«سناب شات» تؤسس مرافق مخصّصة لصنّاع المحتوى في السعودية

المدير الإقليمي للشركة قال إن مستخدميها هم الأقل تعرّضاً عالمياً لمواد مزيّفة أو مريبة

حسين فريجه (الشرق الأوسط)
حسين فريجه (الشرق الأوسط)
TT

«سناب شات» تؤسس مرافق مخصّصة لصنّاع المحتوى في السعودية

حسين فريجه (الشرق الأوسط)
حسين فريجه (الشرق الأوسط)

حرصت «سناب شات» منذ انطلاقها على أن تكون لديها رؤية واضحة بإنشاء تطبيق يعنى ويهتم بالعلاقات الاجتماعية قبل أي شيء

قال حسين فريجة، المدير العام لشركة «سناب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» إن تنامي مستخدمي تطبيق التواصل الاجتماعي «سناب شات» في منطقة الخليج يعود إلى أن الثقافة الخليجية تولي العائلة والمجتمع اهتماماً كبيراً، ذلك أن الفرد جزء من العائلة ودائرة الأصدقاء والمجتمع، وهذا يُعزز إحساسه بالارتباط والانتماء.

فريجة ذكر خلال حوار مع «الشرق الأوسط» أنه بحكم طبيعة منصة «سناب شات» وتصميمها الذي يركّز على بناء العلاقات الحقيقية، فإنها «تشكل امتداداً لهذا التواصل الاجتماعي ومكاناً يجتمع فيه مستخدمو المنصة التي أصبحت بمثابة مجلس رقمي تقريباً، لتعزيز تفاعلهم وتطوير علاقاتهم والاستمتاع بمنصة توفر لمستخدميها أجواء تجسد بشكل كبير حياتهم الواقعية وتعكس تفاصيلها».

شعار "سناب تشات" (رويترز)

عقد من الزمان

بيّن فريجة أن منصة «سناب شات» منذ انطلاقها حرصت على أن تكون لديها رؤية واضحة بإنشاء تطبيق يعنى ويهتم بالعلاقات الاجتماعية قبل أي شيء، وقال «بحكم ريادتنا في مجال تقنية الواقع المعزز، فقد حرصنا على أن يكون استخدام (سناب شات) يجعلنا أقرب وأكثر تواصلا مع العائلة والأصدقاء والمجتمع من حولنا. ولهذا السبب قدمنا طريقة جديدة ومرئية وسريعة للتواصل. وحقاً، أتاح (سناب شات) للمستخدمين الفرصة للتعبير بشكل عفوي وغير متكلف، ولهذا السبب ينطلق التطبيق دائماً بواجهة كاميرا جاهزة لتسجيل وتصوير تفاعلهم المباشر ووجهات نظرهم».

تصنيف المحتوى ورقابته

وحول تصنيف المحتوى ورقابته، أكد حسين فريجة أنه من أجل الحضور على منصة «سناب شات» يجب ألا يقل عمر المستخدم عن 13 سنة، وأردف «نحن لا نسوّق منصتنا لدى الأطفال بتاتاً، ولا يتوافر التطبيق في قسمي (الأطفال) أو (العائلة) في أي متجر تطبيقات. وفي المقابل يُصنف تطبيقنا للفئة العمرية 12 أو للمراهقين في متجري التطبيقات (أبل) و(أندرويد)...»... واستطرد شارحاً «تولي (سناب شات) الخصوصية والأمان أهمية قصوى، وهما محل اعتبار في جميع أعمالنا. وهذا الاهتمام يحظى بتقدير واسع من قبل جمهورنا في المنطقة. وفي هذا الإطار، أطلقنا أخيراً ميزة (مركز العائلة) في السعودية، بالتعاون مع (الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع) كي يتاح المجال أمام الآباء للاطلاع على حياة أبنائهم المراهقين على الإنترنت... ومعرفة من يتكلم معهم على (سناب شات)، من دون انتهاك خصوصيتهم وسلامتهم».

ثم أوضح: «يخضع محتوى الفيديو على منصتنا للإشراف المسبق، ويُبث وفق توجيهات معينة، إذ تختار المنصة العروض التي يصار إلى تشغيلها في خاصية (القصص)، ما يوفر لمجتمعنا معلومات آمنة وموثوقة ودقيقة من شركاء مختارين. وهنا نشير إلى أنه لا توجد لدينا واجهة عرض أخبار أو محتوى مفتوحة تُوصي بمحتوى غير مرغوب فيه أو مثير أو ضار، بينما تتوافر إرشادات جديدة متعلقة بالمحتوى والأهلية من (سناب شات)، كلها تهدف إلى جعل المنصة مكاناً أفضل وأكثر أماناً لمستخدميها».

