محمد عبده يلهب شتاء الرياض بأروع أغنياته

حفل جديد لـ«فنان العرب» يوم 5 ديسمبر ضمن «موسم الرياض 2025»

حضور جماهيري كبير شهدته الأمسية الغنائية في الرياض (الشرق الأوسط)
حضور جماهيري كبير شهدته الأمسية الغنائية في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

محمد عبده يلهب شتاء الرياض بأروع أغنياته

حضور جماهيري كبير شهدته الأمسية الغنائية في الرياض (الشرق الأوسط)
حضور جماهيري كبير شهدته الأمسية الغنائية في الرياض (الشرق الأوسط)

ألهب فنان العرب محمد عبده شتاء العاصمة الرياض في ليلة طربية ساحرة، امتدت حتى ساعات الصباح الأولى من يوم السبت، وسط حضور جماهيري كبير تجاوز 22 ألفاً من محبيه وعشّاقه من السعودية والوطن العربي. واكتظ المسرح الذي يحمل اسمه في المجمع الترفيهي «بوليفارد سيتي» في حي حطين بالرياض بالحضور، في حين تابع ملايين المشاهدين الحفل عبر نقله المباشر على قنوات فضائية ومنصات رقمية.

قدَّم نسخة استثنائية من «أنشودة المطر» (الشرق الأوسط)

وقدَّم محمد عبده لعشّاق الفن الأصيل أمسية استثنائية تُضاف إلى مسيرته العريقة الممتدة لأكثر من 5 عقود، مزج فيها بين الإحساس العالي وروعة الألحان وأدائه المميّز الذي أسر قلوب الملايين، وسط حضور متناغم مع الفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو السعودي هاني فرحات.

وقدّم أروع أعماله الغنائية وأجملها، من بينها أغنياتٍ لم يسبق أن أدّاها على المسرح، وسط تفاعل جماهيري كبير شهده الحفل الذي جاء ضمن فعاليات «موسم الرياض 2025»، أكبر وأشهر وجهة ترفيهية في المنطقة والعالم، وذلك بدعم وإشراف ومتابعة الهيئة العامة للترفيه في السعودية، وبالتنظيم من «مجموعة روتانا للموسيقى».

آه... ما أرق الرياض

جانب من حفل محمد عبده (الشرق الأوسط)

«ألف غصن من اليابس فزّ لأجلك وانثنى... اكسري الأوهام كاس... وإن عشقتِني أنا» كانت البداية، وأي بداية! لوحة إبداعية استهلّ بها محمد عبده الحفل بأغنية «وين أحب الليلة»، وسط تفاعل جماهيري كبير تحوّل فيه الجمهور إلى كورال يرافق الفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو السعودي هاني فرحات، مردّدين معه: «ما أبي من الناس ناس... ما علينا لو طربنا وانتشينا... آه... ما أرق الرياض تالي الليل... أنا لو أبي خذتها بيدها ومشينا».

وعبر حنجرة أثراها العمر فزادها دفئاً وعمقاً وطرباً، واصل الفنان محمد عبده تألّقه على المسرح بباقة من أجمل أعماله التي رافقت أجيالاً كاملة، إضافة إلى أحدث إنتاجاته الفنية. فقد تغنّى بـ«أنشودة المطر» مقدّماً إياها بأسلوب مبتكر واحترافية عالية، حين أطال في ترديد أبياتها مختزلاً سنوات طويلة من التجربة: «أتعلمين... أيّ حزن يبعث المطر... وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع».

محمد عبده والمايسترو السعودي هاني فرحات خلال وصلة غنائية في الحفل (هيئة الترفيه)

ومن ثَمَّ أتبعها بالأغنية التي طرحها مؤخراً: «وينها ذيك الليالي وين راحت ما درينا... يوم كان القلب خالي والهوى غضّ بإيدينا»، وهي أغنية تعكس مشاعر الحنين والاشتياق، من كلمات الأمير فيصل بن تركي بن ناصر، وألحان أحمد الهرمي.

