الذكاء الصناعي... هل هو بديل للصحافيين أم مساعد لهم؟

شعار تشات جي بي تي
شعار تشات جي بي تي
TT

الذكاء الصناعي... هل هو بديل للصحافيين أم مساعد لهم؟

شعار تشات جي بي تي
شعار تشات جي بي تي

تتكاثر التساؤلات أخيراً عن مدى الاعتماد على الذكاء الصناعي في التغطيات الإعلامية، ودوره وحدوده في تعزيز وإثراء التغطية الإعلامية، وسط قلق على مستقبل الصحافيين من إدراج الذكاء الصناعي ضمن المنظومة الصحافية. في هذه الأثناء يرى مراقبون أن «الذكاء الصناعي بات حقيقة فيما يخص تحديداً العمل الصحافي».

خلال الأعوام الماضية شهدت صناعة الإعلام أكثر من تجربة لدمج الذكاء الصناعي ضمن أدوات مهنة الصحافة. إذ تعاونت وكالة «أسوشييتد برس»، مثلاً، مع منصات متخصصة تعتمد على الذكاء الصناعي لتغطية مباريات كرة القاعدة (البيسبول) من خلال عرض النتائج. كذلك، في عام 2016، ذكرت منصة «باز فييد» أنها انطلقت نحو الاعتماد على الذكاء الصناعي في غرف الأخبار، غير أن المنصة أقدمت لاحقاً في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2022 على «تسريح نحو 12 في المائة من القوة العاملة داخل المؤسسة»، حسب موقع «إنسايدر» الأميركي، ما أثار قلقاً بشأن مستقبل الصحافيين الذين أصبحوا بين خيارَي: إما التكيف وإما التسريح من العمل.

المراقبون المهتمون طرحوا تساؤلات حول تأهيل العنصر البشري في الصحافة لاستخدام أدوات الذكاء الصناعي على نحو نفعي، بحيث يغدو معاوناً يثري الصناعة في إطار «ضمانات تحمي معايير العمل الصحافي، بدلاً من أن تصبح الآلة بديلاً للعنصر البشري، لا سيما بعد رصد أخطاء وقع فيها الذكاء الصناعي تُهدد دقة المعلومات».

رائف الغوري، اختصاصي تقنية المعلومات والمدرب الإعلامي في دولة الإمارات العربية المتحدة، يعتبر أن دور الذكاء الصناعي في التغطية الإعلامية يتوقف على مدى إلمام الصحافي بـ«هندسة الأوامر والتوجيهات». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن الحصول على إجابة دقيقة يتوقف على إتقان طرح السؤال والاستعلام، وهنا تأتي أهمية العنصر البشري... فسوء توجيه السؤال قد يدفع أداة الذكاء الصناعي إلى إجابات مطوّلة وغير مُركزة على الهدف».

الغوري يؤمن بأهمية الذكاء الصناعي بوصفه أداة لتسهيل التغطية الإعلامية، مضيفاً: «يُمكن للصحافي المحترف أن يستخدم هذه التقنية في تلخيص عرض تقديمي، أو الحصول على موجز لمقطع فيديو طويل، أو تحليل مجموعات بيانات، ثم عمل رسوم بيانية مناسبة لها؛ وهكذا، فالتطبيقات لا حصر لها، وجميعها تصب في صالح تسهيل وإثراء المنتج الصحافي».

هندسة الأوامر والتوجيهات

ويتابع الغوري بأن: «التدرب على هندسة الأوامر والتوجيهات، والبراعة في صياغة أسئلتنا باتت مهارة يومية يحتاجها الصحافي... والإلمام بهندسة التوجيهات يُمكّن العنصر البشري من لغة الحوار والتواصل، للدردشة مع أدوات برامج مثل (تشات جي بي تي) و(بارد) التابع لشركة (غوغل)، وكل هذا يتعاون مع العنصر البشري للوصول إلى أفضل نتيجة».

