أسرار الاجتماعات التي أدت إلى «اتفاق القاهرة» بين لبنان والفلسطينيين

كشفها ضابط متقاعد في الجيش اللبناني تابع المفاوضات عام 1969

غلاف كتاب مذكرات العميد المتقاعد جان ناصيف (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب مذكرات العميد المتقاعد جان ناصيف (الشرق الأوسط)
TT

أسرار الاجتماعات التي أدت إلى «اتفاق القاهرة» بين لبنان والفلسطينيين

غلاف كتاب مذكرات العميد المتقاعد جان ناصيف (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب مذكرات العميد المتقاعد جان ناصيف (الشرق الأوسط)

صدر للعميد الركن المتقاعد جان ناصيف، كتاب مذكراته بعنوان «سيرة عسكريّة وعِبَر وطنيّة» (الرئيس فؤاد شهاب - المكتب الثاني - اللجنة الأمنيّة الرباعيّة). ويقام حفل التوقيع في كليّة فؤاد شهاب للقيادة والأركان برعاية قائد الجيش العماد جوزف عون في 24 مايو (أيار) المقبل. rnيعرض العميد ناصيف تفاصيل عمله ضمن فريق المكتب الثاني (مخابرات الجيش اللبناني) وعلاقته بالرئيس شارل حلو، وخصوصاً بالرئيس فؤاد شهاب الذي كان من أقرب الضباط إليه. ويلقي الضوء على ابتعاد الرئيس حلو عن خط الشهابية، وانعكاسات التطورات الإقليمية على الوضع السياسي في لبنان، خصوصاً موضوع تسلح الفلسطينيين، وعن تفاصيل ظروف إبرام «اتفاق القاهرة»، الذي يقول عنه إنه مسّ بالسيادة اللبنانيّة. ثم يشرح ما تعرّض له ضباط «المكتب الثاني» من ملاحقة وإبعاد ومحاكمة قبل التبرئة، وموقف الرئيس شهاب من هذا الموضوع، وكيف أثر التعرّض لأقوى جهاز أمن لبناني إلى إضعاف الدولة والجيش واستباحة الساحة اللبنانية أمنياً وسياسياً. ويتكلّم العميد ناصيف بإسهاب عن شخصية الرئيس شهاب وأطباعه، وقناعاته، وأسس ما عرف بـ«النهج الشهابي».rnكما يذكر مواجهته مع الجنرال الإسرائيلي الذي كان على رأس القوى المعادية التي وصلت إلى محيط ثكنة الفياضية عام 1982، وتمثيله الجيش اللبناني في اللجنة الأمنية الرباعية من عام 1983 لغاية عام 1990 خلال عهد الرئيس أمين الجميّل وحكومة العماد ميشال عون. rnوهنا مقتطفات من الفصل 9 من الكتاب الذي يتناول نمو الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان اعتباراً من عام 1967 وتوقيع «اتفاق القاهرة» (1969):

من لقاء بين الرئيسين جمال عبد الناصر وشارل حلو

«نتيجةً لهزيمة 1967، بدأت تنمو الفكرة الفلسطينيّة بالاتكال على الذات لتحرير الأرض. فالفشل المدوّي للجيوش العربيّة النظاميّة، أدّى إلى ولادة منظمة التحرير الفلسطينيّة بدعم مالي كبير من دول الخليج العربي، ونمت فكرة المقاومة وتطوّرت بعد الحصول على السلاح السوفياتي وتكثيف الدورات التدريبيّة. فبات للفلسطينيين تنظيم عسكري جدّي، له وجود في كل من مصر وسوريا والأردن أولاً، ومن ثم لبنان... كان ضمن الجهاز الداخلي في الشعبة الثانية فرع لمراقبة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، تمكّن في البداية من ضبط المخيمات بصورة صارمة، ومنع وجود سلاح داخلها بتاتاً. كان لنا وجود عسكري في كل مخيم، يشرف على تطبيق القوانين والتدابير المفروضة من الدولة. ورغم وجود عنصر أو عنصرَين فقط في كل مخفر، كان لهؤلاء سلطة مطلقة، وهيبة تُخيف وتردَع القاطنين في المخيّمات.

