«ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: تطبيقات المراسلة بوابة جديدة للخدمات الرقمية في السعودية

فارس عقّاد: «أكثر من مليار محادثة يومياً بين الشركات والعملاء عبر منصات ميتا»

تقيس المؤسسات النجاح بسرعة الاستجابة ودقة الحل وخفض التكلفة وليس بعدد الرسائل فقط (رويترز)
تقيس المؤسسات النجاح بسرعة الاستجابة ودقة الحل وخفض التكلفة وليس بعدد الرسائل فقط (رويترز)
TT

«ميتا» لـ«الشرق الأوسط»: تطبيقات المراسلة بوابة جديدة للخدمات الرقمية في السعودية

تقيس المؤسسات النجاح بسرعة الاستجابة ودقة الحل وخفض التكلفة وليس بعدد الرسائل فقط (رويترز)
تقيس المؤسسات النجاح بسرعة الاستجابة ودقة الحل وخفض التكلفة وليس بعدد الرسائل فقط (رويترز)

تمتلك السعودية قاعدة رقمية واسعة تهيئها للانتقال بتطبيقات المراسلة من أدوات للتواصل إلى قنوات متكاملة لتقديم الخدمات. ويصل انتشار الإنترنت في المملكة إلى 99 في المائة، بينما يستخدم 9 من كل 10 بالغين سعوديين تطبيق «واتساب» يومياً، وفقاً للبيانات التي استند إليها تقرير أعدته «بي سي جي».

وتشير الأرقام إلى أن هذا الاستخدام اليومي لا يقتصر على المحادثات الشخصية، بل يوفر أساساً يمكن للشركات والجهات الحكومية البناء عليه لتقديم خدمات كاملة داخل نافذة واحدة، بدءاً من البحث والاستفسار، مروراً بتنفيذ الطلب، وصولاً إلى حل المشكلة ومتابعتها.

في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، يقول فارس عقّاد، المدير الإقليمي لشركة «ميتا» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، إن المراسلة أصبحت تحتل موقعاً مركزياً في المرحلة الجديدة من التحول الرقمي في السعودية. ويضيف: «إنها تتطور من أداة للتواصل إلى مساحة تحدث داخلها رحلة كاملة، من العثور على الخدمة واستخدامها إلى حل المشكلة، وكل ذلك ضمن محادثة واحدة».

فارس عقّاد المدير الإقليمي لشركة «ميتا» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا (ميتا)

خطط تعكس حجم التحول

حسب البيانات الواردة في التقرير، تخطط 84 في المائة من المؤسسات في المملكة للاستثمار في تقنيات المراسلة الغنية خلال السنوات الخمس المقبلة، متقدمةً بذلك على القنوات التقليدية مثل الرسائل النصية القصيرة والبريد الإلكتروني. وتسمح المراسلة الغنية بتجاوز نموذج الإشعارات أحادية الاتجاه، إذ يمكن للمستخدم أن يطرح سؤالاً، ويتلقى رداً، ويطلب خدمة، ويكمل إجراءً، ثم يعود إلى المحادثة نفسها عند الحاجة، مع الحفاظ على سياق التفاعل.

ويرى عقّاد أن هذا التوجه يرتبط بتغير واضح في توقعات المستخدمين، الذين باتوا ينتظرون تفاعلاً فورياً وشخصياً ومستمراً، بدلاً من الانتقال بين مراكز الاتصال والمواقع والتطبيقات المختلفة.

ويفيد بأن «الأنظمة القديمة التي تعتمد على رسائل أحادية الاتجاه، ومراكز اتصال ذات أوقات انتظار طويلة، وقنوات منفصلة يُفقد فيها السياق عند كل انتقال، تخلق احتكاكاً يشعر به الطرفان».

ولا تقتصر هذه الظاهرة على السعودية. فعالمياً، تشير البيانات إلى أن 72 في المائة من البالغين المتصلين بالإنترنت يفضّلون استخدام المراسلة وسيلة أساسية للتواصل مع الشركات، بينما يتواصل 79 في المائة مع شركة عبر الرسائل مرة واحدة على الأقل أسبوعياً.

ينقل الذكاء الاصطناعي تطبيقات المراسلة من الدعم إلى تقديم خدمات متكاملة داخل محادثة واحدة (د.ب.أ)

ليست وسيلة إشعار فقط

يتمثل التحول الأساسي في الانتقال من استخدام المراسلة لإرسال التنبيهات إلى استخدامها بوصفها قناة رئيسية للخدمة. فالجهة لا تكتفي بإرسال تأكيد أو تحديث، بل تتيح للمستخدم إكمال الإجراء داخل المحادثة نفسها. ويصف عقّاد هذا التغير بأنه أعمق من مجرد تحول في عادات الاتصال، لأنه يؤثر في تصميم الخدمة ذاتها وكيفية وصول الأفراد إليها. ويرى أن «هذا يعكس تغييراً هيكلياً في طريقة تقديم الخدمات وتصميم التفاعل عبر الشركات والوزارات والمنصات الوطنية».

وفي الخدمات الحكومية، يمكن أن تقلل المراسلة الحاجة إلى تعلم استخدام بوابات جديدة أو التنقل بين أنظمة متعددة، خصوصاً عندما تُقدَّم الخدمة عبر تطبيق يستخدمه المواطن أصلاً ويعرف طريقة التعامل معه.