وأبحر فنان العرب بجمهوره طرباً وحباً وشجناً خلال الحفل، معلناً دخول فصل الشتاء عبر رائعته «جمرة غضى»، تلتها «رماد المصابيح»، و«ما في داعي»، و«مرّ قلبي يوم... واسألي مرة عليه... منهو يجيه ويسأله».

طلب خاص

محمد عبده يحيي الجماهير الحاضرة في ختام حفلته الغنائية (هيئة الترفيه)

وخلال وصلته الأخيرة في الحفل، قدّم فنان العرب أغنية «موعد الأحباب» و«مذهلة.. ما هي بس قصة حُسن رغم أن الحُسن فيها بحد ذاته مشكلة». ثم كشف عن طلب تلقّاه من شخص عزيز عليه، وصفه بأنه «طلب خاص»، ليؤدي بعدها أغنية «الأماكن»، مستحضراً بصوته الشجي مشاعر الفقد والحنين، وسط تفاعل جماهيري كبير مع كلمات الأغنية التي ما زالت منذ عام 2005 راسخة في ذاكرة عشّاق «أبو نورة». والأغنية من كلمات منصور الشادي وألحان ناصر الصالح، وتقول: «الأماكن كلها مشتاقة لك... والعيون اللي انِرسم فيها خيالك... والحنين اللي سرى بروحي وجالك... ما هو بس أنا حبيبي... الأماكن كلها مشتاقة لك».

فنان العرب محمد عبده برفقة سالم الهندي الرئيس التنفيذي لمجموعة «روتانا للموسيقى» (روتانا)

ليواصل الفنان محمد عبده تألّقه على خشبة المسرح بأغنية «اختلفنا مين يحب الثاني أكثر... واتفقنا إنك أكثر وأنا أكثر»، قبل أن يختتم أمسيته الغنائية بـ«أبي منه الخبر» و«ما عاد بدري»، ليغادر المسرح بالحفاوة الجماهيرية ذاتها التي استُقبل بها.

وجاءت هذه الليلة الطربية الفريدة، التي امتدت لنحو 5 ساعات متواصلة على 3 فقرات تخللتها استراحتان قصيرتان، لتشهد مشاركة الفنان الشاب رامي عبد الله خلال الفقرة الأولى، في إطار دعم المواهب الشابة وتقديمها في كبرى المحافل والحفلات الغنائية. وقدّم رامي مجموعة من الأعمال التي سبق أن أدّاها فنان العرب، منها «آخر زيارة»، و«رسولي قوم»، و«علّ ما باس»، و«الله عليها عوّدت».

الفنان رامي عبد الله خلال مشاركته في الفقرة الأولى من حفل «فنان العرب» (الشرق الأوسط)

وكشف الفنان محمد عبده للإعلاميين، خلال فترة الاستراحة الثانية، عن شعوره بوعكة صحية داهمته أثناء الحفل، مشيراً إلى أنه كان بإمكانه الاعتذار، إلا أنه فضَّل مواصلة الغناء رغبة منه في إمتاع الجمهور والحاضرين والمشاهدين خلف الشاشات. وقدَّم نصيحة للفنانين الشباب بضرورة تقديم أعمال فنية مميزة تبقى إرثاً في مسيرتهم، لافتاً إلى أنّ لديه أعمالاً كثيرة ومتنوعة تحاكي التراث وتثريه.

وتحدّث أيضاً عن نجله «عبد الرحمن» وحبّه للمجال الفني، موضحاً أن شغفه بالموسيقى دفعه للدراسة في باريس حتى أصبح عازفاً ماهراً على البيانو، وله أعمال لحنية جيدة، مؤكّداً أنها ستحمل تأثيراً واضحاً في المستقبل.

الفنان محمد عبده هو أحد كبار المغنين والملحنين في الوطن العربي، واشتهر إلى جانب اسمه بكنيته «أبو نورة» ولقب «فنان العرب». وقد بدأ مسيرته الغنائية في بداية الستينات من القرن الماضي، لفت خلالها الأنظار بصوته العذب الشجي، وقدّم مجموعة كبيرة من الأغنيات الخالدة التي لاقت نجاحاً جماهيرياً واسعاً، إلى جانب تمتّعه بقدرة عالية ومميّزة على التلحين.

