كيف يمكن للتحوّل الرقمي الخليجي أن يصبح نموذجاً تنموياً للدول العربية الأخرى؟

تقود السعودية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية ما يجعل المنطقة مركزاً عالمياً للابتكار والتحول الرقمي (أدوبي)
تقود السعودية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية ما يجعل المنطقة مركزاً عالمياً للابتكار والتحول الرقمي (أدوبي)
TT

كيف يمكن للتحوّل الرقمي الخليجي أن يصبح نموذجاً تنموياً للدول العربية الأخرى؟

تقود السعودية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية ما يجعل المنطقة مركزاً عالمياً للابتكار والتحول الرقمي (أدوبي)
تقود السعودية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية ما يجعل المنطقة مركزاً عالمياً للابتكار والتحول الرقمي (أدوبي)

لم يكن التحول الرقمي في العالم العربي يوماً بمثل هذا التسارع كما هو الآن. فبين دولٍ تتصدر السباق في البنى التحتية، والتشريعات الرقمية مثل السعودية والإمارات، وأخرى تحاول اللحاق بالموجة التقنية بعد سنوات من التحديات مثل سوريا والعراق ولبنان، يُعاد اليوم رسم الخريطة الرقمية العربية على نحوٍ غير مسبوق.

الخليج... مختبر المستقبل الرقمي

البيانات الصادرة عن تقرير «PwC الشرق الأوسط 2025» تشير إلى أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في المنطقة يمكن أن يضيف أكثر من 320 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي بحلول عام 2030. وتستحوذ السعودية وحدها على نحو 50 في المائة من هذه القيمة المتوقعة بفضل استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، ومشاريع المدن الذكية، مثل «نيوم» و«ذا لاين»، والبنية السحابية التي تتوسع عبر شراكات مع «غوغل كلاود»، و«أرامكو كلاود»، وغيرهما.

كما تستهدف المملكة رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى 19 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، وفق وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، بينما تجاوزت نسبة استخدام الإنترنت 98 في المائة، والهواتف الذكية 130 في المائة من عدد السكان بحسب «DataReportal 2025».

لكن هذا الزخم لا يتعلق بالأرقام فحسب، بل بالنضج الاستراتيجي. فالمملكة تعمل على بناء سيادة رقمية حقيقية من خلال مراكز بيانات محلية، ونماذج لغوية عربية، مثل «علّام»، ما يمثّل انتقالاً من مجرد استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها، وتوطينها.

الاستثمار في رأس المال البشري والتحول نحو “اقتصاد المهارات” يشكلان الأساس لبناء مجتمعات رقمية منتجة ومستقلة (شاترستوك)

سوريا... عودة تدريجية إلى الخريطة التقنية

في المقابل، بدأت دول مثل سوريا تتخذ خطوات أولى في هذا الطريق، وإن كانت متواضعة مقارنة بجيرانها الخليجيين. في دمشق، يُرتقب عقد معرض «سيريا هايتك 2025» لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأسبوع المقبل. ويُنظر إلى هذا الحدث على أنه بداية لإعادة إدماج سوريا في المشهد التكنولوجي الإقليمي بعد سنوات من الانقطاع. وسيستقطب الحدث المرتقب أكثر من 223 شركة من 10 دول، من بينها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات، وقطر، وسلطنة عمان، وتركيا، والمملكة المتحدة، والصين، ولبنان، والأردن، ونخبة مبتكرين ومستثمرين دوليين، وأبرز العاملين في القطاع من المنطقة والعالم، وذلك لعرض ابتكاراتهم في مجالات الاتصالات والبرمجيات، والتكنولوجيا المالية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والبنية التحتية الرقمية.

عبد السلام هيكل وزير الاتصالات وتقانة المعلومات السوري

يعد وزير الاتصالات وتقانة المعلومات السوري عبد السلام هيكل أن الحدث سيرسي دعائم منظومة رقمية تتيح للشركات المحلية تحفيز وتيرة نموها من خلال إبرام شراكات مثمرة مع أفضل شركات التكنولوجيا العالمية. ويشير هيكل إلى أن وزارته تضع أولويات استراتيجية حيوية تتمثل في تعزيز البنية التحتية الرقمية في سوريا، واستقطاب الشراكات الدولية، وتمكين المبتكرين المحليين، بما يعكس التزام الحكومة ببناء اقتصاد رقمي مستدام، وشامل.