ويضيف عقّاد أن اعتماد القنوات المألوفة «يقلل منحنى التعلم ويخفض حواجز الوصول»، لا سيما بالنسبة إلى المستخدمين الذين قد يواجهون صعوبة في التعامل مع بوابات أو أنظمة جديدة.

الذكاء الاصطناعي يدير الحجم والسياق

يوفر الانتشار الواسع للمراسلة قناة جاهزة، لكن الذكاء الاصطناعي هو العنصر الذي يسمح بإدارة أعداد كبيرة من المحادثات على مدار الساعة، مع فهم المقصود من السؤال وتقديم إجابة أو تحويل الحالة عند الحاجة. وتشير البيانات إلى أن 80 في المائة من صناع القرار يعتقدون أن وكلاء الذكاء الاصطناعي سيغيرون طريقة التفاعل مع العملاء.

وفي التطبيق العملي، يمكن لهؤلاء الوكلاء فهم نية المستخدم، والرد الفوري على الأسئلة المتكررة، وتقديم المعلومات بالعربية والإنجليزية، ثم تصعيد الحالات الأكثر تعقيداً إلى موظف بشري.

ويذكر عقّاد خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» أن «الذكاء الاصطناعي يدير الحجم، من الاستفسارات الروتينية والردود متعددة اللغات إلى التوفر على مدار الساعة، بينما يبقى الموظفون البشر في صلب الحالات التي تتطلب حكماً أو حساسية أو تفاعلاً شخصياً».

وتتقاطع هذه الرؤية مع ما وصفته دراسة لهيئة الحكومة الرقمية بمفهوم «وكلاء الذكاء الاصطناعي شركاء للحكومة»، إذ يمكن للوكلاء الحواريين أداء دور موظف رقمي في الخط الأول، يجيب عن الأسئلة الأساسية فوراً، ثم يحيل الحالات التي تحتاج إلى تدخل متخصص.

ولا يعني ذلك إلغاء الدور البشري، حيث إن الخبرة البشرية تظل ضرورية في المواقف المعقدة، وفي القرارات التي تحتاج إلى تقدير، وفي التفاعلات التي لا يمكن اختزالها في إجابة آلية، كما يقول عقّاد.

يتطلب التوسع بيانات جاهزة ونماذج تشغيل متعاونة وشراكات واضحة وأطر قياس مرتبطة بالنتائج (أ.ف.ب)

أكثر من مليار محادثة يومياً

توضح الأرقام العالمية حجم الانتقال الجاري نحو التفاعل التجاري عبر تطبيقات المراسلة. وقال فارس عقّاد إن أكثر من مليون شركة تستخدم حالياً «Meta Business Agent» للرد على العملاء على مدار الساعة.

وأضاف أن «أكثر من مليار محادثة نشطة تجري يومياً بين الشركات والعملاء عبر واتساب وماسنجر وإنستغرام»، في مؤشر على اتساع الاعتماد على هذه المنصات بوصفها قنوات مباشرة للتفاعل وتقديم الخدمات.

ويرى عقّاد أن الاتجاه لم يعد يقتصر على تحويل السؤال إلى الموظف المناسب، بل بات يرتبط بتقديم تجربة أكثر تخصيصاً منذ اللحظة الأولى.

وتابع: «الرؤية هي أن تتمكن كل شركة من الحضور لكل عميل كما لو كان لديها فريق غير محدود يقف خلفها».

ويغيّر هذا الحجم طريقة نظر المؤسسات إلى تطبيقات المراسلة. فبدلاً من اعتبارها قناة إضافية بجانب الهاتف والبريد الإلكتروني، تصبح جزءاً من البنية التشغيلية التي تستقبل الطلبات وتعالجها وتقيس نتائجها.

البريد السعودي «سبل» مثالاً

يقدم البريد السعودي «سبل» مثالاً على النتائج التشغيلية التي يمكن أن تحققها المراسلة عند استخدامها على نطاق واسع. ومع نمو التجارة الإلكترونية وارتفاع الضغط على القنوات التقليدية، انتقلت المؤسسة إلى نموذج يقوده التفاعل عبر الرسائل. يجري اليوم حل 90 في المائة من استفسارات العملاء داخل قناة المراسلة. كما انخفضت أوقات انتظار مراكز الاتصال بنسبة 50 في المائة، وتراجعت التكاليف التشغيلية بنسبة 75 في المائة. وبرأي فارس عقّاد، هذه النتائج لم تأتِ من إضافة قناة جديدة إلى النظام القديم، بل من إعادة تصميم رحلة العميل كاملة.

ويشرح لـ«الشرق الأوسط»: «تجربة (سبل) تُظهر ما يمكن تحقيقه على نطاق وطني، ليس داخل مشروع تجريبي محدود، بل في عمليات حية وكثيفة الاستخدام تخدم الجمهور السعودي».

كما تشير هذه الأرقام إلى أن خفض التكلفة وتحسين الخدمة لا يعملان بالضرورة في اتجاهين متعارضين. ففي هذه الحالة، تراجعت الضغوط التشغيلية في الوقت الذي أصبحت فيه الإجابات أسرع والمعلومات أكثر دقة والتجربة أبسط بالنسبة إلى المستخدم.