حضور جماهيري تجاوز الـ22 ألفاً من محبي الفنان محمد عبده (الشرق الأوسط)

حفل آخر في ديسمبر

وإثر الإقبال الكبير الذي شهده حفل فنان العرب، بعد نفاد التذاكر في وقت مبكر جداً من موعد الحفل، أعلن المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه في السعودية، عن تنظيم حفل جديد للفنان محمد عبده يوم الجمعة 5 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، وذلك عبر حسابه الشخصي على منصة «إكس»، حيث نشر بوستر الحفل وعلّق عليه قائلاً: «عشانكم».

ويُقام الحفل، الذي يأتي تحت عنوان «جلسة شعبيّات»، على مسرح «محمد عبده أرينا» في الرياض، بمشاركة الفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو السعودي هاني فرحات، في حين شهدت تذاكر الحفل عند طرحها عصر السبت إقبالاً جماهيرياً كبيراً.

ويأتي تنظيم الحفلات الغنائية ضمن سلسلة من الفعاليات الموسيقية الكبرى التي يقدّمها الموسم الترفيهي الأضخم إقليمياً وعالمياً «موسم الرياض 2025»، الذي بات إحدى أهم المنصّات الفنية في العالم.

ويستضيف موسم العام الحالي نخبة من ألمع نجوم الغناء في السعودية والعالم العربي، إلى جانب عروض تجمع بين الفن والموسيقى والترفيه، ما جعل من العاصمة الرياض وجهة رئيسية لعشاق الحفلات الضخمة من داخل السعودية وخارجها.


مقالات ذات صلة

«أكواريبيا» في القدية... وجهة مائية سعودية تعيد تعريف الترفيه بمعايير عالمية

سفر وسياحة جانب من المدخل الرئيسي لمنتزه أكواريبيا في القدية (تصوير: تركي العقيلي) p-circle 02:52

«أكواريبيا» في القدية... وجهة مائية سعودية تعيد تعريف الترفيه بمعايير عالمية

تستعد وجهة القدية لإطلاق منتزه «أكواريبيا» المائي بوصفه أحد المشاريع الترفيهية التي تراهن عليها السعودية من خلال تجربة تمزج بين الطابع المحلي والمعايير الدولية.

فاطمة القحطاني (الرياض)
يوميات الشرق يضم متنزه «أكواريبيا القدية» 22 لعبة وتجربة مائية مبتكرة (واس)

«أكواريبيا القدية» يستقبل زواره 23 أبريل

حدَّدت مدينة القدية (جنوب غربي الرياض)، الخميس 23 أبريل الحالي، موعداً للافتتاح الرسمي لثاني أصولها الترفيهية، متنزه «أكواريبيا» المائي الأكبر بالشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق شهد قطاع الترفيه في السعودية تنظيم 1690 فعالية بإجمالي 75 ألفاً و661 «يوم فعالية» خلال عام 2025 (موسم الرياض)

قطاع الترفيه السعودي يجذب 89 مليون زائر خلال 2025

جذب قطاع الترفيه في السعودية خلال عام 2025 أكثر من 89 مليون زائر؛ مما يعكس حجم الحراك والنمو الذي يشهده، ضمن منظومة تستهدف رفع جودة التجربة، وتعزيز الامتثال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق احتفالات وفعاليات ممتعة ضمن فعاليات العيد في «بوليفارد وورلد» (موسم الرياض)

العيد في السعودية: فعاليات متنوعة وعروض فنية تُغطي مختلف المناطق

عزَّزت «الهيئة العامة للترفيه» الأجواء الاحتفالية، من خلال باقة من الفعاليات والتجارب، مع الحرص على تحقيق الشمولية والتنوع خلال أيام العيد.

إبراهيم القرشي (جدة)

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)
جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)
TT

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)
جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)

في الماضي القريب، كانت أدوار الشرّ حكراً على مجموعة محدَّدة من الممثلين اللبنانيين، من بينهم علي دياب وجوزيف نانو وميشال ثابت؛ إذ كان حضورهم في أيّ عمل كفيلاً بالإشارة إلى حضور الشرّ بأشكاله المختلفة، ممّا رسّخ صورتهم في ذاكرة الجمهور.