 

المعلومات الكاذبة والحد من الشائعات

وحول التحكم في نشر المعلومات الكاذبة والحد من الشائعات، قال فريجة: «نبذل في (سناب شات) مجهوداً كبيراً في هذا الشأن، إذ نطوّر باستمرار خوارزميات الرصد للمحتوى قبل نشره على خاصية (سبوت لايت Spotlight)»، لافتا إلى أنه فيما يخصّ البرامج على «ديسكوفر Discover» فإنه يُراجَع بشرياً ورقمياً قبل اعتماده ونشره، الأمر الذي يسهم في الحد من المعلومات المضللة... وعلى فكرة، تحتل منصة «سناب شات» المرتبة الدنيا عالمياً لجهة تعرض مستخدميها لمحتوى مزيف أو مريب.

القيمة الإضافية

من ناحية أخرى، شدد المدير العام لـ«سناب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» على أن الشركة «تؤمن بأهمية الكاميرا ودورها في الارتقاء بأسلوب حياة الناس وطرق تواصلهم»، وتابع «هذا ما نقوم به من خلال مساعدتهم على التعبير عن أنفسهم والاستمتاع بكل لحظة في حياتهم واكتشاف العالم من حولهم، إذ تعمل (سناب شات) على بناء علاقات حقيقية وتسليط الضوء على اللحظات الممتعة التي نعيشها في عالمنا الواقعي، بدلاً من إبعاد الناس عنها».

ثم لفت إلى أن المنصة توفّر «طريقة سلسة وصادقة للتواصل مع الأصدقاء والعائلة بشكل بسيط وعفوي ومن دون تكلّف. وهذا هو السبب وراء اكتسابها هذه الشهرة الواسعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحول العالم، إذ جرى تصنيفها كأفضل منصة في السعودية، بعدما وصلت نسبة مستخدميها في المملكة إلى 90 في المائة من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و34 سنة». وما يستحق الإشارة أيضاً أن عدد المستخدمين النشطين على الصعيد الدولي يومياً وصل إلى 397 مليون في الربع الثاني من عام 2023، بزيادة قدرها 50 مليونا أو 14 في المائة على أساس سنوي.

 

مصادر الدخل

وحول مصادر الدخل الرئيسية لمنصة «سناب تشات» حالياً -في الوقت الذي أظهرت فيه النتائج المالية الأخيرة أن الإيرادات غير كافية لتغطية التكاليف، ما أدى إلى زيادة الضغط على المنصة-، قال فريجة «تنظر الشركات والعلامات التجارية إلى (سناب شات) أنها منصة زاخرة بالفرص ومكان لنسج علاقات حقيقية تستطيع من خلالها تحقيق نتائج إيجابية لأعمالها... وتشير تجاربنا إلى أن الشركاء يطمحون إلى إيجاد أماكن تتعزّز فيها المشاركة الإيجابية والسعيدة والآمنة للعلامة التجارية، والقصد أماكن يكون فيها الجمهور متقبلاً ومتفاعلاً».

وأضاف «نحن في (سناب شات) نعطي هذه القيم أولويتنا، وتُعد جزءاً أساسياً من مبدأ عمل منصتنا، وتنسجم مع الفرص القيّمة المُتاحة للوصول إلى جمهور محلي واسع». ثم لفت إلى أنهم يسعون دائماً للاستثمار في أدوات قياس ورصد البيانات، وسواءً أطلقت العلامات التجارية إعلانات فيديو، أو حملة قائمة على الواقع المعزز، أو كلتيهما، فإنها ستحقق على «سناب تشات» نتائج مثمرة تنسجم وأهدافها في زيادة المبيعات أو بناء علامتها التجارية. وزاد «تُدرك شركة (سناب) أهمية الإعلان كمصدر رئيسي للإيرادات، إلا أننا نعمل أيضاً على ابتكار نماذج جديدة لتوليد عائدات تحقق قيمة إضافية لشركائنا ومجتمعنا... وفي مثال آخر على تنويع مصادر الإيرادات، أطلقت الشركة خدمة الاشتراك في (سناب شات بلس)، التي تقدم خصائص حصرية وتجريبية ومزايا ما قبل الإصدار إلى أكثر من 4 ملايين مشترك في الربع الثاني من عام 2023، بعد عام واحد فقط من إطلاقها».

 

«الواقع المعزّز»

وحول تقنية «الواقع المعزّز»، شدد فريجة على أن «التقنية بدأت كأداة مسلّية وممتعة للتعبير عن الذات، غير أن تكنولوجيا اليوم يجري استثمارها على نحو فاعل لتعود بالنفع على حياة الناس... وشركاؤنا من العلامات التجارية يدركون أهمية الاستثمار في هذا المجال نظراً لما يزخر به من فرص». وأضاف «على سبيل المثال، لدى 80 في المائة من المستهلكين في كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة رغبة وتوقع باستخدام الواقع المعزز (كأداة) عملية في حياتهم اليومية، كذلك وجدنا أن تفاعل المستهلك مع منتجات لديها تجارب مع الواقع المعزز يؤدي إلى معدل تحويل أعلى (من زوار إلى مشترين) بنسبة 94 في المائة».