في المقابل، حول مدى تهديد الذكاء الصناعي لمستقبل الصحافيين، يقول الغوري: «إدراج الذكاء الصناعي ضمن منظومة العمل الصحافي، لا يقابله على الإطلاق فرضية الاستغناء عن العنصر البشري، لا سيما في عالمنا العربي»، وأرجع الإشكالية إلى «نقص المعلومات الدقيقة المكتوبة باللغة العربية على شبكة الإنترنت». وأردف موضحاً: «مثلاً، برنامج مثل (تشات جي بي تي)، آخر تحديث بالعربية تم عليه كان في 2021. ومن ثم لا يُمكن صناعة قصة، وإلا ستبدو بلغة غير مقبولة ومعلومات منقوصة؛ فقط (تشات جي بي تي) يمدّ الصحافي بالمعلومات لتسهيل مهمته».

ومطلع العام الجاري، واجهت منصة «سي نت» CNET اتهامات شديدة على خلفية نشر عشرات المقالات التي كُتبت بواسطة الذكاء الصناعي من دون الإشارة إلى ذلك. وهذا ما اعتبره المراقبون «أمراً غير مقبول صحافياً، لما شملته هذه المقالات من معلومات قليلة الدقة، نتجت عنها توجيهات للجمهور المهتم بسوق المال على نحو خاطئ».

حينذاك، وصفت المنصة هذا التصرف بأنه «مجرد تجربة» حسب «واشنطن بوست». وللعلم، كان الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين قد أعلن عن استخدام الذكاء الصناعي لاختبار ملايين الوثائق المالية والقانونية المسرّبة، لتحديد التفاصيل التي تستحق نظرة فاحصة من مراسليها. ولكن، مات ماكفي -وهو باحث يرأس مشروعاً للذكاء الصناعي في كتابة الأخبار بـ«نيويورك ميديا لاب» التابع لجامعة نيويورك- قال إنه «لا يُمكن لهذه الأدوات أن تحل محل العنصر البشري، فهي لا يمكنها طرح الأسئلة المبتكرة». وأضاف -وفق «واشنطن بوست» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي- أن «القصص المصنوعة بواسطة الذكاء الصناعي لن تفتح آفاقاً جديدة، أو تقدم سبقاً صحافياً أو عملاً إبداعياً».

الذكاء الصناعي بات واقعاً

من جهته، يرى خالد عبد الراضي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» في مصر، أن «الذكاء الصناعي بات واقعاً لا يُمكن غض الطرف عنه، وحان وقت التكيف معه، ووضع المعايير المنظمة لعمله». وأضاف في حوار مع «الشرق الأوسط» شارحاً: «لقد تجاوزنا مرحلة التوقّعات وصرنا أمام حقيقة واقعة... وهنا لا أبالغ بالقول إن العمل الإعلامي سيكون من أكثر المجالات تأثراً بتقنيات الذكاء الصناعي». غير أن عبد الراضي يدحض فكرة الاستعاضة عن الصحافيين بتقنيات الذكاء الصناعي، ويبرّر ذلك بأن «الابتكار والسبق مهارات تخرج عن حدود قدرات الذكاء الصناعي، وهي الضامن لبقاء العنصر البشري». كذلك يشير الخبير المصري إلى أن «استمرار الصحافي يشترط تطوره لتطويع أدوات الذكاء الصناعي ومباشرة عمله، كما أن هذه التقنيات ستسهل بلا شك على الصحافي إنتاج قصة إخبارية، من خلال المساعدة في عمليات البحث والأرقام التي تستغرق وقتاً، ما يتيح للعنصر البشري التفرغ وصب اهتمامه على الجودة والتدقيق».

عبد الراضي عدّد مجالات الاستفادة من الذكاء الصناعي في العمل الصحافي. وقال: «قد تساهم هذه التقنيات في جمع المعلومات والتحقق من مصادرها، كذلك الترجمة بمزيد من الجودة. ولقد شاهدنا تجربة وكالة الأنباء الكندية التي قدمت تجربة مُتقنة لنشر الخبر بأكثر من لغة دون عناء، معتمدة على الذكاء الصناعي». وأضاف: «إنني أتوقع أن تعتمد التقارير الصلبة التي تشترط مهارة الدقة في النقل -على شاكلة تقارير البورصة وسوق المال- بشكل كبير على الذكاء الصناعي، وهو ما سينعكس على عمل الصحافي الذي سيصبح بإمكانه تقديم منتج في وقت أسرع».