يصل انتشار الإنترنت في السعودية إلى 99 % ويستخدم 9 من كل 10 بالغين «واتساب» يومياً (أ.ف.ب)

القيمة تُقاس بالنتائج

لا يكفي قياس نجاح المراسلة بعدد المحادثات أو سرعة إرسال الرد الأول، بل إن المؤسسات تحتاج إلى ربط القناة بنتائج تشغيلية وتجارية واضحة. ويقترح عقّاد تقييم الأداء عبر ثلاثة مستويات: الأول يتعلق بتجربة المستخدم، ويشمل سرعة الرد ودقة الحل ومستويات الرضا. والثاني تشغيليّ، مثل خفض التكلفة ونسبة الاستفسارات التي تُحل بالكامل داخل القناة. والثالث يرتبط بالأداء التجاري أو المؤسسي.

وتُظهر بيانات «بي سي جي» أن المؤسسات التي تنشر استخدامات متعددة للمراسلة تحقق قيمة أعلى للعميل طوال فترة علاقته بالمؤسسة بمقدار 2.1 مرة، إلى جانب كفاءة أفضل في اكتساب العملاء بمقدار 1.5 مرة. وينوه عقّاد إلى أن «القياس الأكثر أهمية هو الذي يربط المراسلة مباشرةً بالنتائج بدلاً من النشاط». ويشمل ذلك معرفة ما إذا كانت القناة تقلل الحاجة إلى الاتصال، وتختصر خطوات إنجاز الخدمة، وتحسن الاحتفاظ بالعملاء، وتخفف تكلفة كل معاملة أو استفسار.

5 قدرات للتوسع الناجح

حدد تقرير «بي سي جي» 5 قدرات تحتاج إليها المؤسسات للانتقال من حالات الاستخدام المحدودة إلى تقديم خدمات متكاملة عبر المراسلة. تبدأ هذه القدرات باعتبار المراسلة قناة أساسية للخدمة، مع اختيار الاستخدامات التي تحقق قيمة مباشرة. ثم تأتي جاهزية البيانات والتقنيات، إذ لا يستطيع وكيل الذكاء الاصطناعي تقديم إجابات دقيقة إذا كانت المعلومات قديمة أو موزعة بين أنظمة لا يتصل بعضها ببعض.

وتشمل القدرة الثالثة تطوير نموذج تشغيلي يسمح بالتعاون بين فرق التقنية وخدمة العملاء والتسويق والعمليات. أما الرابعة فتتعلق بالشراكات بين مزودي التقنية والمنصات ومشغلي الخدمات. وتتمثل الخامسة في وضع إطار واضح للقياس يربط أداء المراسلة بالرضا والكفاءة والنمو. ويقول عقّاد إن هذه القدرات «ستحدد أي المؤسسات العامة والخاصة ستقود المرحلة المقبلة من التحول الرقمي».

تخطط 84 % من المؤسسات السعودية للاستثمار في المراسلة الغنية خلال السنوات الخمس المقبلة (أ.ب)

أخطاء البيانات غير الجاهزة

يمكن أن تفشل مشاريع المراسلة المدعومة بالذكاء الاصطناعي عندما تُعامل باعتبارها نسخة أكثر تطوراً من الرسائل النصية القصيرة. ويرى فارس عقّاد أن استخدام القناة لإرسال إشعارات أحادية الاتجاه لا يمثل استراتيجية متكاملة، لأن القيمة الأساسية تكمن في الحوار المستمر ثنائي الاتجاه، وفي بقاء المستخدم داخل سياق واحد من بداية الرحلة إلى نهايتها.

ويتمثل الخطر الثاني في نشر أدوات الذكاء الاصطناعي قبل تجهيز البيانات التي تعتمد عليها. فإذا لم يتمكن النظام من الوصول إلى معلومات دقيقة ومحدثة، فسوف يقدم إجابات ضعيفة أو خاطئة، بما يؤثر في الثقة. ويقول: «إذا لم يستطع النظام إظهار معلومات دقيقة ومحدثة، تتضرر التجربة، ويؤثر ذلك في الثقة بطرق يصعب التعافي منها».

أما الخطأ الثالث فهو التقليل من أهمية الشراكات، حيث إن تقديم خدمة حوارية على نطاق واسع يحتاج إلى تنسيق بين المنصة ومزودي الحلول والجهة المقدمة للخدمة، إضافةً إلى الفرق التي تدير البيانات والعمليات والتجربة.

تنتقل السوق السعودية من مرحلة توفر القناة إلى مرحلة إعادة تصميم الخدمات حولها، ويحدد نجاح هذا الانتقال مدى قدرة المؤسسات على ربط المحادثة بالبيانات والعمليات والقياس، وليس بمجرد إضافة نافذة جديدة للتواصل.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«ميتا» تطلق نموذجاً جديداً مفتوح الأوزان للذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا شعار شركة «ميتا» وخلفه كلمة (إيه آي) (رويترز)

«ميتا» تطلق نموذجاً جديداً مفتوح الأوزان للذكاء الاصطناعي

أطلقت شركة التواصل الاجتماعي العملاقة (ميتا) (الاثنين) نموذجاً جديداً مفتوح الأوزان يتيح للمطورين تحميله وتعديله وفقاً لاحتياجاتهم

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا تعتمد الأداة على نموذج «Muse Spark 1.2» الذي طوّرته «Meta Superintelligence Labs» (أدوبي)

«ميتا» تدخل سباق وكلاء البرمجة بإطلاق «Muse Code»

أطلقت «ميتا» وكيل «Muse Code» لتنفيذ مهام برمجية معقدة، وتشغيل وكلاء متوازيين واستئناف العمل ومنافسة أدوات «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي».