ثم واصل «كذلك أبدى ما يزيد على 80 في المائة من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع اهتمامهم باستخدام (الواقع المعزّز) للتفاعل مع أحد المنتجات قبل شرائه. ونجحت الكثير من الشركات العالمية والمحلية على اختلاف فئاتها في زيادة مبيعاتها وتعزيز مشاركتها من خلال معارض (الواقع المعزز) وتجريب المنتجات افتراضياً وتجارب أخرى قائمة على هذه التقنية».

 

«استوديو صناع المحتوى» في المملكة العربية السعودية

المدير العام لـ«سناب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» ذكر، من جهة ثانية، أن السعودية ستصبح المحطة الأولى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تفتتح استوديو تابعا للشركة لصناع المحتوى، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تجسّد التزامهم بخدمة مجتمعات «سناب» الأكثر مشاركةً وتفاعلاً في عدد من كبرى أسواق الشركة في العالم. وأردف «اليوم صار لتقنياتنا ومنتجاتنا وخدماتنا دور تطويري فاعل في كيفية تعامل الناس في المملكة مع العالم من حولهم، سواءً عبر الإنترنت أو في العالم المادي المحسوس، الأمر الذي أسهم في ازدهار مجتمع مبدعي المحتوى في البلاد، وأثرى منصة (سناب شات) بتجارب جديدة. وسيعمل (استوديو صُناع المحتوى) الجديد لدينا على دعم منظومة صنّاع المحتوى المتنامية في المملكة وتمكينهم من خدمة المجتمع على نحو أفضل».

وتابع «سيسمح لنا (استوديو صُناع المحتوى المعزز) تقديم الدعم للجيل القادم من المبدعين والارتقاء بثقافتهم وتحفيزهم على استخدام إمكانيات كاميرا (سناب) عبر قطاعات متنوعة مثل الفنون، والتعليم، والإعلام، والثقافة».

واختتم «نحن على ثقة بأن (استوديو صُناع المحتوى) سيعود بالنفع الكبير على مجتمع (سناب شات) بأكمله في السعودية، بدءاً من مُبدعي (الواقع المعزز) إلى (نجوم سناب) وشركاء الإعلام المحليين وكذلك جميع مستخدمي المنصة. وسيسهم الاستوديو أيضاً في تنمية الاقتصاد الرقمي في السعودية اتساقا مع (رؤية 2030)...».

 


مقالات ذات صلة

السيسي وبن زايد يؤكدان أهمية الحفاظ على أمن الدول العربية

شمال افريقيا الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقاء نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بالقاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

السيسي وبن زايد يؤكدان أهمية الحفاظ على أمن الدول العربية

توافق الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على «أهمية مواصلة تنسيق المواقف العربية للحفاظ على أمن ومصالح الدول العربية».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
الخليج جاسم البديوي أمين عام مجلس التعاون الخليجي (الشرق الأوسط)

«التعاون الخليجي» يدين الادعاءات الإعلامية ضد الإمارات وقطر

أعرب مجلس التعاون الخليجي عن إدانته واستنكاره لـ«الادعاءات الإعلامية المغرضة التي تستهدف الإمارات وقطر، وتسعى للتشكيك في مواقفهما ودورهما في دعم الأمن الاقليمي»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج العاصمة الإماراتية أبوظبي (وام)

الإمارات تنفي «بشكل قاطع» مزاعم بشأن نقل أموال إلى إيران

نفت الإمارات العربية المتحدة «بشكل قاطع» ما ورد في تقارير إعلامية بشأن نقل أو تحويل أي مبالغ مالية من دولة الإمارات إلى إيران.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً في قصر الإليزيه في باريس... 9 يونيو 2026 (رويترز)

ماكرون يدعو قادة 4 دول عربية إلى قمة مجموعة السبع

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، أن قادة كل من مصر والسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة سيشاركون، الثلاثاء، في إحدى جلسات قمة مجموعة السبع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الخليج  أعلن الجيش الكويتي تصدي منظومات الدفاع الجوي لأهداف جوية معادية (كونا)

تضامن إقليمي ودولي واسع ضد الاعتداءات الإيرانية

توالت الإدانات الإقليمية والدولية، الأربعاء، للاعتداءات الإيرانية على البحرين والكويت والأردن، وأكدت دول خليجية وعربية وغربية تضامنها الكامل مع الدول الثلاث.

«الشرق الأوسط» (الرياض )

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
TT

مالك مكتبي: سأكمل مشواري تحت شعار «عش أفضل وفكّر أكبر»

شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)
شعاره "عش أفضل وفكّر أكبر" العنوان الرئيس الذي يتبعه في طريقه المهني (مالك مكتبي)

منذ بداياته، اختار الإعلامي اللبناني مالك مكتبي خطاً مهنياً مختلفاً، فغاص في القضايا الاجتماعية والإنسانية حتى العمق. وحاور الكبار، والصغار، وكشف من خلال لقاءاته قصصاً تختلط فيها الأفراح بالآلام.