اليوم، تغيَّرت هذه المعادلة، ولم يعد الشرّ مرتبطاً باسم ممثل بعينه، بل بات جزءاً من أدوار يؤدّيها ممثلون من خلفيات متنوّعة.

وفي هذا السياق، لفت الممثل ميشال حوراني الأنظار أخيراً من خلال تجسيده أدواراً شريرة، لا سيما في برنامج «عاطل عن الحرّية»، وفيه قدَّم شخصية «أنور» الذي يخطف امرأة لبنانية إلى بلد معادٍ لمدّة 23 عاماً.

وفي مسلسل «المحافظة 15» الرمضاني، عاد حوراني ليجسّد شخصية شريرة بأسلوب مختلف، قدَّمها بطبقات درامية متدرِّجة تقودها تصاعدياً نحو الشرّ، ممّا يدفع المشاهد إلى كرهها، وهي نتيجة يسعى إليها أي ممثل لإقناع الجمهور.

ويؤكد حوراني أنه لا يُحبّذ التصنيفات التي تحصر بعض الممثلين في أدوار الشر، موضحاً: «تقييد الممثل بشخصيات محدّدة يُضعفه ويقصّر عمره المهني، خصوصاً إذا كان يمتلك القدرة على أداء متنوِّع». ويضيف: «منذ بداياتي، حرصتُ على تنويع أدواري ورفضت تنميطها ضمن قالب واحد، فتنقّلتُ بين الرومانسي والثوري والشرير».

ميشال حوراني بدور مركّب في مسلسل «المحافظة 15» (بوستر الشخصية)

في «المحافظة 15»، يُجسّد حوراني شخصية «طلال»، زوج بطلة العمل كارين رزق الله، الذي يظهر في البداية رجلاً عاشقاً، قبل أن يكشف تدريجياً عن وجهه الآخر المليء بالحقد والرغبة في الانتقام. وعلى امتداد الحلقات، تتكشَّف طبقات الشخصية، ليتحوَّل من رجل حنون إلى شخصية مُظلمة تنسج المؤامرات.

ويشير إلى أنه يغوص في تفاصيل الشخصيات التي يؤدّيها، لافتاً إلى أنّ أدوار الشرّ تُشكّل تحدّياً خاصاً؛ لأنها غالباً ما تكون مُركّبة. ويقول: «عندما تأخذني الشخصية إلى مكان لا يُشبهني، أشعر بمتعة أكبر. اهتمامي بعلم النفس يساعدني على فهم دوافع الشخصيات، خصوصاً الشريرة».

ويرى حوراني أن على الممثّل تبنّي الشخصية من دون إصدار أحكام مُسبقة، حفاظاً على صدقيتها، مضيفاً: «أبني خلفية للشخصية وأبرّر تصرفاتها، ممّا يساعدني على التماهي معها».

ويصف شخصية «طلال» بأنها قريبة إلى قلبه بجميع تناقضاتها، مشيراً إلى أن حبّه لزوجته كان حقيقياً، لكن خيباته دفعته إلى الانتقام، مؤكداً: «أتعاطف مع كلّ شخصية أؤديها».

ويعترف بأن أدوار الشر سلاح ذو حدين؛ إذ قد تُثير ردود فعل سلبية، لكنه يعدُّ ذلك دليلاً على النجاح: «عندما يكرهني الناس، أدركُ أنني أقنعتهم».

ويتابع أنه تعمَّد تقديم الشخصية بشكل غير تقليدي، مركّزاً على أناقتها وجاذبيتها في البداية، قبل انحدارها نحو الشرّ، قائلاً: «لو بدا مؤذياً منذ البداية، لكانت الشخصية نمطية».

