«الحوريّة» تعود إلى الحياة... على هيئة امرأة حقيقية هذه المرة

فيلم «ديزني» الجديد يواجه التجريح رغم وفرة أدوات الجذب

ملصق فيلم «حوريّة البحر الصغيرة» بنسخته الجديدة (ديزني)
ملصق فيلم «حوريّة البحر الصغيرة» بنسخته الجديدة (ديزني)
TT

«الحوريّة» تعود إلى الحياة... على هيئة امرأة حقيقية هذه المرة

ملصق فيلم «حوريّة البحر الصغيرة» بنسخته الجديدة (ديزني)
ملصق فيلم «حوريّة البحر الصغيرة» بنسخته الجديدة (ديزني)

تبلغ «حوريّة البحر الصغيرة» (The Little Mermaid) هذا العام سنتها الـ34. تحتفي بها شركة «ديزني» التي ابتكرتها عام 1989، من خلال منحها ولادة جديدة ضمن إعادةٍ لأحد أفلام الرسوم المتحرّكة الأشهر على الإطلاق.

تعود «أرييل» في نسخة واقعية تجسّدها الممثلة والمغنية الأميركية الصاعدة هالي بايلي (23 عاماً)، إلى جانب مجموعة من الممثلين المعروفين مثل خافيير بارديم بدور «الملك ترايتون»، وميليسا ماكارثي التي تؤدي دور الساحرة الشريرة «أورسولا». تزيّن المشهد وتخفّف ظلاله شخصيات متحرّكة كالسلطعون «سيباستيان»، والسمكة «فلاوندر»، والطير «سكاتل».

«أرييل الجديدة»... ما لها وما عليها

قد يكون من الظلم بحقّ النسخة الواقعية المستحدثة، مقارنتها بالنسخة الأصلية المتحرّكة من «حوريّة البحر الصغيرة». فذاك الفيلم شكّل ظاهرة في عالم الرسوم المتحركة داخلاً التاريخ، كما أنه منح شركة «ديزني» نهضةً كانت بأمسّ الحاجة إليها في نهاية الثمانينات. أما ما يقوم به المخرج روب مارشال في النسخة الجديدة، فهو مزاوجة التقنيات الحديثة مع روح قصة الكاتب الدانماركي هانس كريستيان أندرسن.

ربما يبدو مستغرباً بالنسبة إلى جيلٍ عرف «أرييل» ورفاقها مرسومين، أن يشاهدهم بشراً حقيقيين يتحرّكون تحت المياه، كما لو أن الشاشة عبارة عن «أكواريوم». قد تصاب كذلك «النوستالجيا» بخيبة، لفرط استخدام المؤثرات والصور المبتكرة بواسطة الكمبيوتر. لكن يحق للجيل الجديد أن يكتشف الحكاية ويتعرّف إلى بطلتها في إطار متطوّر، يتماشى مع ما اعتادت عيونهم عليه من تقنيات حديثة.

يبدو مستغرباً بالنسبة إلى جيلٍ عرف «أرييل» ورفاقها مرسومين، أن يشاهدهم بشراً حقيقيين (ديزني)

مشاهد أعماق البحار داكنة في معظم الأحيان إلى درجةٍ تصعب فيها الرؤية ما يقتل سحر اللحظة، ولعلّ المنتجين لم يأخذوا في الحسبان أن ليست كل شاشة سيُعرض عليها الفيلم مزوّدة بنظام «دولبي» المتطوّر. هذا في الشكل، أما في المضمون فتُلام النسخة الجديدة على مدّتها المبالغ فيها (ساعتان وربع الساعة، مقابل ساعة و20 دقيقة للنسخة الأصلية). بعض الإضافات تبدو عديمة الفائدة، وبطيئة وطويلة.

رغم ذلك، يعوّض فيلم «الحوريّة» عن إخفاقات «ديزني» السابقة في نقل كلاسيكيات متحرّكة إلى نسخ واقعية، كما حصل مع «Lion King» و«Beauty and the Beast». هو الأنجح بين كل ما سبقه من محاولات، لا سيّما أنه حافظ على التناغم بين سحر الحكاية، وجاذبية الشخصيات، والصورة الجميلة، رغم بعض الهفوات.