وقد أشرفتُ شخصياً على هذا الفرع لمدة حوالي خمسة أشهر أثناء غياب رئيسه في دورة خارجيّة. قمت خلال تلك الفترة بزيارة جميع المخيمات للاطلاع الميداني على الأوضاع، وكان الأمن ممسوكاً تماماً من قبلنا، واللاجئون طيّعين، يهابون سلطتنا. حتى موضوع توزيع المعونات التي كانت تقدمّها منظمة «الأونروا» (UNRWA)، والطبابة، وعمل المستوصفات كان يتم تحت إشرافنا. بعدها، ومع تزايد النشاط الفلسطيني انطلاقاً من المخيمات، شُكّل الملازم أول فريد أبو مرعي لرئاسة الفرع، وهو ضابط نشيط وكفء أمسك بالمهمة بيد من حديد.

مع مرور الوقت، بدأت تتوارد المعلومات إلى الشعبة الثانية عن خروج عناصر فلسطينية مسلّحة من المخيمات باتجاه الحدود الجنوبية فتطلق الكاتيوشا باتجاه الأرض المحتلّة عشوائياً، ثم تلوذ بالهرب؛ ما كان يؤدي إلى رد عسكري إسرائيلي بالقصف العنيف على الجيش والقرى المجاورة، مسبباً الأضرار الجسيمة. سعت الدولة اللبنانية مع جامعة الدول العربية إلى معالجة هذا الفلتان المتصاعد والمؤذي، فصدرت قرارات تمنع منعاً باتاً إطلاق صواريخ أو أي سلاح ناري آخر بدون إعلام السلطات العسكريّة المحلية. التزم الفلسطينيون بذلك لفترة، لكن سرعان ما بدأت هذه الحوادث تتكرّر من جديد وبشكل متسارع.

ياسر عرفات تخفى بصفة «الرقيب عبدالله»

ضاعفت الشعبة الثانية رصدها للمنطقة ولحركة الفلسطينيين المسلحين، وتمكّنت في أحد الأيام من إلقاء القبض على مجموعة فلسطينيّة مسلّحة مؤلفة من ثلاثة عشر عنصراً، رمت كاتيوشا إلى داخل الأراضي المحتلّة وحاولت الهروب. باشر الملازم أول فريد أبو مرعي التحقيق مع أفراد المجموعة بعد ورود معلومات مخابراتية بوجود قائد فدائي مهم بين الموقوفين. بعد جلسات تحقيق مطوّلة، تمكّن أبو مرعي من التعرّف إلى رئيس الزمرة بسبب تناقض في أجوبته. كان الشخص يدّعي أن اسمه «الرقيب عبدالله»، ولا يقر بهويته الحقيقية ولا عن من وراءه. لكن بعد استعمال الوسائل القاسية المعهودة في التحقيقات، انهار وعرّف عن نفسه: «أنا ياسر عرفات!».

أبلغ أبو مرعي المقدّم غابي لحود رئيس الشعبة الثانية بالأمر، فحضر وأمضى ساعات طويلة يكالم عرفات. دافع الزعيم الفلسطيني الشاب يومها عن قدسيّة قضيته، وعن السعي لاسترجاع أرض فلسطين المغتصبة، فأصرّ لحود على وجوب احترام المقاومة سيادة لبنان على أراضيه.

في منتصف عام 1969، تدهورت الأوضاع الأمنية والعسكريّة بين الجيش اللبناني ومنظمة التحرير الفلسطينية على الأرض اللبنانية، فتبلورت مبادرة من جامعة الدول العربيّة حظيت بزخم خليجي لإجراء لقاء بين وفد يمثل الدولة اللبنانية ووفد يمثل منظمة التحرير لمعالجة الوضع المتأزم، على أن يتم اللقاء في القاهرة برعاية الرئيس عبد الناصر، الذي يعطي ضمانة التنفيذ لاحقاً.