يرفض ميشال حوراني حصر الممثلين في أدوار نمطية (حسابه الشخصي)

وشكَّل «المحافظة 15» محطة جديدة في تعاونه مع كارين رزق الله ويورغو شلهوب، بعد نحو 10 سنوات على مسلسل «قلبي دقّ». ويقول: «شعرنا وكأننا افترقنا بالأمس، وهناك انسجام كبير ونضج فنّي انعكس على العمل».

وتدور أحداث المسلسل حول لبناني اختُطف وسُجِن نحو 30 عاماً، قبل أن يخرج بعد سقوط النظام، في قصة إنسانية مؤلمة. ويُعلّق حوراني: «هي حكاية تحمل جروحاً عميقة، والمشاركة فيها كانت تحية للمفقودين»، مضيفاً أنه يفضّل تناول هذه القضايا بعد مرور وقت كافٍ؛ لأنّ الدراما تحتاج إلى مسافة زمنية لقراءة أكثر نضجاً.

وختم بالتأكيد، بصفته مواطناً يعيش تداعيات الحرب في لبنان، أن ما يجري يؤلمه بشدة، قائلاً: «أنا من بلدة دير ميماس الجنوبية، ويوجعني ما يعانيه أهلي. على الفنان مسؤولية في التقريب بين الناس، لا تعميق الانقسام».


«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
TT

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث «غزة في القلب» الذي افتُتح، الخميس، في مركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية، بحضور عدد كبير من الكُتَّاب والفنانين المصريِّين والعرب، خصوصاً من فلسطين.

الجدارية الأولى، وهي عبارة عن 30 متراً متصلة، تشغل مساحة حائطين بمركز الهناجر، أما الجدارية الثانية فتصل مساحتها إلى 16 متراً وتضم 8 قطع، طول كل قطعة متران، وفق الفنان عبد الرازق عكاشة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «الجدارية الصغيرة تعبِّر عن يوميات منفصلة، كل لوحة تحكي عن حدث أو حالة معينة. هناك مشهد لشاب وشابة يتزوجان، وفي النشرة التالية وجدتهما قد استُشهدا، وهي لوحة مؤثرة جداً؛ لذلك اخترتها لغلاف كتاب المعرض».

«جدارية غزة» تضمنت مشاهد إنسانية (الشرق الأوسط)

ويضيف: «اللوحة الثانية مشهد لجنازة الشهيد التي تتكرَّر كل يوم، وفي هذه الجنازة هناك نور يخرج من داخل اللوحة، وهناك كثير من المشاهد التي تؤكد أنَّ غزة قضية إنسانية مهمة جداً في ضمير العالم اليوم».

أمام لوحة «على باب مستشفى المعمدان» وقف الروائي المصري الكبير إبراهيم عبد المجيد يتأمل العمل، وكتب معلقاً عليه: «هل تتذكر ما يوحي به اسم المعمدان، هو الملاك المُرسَل قبل المسيح ليمهِّد له الأرض، هو رمز الطهارة والنقاء، مهما نزل به من كوارث»، مضيفاً على صفحته بـ«فيسبوك»: «لوحة تجسِّد جلوس الحزانى، بألوان بين الأسود والأزرق والأحمر، والمزج بين الأزرق والأحمر في لون البنفسج، ونظرات الأعين الصغيرة البارزة وسط الظلام، مؤكدة الأمل».

الروائي إبراهيم عبد المجيد أمام لوحة «مستشفى المعمدان» (صفحته على «فيسبوك»)

وحول الدفقة الشعورية في الأعمال التي اتسمت بالتلقائية الشديدة والحرية والانطلاقة، يؤكد الفنان أنَّ هذه الأعمال جاءت متأثرة بشكل مباشر بالأحداث التي وقعت في غزة وتابعها بحزن شديد، موضحاً: «كنت أشاهد الأخبار المحزنة والمأساوية في غزة وأنا أرسم، ولا أستطيع منع دموعي من النزول على علب الألوان التي أعمل بها».

حالة من المشاعر المتدفقة التي ترصد مأساة غزة، وآثار الحرب، وقصص الناجين من هذه الحرب بطريقة فنية مفعمة بالشجن تُجسِّدها لوحات المعرض، التي تنتقل بين التفاصيل المختلفة للبيوت والوجوه، وحتى الصور الشخصية الخاصة بحياة البسطاء في غزة.