المغنية والممثلة هالي بايلي في دور الحوريّة «أرييل» (ديزني)

عناصر الجذب

وحدها قصة الحورية الفضوليّة «أرييل» كافية لجذب الأنظار. من تمرّدها على والدها ملك البحار الذي لا يريد بينها وبين عالم البشر أي احتكاك، مروراً بالسحر الذي ترميه عليها عمّتها الشريرة «أورسولا» الطامعة بمملكة والدها، وليس انتهاءً بعلاقة الحب التي تجمع بينها وبين الأمير «إريك»، الذي يؤدي دوره البريطاني جوناه هاور كينغ.

للموسيقى في الفيلم حصّة كبيرة، وهو يستحق عن جدارة أن يوضع في خانة السينما الموسيقية، خصوصاً أن إعادات الأغاني التي طبعت «الحوريّة الصغيرة» فيها ما يكفي من المتعة السمعيّة والبصريّة. تفتتح بايلي بصوتها الناصع مجموعة أغانيها بنسخة ساحرة عن «Part of Your World»، ولأصدقائها السلطعون والسمكة والطير حصّتهم كذلك من الأداء اللطيف والمسلّي، كما في أغنية «Under the Sea».

إلى جانب الأغاني، يأتي أداء بايلي التمثيلي ليُدهش كلاً من النقّاد والمشاهدين. يليق بها دور الحوريّة السمراء بشعرها الأحمر الطويل، مهما علت الأصوات العنصرية الممتعضة من لون بشرتها. وتمدّ ميليسا ماكارثي «أورسولا» يدَها إلى بايلي لتمنحا معاً الفيلم بريقه. في المقابل، يبقى أداء الممثل الإسباني خافيير بارديم باهتاً بعض الشيء.

ومن بين عناصر الجذب، الرسائلُ الهادفةُ التي نجح الفيلم في تمريرها، كأزمة تلوّث المحيطات بالنفايات البشرية، التي تضيء عليها شقيقات «أرييل» الحوريّات الستّ ذات الزعانف الملوّنة البرّاقة. نَراهنّ وهنّ ينظّفن ما غرق من بقايا السفن، فيما تجمع «أرييل» الأغراض الغارقة وتخبّئها في مغارتها البحريّة التي تحوّلت إلى متحف للآثار البشرية.

ميليسا ماكارثي في دور الساحرة الشريرة «أورسولا» (ديزني)

الحوريّة في مواجهة العنصرية

دائماً ما تسحب المياه الحوريّة الصهباء إلى أعلى، ومن خلال وقوعها في حب الأمير الذي تنقذه من الغرق بعد احتراق سفينته، يمرر الفيلم رسالته الأساسية. ترمز حكاية «أرييل» و«إريك» إلى توحيد الاختلافات وتحويلها إلى نقاط ضوء.

تستحدث النسخة الجديدة من الفيلم تفصيلاً مهماً يقضي بأن يكون الأمير الأبيض، الابن المتبنّى للملكة السمراء. البشرة الملوّنة حاضرة إذن عبر هذه الشخصية وليس من خلال «أرييل» فحسب. من دون الغرق في المواعظ، يسجّل الفيلم هدفاً في مرمى التنوّع والتسامح. يجمع ما بين عالم البحار واليابسة المتخاصمين وفق مقتضيات السيناريو، أما وفق رؤية «ديزني» فيجمع ما بين الأعراق والألوان. وهو تقليدٌ درجت عليه الشركة منذ «بوكاهونتاس»، و«موانا»، و«إزميرالدا» وغيرهنّ.

إلا أن هذه المرة، لم تسلم «ديزني» ولا هالي بايلي من التجريح وسهام العنصرية. إذ ما إن انتشر خبر اختيار الممثلة السمراء لتكون «أرييل» الجديدة، حتى بدأت حملة مضادة وشرسة على وسائل التواصل الاجتماعي تحت شعار «هذه ليست أرييل». ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ انسحب إلى ما بعد انطلاقة الفيلم في دور السينما.

انخفضت المراجعات الإيجابية على مواقع التقييمات، ومعها انخفضت الإيرادات. وقد اتّضح أن جيوشاً إلكترونية جُنّدت خصيصاً لإعطاء الفيلم تقييمات سلبية، ما اضطرّ موقع «IMDB» الشهير إلى تعديل نظام التصنيفات الخاص به.