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي في العمل المصرفي… هل يتحول من أداة مساعدة إلى بنية أساسية؟

تكنولوجيا ينتقل الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي من مرحلة التجارب إلى التشغيل واسع النطاق ليصبح جزءاً من البنية الأساسية لاتخاذ القرارات الحساسة (شاترستوك)

الذكاء الاصطناعي في العمل المصرفي… هل يتحول من أداة مساعدة إلى بنية أساسية؟

يدخل الذكاء الاصطناعي العمل المصرفي بوصفه بنية أساسية، حيث تُدار القرارات آلياً، وتقاس الثقة رقمياً، وتتصاعد تحديات الحوكمة، والبيانات، والاحتيال.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد الصفحة الرئيسية لـ«تشات جي بي تي» تظهر عليها عبارة «مرحباً بكم في أوبن إيه آي» - بافاريا (د.ب.أ)

عمالقة التكنولوجيا يخططون لاستثمار 60 مليار دولار في «أوبن إيه آي»

ذكرت صحيفة «ذا إنفورميشن» يوم الأربعاء، أن شركات «إنفيديا» و«أمازون» و«مايكروسوفت» تُجري محادثات لاستثمار ما يصل إلى 60 مليار دولار في شركة «أوبن إيه آي».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعارات لعدد من شركات التكنولوجيا (أ.ب)

ذكاء اصطناعي أم استنزاف مالي؟ المستثمرون يحاكمون عمالقة التكنولوجيا

هذا الأسبوع، وجّه المستثمرون رسالة صارمة لعمالقة التكنولوجيا: لم يعد الإنفاق الملياري وحده كافياً، بل يجب أن يقترن بنمو حقيقي وملموس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار «مايكروسوفت» خلال معرض هانوفر 2025 (رويترز)

«مايكروسوفت» تهوي 6.5 % بعد إنفاق قياسي على الذكاء الاصطناعي ونمو سحابي مخيب

قالت شركة «مايكروسوفت» يوم الأربعاء إنها أنفقت مبلغاً قياسياً على الذكاء الاصطناعي في الربع الأخير، وسجَّلت نمواً أبطأ في مجال الحوسبة السحابية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد تظهر تطبيقات «فيسبوك» و«ماسنجر» و«إنستغرام» و«واتساب» على شاشة هاتف ذكي تعكس شعار تطبيق الذكاء الاصطناعي «ميتا» (د.ب.إ)

«ميتا» تعلن نتائج قوية وتكشف إنفاقاً ضخماً على الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «ميتا بلاتفورمز»، المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، عن نتائجها المالية للربع الرابع، والتي جاءت متفوقة على توقعات المحللين.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».


الاعتماد على المؤثّرين... بين دعم الإعلام ومخاوف «المصداقية»

ضرورة الالتزام بالمعايير المهنية في حال الاعتماد على المؤثرين  (رويترز)
ضرورة الالتزام بالمعايير المهنية في حال الاعتماد على المؤثرين (رويترز)
TT

الاعتماد على المؤثّرين... بين دعم الإعلام ومخاوف «المصداقية»

ضرورة الالتزام بالمعايير المهنية في حال الاعتماد على المؤثرين  (رويترز)
ضرورة الالتزام بالمعايير المهنية في حال الاعتماد على المؤثرين (رويترز)

جدد كلام ناشرين عن عزمهم الاعتماد على المؤثرين في صناعة المحتوى الإعلامي المخاوف بشأن تأثير ذلك على «المصداقية، والمعايير المهنية». وفي حين أكد خبراء أن «الاعتماد على المؤثرين بات أمراً واقعاً في ظل زيادة حدة المنافسة»، شددوا على «أهمية الالتزام بالمعايير المهنية، كي لا تتأثر المصداقية».

يذكر أن دراسة حديثة نشرها «معهد رويترز لدراسات الصحافة» أفادت بأن نحو 76 في المائة من الناشرين الذين شملتهم الدراسة قالوا إنهم سيسعون لجعل صحافييهم يسيرون على نهج المؤثرين في إنتاج المحتوى، بينما أعرب نحو 50 في المائة عن رغبتهم في عقد شراكات مع صُناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، وأيّد 31 في المائة تعيين عدد من هؤلاء المؤثّرين.