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا شعار «فيسبوك» و«ميتا»

محكمة أميركية تغرم «ميتا» نحو نصف مليار دولار لتسببها بـ«ضرر عام»

أمر قاض في ولاية نيو مكسيكو الأميركية الخميس، شركة ميتا بدفع أكثر من نصف مليار دولار كتعويض في الدعوى المقامة ضدها من قبل الولاية والتي تتهم شركة التكنولوجيا…

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
تكنولوجيا شعار شركة «ميتا» (رويترز)

نموذج الذكاء الاصطناعي من «ميتا» يخترق شركة أخرى أثناء الاختبار

نموذج ذكاء اصطناعي تابع لشركة «ميتا» اخترق أنظمة شركة أخرى أثناء اختبارات الأمن السيبراني.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أشخاص يمرّون أمام بورصة نيويورك (أ.ب)

«وول ستريت» تستعيد أكثر من نصف خسائرها بدعم نتائج «مايكروسوفت»

انتعشت الأسهم الأميركية بقوة يوم الخميس، مستعيدة أكثر من نصف خسائر الجلسة السابقة، بدعم من القفزة الكبيرة لسهم «مايكروسوفت» عقب إعلان نتائج أعمال قوية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الذكاء الاصطناعي في التدريب الرياضي الشخصي... الخوارزمية تقترح والمدرب يقرر

يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)
يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي في التدريب الرياضي الشخصي... الخوارزمية تقترح والمدرب يقرر

يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)
يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)

​مع توسع سوق اللياقة البدنية في السعودية، يتجه استخدام الذكاء الاصطناعي في التدريب الشخصي إلى ما هو أبعد من كتابة البرامج الرياضية أو أتمتة الحجوزات. فالقيمة الأهم -حسب طارق منير، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إنهانس فتنس» (Enhance Fitness)- تكمن في قدرة التقنية على قراءة السلوك مبكراً، ورصد تراجع التزام العميل قبل أن ينسحب فعلياً، ثم تنبيه المدرب للتدخل في الوقت المناسب.

ويقول منير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، إن الذكاء الاصطناعي سرَّع بالفعل تصميم البرامج وتخصيصها؛ إذ إن ما كان يستغرق ساعات من المدرب يمكن اليوم صياغة مسودته في دقائق وتعديله بشكل مستمر. ولكنه يشدد في الوقت نفسه على أن المدرب يبقى المسؤول عن فهم ما يحتاج إليه العميل فعلياً، وهو أمر يختلف كثيراً عما يطلبه أو يعتقد أنه يريده عند بداية العلاقة.

ويصف منير هذا التقسيم بوضوح: «الذكاء الاصطناعي يسرِّع إنشاء البرامج وأتمتتها، بينما يظل المدرب مسؤولاً عن العلاقة». وحسب هذا التصور، تتولى التقنية «طبقة الإنتاج»، بينما يبقى الجزء الذي يدفع العميل من أجله في جوهره إنسانياً.

طارق منير المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Enhance Fitness» (الشركة)

بيانات سلوكية أكثر من كونها طبية

لا تعتمد «Enhance Fitness» في رؤيتها الحالية على جمع كميات واسعة من البيانات الصحية الحساسة؛ بل تركز بدرجة أكبر على السلوك الفعلي للعميل داخل رحلة التدريب.

ويقول منير إن الشركة تتابع مؤشرات، مثل: الحضور، وتكرار الجلسات، والإلغاءات، وتقييمات العملاء للمدربين، وكيف يتغير إيقاع التدريب مع مرور الوقت. أما بيانات تركيب الجسم والتفاصيل الصحية ومعلومات الأجهزة القابلة للارتداء، فلا يتم جمعها ولا مشاركتها افتراضياً.

ويرى أن هذه المؤشرات السلوكية أكثر فائدة للتخصيص في كثير من الحالات؛ لأنها تكشف جودة العلاقة بين العميل والمدرب ومدى احتمالية استمرارها، وهو العامل الذي يؤثر مباشرة في طول فترة الالتزام، ومن ثم في فرص تحقيق النتائج.

الانسحاب يبدأ كتراجع تدريجي

من أبرز الأنماط التي تكشفها البيانات واسعة النطاق -حسب منير- أن انسحاب العميل من التدريب لا يحدث عادة كقرار مفاجئ؛ بل يبدأ على شكل تراجع تدريجي في السلوك.