بعد مرور 3 عقود على النسخة الأولى من أحد أشهر أفلام «ديزني»، تعايشَ المنتقدون مع فكرة حوريّةٍ تتحوّل زعانفها إلى قدمين بشريتين. غير أنهم فشلوا في تقبّل تحوّل بشرتها من بيضاء إلى سمراء.


مقالات ذات صلة

من «واكا واكا» إلى «داي داي»... بين شاكيرا والمونديال عقد غناء حصريّ؟

يوميات الشرق شاكيرا في إطلالة كأس العالم 2026 حيث تقدّم الأغنية الرسمية (إنستغرام) p-circle 01:19

من «واكا واكا» إلى «داي داي»... بين شاكيرا والمونديال عقد غناء حصريّ؟

تحتفل شاكيرا هذه السنة بمرور 20 عاماً على دخولها ملاعب كأس العالم، وتسجيلها الهدف الرابع في شِباك الحدث الكُرويّ العالمي.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق بيع نحو 43 ألف تذكرة لفيلم «سفن دوجز» خلال ليلة عيد الأضحى في مصر (هيئة الترفيه السعودية)

«سفن دوجز» ينطلق في دور السينما السعودية والعربية

انطلق العرض الرسمي للفيلم العربي والعالمي «سفن دوجز» في دور السينما السعودية والعربية، وسط إقبال جماهيري واسع شهدته صالات العرض منذ الساعات الأولى لطرحه.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تحول الخطط إلى واقع ملموس يعكس نجاح مسار البناء والتحول (هيئة الترفيه)

«هيئة الترفيه» السعودية... عقدٌ من البناء وصناعة الأثر

بعد مرور 10 أعوام على إنشائها، تمضي هيئة الترفيه السعودية في مسيرتها بثبات، لتشكّل مرحلة جديدة تُتوّج عقداً كاملاً من التحول والبناء وصناعة الأثر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يضم متنزه «أكواريبيا القدية» 22 لعبة وتجربة مائية مبتكرة (واس)

«أكواريبيا القدية» يستقبل زواره 23 أبريل

حدَّدت مدينة القدية (جنوب غربي الرياض)، الخميس 23 أبريل الحالي، موعداً للافتتاح الرسمي لثاني أصولها الترفيهية، متنزه «أكواريبيا» المائي الأكبر بالشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق شهد قطاع الترفيه في السعودية تنظيم 1690 فعالية بإجمالي 75 ألفاً و661 «يوم فعالية» خلال عام 2025 (موسم الرياض)

قطاع الترفيه السعودي يجذب 89 مليون زائر خلال 2025

جذب قطاع الترفيه في السعودية خلال عام 2025 أكثر من 89 مليون زائر؛ مما يعكس حجم الحراك والنمو الذي يشهده، ضمن منظومة تستهدف رفع جودة التجربة، وتعزيز الامتثال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

التصوير بالأبيض والأسود يتحدى الزمن بجمالياته

«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
TT

التصوير بالأبيض والأسود يتحدى الزمن بجمالياته

«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)

هناك جمهور كبير يبلغ تعداده بضعة ملايين حول العالم ينكبّون كل يوم على مشاهدة أفلام الأمس ذات اللونين الأبيض والأسود. وهؤلاء ليسوا فقط من المعمِّرين أو مِمَّن تجاوزوا سنّ الشباب؛ بل على العكس، فإن بين من هم دون الثلاثين من العمر عدداً كبيراً ممَّن يشاهدون أفلام الأبيض والأسود اليوم، مستمتعين بها وبقيمة فنِّ التصوير السينمائي الخالي من ألوان الحياة.

واقع مجرد من ألوانه

أن تشاهد «المواطن كاين» (Citizen Kane) لأورسن ويلز (1941)، أو «من الماضي» (Out of the Past) لجاك تورنور (1947)، أو «الساموراي» (Le Samouraï) لجان-بيير ملفيل (1967)، أو «سايكو» لألفرد هيتشكوك (1960)، ومئات سواها، يعني أنك تتواصل مع فنِّ السينما في مصادره وأشكاله الأولى، عندما كان التصوير بالأبيض والأسود خياراً فنياً قائماً بذاته ومقبولاً من ملايين رُوَّاد السينما من دون سؤال أو تساؤل.