جانب من افتتاح المعرض (صفحة الفنان على «فيسبوك»)

ويلفت الفنان إلى أنَّ غزة بالنسبة له حالة إنسانية، مطالباً بتصحيح المفاهيم والخطاب الذي يُروِّجه البعض عن غزة بوصفها قضيةً لها علاقة بالدين، قائلاً: «أتعامل مع قضية غزة بوصفها قضيةً إنسانيةً، خصوصاً وأنا أوجِّه خطابي للغرب، فمنذ 1993 وأنا أعيش في فرنسا، وأكرس جزءاً كبيراً من أعمالي للتعبير عن القضية الفلسطينية».

جنازة الشهيد مشهد متكرِّر في غزة رصده الفنان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «غزة قطعة صغيرة من فلسطين العظيمة بما تمثله من عمق حضاري آشوري وكنعاني تشبه الحضارة المصرية العريقة بالضبط، ففلسطين أرض الحضارة ومهد للديانات، ولكنها أيضاً وطن للإنسانية. الحضور الإنساني في فلسطين هو الجانب الأهم الذي أحب التركيز عليه دوماً».

اللوحات حملت كثيراً من المعاني المُعبِّرة عن مأساة غزة (فيسبوك)

وأشار الفنان إلى ردود فعل كثيرة لمسها من زائرين أجانب من أميركا وفرنسا، وأفراد من البعثة الدبلوماسية اليابانية بمصر، عبَّروا له عن شعورهم بمعنى اللوحات، وما تمثله من تعبير عن مأساة مفجعة للإنسانية، مؤكداً أنَّ الفنَّ قادرٌ على توصيل المعنى والشعور الحقيقي لما حدث ويحدث في غزة، وما يعانيه أهلها من آلام وأوجاع، في مقابل ما تقدمه وسائل الإعلام بشكل غير حقيقي أحياناً.

وهنا يشير الفنان إلى إشكالية مهمة مفادها بأن «الفن ليس قوى ناعمة كما يقولون عنه، ولكنه قوى موازية قادرة على التعبير عن الواقع ورصده، مُحمَّلاً بالمشاعر والأحاسيس الصادقة».


مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
TT

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

أكّد المخرج السويسري مارسيل فايس أنّ فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج، عبر متابعة المعالجين والمرضى من مسافة آمنة، لكن صعوبة العثور على أشخاص مستعدّين للظهور في لحظات ضعف شديدة دفعته إلى إعادة صياغة الفكرة بالكامل.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ التحوّل الحقيقي جاء بالتوازي مع أزمة شخصية عميقة عاشها بعد وفاة شقيقه، حيث سيطر عليه خوف شديد من الموت وشعور مستمرّ بعدم الاستقرار النفسي، مؤكداً أنه بعد أكثر من 20 عاماً من العمل في الأفلام الوثائقية المليئة بمشاعر البوح، شعر أنّ الوقت حان ليضع نفسه في قلب التجربة.

يرصد فيلم «أفتح عقلي» رحلة شخصية عميقة يخوضها فايس بعد وفاة شقيقه، إذ يجد نفسه غارقاً في دائرة من الخوف والقلق، لا سيما الخوف من الموت، إلى جانب ضغوط متزايدة في حياته العائلية.

وتدفعه هذه الأزمة إلى البحث عن طرق غير تقليدية للعلاج، فيقرّر خوض تجربة العلاج باستخدام مواد مؤثّرة على الوعي في إطار علمي وروحي، ويوجّه الكاميرا نحو نفسه لتوثيق هذه الرحلة بكلّ ما تحمله من هشاشة وصدق.

مخرج الفيلم وبطله (الشركة المنتجة)

ويؤكد المخرج أنّ علاقته بفكرة الموت كانت في البداية قائمة على تصور قاسٍ ومجرَّد، وهو ما خلق لديه حالة من الهلع تكاد تشبه الاختناق، مشيراً إلى أنه أدرك لاحقاً أنّ هذا الخوف لم يكن نابعاً فقط من الفقد، بل من الصمت الذي أحاط بموضوع الموت داخل عائلته، حيث لم يكن يُناقش أو يُواجه بشكل مباشر.