إرباك حول هوية الوفد المفاوض

خلقت هوية من سيمثل لبنان في اللقاء إرباكاً وبلبلة وضياعاً... بدا أولاً أنه من الأفضل ألا يكون رئيس الجمهورية على رأس الوفد اللبناني. وبمطلق الأحوال، كان الرئيس حلو مربكاً، يريد تجنّب الحضور لتجنّب المواجهة. أمّا رئيس الحكومة (المستقيلة وبحكم تصريف الأعمال) رشيد كرامي، الذي كان وزيراً للخارجية أيضاً، فتجنّب هو أيضاً رئاسة الوفد لعلمِه بأن الأوراق التي في يد الدولة اللبنانية ضعيفة، فيما الرأي السني الغالب على الساحة اللبنانية هو إلى جانب العمل الفدائي، والرئيس كرامي لم يكن بوارد أن يوافق مرغماً على ما ينتقص من السيادة اللبنانية.

لهذه الاعتبارات، تقرر تكليف أمين عام وزارة الخارجيّة الدكتور نجيب صدقة، تمثيل الحكومة اللبنانية وترؤس الوفد اللبناني إلى القاهرة. وبما أن القمّة ستتطرّق إلى مواضيع أمنيّة حساسة، اتفق بأن يكون رئيس الأركان في الجيش العماد يوسف شميّط من ضمن الوفد. لكن العماد شميّط اعتذر عن المهمة، فطرح اسم قائد الجيش العماد إميل بستاني الذي وافق على أن يترأس هو الوفد اللبناني في هذه الحال. وقد رُبطت موافقة بستاني بموعد الانتخابات الرئاسية القريبة التي كان يحلم بالفوز بها.

المفاوضات في القاهرة

وصل الوفد اللبناني إلى القاهرة في 26 أكتوبر (تشرين الأول). رافق العماد بستاني الرائد سامي الخطيب من الشعبة الثانية، وانضم إلى الأمين العام لوزارة الخارجيّة نجيب صدقة، سفير لبنان لدى مصر حليم أبو عز الدين. لم يحضر الوفد الفلسطيني إلى العاصمة المصرية، لا في اليوم الأول، ولا في اليوم الثاني، ولا الثالث ولا الرابع... مع هذا الانتظار استفاد الوفد اللبناني لإجراء اجتماعات يوميّة مع أعضاء الفريق المصري في المؤتمر لشرح المتاعب التي يعاني منها لبنان جرّاء هذا الوضع الشاذ والتجاوزات الفلسطينية لسيادة واستقلال البلد، والمعطيات التي تستوجب وضع حد لكل ذلك، وكان المصري متفهماً ومتجاوباً مع عرض الوفد اللبناني. كنا في الفريق المركزي للشعبة على اتصال دائم مع الرائد الخطيب، الذي فسّر لنا وسط التشكيك بحضور عرفات والوفد الفلسطيني، بأن ما استنتجه مع العماد بستاني من الأجواء هناك أن عرفات يؤجل قدومه ريثما يتأكد من حصوله على أكبر دعم من الدول العربية لمحاولة فرض أقصى ما يرغب، وأن المؤتمر على الأرجح لن يتوصّل إلى اتفاق حازم لمصلحة الدولة اللبنانية، بل إلى وضع بعض الضوابط للحريّة المطلقة للعمل الفلسطيني. كما أبلغنا الخطيب بأن العماد بستاني يحرص على الاتصال الهاتفي المطوّل برئيس الجمهورية في نهاية كل يوم بحضوره وحضور الدكتور صدقة والسفير أبو عز الدين، لإطلاعه على كامل تفاصيل المناقشات والمستجدات ويطلب التوجيهات، لكن الأخير لم يعطِ أية تعليمات واضحة أو محددة، مكتفياً بتكرار القول: «أنت تصرّف، أنت تصرّف! وأنا بغَطّيك بعدَين...»، وأن بستاني شرح لحلو أهمية قيام الدولة اللبنانية ورئاسة الجمهورية بأقصى ما أمكن دبلوماسياً مع الدول العربيّة للحد من تأثرها بمطالب عرفات، لكن الرئيس كان متردّداً والتزم بقراره بعدم التدخّل...