التصوير باللونين وحدهما هو تجريد الواقع من ألوانه وإضفاء حالة فنية جديدة عليه. وتجريد الواقع هو إحالته إلى صورة تتلاءم مع العالم الخيالي الذي تدور السينما في محيطه الكبير. وقد بدا هذا التلاؤم لمئات ملايين الناس الذين كانوا يؤمُّون دور السينما في عشرينات القرن الماضي وما بعدها أمراً طبيعياً، رغم إدراكهم أن الواقع نفسه ليس كذلك. وحال خروجهم من الصالات كانوا يكتشفون مجدداً الألوان الطبيعية المنتشرة، من إشارات المرور إلى العمارات، ومن أضواء النيون وألوان الملابس والزهور إلى الإعلانات وواجهات المحال والفنادق.

من «سايكو» لألفرد هيتشكوك (يونيفرسال)

وعلى الرغم من ذلك، لم يشتكِ أحد من هذا التباين الكبير وغير «الواقعي». ولم يرفض أحد الفيلم الأبيض والأسود لأن الحياة ليست كذلك. فالفيلم، سواء أكان واقعياً في قصته، مثل «سارقو الدراجات» (Bicycle Thieves) لفيتوريو دي سيكا (1948)، أم خيالياً جامحاً مثل «تارانتولا» (Tarantula) لجاك أرنولد (1955)، يبقى حالة فنية متميزة بعدد من العناصر، في مقدّمتها اغترابه عن الواقع وألوانه المعيشة.

الاختلاف بين هذا الفن من التصوير وبين الألوان الطبيعية كبير. ومن أبرز هذه الاختلافات أن التعبير في أفلام الأبيض والأسود (الجيَّدة منها طبعاً) يوظِّف الإضاءة على نحو مختلف عن الأفلام الملوَّنة. فهناك قدر كبير من الفهم لتوظيف الضوء والتصوير في تلك الأفلام، بما يُبرز التباين بين جزءٍ وآخر من المشهد الواحد.

في فيلم بيلي وايلدر البوليسي «تأمين مزدوج»، هناك ذلك المشهد الذي نرى فيه باربرا ستانويك وفرد ماكموري ليلاً. فهي تقف تحت ضوء ساطع مرتدية رداءً أبيض، في حين يظهر هو ببذلة داكنة في جزء معتم من اللقطة. ولا شيء يُترك للصدفة مطلقاً في أي فيلم جيِّد. فهي تمثّل الضوء، وككل ضوء تبدو بالأبيض؛ لأنها الحافز إلى الجريمة، وهو القاتل المخدوع؛ ولذلك يظهر ببذلة سوداء تُناسب سوداوية الجريمة التي يُقدِم عليها.

جماليات ودلالات

في عام 1998، أعاد المخرج المستقل غَاس فان سانت صُنع فيلم ألفرد هيتشكوك «سايكو» بالألوان. واستخدم المشاهد نفسها وحسب ترتيب ورودها. وكانت النتيجة باهتة، وفي أفضل الأحوال غير ضرورية.

يستطيع المرء أن يستمتع بنسخة هيتشكوك في كل مرة يشاهد فيها هذا الفيلم، أما نسخة فان سانت فقد ماتت فنياً منذ عرضها في صالات السينما، بل منذ أسبوعها الأول.

وكمثال واحد، احتوى مشهد القتل في الحمَّام على لقطة لدماء تسيل إلى البالوعة (من دون أن نرى لقطات طعن لجسد الضحية). وفي فيلم هيتشكوك تبدو هذه الدماء سوداء اللون لأن الفيلم غير ملوَّن، لكن تأثيرها أقوى من اللقطة نفسها في فيلم فان سانت، حيث نرى الدم باللون الأحمر.

ستانويك وماكموري في «تأمين مزدوج» (باراماونت)

والسبب هو أن هيتشكوك ومدير تصويره جون ل. راسل اعتمدا على التأثير المفجع للمشهد بأكمله. وقد ساعدت طريقة تصوير المشهد والتوليف المستخدم فيه على بلورة شعور بالخوف بدلاً من الشعور بالاشمئزاز. فالدم في الأبيض والأسود يضع المشاهد في حالة سوريالية وكابوسية، أما تصوير المشهد بالألوان فأقصى ما استطاع الوصول إليه هو حالة عادية تتدرج نحو الشعور بالاشمئزاز.