مالك اشتهر ببرنامجه التلفزيوني «أحمر بالخط العريض» على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (LBCI)، حيث خاض رحلات إنسانية بحثاً عن الحقيقة. وسعى إلى سبر أغوار ضيوفه، وفهم خبايا تجاربهم، كما لعب في محطات كثيرة دوراً في لمّ شمل عائلات فرّقتها الظروف، مقدّماً نموذجاً للإعلام الهادف والرصين الذي يضع الإنسان في مقدمة اهتماماته.

منذ سنوات عدة، وجد مالك مكتبي نفسه، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، عند مفترق طرق. فالإعلام المرئي بات يواجه تحدّيات كبيرة في ظل انتشار واسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وشعر بأن عليه مواكبة عصر مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفه قبل عقدين.

من هنا انطلق في رحلة جديدة عبر منصّته الرقمية، فأطلق بودكاست «إحكي مالك»، والذي تحوّل إلى سلسلة حوارات يستضيف فيها شخصيّات عربية تروي قصص نجاحها، وتجاربها الحياتية. ثم تفرّعت منه عناوين أخرى، من بينها «احكي قصتي»، لتوسّع دائرة المحتوى الذي يقدّمه.

وأخيراً حقق نجاحاً لافتاً انعكس في عدد متابعيه الذين تجاوزوا 25 مليون شخصٍ عبر حساباته الإلكترونية المختلفة. فمنذ مطلع عام 2026 يقدّم سلسلة «إحكي طب» التي يستضيف فيها نخبة من الأطباء اللبنانيين، والعرب، متناولاً أحدث المقاربات الطبية، وأساليب العلاج، والوقاية. ومن خلال منشوراته على «إنستغرام» و«فيسبوك» -وغيرهما من المنصات- يبدو واضحاً مدى تأثره بالمحتوى الذي يقدّمه في هذه الحلقات. حتى إن متابعيه أطلقوا عليه لقب «دكتور مالك»، نظراً إلى إلمامه الواسع بالمواضيع الصحية، وقدرته على تبسيطها، ونقلها إلى الجمهور بأسلوب سلس، ومفهوم.

البودكاست ظاهرة إيجابية

يعدّ مالك مكتبي البودكاست ظاهرة إيجابية «لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد، بدلاً من الانغماس في أمور قد تقوده إلى مسارات غير بناءة».

ويضيف في لقاء مع «الشرق الأوسط» قائلاً: «بعد سنوات طويلة من العمل وجدت نفسي أقف عند مفترق طرق. كنت أبحث عمّا أستكمل به مسيرتي بالشكل الذي يليق بها، فرأيت في البودكاست فرصة تعيد نبض الشغف المهني إلى حياتي. أنا اعتبرته وسيلة فعالة لإيصال محتوى مفيد إلى الناس. وكان لا بد من إيجاد فكرة بسيطة وعملية يستوعبها الجمهور بسهولة، لأن التحدّي الأكبر بالنسبة إليّ يكمن في قدرة المستمع أو المشاهد على استيعاب ما أقدّمه له».

يشير مالك مكتبي إلى أن فكرة التوجّه نحو المحتوى الطبي والعلمي راودته منذ سنوات. ويشرح: «كنت أتابع برامج تتناول هذه المواضيع، لكنها لم تقنعني يوماً، لأنها لم تترك أثراً حقيقياً لديّ، وغالباً ما كان محتواها سطحياً. لذا ترددت في خوض هذا المجال. لكنني بعد اطلاعي على عدد كبير من الدراسات العلمية اكتشفت أن الكثير من المعلومات المهمة لا تصل إلى الجمهور العربي. وعندها سألت نفسي: لماذا لا تصل إلينا نتائج الأبحاث الصادرة عن جامعات عالمية مرموقة، مثل هارفارد وغيرها؟ عندها أدخلت خبرتي الإعلامية على الخط، وقرّرت أن أتحمّل مسؤولية نقل هذه المعرفة، وأكون بمثابة جسر تواصل بين هذه الدراسات وعالمنا العربي».

يتابع مكتبي اليوم نحو 25 مليون شخص عبر منصاته الرقمية (مالك مكتبي)

قصص الحياة هي هدفي

وعندما سألت «الشرق الأوسط» مكتبي عما إذا كان الإعلام هو الذي قاده إلى هذا المكان أم أنه يسعى إلى أخذ الإعلام نحو وجهة جديدة؟»، أجاب: «طوال سنوات عملي كان هدفي الاستماع إلى قصص الناس، والمساهمة في إلهامهم، وإضاءة جوانب من حياتهم، ثم أنقل هذه القصص بأسلوبي الإعلامي لتترك أثراً في الآخرين. ففي النهاية نحن في الوطن العربي نتشابه أكثر مما نختلف. ولا يوجد ما هو أثمن من الصحة وجودة الحياة كهدف نسعى إليه جميعاً. من هنا جاء المحتوى الطبي ليجمع الناس تحت سقف واحد».