ويشرح بأن العميل يبدأ في الحضور بشكل أقل قليلاً، ثم تظهر بعض الإلغاءات، وتتكرر الأعذار أو الفجوات بين الجلسات. وعندما يصل الأمر إلى الإلغاء الرسمي أو التوقف الكامل، تكون الإشارات قد بدأت قبل ذلك بأسابيع. ويرى أن فهم هذا «التلاشي» هو ربما أهم ما تكشفه معالجة أعداد كبيرة من الجلسات؛ لأن البيانات تسمح برؤية كيف يبدأ التراجع، وكيف يتسارع، وما الأنماط التي تسبقه.

تنبيه المدرب لا مخاطبة العميل

في هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف إشارات فقدان الاهتمام في وقت مبكر، وربطها باحتمالية الانسحاب. ولكن منير يضع حداً واضحاً لدور النظام. ويصرح: «نستخدم التنبؤ لإبلاغ المدرب أو قائد الفريق، ولا شيء أكثر من ذلك. الذكاء الاصطناعي لا يتصل بالعميل ولا يؤَتمت العلاقة».

ويضيف أن الهدف من الإشارة هو التأكد من أن شخصاً حقيقياً يتدخل في اللحظة المناسبة، وباهتمام فعلي وليس من خلال محادثة بيعية. وحسب منير، فإن تراجع الالتزام هو في جوهره ضعف في العلاقة، ولذلك فإن إصلاحه يتطلب تدخلاً بشرياً.

تُستخدم تنبيهات الذكاء الاصطناعي لإبلاغ المدرب أو قائد الفريق بينما تبقى العلاقة والتواصل مع العميل مسؤولية بشرية بالكامل (أدوبي)

ما الذي يبقى للإنسان؟

يرى منير أن الذكاء الاصطناعي مناسب للجانب الهيكلي من العمل، مثل: اقتراح البرامج، وإدارة منطق التقدم، واستخراج الأنماط من البيانات، وتقليل الأعمال الإدارية التي تستهلك وقت المدرب.

لكن القرارات التي تمس تجربة العميل مباشرة تبقى بشرية. ويقول: «عندما يدفع شخص مقابل تدريب شخصي في عصر الذكاء الاصطناعي، فهو لا يشتري برنامجاً فعلياً، فالبرامج أصبحت متاحة مجاناً. ما يشتريه هو المساءلة والموثوقية والسلامة والثقة والعلاقة مع شخص يعرفه ويقف إلى جانبه». ولهذا تعتمد المنصة على مبدأ واضح: الذكاء الاصطناعي يوصي، والمدرب يقرر وينفذ.

الأمان عبر «بوابة بشرية»

يؤكد منير أن الشركة لا تعتمد بالكامل على توصيات يولدها الذكاء الاصطناعي، ليس بسبب قصور تقني مؤقت؛ بل لأنه يعتبر أن وجود الإنسان جزء من التصميم نفسه. ويشير إلى أن النماذج تحسنت كثيراً خلال عام أو عامين، ولكن الدقة وحدها ليست العامل الحاسم. فالمدرب يستطيع قراءة أشياء لا تظهر بالضرورة في البيانات، مثل: التعب، وانخفاض الدافعية، ومحاولة العميل التقليل من شأن ألم يشعر به.

ويقول إن هذه «البوابة البشرية» هي آلية الأمان الأساسية في النظام، ولا يتوقع إزالتها.

ويظهر المنطق نفسه عند التعامل مع البيانات الناقصة أو الرديئة. فإذا كانت البيانات محدودة، يمكن للنظام أن ينتج اقتراحاً غير مناسب، ولكن الاقتراح لا يصل مباشرة إلى العميل؛ لأن مدرباً مؤهلاً يقف بين النموذج والجلسة.

الأجهزة القابلة للارتداء والخصوصية

من الناحية التقنية، يمكن دمج بيانات أجهزة تتبُّع النوم والساعات الرياضية ومؤشرات تركيب الجسم، ولكن «Enhance Fitness» تتعامل مع هذا الجانب بتحفُّظ.

ويفيد منير بأن هذه البيانات لا تُجمع مباشرة إلا إذا اختار العميل صراحة مشاركتها مع مدربه. وعندما توجد بيانات على مستوى المنصة، يتم التعامل معها بصورة مجمَّعة ومجهولة الهوية.

ويتابع: «هناك قيمة حقيقية في السياق الذي توفره هذه البيانات، ولكن هذه القيمة لا تبرر أبداً المساس بسيطرة العميل على معلوماته. الاختيار المسبق والموافقة أولاً، أو لا يتم الأمر».

ويؤكد أن موقف الشركة من ملكية البيانات واضح، رغم وجود مساحة رمادية في القطاع عموماً: «بيانات العميل تخص العميل». ويضيف أن الشركة لا تستخدم المعلومات الصحية الشخصية للعملاء، ولا تقدمها إلى أصحاب العمل ولا لشركات التأمين ولا لأي طرف ثالث.

تكشف البيانات أن انسحاب العميل يحدث غالباً تدريجياً ويمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف مؤشرات التراجع قبل التوقف الفعلي بأسابيع (أدوبي)

توحيد الأساس لا العلاقة

يمكن للذكاء الاصطناعي أيضاً أن يساعد على رفع مستوى الجودة، عبر مدن أو نوادٍ ومشغلين مختلفين، ولكن منير يتحفظ على كلمة «التوحيد» عندما يتعلق الأمر بالتدريب الشخصي. ويرى أن من الممكن تطبيق قوالب مشتركة، ومنطق موحد لتصميم البرامج، وأسس جودة ثابتة، وهو ما يساعد الذكاء الاصطناعي على رفع الحد الأدنى من الجودة عبر أماكن متعددة في وقت واحد. ولكن العلاقة نفسها لا ينبغي توحيدها. ويختصر الفكرة بقوله: «وحِّد الأساس، ولا توحِّد العلاقة».