ومن الأمور الثابتة أن يمنح التصوير غير الملوَّن الفيلم تركيبة ذات تعبير أعمق، شأنه في ذلك شأن مئات الأفلام المماثلة التي حققتها السينما في عقودها الأولى وحتى اليوم. وهو تعبير يمضي بعيداً في ثنايا الصورة من حيث جمالياتها وعمق دلالاتها الدرامية والنفسية.

ومن أحدث هذه الأفلام، ولن يكون آخرها، فيلم «حظيرة الطائرات الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج التشيلي خوان بابلو سالاتو (جرى نقده في عدد 19/4/2026 من هذه الصفحة). وفي هذا الفيلم ينجح التصوير بالأبيض والأسود في التعبير ليس عن فترة ماضية فقط (مطلع السبعينات)، بل عن مجمل المشاعر التي ولَّدتها الأحداث داخل شخصية بطله، ضابط الطيران جورج (نيكولاس زاراتي): الحزن، والإحباط، والكبت، والخوف من قول الحقيقة.

وكما سبق القول، يمكن للفيلم الملوَّن أن يُوفِّر هذه المشاعر كلها، لكن الأبيض والأسود يوفِّرها بعمق أكبر ناتج من النسيج الفريد للمشاعر والمزاج العام والأجواء.

وكل ما سبق لا يعني وضع الأفلام الملوَّنة في خانة أدنى فنّاً أو تشكيلاً أو معنى. فهناك أفلام ملوَّنة عدَّة تجيد استخدام الألوان على مستوى فني رفيع. ولدينا أفلام ترنس مالك، وأفلام أندريه تاركوفسكي (أنجز أفلاماً من النوعين بجدارة لافتة)، وأفلام فرنسيس فورد كوبولا، ومارتن سكورسيزي، وديفيد لين، ومايكل أنجلو أنطونيوني، وعشرات المخرجين المبدعين. فلكلٍّ من هذين النمطين السينمائيين شروطه وعالمه الخاص ومتطلبات إنجازه المختلفة.


شاشة الناقد: جديد سبيلبرغ في قديمه

«يوم الإفصاح» (يونيفرسال)
«يوم الإفصاح» (يونيفرسال)
TT

شاشة الناقد: جديد سبيلبرغ في قديمه

«يوم الإفصاح» (يونيفرسال)
«يوم الإفصاح» (يونيفرسال)

Disclosure Day★★★

إخراج: ‪ستيفن سبيلبرغ‬

الولايات المتحدة

النوع: خيال علمي (2026)

عروض: تجارية حول العالم

سواء كانت هناك مخلوقات أخرى تعيش على كواكب قريبة أو بعيدة أم لا، فإن التأكيد على ما لم يُثبت بعد يُعدّ جنوحاً نحو تبنّي وجهة نظر في قضية لم يُحسم أمرها. فيلم ستيفن سبيلبرغ الجديد (الرابع والثلاثون)، «يوم الإفصاح»، يريد التأكيد على ما لا يزال غير مؤكد. وهذا يوجّه الفيلم نحو رسالة مختلفة عن تلك التي كان يمكن للناقد الدفاع عنها. بكلمات أخرى، لو أن كاتب السيناريو ديفيد كوب اكتفى باقتراح وجود حياة أخرى في الفضاء، لكان الفيلم أكثر قبولاً وربما أكثر متعة. ما يفرضه السيناريو هو أن الخيال حقيقة، ويطلب منا التعامل معه على هذا الأساس.

هذا أحد الفوارق المهمة بين هذا الفيلم والعديد من أفلام الخيال العلمي التي سبقته، بما فيها فيلم سبيلبرغ الآخر «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind). ففي ذلك الفيلم افترض وجود كائنات من عالم آخر؛ كائنات أكثر ثقافة، وأفضل علماً، وأرقى من بشر هذا الكوكب.

وإذ يستعيد سبيلبرغ فيلمه السابق (1977) هنا من زاوية وجود مخلوقات أخرى في أحد الكواكب البعيدة، فإنه يتوسع في فكرة أن الحكومة الأميركية ليست في وارد الاعتراف بوجود تلك الكائنات. وفي «يوم الإفصاح» يحتل هذا الموضوع مساحة واسعة.