وفقاً للدراسة، التي استطلعت آراء ناشرين في 24 دولة، فإن «التحوّل في أولويات المنصّات بعيداً عن المحتوى الذي يشاركه الأصدقاء، والعائلة -حيث المحتوى واسع الانتشار الذي يمكن لأيّ شخص مشاركته- أدّى إلى تسريع اقتصاد صُنّاع المحتوى بشكل غير مسبوق، لا سيما مع ابتكار المنصات وسائل جديدة لتحفيز صُنّاع المحتوى، عبر الإعلانات، والاشتراكات، وغيرهما». وتلفت الدراسة إلى أن «هذا التوسع في دعم صناع المحتوى زاد المنافسة مع وسائل الإعلام التقليدية، وأذاب الحدود بين صانع المحتوى من جهة والصحافي من جهة أخرى».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، يرى أن «شراكة المؤسسات الإعلامية مع المؤثرين أصبحت أمراً واقعاً، حيث تعاني هذه المؤسسات بشكل كبير من ضعف نسب الوصول للأشخاص بشكل عام، والمتابعين أيضاً، فكان الحل هو إنشاء المحتوى من قبل المؤسسات الإعلامية، والترويج له عن طريق المؤثرين»، معتبراً ذلك جانباً «إيجابياً» لهذه الشراكة.

إلا أن كيالي أشار لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «المؤسسات الإعلامية لها رسالتها، وشخصيتها الرزينة، وهو ما قد يُفقد بالتعاون مع المؤثرين، ما يؤثر على المؤسسات الإعلامية، ومصداقيتها بسبب موضوع، أو خبر معين، أو حتى على المدى الطويل».

من ناحية ثانية، لا يتفق كيالي مع المقترحات الداعية إلى جعل الصحافيين يعملون بطريقة المؤثرين، وأن «على الصحافي الاهتمام بموضوع الخبر، وجوهره، وتأثيره أكثر من صُناع المحتوى الذين يتركز عملهم على الترويج، والدعاية». وأردف: «هناك اختلاف المعايير المهنية بين الصحافة وطريقة عمل المؤثرين، وإن اعتمد كثيرون الآن على المؤثرين مصدراً للأخبار». وتابع: «الصحافة مهنة لها معايير من التحرّي، والتدقيق، والأمانة، وغيرها، بينما ليس لدى المؤثرين مثل هذه المعايير، ما سيؤثر على الرسالة الإعلامية، وهدفها».

بالفعل، فإن «جزءاً كبيراً من صُناع المحتوى يركزون على الرأي أكثر من الأخبار»، بحسب الدراسة التي أوردت أن «نحو 70 في المائة من الناشرين قلقون من المنافسة مع صُناع المحتوى، بينما يخشى نحو 39 في المائة من خسارة المواهب الإعلامية لصالح منصات التواصل الاجتماعي».

بالتوازي، يرى محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، أن «التحوّل نحو نموذج الصحافي صانع المحتوى والشراكة الإعلامية مع المؤثرين هو استجابة لما حدث من تغير أنماط استهلاك الأخبار لدى المستخدمين، وانخفاض وتآكل الثقة في المؤسسات الإعلامية، وتراجع متابعتها، والتفاعل معها».

وأضاف فتحي في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الشراكة مع المؤثّرين يمكن أن تدعم وصول المؤسسات الإعلامية لجمهور أكبر، ما يزيد من تأثيرها... ولكن ثمة ضرورة لأن تُدار هذه الشراكة بحذر شديد، لتجنب مخاطر الحفاظ على الهوية، والمهنة، والعلامة التجارية للمؤسسة». ثم أشار إلى أن «أنشطة المؤثّر وسمعته قبل وأثناء العمل مع المؤسسة الإعلامية قد تكون نقطة ضعف في كثير من الأحيان... ثم إن جمهور المؤثر قد لا يستجيب ويتعاطى مع المحتوى الإعلامي».


زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».