قبل أن تغزو وسائل الاتصال الحديثة علاقات الناس ومشاعرهم، لذلك تحمل صفحاتها متعة الانتظار، ورائحة الورق، ودفء اليد التي كتبت، في امتداد لسلسلة «أدب الرسائل» التي عرفتها الثقافة العربية، من رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة، ورسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، وغيرهما.

من خلال الرسائل، يمكن تلمس بدايات عقود من إبداع حاتم علي؛ إذ تبدو خشبة المسرح منطلقاً أول لصقل موهبته في الإخراج والتمثيل، وركيزة لصناعة مخرج قدّم لاحقاً أعمالاً درامية خالدة في الدراما السورية الاجتماعية، وعكست صورة العائلة بكل دفئها.

كما تحضر في الرسائل القضية الفلسطينية، متداخلة مع تأثر علي برسائل غسان كنفاني، ومعايشته لبيئة المخيمات الفلسطينية في دمشق، وهو ما يفسر الزخم الإنساني والفني الذي ظهر لاحقاً في إخراجه مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، ذلك العمل الأيقوني الذي حمل ألم التهجير وضياع الهوية والحنين إلى الوطن، ونقل الوجدان العربي إلى مدن حيفا وعكا وذاكرة فلسطين.

صحيح أن الكتاب رسائل حب، لكنه في الوقت نفسه يسرد سيرة فنان من خطواته الأولى، قبل أن يعرف العالم ذلك المخرج المبدع، فهو يصور الاجتهاد والعمل والقلق والأحلام.