هناك حكايتان متوازيتان في فيلمه الجديد. الأولى بطلها دانيال كلنر (جوش أوكونور)، الذي يكتشف أن الحكومة الأميركية، ممثلة بمنظمة تُدعى «ووردكس»، تخفي عن الأميركيين (والعالم أجمع) ما تعرف أنه موجود بالفعل. فالمخلوقات موجودة، وهذا ما يؤكده سبيلبرغ في بعض أحاديثه الأخيرة. وحين يكتشف دانيال هذه الحقيقة يقرر نشر الوثائق التي تؤكد وجود تلك الكائنات الساعية إلى التواصل مع سكان الأرض، مما يجعله عدواً لـ«ووردكس» التي تطلق رجالها لملاحقته، وقتله.

أما الحكاية الثانية، فتخص مقدمة النشرة الجوية مارغريت (إميلي بلنت)، التي تمتلك خصائص غير بشرية مخفية، ومنسية، إلى أن تفاجئ المشاهدين بتلعثمها أثناء تقديم تقريرها، فتبدأ في نطق كلمات غير مفهومة قبل أن تسقط أرضاً. وهذا تمهيد لما سيحدث معها لاحقاً. إذ سنجدها قادرة على قراءة ما يدور في أذهان الناس، واستباق ما سيقع بعد لحظات.

هناك علاقة غامضة بين دانيال ومارغريت لا يريد الفيلم كشفها إلا لاحقاً، بعد أن تدرك مارغريت أن دانيال هو محور ما سيقع إذا لم تسعفه بمعرفتها. يمر وقت طويل قبل أن يتم اللقاء بينهما، وعندها يبرز السؤال: ما السبب في تأجيل الإفصاح عن أسرار «يوم الإفصاح»؟

تلعب هذه العلاقة دوراً في إثارة بعض الغموض، لكن قدرة الفيلم على التواصل مع مشاهديه تبقى رهناً بالتنفيذ، لا بالطروحات الخلفية، ولا حتى بمستوى الألغاز الموزعة بين الأحداث. ويزيد الأمر سوءاً أن الفيلم يمضي في تأكيده أن ما يسرده لنا حقيقي، وليس خيالياً، وبذلك ينتزع منا حق اتخاذ الموقف المناسب، أو هكذا يأمل.

MOONGLOW ★★★

إخراج: إيزابيل ساندوفال الفلبين

النوع: تشويق جنائي (2026)

عروض: مهرجان روتردام

كل شيء في مكانه الصحيح لتقديم فيلم جاد متعدد الأهداف، والأبعاد، لولا التكلّف الشديد في الأجواء، ما يجعل علاقة الفيلم بمشاهديه مبنية على المظهر أكثر من اعتمادها على تفعيل عنصر التشويق، وهو أحد المقاصد الأساسية للمخرجة الفلبينية ساندوفال.

الفيلم نوار (film noir) معاصر، قريب الشبه أسلوبياً بأفلام السبعينات، والثمانينات، مثل Klute لآلان ج. باكولا، وChinatown لرومان بولانسكي، مع ملامح من فيلم In the Mood for Love لوونغ كار-واي، الذي لم يكن أقل اعتماداً على العتمة، والألوان الداكنة، والأجواء المشغولة بصرياً.

«وهج قمر» (مهرجان روتردام)

تدور الأحداث في مدينة مانيلا عام 1979، في أيام الديكتاتور فرديناند ماركوس. الفساد يعم كل شيء، وبطلته داليا (ساندوفال نفسها) محققة في الشرطة تقدم على سرقة كبيرة، وتخفيها. غايتها بناء ملجأ سكني لمن تضرروا من حريق كبير اندلع بتوجيهات حكومية. رئيسها برنال (دينيس ماراسيغان) يطلب منها التحقيق في السرقة من دون أن يعلم أنها هي من ارتكبتها.

الملاذ الوحيد أمام داليا هو إقناع شقيقتها المتدينة بإخفاء المال المسروق، وبذلك تُشركها في الجريمة. تنجح المخرجة في توظيف هذه الأزمة لإدانة المجتمع القائم، كما تلجأ إلى تفعيل مقارنة بين ما قبل عهد ماركوس وما بعده، وتلعب على النبرات في هذا السياق، إذ يتحول الحوار في ظل حكم ماركوس إلى همس تلقائي.