النجاح الإعلامي لا يأتي من الفراغ

افتتح مالك مكتبي حلقات «إحكي طب» مع الدكتور حسين درويش، الطبيب المتخصص بجراحة الأعصاب، وتطرّق في الحوار إلى مواضيع دقيقة تتعلق بصحة الدماغ. وهنا يعلّق مكتبي شارحاً: «بالفعل هذه الحلقة الافتتاحية حققت نجاحاً لافتاً، ما منحني دافعاً قوياً للاستمرار في مشروعي. لكن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلّب جهداً كبيراً، وعمل فريق متكامل. فإعداد حلقة واحدة يستغرق مني نحو ست ساعات. وأيضاً يدرك الأطباء اليوم أن الكثير مما كانوا يحاولون إيصاله لم يكن يصل بالشكل الصحيح، بسبب غياب الإعداد المناسب لطرح هذه المواضيع».

ويتابع أنه بعد حلقة الدكتور درويش توالت الحلقات مع أطباء متخصّصين في مجالات متعددة، بينهم أطباء قلب، وسموم إكلينيكية، وطب الأسرة، وخبراء في الطب التكاملي، والوظيفي. وحسب قوله: «تمكّن البرنامج من كسر العديد من المحرّمات الطبية، وكشف ما وصفه باللغة السرّية لأجسادنا، بما يساهم في تقليل المعاناة مع الأمراض، والحدّ من مخاطرها. كما تناول مواضيع مثل القلق، وإمكانية النوم خلال دقائق معدودة، ليحقق ما نسمّيه (ضربة المعلم) في تبسيط العلوم الطبية، وتقديمها بأسلوب جذاب، وسهل».

المثابرة مفتاح النجاح

من ناحية ثانية يذكر مكتبي أنه انسحب تدريجياً من الشاشة التقليدية، بحثاً عن محتوىً عربي يصل إلى جمهور أوسع في المنطقة، وبعيداً عن القيود المحلية. ويستطرد: «كنت أريد أن يصل صوتي إلى الجميع من دون استثناء»، قبل أن يعترف بأنه مرّ بفترات من الإحباط، والانكسار، وصلت حدّ فقدان الأمل.

ومن ثم يقول: «طرحت على نفسي علامات استفهام كثيرة، لكن الشغف لم يتوقّف. مهنتي علمتني رفض الاستسلام، فانطلقت في حوارات خارج لبنان، وبالأخص في المملكة العربية السعودية، ودول الخليج. صحيح أنني اقتربت من الاستسلام، لكنني انتفضت عليه بفضل الشغف، لأن المثابرة هي مفتاح النجاح».

هذا، وخلال حواراته مع الأطباء اكتشف مكتبي تفاصيل حياتية صغيرة قد تضرّ بالإنسان، أو تحسّن صحته بشكل كبير. إذ ينبّه: «هناك خمس مناطق تعرف بـ(الزرقاء) في العالم يتمتع سكانها بنمط حياة صحي مميّز. وبعد البحث في أسباب ذلك تبيّن أن الرابط الأساسي بينهم هو علاقتهم الوثيقة مع الطبيعة. لهذا أفكر جدّياً بالانتقال إلى إحدى هذه المناطق لأخوض تجربة العيش فيها. وربما تكون جزيرة إيكاريا في اليونان الأقرب جغرافياً إليّ، حيث يُلاحظ ارتفاع نسبة المعمّرين هناك».

نمط الحياة الصحي هذا يُعزى إلى النظام الغذائي المتوسطي الغني بالخضار، والأعشاب البرّية، والأسماك الطازجة، وزيت الزيتون، إضافة إلى النشاط البدني المستمر، والهدوء النفسي. ومن ثم يؤكد مكتبي على أهمية الرياضة، مشيراً إلى أن بناء العضلات لا يقل أهمية عن صحة أي عضو آخر في الجسم. ويلفت إلى أن الوحدة قد توازي ضرر تدخين 15 سيجارة، وحتى الجينات تتأثر بنمط الحياة، والغذاء. ولذا يشدّد على أهمية التنفس السليم في التخلص من التوتر، وضرورة الابتعاد عن السكر، لما له من تأثير سلبي على جودة الحياة، والصحة.

وعمّا إذا كان برنامجه «إحكي طب» ينبع من خوفه من التقدم في العمر، جاء رده: «لا أخاف التقدم في السن، لكن أمراض الشيخوخة تثير قلقي. لذلك أبحث عن نمط حياة يحميني من أمراض مثل ألزهايمر. لست مثالياً في أسلوب حياتي، لكنني أحاول تغيير الكثير من العادات، خصوصاً السلبية منها».

عش أفضل وفكّر أكبر

وبالفعل يتّخذ مكتبي شعاراً ثابتاً في حياته ينطلق منه في مشاريعه الإعلامية، والإنسانية: «عش أفضل وفكّر أكبر». ويضيف: «سأواصل طريقي بهذا الشعار حتى إشعار آخر، لأن ما أحارب من أجله يستحق هذا النوع من التفكير. أخطط لمشاريع إنسانية جديدة ترتكز على قصص حياة غير مألوفة، وأعتقد أن القصة المقبلة ستكون من أجمل ما التقيته في مسيرتي».