لم يحضر عرفات والوفد الفلسطيني إلى القاهرة حتى 2 نوفمبر (تشرين الثاني)، في توقيت كان قد صدرت فيه مواقف عربيّة داعمة للمطالب الفلسطينية بقوة، ما جعل الوفد اللبناني في وضع ضعيف جداً. في ظل هذه الأجواء غير المساعدة، كنا نراهن على إطالة المفاوضات أو تأجيلها، ما يفسح المجال للدولة اللبنانية للتواصل مع دول عربيّة بغية استعادة بعض التوازن وتحسين موقف لبنان التفاوضي مجدداً.

3 تشرين الثاني 1969

مفاجأة توقيع الاتفاق!

في نهاية مفاوضات اليوم الذي تلا قدوم عرفات والوفد الفلسطيني، فوجئنا بإبلِاغنا من سامي الخطيب أن اتفاقاً قد أنجز ووقّع، وهو اتفاق سرّي! وأعلمنا الخطيب بأن مضمون الاتفاق ليس لصالح لبنان ولا يثبّت سيادته بقوة. وسرعان ما اتصل بي العماد بستاني وأعلمني، بصفتي مسؤولاً عن الإعلام، بوجوب بث البيان الرسمي حول حصول الاتفاق وتوقيعه من الفرقاء، على أن يصدر البيان بنفس الوقت في لبنان وفي مصر (الثامنة مساءً، وكانت الساعة السادسة والنصف عندها). ونصّ عليّ العماد بستاني النص المقتضب للبيان، الذي لا يتضمّن البنود «السريّة» بل يُعلن فقط عن توقيع الاتفاق. أطلَعتُ المقدّم غابي لحود على النص، فطلب مني إطلاع رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة عليه.

جواب الرئيس كرامي

اتصلت بالرئيس كرامي أولاً، كون المقدّم لحود كان قد علم أن العماد بستاني اتصل بالرئيس حلو مباشرة لتوه. تفاجأ الرئيس كرامي بسرعة حصول الاتفاق وأجاب بكلمات ذات دلالة عالية: «لا حول ولا قوة...!»، وكان يعني بذلك: «الله ينجينا!»، ثم طلب مني قراءة البيان. استمع لتلاوتي، ثم فكّر لبرهة وطلب مني إطلاع «المعلّم» (الرئيس شهاب): «عندو خبرة ونظرة شاملة، بيشوف إشيا نحنا يمكن ما منشوفها». ثم اتصلت بالرئيس حلو الذي لم يعلّق على البيان، ووافق على ما طلبه الرئيس كرامي بأخذ رأي الرئيس شهاب.

أعلَمت المقدّم لحود بمضمون الاتصالَين مع رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، واتصلت بعدها بالرئيس شهاب. أول تعليق للرئيس شهاب كان استغرابه الشديد: «مش قليلي اتفقوا!؟» ثم أضاف غامزاً بالعماد بستاني: «منوش هيّن إبن جريس!»... أطلعته على نص البيان وطلب الرئيس كرامي بأخذ رأيه، فطلب مني قراءة البيان ثانية على مهل ليتسنى له كتابة النص. خلال تلاوتي، توقّف عند الصفة المعطاة لأعضاء الوفد المصري المرافقين للرئيس عبد الناصر، وهما وزير الخارجية ووزير الدفاع المصريان، وقال: «لا، لا، هيك يعني بس مصر... شوف هودي الوزرا عندن كمان صفة بجامعة الدول العربية أو بالدفاع العربي المشترك، حطلهن هيدي الصفة لنعطي صبغة إنو هل الاتفاق تم برعاية عربية مش بس مصرية». ثم عند ورود كلمة «الأمة» العربية، طلب أيضاً استبدالها بـ«الدول» العربيّة. وأضاف: «على الأقل فليصدر البيان في الإعلام اللبناني على هذا النحو». بعدها أعلمت المقدّم لحود ومن بعدها الرئيس حلو والرئيس كرامي بملاحظات الرئيس شهاب اللذَين وافقا على ما نصح به. وأذكر ما قاله الرئيس كرامي بعد إبلاغه التفاصيل: «شفت كيف؟ قلتلك المعلّم بينظر أبعد منّا!»، وأضاف متنهداً: «أمرنا إلى الله».

