«الملعب الشبح»... منظومة احتيال رقمية تلاحق مشجعي كأس العالم 2026

3800 عنوان موقع إلكتروني مسجّل بانتظار ذروة الطلب على المونديال

تجمع منظومة «الملعب الشبح» بين الإعلانات المدفوعة والتصيد وسرقة الحسابات والبرمجيات الخبيثة والتذاكر ومنصات البث الوهمية (شاترستوك)
تجمع منظومة «الملعب الشبح» بين الإعلانات المدفوعة والتصيد وسرقة الحسابات والبرمجيات الخبيثة والتذاكر ومنصات البث الوهمية (شاترستوك)
TT

«الملعب الشبح»... منظومة احتيال رقمية تلاحق مشجعي كأس العالم 2026

تجمع منظومة «الملعب الشبح» بين الإعلانات المدفوعة والتصيد وسرقة الحسابات والبرمجيات الخبيثة والتذاكر ومنصات البث الوهمية (شاترستوك)
تجمع منظومة «الملعب الشبح» بين الإعلانات المدفوعة والتصيد وسرقة الحسابات والبرمجيات الخبيثة والتذاكر ومنصات البث الوهمية (شاترستوك)

لم تعد عمليات الاحتيال المرتبطة بالبطولات الرياضية الكبرى تقتصر على موقع مزيف يعرض تذاكر غير موجودة، أو رسالة تصيد تطلب بيانات المستخدم. فمع كأس العالم 2026، تكشف حملة تحمل اسم «غوست ستاديوم» أو «الملعب الشبح» عن نموذج أكثر تنظيماً، ويجمع بين آلاف النطاقات الإلكترونية، ومنصات التذاكر المقلدة، والإعلانات المدفوعة، وسرقة الحسابات، والبرمجيات الخبيثة، وخدمات البث الوهمية.

وبحسب يوان أليس هوانغ، رئيسة قسم استقصاء عمليات الاحتيال العالمية في «غروب-آي بي»، فإن ما يميز الحملة هو حجمها، ومستوى تطورها، إذ حددت الشركة أكثر من 4300 نطاق إلكتروني احتيالي، ضمن منظومة تضم ستة أساليب تعمل بصورة متوازية.

وتقول هوانغ في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إن الأمر لا يتعلق «بعمليات احتيال منفصلة»، بل هي عملية منسقة صُممت لاستغلال المشجعين عبر التصيد، والتذاكر المزيفة، وسرقة الحسابات، والبرمجيات الخبيثة، ومنصات البث الاحتيالية.

يوان أليس هوانغ رئيسة قسم استقصاء عمليات الاحتيال العالمية في «غروب-آي بي»

آلاف النطاقات في انتظار اللحظة المناسبة

يمثل عدد النطاقات المكتشفة حتى الآن جزءاً من بنية قابلة للنمو مع تقدم البطولة، وارتفاع الطلب على التذاكر، وخدمات البث. وتتوقع «غروب-آي بي» زيادة العدد كلما اشتدت المنافسة، واقتربت المباريات المهمة، استناداً إلى أن النشاط الإجرامي الإلكتروني يبلغ عادة مستويات أعلى حول الأحداث الرياضية الكبرى.

ولا تعمل جميع النطاقات المكتشفة حالياً. فمن بين أكثر من 4300 نطاق، يوجد نحو 3800 أو موقع إلكتروني مسجّل «مركون»، أي مسجل، لكنه لم يُفعّل بعد لتنفيذ عملية احتيال.

وتشرح هوانغ أن المجرمين يشترون أحياناً أعداداً كبيرة من أسماء النطاقات قبل الحدث بأشهر، ثم يحتفظون بها في حالة خمول حتى ترتفع مستويات الطلب. وتمنحهم هذه الاستراتيجية قدرة على التحرك بسرعة، فإذا اكتُشف أحد المواقع المزيفة، أو أُغلق، يمكنهم تشغيل نطاق بديل خلال فترة قصيرة. وتقول: «هذا يسمح لهم بتفعيل مواقع تصيد جديدة بسرعة إذا جرى اكتشاف المواقع القائمة، أو إزالتها».

ويجعل هذا الأسلوب التعامل مع الحملة أكثر صعوبة، لأن إغلاق موقع واحد لا يؤدي بالضرورة إلى تعطيل النشاط. فالبنية الأساسية موزعة على آلاف العناوين، ويمكن إعادة إنشاء الصفحات والخدمات المزيفة خلال ساعات.

الندرة والاستعجال بوابتان للاحتيال

تعتمد الحملة على عامل نفسي أساسي يتمثل في الخوف من فقدان الفرصة. فارتفاع الطلب على تذاكر كأس العالم ومحدودية المعروض يدفعان بعض المشجعين إلى اتخاذ قرارات سريعة، خصوصاً عند ظهور عرض يبدو أرخص، أو أكثر توافراً من القنوات الرسمية.

وتوضح هوانغ أن المحتالين يستخدمون الخصومات الوهمية، والعروض المزيفة، والرسائل التي توحي بأن الوقت ينفد، بهدف دفع الضحية إلى إتمام عملية الشراء قبل التحقق من هوية البائع، أو صحة الموقع.

ولا تقتصر الخدعة على إعلان بسيط، أو صفحة ضعيفة التصميم. فقد طورت حملة «الملعب الشبح» نسخاً تحاكي بدرجة دقيقة المواقع الشرعية المرتبطة بالبطولة، إلى جانب منصات تذاكر مقلدة، ومسارات دفع تبدو واقعية.

وتعد هوانغ أن هذه المواقع صُممت كي تبدو أصلية، ما يجعل التمييز بينها وبين الخدمات الشرعية أكثر صعوبة بالنسبة إلى المستخدم العادي. وهنا تتراجع فعالية المؤشرات البصرية التقليدية التي كان يعتمد عليها الجمهور، مثل الأخطاء اللغوية، أو التصميم الرديء، أو الصفحات غير المكتملة. فكلما اقترب الموقع المزيف من الشكل الرسمي، زادت احتمالات أن يثق به المستخدم، ويدخل بياناته الشخصية، أو المصرفية.