غير أن الفيلم يسقط أحياناً في منهج إعلامي، ويتعثر سردياً في انتقالات غير موفقة بين الأحداث.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
TT

مهرجان «فينيسيا» يؤسس لاستقطاب أفلام كبيرة

براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)
براد بت (يساراً) في «مغامرات كليف بوث» (بلان ب)

قد يبدو المشهد بالنسبة إلى مهرجانات السينما برَّاقاً. فما أجمل أن يكون هناك مهرجان كبير في كل دولة حول العالم، وأن يوجد أكثر من مهرجان يماثل «كان» و«برلين» و«فينيسيا» حجماً وأهمية. لكن ذلك مستحيل، ولسببين على الأقل: أولاً، لا تستطيع كل دولة إقامة مهرجان تقترب ميزانيته من ميزانيات تلك المهرجانات الكبرى. وثانياً، لا يوجد عدد كافٍ من الأفلام الكبيرة القادرة على تغذية جميع المهرجانات.

لذلك تتجه المهرجانات الأخرى المعروفة، مثل «روتردام»، و«سراييفو»، و«لندن»، و«كارلوفي فاري»، و«ثيسالونيكي»، و«لوكارنو» وغيرها، إلى التخصص في نوع معين من الأفلام أو في برامج محددة، أو إلى قبول أفلام أقل حظوة بالأضواء والحملات الدعائية المسبقة. يُضاف إلى ذلك أن استضافة الفنانين الكبار لمواكبة عروض أفلامهم تمثل تكلفة إضافية لا تستطيع بعض هذه المهرجانات تحمُّلها.

روني وكايت مارا في «باكينغ فاستارد» (هان واي فيلمز)

حظ أفضل

ليست المهرجانات الثلاثة الأكبر في العالم خالية من المشكلات، لكنها مشكلات مختلفة، يتقدمها التنافس على استقطاب الأفلام الجديدة للمخرجين الأكثر أهمية عالمياً. فمهرجانات «كان»، و«فينيسيا»، و«برلين» تتابع طوال العام أخبار المخرجين: من سيبدأ التصوير قريباً؟ ومن بدأه فعلاً؟ وهل سيكون الفيلم جاهزاً للمشاركة في المهرجان؟ وماذا عن هوليوود التي قلّلت خلال العامين الأخيرين من أهمية مهرجاني «كان» و«برلين» بالنسبة إليها؟ وهل سيقرر مخرج ما التوجه بفيلمه إلى مهرجان منافس؟

ثم ماذا عن الأزمات السياسية القائمة حول العالم، التي دفعت مهرجان «برلين» إلى تغيير إدارته قبل 3 سنوات، ثم هددت إدارته الجديدة بالتعرض للضغوط نفسها هذا العام؟

كل ذلك في وقت يقترب فيه موعد إطلاق الدورة المقبلة من مهرجان «فينيسيا» (الدورة 84) تحت إدارة ألبرتو باربيرا الذكية.

ومن حسن حظ هذا المهرجان الإيطالي أنه يأتي في مستهل موسم الجوائز السنوية. فالأفلام المشاركة فيه، سواء كانت أوروبية أو آسيوية أو أميركية، تحظى بفرصة أفضل للانتقال من «فينيسيا» إلى منصات الجوائز الكبرى، وتحديداً «الأوسكار» و«الغولدن غلوب».

لكن «فينيسيا» ليس وحيداً في هذا المجال؛ فهناك أيضاً منافسه الأول «كان». غير أن ما يمنح المهرجان الإيطالي أفضلية إضافية هو توقيته، إذ يُقام في الفترة التي يبلغ فيها السعي إلى دخول السباقات الأميركية ذروته، أي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من كل عام.

في العام الماضي انتقلت 3 أفلام رئيسية من جزيرة الليدو، حيث يقام المهرجان، إلى سباق الأوسكار، هي: «صوت هند رجب» و«فرنكستاين» و«بوغونيا». وفي عام 2024 تسللت أفلام «جوكر 2» و«ما زلت هنا» و«ذا بروتاليست» إلى السباق نفسه. وقد تكرر هذا النمط خلال السنوات الخمس السابقة أيضاً، بما يؤكد أهمية المهرجان، ليس بالنسبة إلى الجوائز الأميركية فحسب، بل لصنّاع الأفلام أساساً.