مكتبي: البودكاست ظاهرة إيجابية لأنه يوفّر للجيل الشاب مساحة للانشغال بمحتوى مفيد


مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي
TT

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

مخاوف على «الخصوصية» بعد تحديث «ميتا» خدمة الذكاء الاصطناعي

جدد إعلان شركة «ميتا» عن تحديث جديد لخدمة الذكاء الاصطناعي المخاوف بشأن «خصوصية بيانات المستخدمين». ودعا خبراء إلى «ضرورة استخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية».

شركة «ميتا» أعلنت الأسبوع الماضي عن تحديث جديد يستهدف «جعل توصيات ظهور المحتوى للمستخدم في منصاتها، وردود الذكاء الاصطناعي أكثر ارتباطاً بنشاطات المستخدم واهتماماته عبر دمج البيانات التي تجمعها من شركائها الإعلانيين ضمن خوارزمياتها».

وأوضحت الشركة في بيان نشرته على موقعها، أنها «تعمل على تحديث الطريقة التي تستخدم بها المعلومات التي تشاركها بالفعل شركات أخرى». وتابعت أنها «تستخدم هذه البيانات حالياً، التي تتعلق بالألعاب التي يلعبها المستخدم أو المشتريات التي يشتريها، لربط الإعلانات التي يراها المستخدم باهتماماته، لكنها ستعمل في المستقبل على استخدام هذه المعلومات لتطوير المحتوى الذي يظهر للمستخدم على الصفحة الرئيسية وردود الذكاء الاصطناعي».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، رأت ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، هذا التحديث «جزءاً من استراتيجية (ميتا) لتعزيز تخصيص منصاتها وتحسين أداء أنظمة الإعلان والذكاء الاصطناعي». وأوضحت أنه «من خلال ربط الأنشطة على مواقع وتطبيقات خارجية بالسلوكيات الملاحظة على «فيسبوك» و«إنستغرام» مثلاً تحصل الشركة على صورة أشمل بكثير لاهتمامات كل مستخدم وعاداته ومسح كامل له، وتتيح هذه البيانات الوفيرة تقديم توصيات محتوى وإعلانات وأدوات ذكاء اصطناعي أكثر دقة.

إلا أن دومة أشارت أيضاً إلى أن «هذا التطور يثير مخاوف جدية بشأن الخصوصية... لأن عديداً من المستخدمين لا يدركون أن زياراتهم مواقع معينة، أو عمليات البحث التي يجرونها -بل حتى بعض عمليات الشراء- يمكن إرسالها إلى (ميتا) عبر أدوات التتبع مثل (ميتا بيكسل)، وهو عبارة عن متتبع لكل خطوات الإنسان».

وأضافت أنه «رغم أن (ميتا) تدّعي أنها لا تجمع فئات جديدة من البيانات وتُتيح إعدادات للتحكم؛ فإن تجميع هذه المعلومات يسمح بإنشاء ملفات تعريف رقمية مفصلة للغاية، وتحديد بروفايل خاص بكل شخص مهما كان سنه أو جنسه».

وتابعت الباحثة الجزائرية القول: «في عصر الذكاء الاصطناعي، يجب على المستخدمين تبني نهج استباقي لحماية بياناتهم تحديداً، يمكّنهم من مراجعة إعدادات خصوصية حساباتهم، والحد من الأنشطة المشاركة مع (ميتا)، وتعطيل خيار الأنشطة غير التابعة للشركة، ومراجعة أذونات التطبيقات، واستخدام أدوات تصفح تركز على الخصوصية». وأردفت أنه «من الضروري أيضاً قراءة إعدادات الموافقة بدلاً من قبول الخيارات المقترحة تلقائياً... إذ إن هذا التحديث يشكل تحدياً رئيسياً في العصر الحالي؛ يتمثل في إيجاد توازن بين مزايا التخصيص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي من جهة، واحترام الحق الأساسي في الخصوصية». وتابعت: «كلما ازدادت الأنظمة ذكاءً ازدادت أهمية مسألة التحكم في البيانات الشخصية في النقاش العام».

وفق بيان «ميتا»، سيصار إلى جمع البيانات من شركائها في الإعلانات لـ«المساعدة على تخصيص المحتوى الإعلاني، بما في ذلك المعلومات التي تمرَّر عبر كود (ميتا بيكسل) الخاص بالمواقع الإلكترونية، والذي يشارك بيانات نشاط زوار المواقع». وذكرت «ميتا» أن «التحديث يستهدف عرض إعلانات أكثر ملاءمة استناداً إلى سلوك المستخدم خارج منصاتها».

الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، عدّ تحديث «ميتا» الجديد بمنزلة «خطوة استراتيجية تتجاوز الإعلانات التقليدية إلى بناء ما يمكن تسميته ملفاً سلوكياً شاملاً للمستخدم، وهو ما يتماشى مع سياسات الذكاء الاصطناعي».

وقال فتحي لـ«الشرق الأوسط»، إن «(ميتا) كانت تعتمد على ما يفعله المستخدم داخل منصاتها، أما الآن فهي تريد الاستفادة أيضاً من البيانات التي تصل إليها من مواقع وتطبيقات وشركات أخرى متعاونة معها، مثل عمليات الشراء والزيارات الإلكترونية واستخدام التطبيقات المختلفة، من أجل تخصيص المحتوى وليس الإعلانات فقط، بهدف تحسين خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وزيادة مدة بقاء المستخدم داخل المنصات».