تستغل الحملة ندرة التذاكر والخوف من فقدان الفرصة لدفع المشجعين إلى الشراء قبل التحقق من الموقع أو البائع (شاترستوك)

منظومة واحدة وليست خدعاً منفصلة

تعمل عناصر الحملة بصورة مترابطة. فالإعلانات المدفوعة على وسائل التواصل الاجتماعي تجذب المستخدمين إلى صفحات التصيد، ثم تُستخدم هذه الصفحات للحصول على أسماء الدخول، وكلمات المرور. ويمكن بعد ذلك بيع الحسابات المسروقة، أو استخدامها للوصول إلى تذاكر حقيقية مرتبطة بها.

وفي مسار آخر، قد تحمل المواقع برمجيات خبيثة تجمع معلومات إضافية من أجهزة الضحايا، بينما تحقق متاجر التذاكر المزيفة ومنصات البث الوهمية أرباحاً مالية مباشرة. وتشرح هوانغ هذا الترابط بالقول: «إعلانات وسائل التواصل الاجتماعي توجه الزيارات إلى مواقع التصيد، ومواقع التصيد تسرق بيانات الدخول، ويمكن إعادة بيع الحسابات المخترقة، بينما تجمع البرمجيات الخبيثة معلومات إضافية».

وتضيف أن خدمات التذاكر والبث المزيفة تولد بدورها احتيالاً مالياً مباشراً، لتعمل جميع هذه المكونات معاً ضمن منظومة تهدف إلى تعظيم الأرباح الإجرامية. ويغيّر هذا النموذج طبيعة الخطر. فالمستخدم قد يدخل إلى الحملة عبر إعلان لتذكرة، لكنه لا يخسر ثمن الشراء فقط. وقد تنتهي العملية أيضاً بسرقة حسابه، أو بياناته الشخصية، أو معلومات الدفع، أو إصابة جهازه ببرنامج ضار.

حسابات حقيقية وتذاكر قابلة للسرقة

رصد التحقيق أكثر من 2500 من بيانات الدخول إلى حسابات مرتبطة بـ«فيفا» معروضة بالفعل في أسواق الويب المظلم. ويؤدي ذلك إلى مخاطر تتجاوز إنشاء حسابات وهمية، أو بيع تذاكر غير موجودة.

فالوصول إلى حساب شرعي قد يمكّن المجرمين من الاستيلاء على تذاكر حقيقية، أو تغيير بيانات الحساب، أو إعادة بيع التذاكر إلى مشترين آخرين. وفي هذه الحالة يمكن أن يخسر الضحية أمواله وفرصته في حضور المباراة معاً.

وتفيد هوانغ بأن الخطر الأكثر مباشرة هو الاستيلاء على الحساب، موضحة أن المجرمين يستطيعون الدخول إلى حسابات التذاكر الشرعية، وسرقة محتوياتها، أو تغيير تفاصيلها.

ويكشف هذا الجانب أن حماية الحساب لا تقل أهمية عن التحقق من موقع بيع التذاكر. فكلمة مرور ضعيفة أو معاد استخدامها في خدمات متعددة قد تمنح المحتالين مدخلاً إلى أصول رقمية ذات قيمة مباشرة.

رصدت «غروب-آي بي» أكثر من 4300 نطاق احتيالي مرتبط بكأس العالم 2026 (شاترستوك)

لماذا لا يكفي إغلاق المواقع؟

يعتمد الرد التقليدي على الاحتيال الإلكتروني غالباً على اكتشاف الموقع المزيف، وإزالته. لكن هذا الأسلوب وحده لا يتناسب مع حملة قابلة للتوسع، وتملك آلاف النطاقات البديلة. وتصرح هوانغ بأن «الجماعات الإجرامية تعمل عبر آلاف النطاقات في الوقت نفسه، ويمكنها استبدال المواقع المعطلة خلال ساعات».

لذلك يتطلب تعطيل الحملة استهداف المنظومة الأوسع، بما يشمل الجهات التي تقف خلفها، والبنية التقنية المستخدمة، وقنوات الإعلان التي تجلب الضحايا، والخدمات الإجرامية المساندة.

كما تطرح «غروب-آي بي» في هذا السياق مفهوم «دمج مكافحة الاحتيال السيبراني» الذي يجمع معلومات التهديدات السيبرانية، وبيانات الاحتيال، ومراقبة المخاطر الرقمية، وقدرات التحقيق ضمن رؤية واحدة للنشاط الإجرامي. وبحسب هوانغ، يساعد هذا الدمج المؤسسات على اكتشاف الحملات في مرحلة أبكر، وفهم طريقة عملها، والتحرك لتعطيلها قبل إصابة أعداد كبيرة من المستخدمين.

المشجع العربي ليس خارج دائرة الخطر

لم يرصد التحقيق مجموعة فرعية مخصصة لاستهداف الشرق الأوسط، أو السعودية، كما لم يجد بنية احتيالية صُممت حصراً لوسائل دفع إقليمية محددة. لكن غياب الاستهداف المباشر لا يعني أن مستخدمي المنطقة بمنأى عن الحملة.

فمنظومة التصيد تدعم العربية ضمن 11 لغة، بما يسمح بعرض محتوى محلي تلقائياً للمستخدمين الناطقين بالعربية. كما تحاكي الصفحات المزيفة موقع «فيفا»، بينما تقبل بعض متاجر التذاكر الاحتيالية مدفوعات بالعملات المشفرة التي يمكن استخدامها عبر الحدود. وتقول هوانغ إن الحملة «لا تستهدف منطقة معينة، بل تستهدف الطلب»، مشيرة إلى أن الطلب على تذاكر كأس العالم عالمي.