ورغم التحديات المتعلقة بالبنية التحتية، فإن هذه المبادرات تشي بوعيٍ متنامٍ بأهمية الاقتصاد الرقمي بوصفه أداة لإعادة بناء المجتمعات والمؤسسات، حيث تم إطلاق مبادرات كبرى لتحسين البنية التحتية الرقمية، وتأسيس منظومة اتصالات متطورة، منها مشروع «سيلك لينك» للألياف الضوئية، ومشروع «أوغاريت 2» لمضاعفة سعة الإنترنت في سوريا في غضون أشهر، وتعزيز تبادل البيانات الإقليمي، وغيرها من المشاريع.

الاقتصاد القائم على المهارات

أحد التحولات المفصلية في اقتصادات ما بعد الأزمات هو الانتقال من «اقتصاد المساعدات» إلى «اقتصاد المهارات». فبدلاً من الاعتماد على الدعم الخارجي، تتجه دول المنطقة إلى تمكين رأس المال البشري الرقمي. يشير تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2025 إلى أن الوظائف الرقمية تمثل الآن أكثر من 14في المائة من فرص العمل الجديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بزيادة تفوق 70 في المائة مقارنة بعام 2019. ويُتوقع أن تصل نسبة العاملين في الاقتصاد الرقمي في الدول العربية إلى 20 في المائة من إجمالي القوى العاملة بحلول 2030.

ويأتي منتدى «سيريا هايتك 2025» المزمع عقده في دمشق باعتباره خطوة رمزية في هذا الاتجاه، إذ يسعى إلى بناء شبكة خبرات محلية بالتعاون مع خبراء سوريين في الخارج، وشركاء إقليميين، مع التركيز على تطوير المهارات الرقمية، وتحفيز الابتكار الشبابي. ورغم أن نسبة انتشار الإنترنت في سوريا لم تتجاوز 49 في المائة عام 2024، يعد باحثون أن المبادرات المحلية في التعليم الرقمي والبرمجة بدأت تؤسس لاقتصاد جديد يعتمد على الكفاءات لا على البنية فقط.

تصاعد الهجمات السيبرانية يجعل الأمن الرقمي عنصراً أساسياً لضمان استدامة التحول الرقمي وخصوصاً في القطاعات الحيوية (أدوبي)

البيانات واللغة العربية

تواجه المنطقة تحديين رئيسين في مسيرة التحول الرقمي، نقص البيانات المهيكلة، وضعف المحتوى العربي. فرغم أن الناطقين بالعربية يتجاوزون 400 مليون شخص، فإن المحتوى العربي لا يمثل أكثر من 3 في المائة من محتوى الإنترنت العالمي، وفقاً لتقرير «اليونسكو 2024» رغم تضاعفه بين 2018 و2024. وهنا تبرز الحاجة إلى بناء بنوك بيانات محلية تتعامل مع اللغات واللهجات الإقليمية، وهي خطوة بدأت بالفعل في الخليج من خلال مشاريع اللغة العربية الذكية مثل «علّام» الذي أطلقته شركة «هيوماين» بالتعاون مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا).

التحدي الأمني والمعلوماتي

في موازاة هذا التطور، تتزايد الحاجة إلى حماية رقمية أكثر صرامة. يصنف تقرير «IBM X-Force» لعام 2024 الشرق الأوسط رابع أكثر المناطق استهدافاً للهجمات الإلكترونية بنسبة 10 في المائة من الهجمات العالمية. كما ارتفعت عمليات التصيد الإلكتروني والهجمات على الأنظمة التعليمية والمالية في المنطقة بنسبة 22 في المائة خلال عام واحد فقط، وفق تقرير «Kaspersky Threat Intelligence».

لهذا، تركز الهيئات الوطنية في السعودية والإمارات ومصر على الأمن السيبراني بوصفه «الركيزة الخفية» للتحول الرقمي، وتدعو الشركات الناشئة في الدول الأقل تطوراً إلى اعتماد معايير الحماية من اليوم الأول. من جهة أخرى يرى باحثون أنه بالنسبة لدول مثل سوريا على سبيل المثال، التي تبني أنظمتها الرقمية من الصفر تقريباً، فإن الاستفادة من الخبرات الخليجية في هذا المجال قد تختصر سنوات من التطوير، وتمنحها قدرة دفاعية أسرع، وأكثر نضجاً.


مقالات ذات صلة

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

الاقتصاد «رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزز قدرتها على المنافسة.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد زوار في جناح «هواوي» خلال مؤتمر التكنولوجيا بالصين - 26 يوليو 2025 (رويترز)

أميركا لتوسيع الحرب التكنولوجية على الصين

أمرت وزارة الخارجية الأميركية بحملة عالمية لتسليط الضوء على محاولات لشركات صينية؛ مثل «ديب سيك» للذكاء الاصطناعي، لسرقة حقوق الملكية الفكرية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

خاص «غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.