ما الذي يمكن إثباته اليوم؟

فيما يتعلق بقياس أثر الذكاء الاصطناعي، يميز منير بين ما يمكن إثباته اليوم وبين ما قد يصبح ممكناً لاحقاً. ويشير إلى أن الأدلة الحالية ذات طبيعة سلوكية في المقام الأول، مثل استمرار الالتزام، وطول العلاقة مع العميل، وقدرته على الاستمرار في التدريب بمرور الوقت.

أما استخدام الذكاء الاصطناعي لقراءة مؤشرات صحية والتوصية بناءً عليها، فيعتبره مجالاً يحتاج إلى معالجة قانونية وأخلاقية أكثر وضوحاً قبل التوسع فيه. ويقول: «خريطة الطريق ستتجه في النهاية إلى نماذج تستطيع قراءة المؤشرات الصحية والوصف بشكل أفضل، ولكن ما إذا كان ذلك ممكناً قانونياً وأخلاقياً، فلا يزال منطقة رمادية، والموضوع شديد الحساسية بحيث لا يمكن ببساطة تسليمه إلى الذكاء الاصطناعي».

تجربة ممكنة في السعودية لمدة 12 شهراً

يقترح منير تجربة عملية في السعودية لا تختبر ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج برنامج أفضل؛ بل ما إذا كان يستطيع مساعدة المدرب على إبقاء العلاقة مع العميل لفترة أطول.

وتقوم الفكرة على اختيار مجموعة من العملاء الجدد في مدينتين أو 3 مدن سعودية، مع الحفاظ على النوادي والمدربين أنفسهم قدر الإمكان، ثم تقسيم التجربة إلى مجموعتين: تعمل الأولى بالطريقة التقليدية، بينما تستخدم الثانية دعماً من الذكاء الاصطناعي في إعداد البرامج، ورصد العلامات المبكرة لتراجع الالتزام، وتزويد المدرب بمعلومات تساعده في الجانب البشري من عمله.

ويُقاس الأثر على مدى 12 شهراً من خلال مؤشرات، مثل: مدة بقاء العميل، وانتظامه في الحضور، واستمراره في التدريب بعد انتهاء الباقة الرسمية، إلى جانب عدد محدود من المؤشرات الصحية الأساسية في بداية التجربة ونهايتها. ويتوقع طارق منير أن تتفوق المجموعة المدعومة بالذكاء الاصطناعي؛ ليس لأن برامجها ستكون أكثر ذكاءً بالضرورة؛ بل لأن المدربين سيتمكنون من اكتشاف تراجع الالتزام بشكل أبكر، والحفاظ على العلاقة لفترة أطول. ويرى أن السعودية بيئة مناسبة لمثل هذه الدراسة، بسبب سرعة توسع السوق، ووجود اهتمام متزايد بقياس النتائج بصورة أكثر مصداقية.


كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي
TT

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

هل رأيت يوماً أحد المشاهير البارزين يروج لحبوب جديدة لإنقاص الوزن تحمل اسماً غريباً؟ أو ربما شركة تعرض منتجاً جديداً لم تسمع به من قبل؟

إن الإعلانات الزائفة منتشرة في كل مكان على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد سهّل الذكاء الاصطناعي عملية إنشاء موافقات زائفة، وسرقة ملامحك، أو هويتك البصرية، إذ يمكنه التلاعب بصورة الرئيس التنفيذي لشركتك ليظهر وكأنه يروج لعملية احتيال استثماري، أو قد يَظهر رياضي شهير وهو يُروج لمكمل غذائي زائف، أو يبدو أحد المؤثرين وكأنه يُروج لعملة مشفرة لم يسمع بها أحد قط. وبالنسبة لأصحاب الأعمال والقادة، لا يقتصر الأمر على كونه مسألة قانونية فحسب، بل يُشكل خطراً على العلامة التجارية، كما كتب كين ستيرلينغ (*).

حماية الثقة في العلامة التجارية في عصر الذكاء الاصطناعي

تُعد الثقة أهم أصولك؛ فإذا بدأ المستخدمون في افتراض أن كل ما يرونه عبر الإنترنت زائف، فإن الثقة في علامتك التجارية ستتراجع. ولسوء الحظ، فإن محاولة إيقاف المحتوى الزائف تشبه لعبة من دون جدوى؛ فحتى عندما ترسل أنت أو فريقك القانوني إشعاراً للمنصة لإزالة المحتوى، قد تظهر نسخة أخرى من المحتوى نفسه في غضون ساعات.

إجراءات لمواجهة المحتوى الزائف

ولهذا السبب، وبصفتي محامياً متخصصاً في مجالات الإعلام والأعمال والتكنولوجيا في منطقة «سنشري سيتي» Century City) -مع التركيز على التقاطع بين القانون والإعلام والتكنولوجيا - فإنني أقدم المشورة للعلامات التجارية حول كيفية البقاء في الصدارة ومواكبة تطورات الذكاء الاصطناعي.