سام روكويل (اليمين) وجون مالكوفيتش في «وايلد هورس 9» (بلو برنت بيكتشرز)

استكمال لما سبق

لن يختلف الأمر كثيراً هذا العام، خصوصاً إذا نجح باربيرا في استقطاب الأفلام الكبيرة التي تلوح في الأفق، ومن بينها أفلام جديدة لديفيد فينشر وفيرنر هرتزوغ وناني موريتي وتوم فورد.

وكان فورد قد عرض فيلمه السابق «رجل أعزب» (A Single Man) في دورة عام 2009، لينطلق منه إلى ترشيحات 58 مؤسسة سينمائية ونقدية حول العالم، من بينها الأوسكار. أما فيلمه الجديد «صرخة إلى السماء» (Cry to Heaven)، فيختلف عن سابقه بكونه دراما تاريخية تدور حول مغني الأوبرا غويدو مافيو.

ومن بين الأفلام المنتظر عرضها في «فينيسيا» هذا العام فيلمان يمكن اعتبارهما امتداداً لفيلمين سابقين. أولهما «مغامرات كليف بوث» (The Adventures of Cliff Booth) لديفيد فينشر، وهو تكملة لفيلم «حدث ذات مرة في هوليوود» الذي أنجزه كوينتن تارانتينو عام 2019، وعُرض للمرة الأولى في مهرجان «كان». ويقود بطولة الفيلم الجديد براد بيت، فيما تتولى شركته «بلان بي» إنتاجه.

أما الفيلم الثاني فهو «حسابات مجتمعية» (Social Reckoning) لآرون سوركين. والطريف في الأمر أن هذا العمل يُعد استكمالاً لفيلم «الشبكة الاجتماعية» (The Social Network) الذي أخرجه ديفيد فينشر عام 2010.

«فينيسيا» بوابة مهمة نحو «الأوسكار» و«الغولدن غلوب»

خسارة وربح

هناك أفلام أخرى مهمة مرشحة لغزو المهرجان الإيطالي، من بينها «باكينغ فاستارد» (Bucking Fastard) لفيرنر هرتزوغ، وهو فيلم روائي غريب عن شقيقتين (روني مارا وكايت مارا) تحفران نفقاً عبر جبل للوصول إلى الجهة الأخرى منه، اعتقاداً منهما بأن هناك أرضاً جديدة يسود فيها الحب الحقيقي.

وكان هذا الفيلم في متناول مهرجان «كان»، لولا أن المخرج الألماني قرر سحبه بعدما اقترح عليه المدير الفني للمهرجان، تييري فريمو، عرضه خارج المسابقة الرسمية. رفض هرتزوغ الاقتراح، وما خسره «كان» تحوَّل إلى مكسب لـ«فينيسيا».

وفوز آخر لـ«فينيسيا» على «كان» يتمثل في فيلم المخرج الإيطالي ناني موريتي الجديد «قلب جائع» (Hungry Heart). فبعد أن عرض موريتي أفلامه التسعة الأخيرة في «كان»، آثر هذه المرة تخصيص فيلمه الجديد للمنافسة في المهرجان الإيطالي.

ومن بين الأفلام الأخرى التي يبدو أنها ستُعرض في الدورة المقبلة، التي تُقام بين 2 سبتمبر (أيلول) و12 منه، فيلم «وايلد هورس 9» (Wild Horse 9) لمارتن ماكدونا، وهو فيلم تشويق أميركي يشارك في بطولته جون مالكوفيتش وتوم وايت وسام روكويل.

كذلك يُنتظر عرض فيلم «هنا يأتي الطوفان» (Here Comes the Flood) للإسباني فرناندو ميريليس، من بطولة روبرت باتينسون ودنزل واشنطن، وهو فيلم يدور حول خطة معقدة لسرقة مصرف.

وتبدو هذه الأفلام مرشحة بقوة منذ الآن، علماً بأن المهرجان سيعلن برنامجه الرسمي في 23 من الشهر المقبل.