وتزيد الإعلانات المدفوعة على «فيسبوك» من اتساع نطاق الوصول، إذ يمكن لأي مشجع يبحث عبر الإنترنت عن تذاكر، أو خدمات مرتبطة بالبطولة أن يواجه إعلاناً يقوده إلى موقع مزيف، بمن في ذلك مستخدمو السعودية، ودول الخليج.

تداولت أسواق الويب المظلم بيانات دخول لأكثر من 2500 حساب مرتبط بـ«فيفا» ما يهدد بسرقة التذاكر والاستيلاء على الحسابات (شاترستوك)

خطوات أساسية قبل الشراء أو المشاهدة

تنصح هوانغ المشجعين بالاعتماد على القنوات الرسمية كلما أمكن، والتحقق بدقة من عنوان الموقع قبل إدخال أي معلومات، وتجنب الضغط على إعلانات وسائل التواصل التي تروج لتذاكر مخفضة.

كما تدعو إلى الحذر من العروض الجذابة بصورة غير معتادة، خصوصاً عندما تكون مصحوبة بضغط زمني، أو ادعاء بوجود عدد محدود من التذاكر. وتقول: «إذا بدا العرض أفضل من أن يكون حقيقياً، فهو على الأرجح كذلك».

ولا يقتصر الحذر على شراء التذاكر، حيث إن الخطر يشمل أيضاً باقات السفر المزعومة، وخدمات البث المباشر، وصفحات الدعم الفني المزيفة، وأي خدمة تطلب بيانات الدخول، أو الدفع خارج المسارات الرسمية.

الذكاء الاصطناعي يرفع مستوى الإقناع

قد تصبح الحملات المقبلة أكثر صعوبة في الاكتشاف مع توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وتتوقع هوانغ ظهور وكلاء دعم مزيفين أكثر واقعية، ومواقع مولدة آلياً، وحملات تصيد متعددة اللغات، ومحتوى بتقنيات التزييف العميق ينتحل صفات علامات موثوقة، أو رياضيين، أو جهات منظمة.

وتلفت إلى أن الذكاء الاصطناعي «سيجعل عمليات الاحتيال على الأرجح أكثر إقناعاً، وتخصيصاً»، ما يقلل المؤشرات المرئية التي اعتمد عليها المستهلكون سابقاً لاكتشاف الخداع. وبذلك تتحول المواجهة من البحث عن أخطاء واضحة في الرسالة أو الموقع إلى التحقق من المصدر، والمسار الرسمي، وهوية الجهة التي تطلب البيانات، أو الأموال.


مقالات ذات صلة

روبوت بشري يتجاوز التقليد إلى تركيب حركات جديدة بالذكاء الاصطناعي

تكنولوجيا شملت التجارب الركض والرقص والقفز والركلات والعجلات الهوائية مع نقل عدد من المهارات من المحاكاة إلى روبوت حقيقي (الجامعة)

روبوت بشري يتجاوز التقليد إلى تركيب حركات جديدة بالذكاء الاصطناعي

درّب باحثون روبوتاً بشرياً على حركات معقدة باستخدام بيانات بشرية محدودة ما أتاح له مزج المهارات وتنفيذ مهام جديدة بمرونة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)

خاص «إرنست ويونغ» لـ«الشرق الأوسط»: سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتجاوز البيانات إلى بناء القدرات

ترى «إرنست ويونغ» أن سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتطلب قدرات محلية ومواهب وحوكمة لا توطين البيانات والبنية فقط.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص تقيس «تحالف» أثر «Money20/20 الشرق الأوسط» بما ينتج عنه من عملاء واستثمارات وشراكات ودخول أسواق لا بعدد الاجتماعات وحده (الشركة)

خاص «تحالف» لـ«الشرق الأوسط»: الرياض تختبر قدرة الفعاليات العالمية على إنتاج أثر اقتصادي مستدام

تبحث «تحالف» في تحويل «Money20/20» إلى منصة ذات أثر مستدام عبر العملاء والاستثمارات والشراكات والتوسع المحلي والدولي للشركات.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا يبحث المنتدى صياغة التوصيات الكفيلة بتوفير بيئة عمل أخلاقية تحمي العلماء والمجتمعات البشرية (سدايا)

مؤتمر دولي في الرياض يناقش إقرار أطر «الذكاء الاصطناعي المسؤول»

يبحث «منتدى اليونيسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي 2026»، الذي تستضيفه الرياض، الأسبوع المقبل، بناء أطر للاستخدام الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
صحتك تصلب الشرايين... هل بإمكان الذكاء الاصطناعي معاونة طبيبك على رصده؟

تصلب الشرايين... هل بإمكان الذكاء الاصطناعي معاونة طبيبك على رصده؟

يُشار أحياناً إلى تصلُّب الشرايين - الذي ينجم عن تراكم اللويحات داخل جدران الشرايين بمصطلح «تصلب الشرايين atherosclerosis» (أو تيبُّسها).

جولي كورليس (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية)

روبوت بشري يتجاوز التقليد إلى تركيب حركات جديدة بالذكاء الاصطناعي

شملت التجارب الركض والرقص والقفز والركلات والعجلات الهوائية مع نقل عدد من المهارات من المحاكاة إلى روبوت حقيقي (الجامعة)
شملت التجارب الركض والرقص والقفز والركلات والعجلات الهوائية مع نقل عدد من المهارات من المحاكاة إلى روبوت حقيقي (الجامعة)
TT

روبوت بشري يتجاوز التقليد إلى تركيب حركات جديدة بالذكاء الاصطناعي

شملت التجارب الركض والرقص والقفز والركلات والعجلات الهوائية مع نقل عدد من المهارات من المحاكاة إلى روبوت حقيقي (الجامعة)
شملت التجارب الركض والرقص والقفز والركلات والعجلات الهوائية مع نقل عدد من المهارات من المحاكاة إلى روبوت حقيقي (الجامعة)

طوّر باحثون من جامعتي كاليفورنيا في بيركلي وستانفورد إطاراً جديداً للذكاء الاصطناعي يتيح للروبوتات البشرية تعلم مجموعة واسعة من الحركات المعقدة انطلاقاً من بيانات الحركة البشرية، بما يشمل الركض والرقص والقفز والحركات القتالية والعجلات الهوائية. ويحمل النظام اسم «BeyondMimic»، وقد نُشرت نتائجه في مجلة «Science Robotics».