وفيما يلي ثلاثة إجراءات يمكنك اتخاذها للاستعداد لمواجهة المحتوى الإعلامي الزائف:

الحد من انكشافك بتقليل المواد المتاحة

* اجعل من الصعب على المحتالين تزييف المحتوى الخاص بك. تتطلب تقنية التزييف العميق بيانات تدريب، وتحديداً تسجيلات صوتية نقية ومقاطع فيديو عالية الدقة للمسؤولين التنفيذيين أو المتحدثين الرسميين باسمك. يمكنك الحد من هذا الانكشاف من خلال تدقيق المحتوى الخاص بك.

* دقق البصمة الرقمية للمسؤولين التنفيذيين: راجع جميع التسجيلات العامة لك ولأعضاء فريقك للحد من انكشاف المعلومات. ويشمل ذلك الكلمات الرئيسية في المؤتمرات، ومكالمات إعلان الأرباح، والمشاركات في البودكاست. وعند الإمكان، قيّد إمكانية الوصول العام إلى أرشيفات الفيديو والصوت.

* استخدم أدوات المراقبة المستمرة للهوية عبر الذكاء الاصطناعي: استخدم أدوات آلية للزحف عبر الويب (web-crawling) مثل BrandShield أو ZeroFox أو Ceartas. إذ تقوم هذه الأدوات بمسح منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الإعلانات وسجلات النطاقات بحثاً عن أي استخدام غير مصرح به لوجوه وأصوات المسؤولين التنفيذيين أو العلامات التجارية للشركة. كلما أدركت الأمر مبكراً، قلّ حجم الضرر الذي يلحق بعلامتك التجارية.

حدِّث عقودك للحد من المخاطر القانونية

اطلب من فرق التسويق والشؤون القانونية تحديث جميع العقود المبرمة مع المواهب والوكالات والشخصيات المتعاونة، وذلك لضمان القدرة على التصدي لعمليات الاحتيال الإعلامي القائمة على الذكاء الاصطناعي فور وقوعها.

*أضف بنوداً صريحة تتعلق باستخدام «المحتوى المُولَّد اصطناعياً» (synthetic media). حدِّد بوضوح الجهة التي تمتلك حقوق إنشاء أو تدريب أو توزيع الصوت والصورة (أو الملامح) الخاصة بالمتحدث الرسمي أو المسؤول التنفيذي.

*أدرج التزاماً بالإبلاغ. ألزم شركاء العلامة التجارية والمؤثرين بإخطار شركتك فوراً في حال وجود أدلة على قيام أي طرف بإساءة استخدام صورهم أو ملامحهم فيما يتعلق بعلامتك التجارية.

أعِدَّ خطة استجابة سريعة

كن مستعداً للتحرك بسرعة عند استهداف علامتك التجارية بمحتوى زائف؛ فكلما كانت استجابتك أسرع، قلّ الضرر الذي يلحق بعلامتك التجارية جراء هذا المحتوى.

*جهِّز مسودات بيانات للتعامل مع الحوادث مسبقاً. أعدَّ نماذج لاتصالات الطوارئ لاستخدامها من قبلك أو من قبل فرق العلاقات العامة لدحض المحتوى الزائف قبل انتشار حالة من الذعر في السوق أو بين المستهلكين.

*حدِّد جهات اتصال مباشرة. أنشئ قوائم اتصال بفرق الشؤون القانونية في منصات التواصل الاجتماعي لتتمكن من إزالة المحتوى الزائف فور علمك بوجوده.

إن المحتوى الزائف ينتشر في كل مكان، ولكن يمكنك الحد من تأثيره على ثقة المستهلكين وقيمة علامتك التجارية. فالشركات التي تستعد الآن ستكون في وضع أفضل لحماية علامتها التجارية.

* مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)
بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)
TT

بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)
بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)

وضعت شركة «أنثروبيك» نظاماً جديداً لتمييز المحتوى الذي تنتجه نماذج «كلود» «Claude» بعلامات قابلة للقراءة آلياً، بحيث تحمل النصوص بصمة مائية غير محسوسة، فيما تحصل الملفات المدعومة على بيانات رقمية موقعة توضح مصدرها. وتقول الشركة إن نماذج «Claude» التي تُطلق ابتداء من 2 أغسطس (آب) 2026 تدعم هذه العلامات منذ إطلاقها، بينما تعمل على إضافة الخاصية إلى النماذج الأقدم خلال الفترة الانتقالية.

وتأتي الخطوة بعد توقيع «أنثروبيك» على مدونة الممارسات المرتبطة بالمادة 50 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، التي تركز على شفافية المحتوى المولد أو المعدل باستخدام الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من ارتباط النظام بالمتطلبات الأوروبية، تقول الشركة إن العلامات ستطبق على مخرجات النماذج المدعومة في جميع المناطق التي يتوافر فيها «كلود» «Claude»، وليس داخل أوروبا فقط.

بصمة داخل النص نفسه

تختلف الآلية التي تعتمدها «أنثروبيك» للنصوص عن الملصقات المرئية التي قد تظهر بجانب الصور أو المنشورات. فعندما يولد نموذج مدعوم نصاً، يدمج داخله علامة مائية تقول الشركة إنها غير محسوسة ولا تغير المعنى أو جودة الكتابة أو قابلية القراءة.