وأشار إلى أن «التحديث يأتي في إطار تعويض تراجع ملفات تعريف الارتباط بعد تشديد قوانين الخصوصية، وقيود (أبل) و(غوغل) على التتبع، مما جعل الشركات بحاجة إلى طرق جديدة لفهم المستخدمين».

وحسب فتحي فإن «البيانات أصبحت المحرك الرئيسي للذكاء الاصطناعي، والمستخدم يدفع ثمن الخدمات المجانية ببياناته الشخصية وسلوكه الرقمي، وهو ما يعرِّضه لانتهاك الخصوصية حسب حرية كل شخص وما يريد تصديره للعالم».

وشدد من ثم على «ضرورة مراجعة إعدادات النشاط خارج (ميتا)، ومراجعة الجهات التي تشارك بيانات النشاط، ومسح النشاط السابق، وتقليل التخصيص الإعلاني واستخدام متصفحات أكثر حماية للخصوصية، مثل حظر ملفات التتبع الخارجية وملفات تعريف الارتباط من الطرف الثالث، مع مراجعة أذونات التطبيقات بانتظام، والتفكير قبل مشاركة البيانات مع أدوات الذكاء الاصطناعي».

وأكد فتحي أخيراً أن «أي معلومات يجري إدخالها في مساعدات الذكاء الاصطناعي قد تُستخدم لتحسين النماذج أو تخصيص الخدمات مستقبلاً وفق السياسات المعمول بها، لذلك يجب تطبيق مبدأ الحد الأدنى من البيانات بحيث لا تُشارَك إلا المعلومات الضرورية فقط، لأن البيانات التي لا تُجمع أساساً لا يمكن إساءة استخدامها مستقبلاً».


«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
TT

«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)

في أحدث فصل من التوتر المتصاعد بين وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ووسائل الإعلام، قرّر «البنتاغون» منع الصحافيين من دخول مكتبه الصحافي، بعد إعادة تصنيفه مساحةً سرّية أو منشأة معلومات حساسة.

القرار، الذي جاء في ظل قيادة الوزير بيت هيغسيث، وتنفيذاً للنهج الإعلامي الأوسع لإدارة الرئيس دونالد ترمب، لا يبدو إجراءً إدارياً معزولاً، بل هو حلقة إضافية في سلسلة قيود بدأت منذ عام 2025، وشملت فرض مرافقين على الصحافيين داخل مبنى البنتاغون، وتقييد حركتهم. ثم الدخول في معارك قضائية مع صحف وجهات إعلامية أخرى مثل صحيفة الـ«نيويورك تايمز» ووكالة الـ«أسوشييتد برس» للأنباء.

الوزارة تقول إن الإجراء مرتبط بحماية المعلومات «المصنّفة» (أي السرّية وشبه السرّة)، خصوصاً بعد نقل كتّاب خطابات يتعاملون مع مواد سرّية إلى المكتب الصحافي؛ ما يتطلّب تجهيز المكان بشبكة آمنة مثل «شبكة توجيه بروتوكول الإنترنت السرية». إلا أن منتقدي القرار يرون فيه تضييقاً عملياً على حق الصحافة في الوصول إلى المسؤولين، وعلى حق الجمهور في معرفة كيف تُدار واحدة من أكبر المؤسسات الفيدرالية وأكثرها إنفاقاً وتأثيراً في الأمن والسياسة الخارجية.

إعادة تعريف العلاقة مع الصحافة

تاريخياً، لم يكن مكتب الصحافة في «البنتاغون» - الذي هو مقر وزارة الحرب - مجرد غرفة إدارية، بل كان مساحة عمل مفتوحة نسبياً يستطيع الصحافيون المُعتمَدون دخولها، وطرح الأسئلة على مسؤولي الشؤون العامة، والحصول على توضيحات خلفية، ومتابعة ما لا يظهر دائماً في المؤتمرات الرسمية.

هذه المساحة غير الرسمية كانت جزءاً من آلية رقابة يومية، لا تقل أهمية عن البيانات المكتوبة أو الإحاطات المتلفزة.

بيد أن القرار الجديد يغيّر هذه القاعدة. وإذا كان الصحافيون قد خسروا سابقاً حرية الحركة داخل معظم أروقة «البنتاغون» وردهاته، فإن منعهم من دخول المكتب الصحافي نفسه يضيف حاجزاً جديداً حتى أمام التواصل المهني مع الناطقين باسم الوزارة. وعملياً، تصبح العلاقة أكثر رسمية وأقل عفوية: موعد مسبق، ومرافقة، وأسئلة مضبوطة، وإجابات تمرّ عبر قنوات محدّدة.