الفكرة الأساسية لا تقتصر على جعل الروبوت يقلّد حركة بعينها، بل على تدريبه على مجموعة من المهارات الحركية ثم منحه القدرة على تركيبها واستخدامها في مهام لم يواجهها أثناء التدريب. ويستهدف الباحثون بذلك معالجة أحد أبرز تحديات الروبوتات البشرية الحالية، إذ تستطيع كثير من الأنظمة تنفيذ مجموعة محدودة من الحركات بشكل جيد، لكنها تحتاج غالباً إلى تدريب أو ضبط منفصل لكل حركة أو مهمة جديدة.

ساعتان ونصف من الحركة البشرية

اعتمد الفريق في التدريب على نحو 2.5 ساعة من بيانات الحركة البشرية، تضمنت المشي والركض والرقص وفنوناً قتالية وقفزات وحركات أكروباتية أخرى. وبعد ذلك جرى تكييف هذه الحركات مع أبعاد ومفاصل روبوت «G1» البشري من شركة «Unitree Robotics».

واستخدم الباحثون التعلم المعزز لتدريب سياسات التحكم على محاكاة مواضع أعضاء الجسم واتجاهاتها وسرعاتها أثناء الحركة. وفي هذا النوع من التدريب، يحصل النظام على مكافآت عندما يتتبع الحركة المرجعية بصورة دقيقة، بينما تُفرض عليه عقوبات عند تنفيذ حركات متقطعة أو وضع المفاصل في أوضاع غير آمنة أو التسبب في احتكاكات غير مرغوبة بين أجزاء الجسم.

ووفق الفريق، أتاحت هذه الطريقة للروبوت إتقان حركات شديدة الديناميكية ضمن إعداد موحد بدلاً من الحاجة إلى ضبط منفصل لكل مهارة. وتشمل الأمثلة الركض والركلات الدورانية والركلات الهوائية والعجلات الأكروباتية.

من التقليد إلى تركيب الحركات

الجزء الأكثر أهمية في «BeyondMimic» يأتي بعد مرحلة التقليد المباشر. فقد استخدم الباحثون نموذجاً رياضياً لضغط الحركات التي تعلمها الروبوت إلى تمثيل مبسط، ثم دربوا نموذج انتشار «Diffusion Model» على استخدام هذه التمثيلات لإنشاء تسلسلات حركية جديدة. وبذلك، لا يحتاج الروبوت إلى استدعاء حركة محفوظة كما هي فقط، بل يمكنه مزج مجموعة من المهارات الحركية بما يتناسب مع الهدف المطلوب.

وتوضح الصفحة الرسمية للمشروع أن النظام يستطيع تنفيذ مهام مثل التحرك نحو نقاط محددة، والتحكم عبر عصا قيادة وتجنب العوائق من دون تدريب منفصل مخصص لكل مهمة. ويصف الباحثون هذه القدرة بأنها انتقال من مجرد تتبع الحركة إلى تحكم أكثر مرونة في كامل جسم الروبوت.

يهدف النهج إلى بناء روبوتات بشرية أكثر مرونة قادرة على التكيف مع مهام متعددة من دون إعادة تدريب منفصلة لكل حركة (الجامعة)

اختبار المهارات على روبوت حقيقي

بدأ الباحثون باختبار النظام في المحاكاة، قبل نقل مجموعة من المهارات إلى روبوت «Unitree G1» فعلي. وتم نشر 30 مقطعاً حركياً تمثيلياً على الروبوت، الذي تمكن من تنفيذ حركات تضمنت أوضاع التوازن والرقص والزحف والركض والركلات والقفزات الدورانية والعجلات الهوائية.

كما شملت التجارب تقييماً بشرياً لمقارنة طبيعية الحركة. وشارك 77 شخصاً في مقارنة طريقة المشي والركض الناتجة عن «BeyondMimic» مع الحركات التي ينتجها نظام التحكم القياسي الخاص بروبوت «Unitree». وفي 70.8 في المائة من المقارنات، اعتبر المشاركون أن حركات «BeyondMimic» تبدو أكثر طبيعية وشبهاً بحركة الإنسان.

الذكاء الاصطناعي المادي

تتجاوز أهمية هذا النوع من الأبحاث استعراض قدرات الروبوت على أداء الحركات الأكروباتية. فإحدى المشكلات الأساسية في تطوير الروبوتات البشرية تتمثل في بناء أنظمة تحكم يمكنها التعامل مع مهام متنوعة من دون إعادة تدريب كاملة في كل مرة.

ويشير الباحثون إلى أن النظام يستطيع استخدام المهارات المكتسبة للتعامل مع أهداف جديدة، مثل تجنب العوائق أو التنقل إلى موقع محدد، مع نقل هذه القدرات من المحاكاة إلى الأجهزة الحقيقية مباشرة في بعض الاختبارات. ويمثل هذا النوع من المرونة عنصراً مهماً في تطوير ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي المادي، حيث لا تقتصر النماذج على معالجة النصوص أو الصور، بل تتحكم في آلات وروبوتات تتفاعل مباشرة مع البيئة المحيطة.

آفاق الاستخدامات العملية

لا يعني نجاح التجارب أن الروبوت أصبح جاهزاً لتنفيذ جميع المهام البشرية في البيئات الواقعية. فالنتائج الحالية تركز أساساً على التحكم الحركي وتوليد حركات مرنة، وليس على إتمام مهام صناعية أو منزلية معقدة بصورة مستقلة.