وبما أن العلامة تصبح جزءاً من النص نفسه، فإنها تنتقل معه عند النسخ واللصق إلى تطبيق أو موقع آخر، وقد تبقى موجودة بعد بعض عمليات التحرير. كما يجري تطبيقها على مستوى النموذج، ما يعني أنها لا ترتبط بواجهة واحدة.

وتشمل الخطة مخرجات النماذج المدعومة عبر «Claude» و«Claude Code» و«Claude Cowork» و«Claude Tag» وواجهة «Claude Platform» البرمجية، كما تنطبق العلامة النصية عند الوصول إلى النماذج المدعومة من خلال «AWS» و«Google Cloud» و«Microsoft Foundry».

غياب العلامة لا يثبت أن المحتوى بشري لأن إعادة الصياغة الواسعة أو تحويل الملفات قد تؤدي إلى إضعاف العلامة أو فقدانها (رويترز)

معيار مختلف للملفات

بالنسبة إلى الملفات المدعومة، ومنها صيغ مثل «PNG » و«JPEG» و«SVG»، تستخدم «أنثروبيك» بيانات منشأ رقمية موقعة تعتمد معيار «C2PA»، وهو معيار مفتوح يستخدم لتسجيل معلومات عن مصدر المحتوى وما طرأ عليه من معالجة.

وعند وجود هذه البيانات، يمكن الإشارة إلى أن الملف عولج باستخدام «Claude» والمساعدة في التحقق مما إذا كان قد تعرض لاحقاً للتغيير. إلا أن دعم بيانات المنشأ قد يختلف من منصة إلى أخرى، بحسب أنواع الملفات والخصائص التي توفرها كل خدمة.

العلامة لا تثبت من كتب النص

تؤكد «أنثروبيك» أن اكتشاف بصمة «Claude» لا يمثل دليلاً قاطعاً على أن النموذج أنشأ النص أو الفكرة من البداية. فقد يكتب المستخدم مادة كاملة بنفسه، ثم يستخدم «Claude» للتدقيق أو الترجمة أو التلخيص أو إعادة التنسيق، وعندها يمكن أن يحتوي الناتج على العلامة رغم أن المادة الأصلية جاءت من مصدر بشري. ولهذا تشير العلامة إلى احتمال أن المحتوى عولج بواسطة Claude، وليس بالضرورة إلى أن النموذج هو مؤلفه الأصلي. وفي الاتجاه المقابل، لا يعني غياب علامة قابلة للكشف أن النص بشري. فقد تختفي الإشارة بعد إعادة صياغة واسعة أو ترجمة أو دمج المحتوى مع نصوص أخرى، كما أن المقاطع القصيرة قد لا تحتوي مادة كافية لإنتاج إشارة موثوقة. أما في الملفات، فيمكن أن تضيع بيانات المنشأ بسبب تحويل الصيغة أو إعادة الحفظ أو أخذ لقطة شاشة أو عمليات معالجة أخرى.

تُضاف العلامة في أثناء عملية التوليد نفسها وهو ما يختلف عن أدوات كشف الذكاء الاصطناعي التي تحلل النص بعد كتابته وتحاول تخمين مصدره (أدوبي)

طرح أدوات الكشف

تعمل «أنثروبيك» أيضاً على توفير وسائل للمستخدمين والأطراف الثالثة لاكتشاف العلامات النصية وبيانات المنشأ، وقالت إنها ستنشر تفاصيل تقنية إضافية حول آليات الكشف لاحقاً. وحتى 12 أغسطس 2026، لم تكشف الشركة علناً عن التفاصيل التقنية الكاملة للطريقة المستخدمة في إنشاء البصمة النصية أو فحصها. ويختلف هذا النهج عن أدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي التي تحلل الأسلوب بعد إنتاجه وتحاول تقدير احتمالية أن يكون قد كُتب بواسطة نموذج. ففي حالة «Claude»، تُضاف الإشارة في أثناء عملية التوليد نفسها، ثم يجري البحث عن وجودها لاحقاً.

فترة انتقالية للنماذج السابقة

لا تشمل العلامات جميع إصدارات «Claude» القديمة تلقائياً في الوقت الحالي. وتوضح الشركة أن النماذج التي سبقت 2 أغسطس 2026 تدخل ضمن فترة انتقالية، وأن العمل جارٍ لإضافة دعم العلامات إليها. وتشير قواعد الاتحاد الأوروبي إلى مهلة انتقالية تمتد أربعة أشهر للنماذج والأنظمة السابقة، وهو ما يضع 2 ديسمبر (كانون الأول) 2026 محطة مهمة في تطبيق المتطلبات على المنتجات القديمة.

وبذلك يجمع نظام «أنثروبيك» بين بصمة مدمجة في النص وبيانات منشأ موقعة للملفات، مع تطبيق عالمي على النماذج المدعومة، لكنه يبقى أداة لتقديم إشارة إلى مسار معالجة المحتوى، وليس وسيلة نهائية لإثبات ما إذا كان النص بشرياً أو مولداً بالكامل بالذكاء الاصطناعي.