وأوضح: «إحدى التجارب التي خضتها في مدينة بازل شكّلت لحظة مفصلية، إذ شعرت خلالها أنّ كلّ الحواس تتجمَّع في نقطة واحدة، في إحساس يُشبه ضوءاً أبيض كثيفاً. ورغم صعوبة وصفه بالكلمات، فإنه منحني شعوراً بالاكتمال والهدوء، وجعلني أنظر إلى الموت بصورة مختلفة».

وقال مارسيل فايس إن «العلاج باستخدام هذه المواد ليس تجربة سهلة أو خالية من المخاطر، إذ يتطلَّب تقييماً دقيقاً قبل الدخول فيه، خصوصاً فيما يتعلّق بالتاريخ النفسي للفرد، مثل وجود حالات ذهان أو فصام، سواء لدى الشخص نفسه أو في العائلة».

ولفت إلى أنّ «الخطّ الفاصل بين الشفاء والخطر يظلُّ هشاً للغاية، وهذه المواد لا تُقدّم حلولاً مباشرة، بل تفتح أبواباً، وما يُفتَح ليس دائماً مريحاً، فقد يكون مخيفاً ومربكاً»، مؤكداً أنّ العامل الحاسم يكمن في السياق، لجهة الإعداد المسبق، وطبيعة البيئة، والدعم المقدَّم، وما يحدث بعد التجربة من عملية استيعاب ودمج.

وأشار إلى أنّ شقيقه الراحل كان حاضراً في كلّ تفاصيل الفيلم، ليس فقط على شكل ذكرى، بل جزء من رؤيته للعالم، وفي مخاوفه وتساؤلاته، موضحاً أنّ هذه المواد كانت بالنسبة إليه مرتبطة بالفقد والدمار، خصوصاً بعد تجربته السابقة في تصوير فيلم عن إدمان شقيقه خلال دراستهما، وهو ما ترك أثراً عميقاً داخله.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح المخرج السويسري أنه واجه خلال رحلته لحظات شعر فيها بأنه قد يفقد السيطرة تماماً، خصوصاً خلال تجربة العلاج في الأمازون، إذ عَلِقَ في دائرة من الأفكار المتكرّرة التي لم يستطع الخروج منها، وهو ما بدأ بشكل عابر ثم تحوَّل إلى شعور بالتهديد والذعر، حتى راوده خوف حقيقي من ألا يعود كما كان، أو أن يفقد قدرته على رعاية أطفاله، لافتاً إلى أنّ التجربة الداخلية كانت شديدة القسوة.

وأكد أن استخدام الرسوم المتحرّكة في الفيلم جاء من الحاجة إلى التعبير عن حالات داخلية لا يمكن تصويرها بالكاميرا التقليدية، موضحاً أنه لم يكن يرغب في تصوير التجربة بشكل مباشر، بل في نقل الإحساس بها، ولذلك عمل مع فريق الرسوم على تحويل مشاعر مثل الخوف والقلق والتوتّر إلى أشكال بصرية محسوسة، بحيث يصبح ما هو غير مرئي قابلاً للإدراك.

وأشار إلى أن «الكاميرا كانت في بعض الأحيان عنصراً مزعجاً، خصوصاً في التجارب الأولى، حيث كنت أشعر بأنها تعوق اندماجي الكامل في التجربة، لكنها في مراحل لاحقة أصبحت أقل حضوراً، بل وأحياناً مصدراً للإحساس بالثبات».

وختم المخرج السويسري بالتأكيد أنه واجه تساؤلات أخلاقية عميقة خلال صناعة الفيلم، لا سيما بما يتعلق بحدود الكشف عن الحياة الشخصية، موضحاً أنه صوَّر كثيراً من المواد التي لم تُستخدم لاحقاً، مثل تلك المتعلّقة بأطفاله، في محاولة لإيجاد توازن بين الصدق والحماية.