ويشير فريق البحث إلى إمكانية توسيع النظام مستقبلاً ليشمل نطاقاً أوسع من الحركات واختباره على منصات روبوتية بشرية أخرى. كما يفتح النهج الباب أمام تدريب الروبوتات على مكتبات أكبر من الحركة البشرية، ثم استخدام تلك المهارات في مهام لم تكن جزءاً مباشراً من بيانات التدريب الأصلية.

ويبقى التحدي التالي هو الانتقال من إتقان الحركة نفسها إلى دمجها مع الإدراك والتخطيط واتخاذ القرار، بحيث لا يعرف الروبوت فقط كيف يتحرك مثل الإنسان، بل أيضاً متى يستخدم الحركة المناسبة لتنفيذ مهمة حقيقية بأمان وكفاءة.


«إرنست ويونغ» لـ«الشرق الأوسط»: سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتجاوز البيانات إلى بناء القدرات

البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)
البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)
TT

«إرنست ويونغ» لـ«الشرق الأوسط»: سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتجاوز البيانات إلى بناء القدرات

البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)
البنية التحتية والحوسبة وحدهما لا تولدان قيمة اقتصادية ما لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى استخدام فعلي داخل المؤسسات (شاترستوك)

لم تعد سيادة الذكاء الاصطناعي تُختصر في مكان وجود مراكز البيانات. فالفجوة بين توطين البنية التحتية وامتلاك القدرة الاستراتيجية أصبحت أكثر وضوحاً؛ إذ يمكن لدولة أن تحتفظ ببياناتها وحوسبتها داخل حدودها، بينما تظل معتمدة على الخارج في تقنيات أو خبرات أو قدرات أساسية.

ويرى ماركو بياجي، قائد الذكاء الاصطناعي والبيانات في «إرنست ويونغ» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن تعريف السيادة يحتاج إلى أن يكون أوسع من مجرد مكان وجود الخوادم والبيانات، خاصة في السعودية، حيث يترافق الاستثمار في البنية الحاسوبية مع توسع سريع في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الاقتصاد والجهات الحكومية،

ويشرح، في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026» الذي عقد في الرياض أواخر أغسطس (آب) الفائت، أن المسألة تشمل القدرة على تطوير المواهب والمعرفة والمنظومة المحلية اللازمة لإنشاء حلول الذكاء الاصطناعي ونشرها وتوسيع استخدامها، بما يعزز القدرة التنافسية والمرونة والاستقلالية على المدى الطويل.

ماركو بياجي قائد الذكاء الاصطناعي والبيانات في «إرنست ويونغ» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (الشركة)

ما الذي يجب أن يبقى تحت السيطرة المحلية؟

داخل هذه المعادلة، يضع بياجي البيانات والبنية التحتية بين المكونات التي تزداد أهميتها باعتبارها أصولاً استراتيجية ينبغي الحفاظ على مستوى مرتفع من السيطرة المحلية عليها.

ووفق رؤيته، لا يعني ذلك بناء منظومة مغلقة أو محاولة الاستغناء عن الشركاء العالميين. فالشراكات يمكن أن تستمر في توفير التكنولوجيا والخبرات والمواهب التي تحتاج إليها السوق خلال مراحل تطور القدرات المحلية.

ويفسر بأن النموذج الأكثر فاعلية يقوم على السيطرة على الأصول الاستراتيجية، مع استخدام التعاون الدولي لتسريع الابتكار وبناء القدرات، بدلاً من التعامل مع السيادة والانفتاح بوصفهما خيارين متعارضين.

هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة للسعودية، لأن بناء منظومة محلية لا يحدث في فراغ. فنماذج الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنى السحابية والبرمجيات تتطور بوتيرة تجعل التعاون مع المنظومات العالمية جزءاً من عملية التطور نفسها.

وبالتالي، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بما إذا كانت المملكة ستستخدم تكنولوجيا عالمية أم لا، وأكثر ارتباطاً بأي أجزاء من سلسلة القيمة تريد الاحتفاظ بقدرة مستقلة على إدارتها وتطويرها واتخاذ القرار بشأنها.

اقتصاد الذكاء الاصطناعي

لكن هل امتلاك البنية لا يعني تلقائياً أن الاستثمار تحوّل إلى قيمة اقتصادية؟

يجيب بياجي بأن البنية التحتية وحدها لا تخلق العائد، وأن الأثر يبدأ عندما تستخدم المؤسسات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وتدمجه في العمليات الأساسية، وتعيد من خلاله تشكيل طريقة أداء العمل واتخاذ القرارات. وبذلك ينتقل مقياس النجاح من كمية القدرة الحاسوبية المتاحة إلى مستوى استخدامها الفعلي، ومدى ارتباطها بطلب حقيقي وتطبيقات يمكن أن تنتج نتائج قابلة للقياس.

وتضع هذه الرؤية أمام المؤسسات السعودية تحدياً مختلفاً عن مجرد شراء التكنولوجيا أو إطلاق تجارب جديدة. فالمسألة تصبح مرتبطة بمدى قدرة الإدارة على اختيار حالات استخدام ذات أثر واضح، وإعادة تصميم العمليات حولها، وإدارة التغيير داخل المؤسسة. ويلفت بياجي إلى أن المؤسسات الأكثر نجاحاً في تبني الذكاء الاصطناعي لا تتعامل معه كمبادرة ابتكار منفصلة، بل تربطه بعمليات العمل الرئيسية، مع إعطاء الأولوية للتطبيقات ذات الأثر المرتفع والاستثمار في إدارة التغيير.

سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية تتجاوز توطين البيانات إلى بناء المعرفة والمواهب والقدرات المحلية (شاترستوك)

من مساعد ذكي إلى «وكيل»

تتغير معادلة السيادة والحوكمة بصورة أكبر مع ظهور أنظمة ذكاء اصطناعي لا تكتفي بتقديم توصية، بل تستطيع تنفيذ سلسلة من الخطوات واتخاذ إجراءات داخل أنظمة المؤسسة. وهنا يميز بياجي بين مفهوم السيادة وقضية الحوكمة والسلامة والمساءلة. فكلما ازدادت استقلالية وكلاء الذكاء الاصطناعي، تحتاج المؤسسة إلى وضع ضوابط تحدد ليس فقط ما الذي يستطيع الوكيل القيام به، وإنما متى يجب إيقافه أو تصعيد القرار إلى شخص مسؤول أو إخضاعه لمراجعة إضافية. ويعتبر أن هذه الضوابط ينبغي أن تدخل في تصميم النظام نفسه، لا أن تضاف بعد نشره، لأن الثقة في الوكلاء المستقلين ستعتمد جزئياً على وضوح حدود عملهم وصلاحياتهم.

أين يجب أن يبقى القرار للإنسان؟

تزداد حساسية هذا السؤال عندما ينتقل الذكاء الاصطناعي إلى قطاعات مثل التمويل والصحة والخدمات الحكومية والبنية التحتية الحرجة. ويرى بياجي أن الإشراف البشري يجب أن يبقى جزءاً أساسياً من القرارات التي تحمل أثراً كبيراً مالياً أو اجتماعياً أو قانونياً أو على السلامة. ففي القطاعات شديدة التنظيم، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع سرعة وكفاءة اتخاذ القرار، لكن المسؤولية النهائية برأيه ينبغي أن تبقى لدى أشخاص مخولين بذلك.

المعادلة التي يطرحها لا تقوم إذاً على الاختيار بين الإنسان والآلة، بل على توزيع مختلف للأدوار حيث تستخدم المؤسسة سرعة الأتمتة وقدرتها على معالجة كميات كبيرة من المعلومات، مع إبقاء الحكم والمسؤولية والمساءلة البشرية في القرارات الأكثر حساسية.

مع توسع وكلاء الذكاء الاصطناعي تصبح الحوكمة وحدود الصلاحيات والمساءلة البشرية عناصر أساسية في التصميم (شاترستوك)

الحوكمة ليست عائقاً للتوسع

تظهر هنا مفارقة أخرى تواجه المؤسسات، حيث إنه كلما توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، ترتفع المخاطر، لكن المبالغة في الضوابط قد تؤدي إلى إبطاء الابتكار.

بياجي يرفض وضع الحوكمة والابتكار في اتجاهين متعاكسين، معتبراً أن الغرض من الحوكمة ليس تقليل عدد مشاريع الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل توفير مستوى من الثقة يسمح للمؤسسة بالانتقال من الاختبارات إلى الاستخدام واسع النطاق ضمن إطار واضح للمخاطر. ويذكر أن المعيار الصحيح ليس تعظيم عدد المبادرات، وإنما تعظيم النتائج التي تحققها الأعمال مع إبقاء المخاطر ضمن الحدود المقبولة.

إنتاج ملكية فكرية سعودية

لا ترتبط المرحلة التالية من بناء السيادة فقط باستخدام حلول موجودة، بل بقدرة السوق المحلية على تطوير منتجات وخدمات وملكية فكرية خاصة بها. ويؤكد بياجي أن الوصول إلى التكنولوجيا لا يكفي لتحقيق ذلك. فبناء الملكية الفكرية المحلية يحتاج إلى تطوير المواهب، وتشجيع ريادة الأعمال، وإنشاء منظومات تدعم الابتكار، والأهم وجود طلب محلي على الحلول المطورة داخل السوق. فكلما اتسع الاستخدام، واكتسبت المؤسسات خبرة أعمق في تطبيق الذكاء الاصطناعي، زادت إمكانية تطوير حلول مختلفة يمكن استخدامها محلياً ثم نقلها إلى أسواق خارجية.

هذه النقطة تنقل مفهوم السيادة إلى مستوى اقتصادي أكثر وضوحاً. فالدولة التي تستضيف التكنولوجيا ليست بالضرورة الدولة التي تنتج القيمة الأعلى منها، ما لم تتشكل داخلها شركات ومهارات وملكية فكرية قادرة على تحويل البنية إلى منتجات وخدمات قابلة للتوسع.

ما الذي سيحدد النجاح بحلول 2030؟

عندما يصل النقاش إلى عام 2030، لا يختار بياجي مؤشراً واحداً للحكم على نجاح المنظومة السعودية. يعد أن المواهب المحلية والملكية الفكرية واستخدام القدرة الحاسوبية والصادرات ومستويات التبني كلها عوامل مهمة. لكنه يعطي وزناً أكبر لمدى الثقة في استخدام الذكاء الاصطناعي وقوة المنظومة التي تدعم هذا الاستخدام.

ويشدد على أن المنظومة القوية تخلق بصورة متتابعة فرصاً لتطوير المواهب وإنتاج الملكية الفكرية والابتكار ورفع استخدام البنية التحتية. وإذا أصبح الذكاء الاصطناعي يحقق قيمة على نطاق واسع في قطاعات متعددة ويدعم نمواً اقتصادياً مستداماً، فإن عدداً من المؤشرات الأخرى سيتحسن تباعاً.