من وجهة نظر «البنتاغون»، الحجة واضحة، وهي أن المؤسسة العسكرية تتعامل يومياً مع معلومات حساسة، وبالتالي، فأي اختلاط غير مضبوط بين صحافيين ومساحات تُستخدم لمعالجة مواد سرّية قد يخلق أخطاراً أمنية.

لكن قوة هذه الحجة لا تلغي السؤال الأوسع... هل كان الحل الوحيد هو تحويل المكتب الصحافي كله مساحةً محظورة؟ أم كان ممكناً الفصل بين العمل الإعلامي والعمل المصنّف داخل مكاتب مختلفة؟

هنا بالضبط يبدأ الجدل؛ لأن المسألة لا تتعلّق فقط بالمكان، بل بالرسالة السياسية والمؤسّسية التي يحملها القرار.

مدخل مبنى الـ«نيويورك تايمز» (رويترز)

أمن قومي... أم تقليص الرقابة؟

بطبيعة الحال لا توجد دولة جادّة تسمح بتسريب أسرار عسكرية عملياتية أو معلومات قد تعرّض عسكرييها للخطر. لذلك؛ لا يمكن التعامل مع كل قيود «البنتاغون» على أنها بالضرورة تشكّل اعتداءً على الصحافة. ولكن في المقابل، يرى المنتقدون أنه لا يمكن أيضاً اعتبار شعار «الأمن القومي» تفويضاً مفتوحاً لإبعاد الإعلام عن المؤسسة العسكرية.

بكلام آخر... الفارق بين حماية الأسرار ومنع الرقابة قد يكون دقيقاً، لكنه حاسم في نظام ديمقراطي.

سياق تراكمي

المشكلة أن القرار يأتي ضمن سياق تراكمي. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، سلّم عدد كبير من صحافيي «البنتاغون» بطاقاتهم بدلاً من التوقيع على سياسة كانت تُلزمهم بالإحجام عن السعي وراء معلومات غير مُصرّح بنشرها.

وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاضٍ فيدرالي ضد قيود رئيسة في تلك السياسة، معتبراً أنها تنتهك حقوقاً دستورية متّصلة بحرّية الصحافة والإجراءات القانونية الواجبة. ومن ثم، واصل «البنتاغون» الاعتماد على «سياسة مؤقتة» تلزم الصحافيين بالمرافقة داخل المبنى، وسمحت محكمة استئناف باستمرارها مؤقّتاً إبان النزاع القضائي.

لاحقاً، في مايو (أيار) 2026، رفعت الـ«نيويورك تايمز» دعوى ثانية للطعن تحديداً في شرط المرافقة، معتبرة أنه يحدّ من القدرة على التغطية المستقلة للشؤون العسكرية. أما «البنتاغون» فردّ بأن الصحافيين لا يملكون «حقاً مطلقاً» في التجوّل داخل مبنى عسكري، وأن القيود مصمّمة لمنع الوصول غير المشروع إلى معلومات «مصنّفة».

هذه هي نقطة التوازن الصعبة: الوزارة محقّة في أن «البنتاغون» ليس مبنىً عاماً عادياً؛ لكن الصحافة محقّة أيضاً في أن المؤسسة العسكرية، بحجم إنفاقها وسلطتها، لا ينبغي أن تتحوّل صندوقاً مُغلقاً لا يُرى إلا من خلال بياناته الرسمية.

صحافة أضعف وجمهور أقل معرفة

الخطر الأبرز هنا لا يكمن فقط في منع دخول غرفة بعينها، بل أيضاً في الأثر التراكمي لهذه السياسات على العمل الصحافي.

ذلك أن الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية، بل على بناء مصادر، وفهم خلفيات القرارات، ومقارنة الروايات، وكشف التناقضات بين الخطاب السياسي والواقع الميداني أو المالي. وهذا ينعكس مباشرة على المواطن.

ثم أن «البنتاغون»، حسب المنتقدين، ليس مجرد وزارة أخرى... بل إنه يدير ميزانيات ضخمة، ويشن حروباً، ويشرف على قواعد عسكرية، ويمتلك عقود تسليح، ويعتمد سياسات تمسّ حياة الجنود والمدنيين في الداخل والخارج. وحين تصبح المعلومات أكثر ندرة، يصعب على الجمهور معرفة ما إذا كانت القرارات مبرّرة، أو مكلفة أكثر من اللازم، أو منسجمة مع القانون والمصلحة العامة.

في المقابل، يحتاج الإعلام أيضاً إلى الاعتراف بأن الثقة لا تُبنىَ بمجرد المطالبة بالوصول. فعليه، حقاً، أن يميّز بوضوح بين حقه في السؤال والبحث، وبين تحاشي نشر معلومات قد تسبّب ضرراً أمنياً مباشراً.

لذلك؛ يبدو قرار تصنيف المكتب الصحافي «مساحةً سرّية» أكثر من تعديل مكاني. إنه اختبار جديد للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والصحافة في الولايات المتحدة. وإذا بقيت القيود تتوسّع من دون ضوابط، فقد لا تكون النتيجة حماية أفضل للأسرار.

الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية... بل تهتم بالمصادر وفهم خلفيات القرارات