في اليوم التالي، عنونت جريدة «النهار»: «صدر البيان بنصَين مختلفَين في بيروت والقاهرة!»، وبعد فترة، نشرت الجريدة ذاتها الاتفاق ببنوده السريّة الكاملة بعدما ادّعى العميد إده أن أحد الوزراء «نسيه» على الطاولة في مجلس النواب، فحصل هو على النسخة...

العميد ناصيف مع الرئيسين شارل حلو والياس سركيس (الشرق الأوسط)

الرئيس حلو واتفاق القاهرة

بعد عودة سامي الخطيب من مصر، اجتمعنا في الشعبة لعرض البنود «السريّة» وتقييم الوضع، وتيَقّنا أن البند الوحيد الذي يحمي السيادة اللبنانية والذي أمكن إدراجه في الاتفاق كان البند 13 الذي نص بصورة عامة على أنه «من المسلّم به أن السلطات اللبنانية من مدنيّة وعسكريّة تستمر في ممارسة صلاحياتها ومسؤولياتها كاملة في جميع المناطق اللبنانية وفي جميع الظروف»، بينما تجيز البنود الأخرى للفلسطينيين العمل والإقامة والتنقل داخل لبنان، والتسلّح ضمن المخيمات، وحفظ الأمن الذاتي في المخيمات، والمشاركة في الثورة الفلسطينية العسكرية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، وتسهيل مرور المسلحين الفلسطينيين إلى مناطق الحدود... خلِصنا إلى تقديم توصية لقيادة الجيش ورئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة بوجوب طلب اجتماع ثانٍ للفرقاء لتعديل ما اتفق عليه، لأن في الأمر انتقاصاً كبيراً لسيادة لبنان وسلطة جيشه على الأرض الوطنية لصالح وجودٍ مسلحٍ غير لبناني. كما بلوَرنا توصيتنا لاحقاً باقتراح يقضي بذهاب المقدّم أحمد الحاج إلى جامعة الدول العربية ممثلاً لبنان، للمطالبة بتعديلات تعيد للجيش اللبناني دوره السيادي الكامل.

لكن الرئيس حلو لم يشأ القيام بأي خطوة من هذا القبيل أو حتى إبداء مواقف تُعبّر عن اعتراض وعدم رضا لبنان، وفضّل عدم المواجهة... تقدّمنا منه بتوصية جديدة بأن يطلب اجتماعاً لجامعة الدول العربية لإعادة النظر بالاتفاق، لكنه لم يحسم أمره ولم يتحرّك والتزم الصمت... أظن، استناداً إلى خبرتي بالتعاطي معه، أن طبعه الشخصي لعب الدور الأكبر هنا. فهو بطبعِه يتجنّب المواجهات المباشرة، أو التعبير عمّا يرغب أو يفكر به أو ما هو غير راضٍ عنه بوضوح وصراحة.

أظن أن ضمير الرئيس حلو لم يكن مرتاحاً لاحقاً إزاء عدم تصرّفه بحزم حيال الاتفاق خلال مرحلة إبرامه في القاهرة وبعدها، وبقي يحاول طوال حياته التنصّل إعلامياً من هذا العبء، لكنه في مقال له بمناسبة ذكرى وفاة الرئيس شهاب الـ25 في أبريل (نيسان) 1998، أورد جملتَين تحملان دلالة واضحة.

فتَحْتَ عنوان «التزام الرئيس شهاب سيادة لبنان»، كتب الرئيس حلو: «لم يفرّط فؤاد شهاب بقَسَمَين: قسَمه العسكري وقسَمه الرئاسي. وقد خَبِرتُ ذلك من خلال اجتماعه مع الرئيس عبد الناصر، في خيمة على الحدود اللبنانية - السورية. وفي حديثه لي بعد أن تفهّم مني ملابسات اتفاق القاهرة، إذ قال: ما يهمنا قبل كل شيء هو التطبيق الدقيق للبند 13 من الاتفاقية...».


مقالات ذات صلة

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

كتب «القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.