«تحالف» لـ«الشرق الأوسط»: الرياض تختبر قدرة الفعاليات العالمية على إنتاج أثر اقتصادي مستدام

تقيس «تحالف» أثر «Money20/20 الشرق الأوسط» بما ينتج عنه من عملاء واستثمارات وشراكات ودخول أسواق لا بعدد الاجتماعات وحده (الشركة)
تقيس «تحالف» أثر «Money20/20 الشرق الأوسط» بما ينتج عنه من عملاء واستثمارات وشراكات ودخول أسواق لا بعدد الاجتماعات وحده (الشركة)
TT

«تحالف» لـ«الشرق الأوسط»: الرياض تختبر قدرة الفعاليات العالمية على إنتاج أثر اقتصادي مستدام

تقيس «تحالف» أثر «Money20/20 الشرق الأوسط» بما ينتج عنه من عملاء واستثمارات وشراكات ودخول أسواق لا بعدد الاجتماعات وحده (الشركة)
تقيس «تحالف» أثر «Money20/20 الشرق الأوسط» بما ينتج عنه من عملاء واستثمارات وشراكات ودخول أسواق لا بعدد الاجتماعات وحده (الشركة)

ربما لن تكون ثلاثة أيام في الرياض وحدها كافية للحكم على نجاح النسخة الجديدة من مؤتمر «Money20/20 الشرق الأوسط» أو غيرها من المؤتمرات العالمية الضخمة. فالاختبار الفعلي يبدأ بعد مغادرة المشاركين وطرح عدة أسئلة:

هل تحولت الاجتماعات إلى عملاء؟ هل تقدمت محادثات التمويل؟ هل قررت شركات دولية دخول السوق السعودية؟ وهل استخدمت شركات محلية العلاقات التي بنتها للانتقال إلى أسواق جديدة؟

هذه هي المقاييس التي تضعها أنابيل ماندر، نائبة الرئيس التنفيذي في شركة «تحالف»، في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، عند الإجابة عن الدور الاقتصادي طويل الأجل للفعاليات الدولية الكبرى، متجنبةً اعتبار الحضور أو عدد اللقاءات دليلاً كافياً على الأثر.

تستضيف الرياض «Money20/20 الشرق الأوسط» من 14 إلى 16 سبتمبر (أيلول) 2026 فيما يأتي بعد أسابيع قليلة من استضافة مؤتمر «ليب 2026» أواخر أغسطس (آب) وقبل استعداد العاصمة السعودية أيضاً للدورة العاشرة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» من 26 إلى 29 أكتوبر (تشرين الأول). وتضع هذه الفعاليات الكبرى وغيرها قطاعات مختلفة، من التكنولوجيا والخدمات المالية إلى الاستثمار والمعادن، ضمن أجندة متزايدة من المؤتمرات الدولية في الرياض.

أنابيل ماندر نائبة الرئيس التنفيذي في «تحالف» (الشركة)

من «التعارف» إلى نتيجة تجارية

تقول ماندر إن الإشارات الأهم التي تعقب تلك الأحداث تظهرت في استمرار بعض المحادثات بعد انتهاء المؤتمر من حيث مواصلة لقاءات المؤسسين مع المستثمرين، إلى شركات بدأت استكشاف شراكات، فضلاً عن استمرار التواصل بين جهات من الصناعة والمنظمين.

لكنها تحذر من المبالغة في نسب نتائج الصفقات إلى الحدث نفسه. فالمنصة قد تجمع طرفين، أو تساعد نقاشاً قائماً على التقدم بصورة أسرع، لكن الشركات هي التي تتولى التفاوض وإتمام الاستثمار أو الشراكة.

ولهذا، فإن عدّ الاجتماعات لا يجيب عن السؤال الأهم. فاجتماع واحد يمكن أن يؤدي إلى دخول سوق جديدة، في حين قد تنتهي عشرات اللقاءات من دون نتيجة تجارية. ويصبح القياس، وفق ماندر، مرتبطاً بكيفية انتقال العلاقة من تقديم أولي إلى نقاش استثماري أو شراكة محتملة أو خطة دخول سوق، ثم بما تستطيع الأطراف تأكيده لاحقاً بشأن النتيجة.

العميل الفعلي مؤشراً للنمو

هذا المنطق ينعكس أيضاً على طريقة قياس تطور منظومة التقنية المالية السعودية. فالجولة الاستثمارية ليست المؤشر الوحيد، وقد لا تكون دائماً المؤشر الأكثر أهمية.

تضع ماندر في مقدمة المؤشرات حصول الشركة على عملاء يدفعون مقابل الخدمة، وتحول تجربة تجريبية إلى خدمة تعمل فعلياً، وتأسيس فرق محلية، وفوز شركات سعودية بأعمال خارج المملكة.

وتشير إلى أن حصول شركة تقنية مالية على أول عميل مصرفي كبير قد يكون على القدر نفسه من الأهمية الذي تحمله جولة تمويل، لأنه يقدم دليلاً مباشراً على وجود طلب ويعطي الشركة قاعدة يمكن أن تنطلق منها إلى نمو أوسع.

كما تشمل المعايير الوظائف ونقل المعرفة، خصوصاً عندما تبقى الخبرات داخل السوق وتتحول إلى قدرات لدى الفرق المحلية. وعلى مدى عدة دورات، تقترح ماندر النظر إلى ما إذا كانت الشركات المشاركة أصبحت توظف عدداً أكبر، وتخدم مزيداً من العملاء، وتدخل أسواقاً إضافية.

يمكن للرياض الاستفادة من تجمع البنوك والمستثمرين والمنظمين والشركات الناشئة لتسريع النقاشات التجارية لكن النتائج النهائية تبقى مسؤولية الشركات نفسها (تحالف)

الحاجة إلى أكثر من مستثمر

تكمن إحدى صعوبات نمو شركات التقنية المالية في أن التمويل لا يحل وحده جميع العقبات. فالشركة قد تحتاج في اللحظة نفسها إلى عميل مصرفي، وشريك تجاري، وفهم للترخيص، وقناة توزيع، ورأس مال إضافي. ومن هذا المنطلق، ترى ماندر أن القيمة المحتملة لجمع البنوك والمستثمرين والجهات التنظيمية والشركات الناشئة في مكان واحد تأتي من القدرة على إجراء عدة أنواع من المحادثات بالتوازي، وليس من وجود مؤتمر بحد ذاته.

وتوضح أن الشركات المالية والتقنية الدولية التي تدرس دخول السوق السعودية قد تستخدم هذه اللقاءات لفهم العملاء المحتملين والشركاء والمتطلبات التشغيلية، فيما تستطيع الشركات السعودية التواصل مع مستثمرين أو شركاء خارج المملكة.

الحوار لا يعني تغيير السياسة

أحد المجالات التي يمكن أن يبالغ فيها وصف أثر المؤتمرات هو دورها في التنظيم، خصوصاً في قطاع مالي يخضع لمتطلبات دقيقة. لهذا تضع ماندر فاصلاً واضحاً هنا، إذ إن الجهات التنظيمية هي التي تتخذ قرارات السياسة والترخيص، بينما يمكن للقاءات مع الشركات والبنوك أن تساعد في تعريف المشكلة بصورة أفضل.

فقد يرى مؤسس شركة أن متطلباً معيناً يعرقل إطلاق منتجه، في حين يراه البنك مشكلة في التكامل التقني، بينما تحتاج الجهة التنظيمية إلى أدلة أكثر حول حماية العميل. ومقارنة هذه التصورات قد تحدد الأسئلة التي تتطلب مزيداً من العمل، لكنها لا تعني بالضرورة أن الحوار سينتهي إلى تغيير تنظيمي.

أربعة مجالات لفرصة سعودية أوسع

بعيداً عن الحدث نفسه، تحدد ماندر المدفوعات بين الشركات، والمصرفية المفتوحة، والتمويل المدمج، والتقنية المالية المتوافقة مع الشريعة ضمن المجالات التي ترى أنها تحمل فرصاً للسعودية لبناء حضور دولي.

وتربط المدفوعات بين الشركات بمشكلات يومية مثل إدارة التدفقات النقدية وتحصيل المدفوعات والحصول على التمويل، وهي احتياجات لا تقتصر على السوق السعودية ويمكن أن تمنح المنتج المحلي مجالاً للتوسع.

وفي التقنية المالية المتوافقة مع الشريعة، ترى إمكانية لتطوير منتجات تستهدف مستخدمين في أسواق دولية، شرط أن تجمع الابتكار المالي مع فهم المتطلبات الخاصة بهذه الفئة. أما القاعدة التي تضعها للتوسع الخارجي فهي أن تبدأ الشركة بحل مشكلة بصورة قوية في السوق المحلية، لكنها تفكر منذ مرحلة تطوير المنتج في إمكانية استخدامه خارجها.

اليوم الثالث من معرض «ليب 2026» الذي استضافته الرياض أواخر أغسطس

الأصول المرمّزة أقرب إلى السوق

عند الانتقال إلى التقنيات الناشئة، تميز ماندر بين الأصول المرمّزة والأموال القابلة للبرمجة والتمويل الذاتي. وتقول إن الأصول المرمّزة تمتلك المسار الأكثر وضوحاً على المدى القريب للتبني التجاري في المنطقة، خصوصاً في تطبيقات مؤسسية محددة يمكن إثبات فائدتها الاقتصادية. كما ترى إمكانات في الأموال القابلة للبرمجة لتحسين تنفيذ وتسوية المدفوعات، لكنها تربط انتشار هذه الحلول ببنية موثوقة، ووضوح تنظيمي، وفائدة تجارية كافية تدفع العملاء إلى تغيير الأنظمة المستخدمة بالفعل.

أما «التمويل الذاتي»، فتتعامل معه بحذر أكبر، لأن أتمتة مهمة محددة تختلف عن السماح لنظام مستقل باتخاذ قرارات مالية معقدة، حيث تصبح أسئلة المسؤولية والثقة أكثر صعوبة. وتضيف أن الفاصل التجاري في النهاية ليس حداثة التقنية، بل قدرتها على حل مشكلة حقيقية بموثوقية تجعل العملاء يستخدمونها مراراً.

حدود التوسع الدولي

تنطبق المعادلة نفسها على شركات التقنية المالية السعودية التي تسعى إلى التوسع خارج المملكة. فالنجاح محلياً يوفر نقطة انطلاق، لكن كل سوق يحمل توقعات مختلفة للعملاء، ومتطلبات تنظيمية، وآليات شراء وعلاقات توزيع خاصة به. ووفقاً لماندر، تحتاج الشركات إلى عملاء واضحين وشركاء محليين وفرق تعرف السوق، إضافة إلى تطوير قدرات الحوكمة والامتثال وخدمة العملاء بالتوازي مع النمو.

كما أن رأس المال المخصص للتوسع يجب أن يأخذ في الاعتبار المدة اللازمة لإنشاء عملية تجارية مستدامة، بدلاً من التعامل مع تأسيس كيان في بلد جديد بوصفه نقطة النهاية. وتختصر ماندر الفارق بوضوح قائلة إن دخول السوق يمثل محطة، لكن القدرة على الفوز بأعمال متكررة هي الاختبار الحقيقي.

اختبار 2028

تضع ماندر عام 2028 كموعد يمكن عنده تقييم ما إذا كان الحدث قد تحول إلى جزء فعلي من منظومة التقنية المالية السعودية. وتشير إلى أنه بحلول ذلك الوقت ينبغي أن يكون ممكناً إظهار شركات حصلت على عملاء، أو تقدمت في استثماراتها، أو دخلت السعودية، أو توسعت دولياً نتيجة علاقات تطورت من خلال «Money20/20 الشرق الأوسط». كما تتوقع أن تظهر شركات عائدة إلى الحدث في مرحلة مختلفة عن مشاركتها الأولى. على سبيل المثال، مؤسس أصبح صاحب شركة توظف عدداً أكبر، أو شركة دولية وسعت فريقها السعودي، أو علاقة مصرفية تحولت إلى خدمة قائمة.

لكن هذا الهدف يضع بدوره معياراً يمكن اختباره. فالقول إن فعالية دولية أصبحت جزءاً من البنية التحتية لقطاع التقنية المالية يتطلب أكثر من الحضور الدولي والزخم الإعلامي. كما يتطلب إثبات أن العلاقات التي بدأت خلالها استمرت بعدها وأنتجت نشاطاً تجارياً قابلاً للرصد.