بقيادة صندوق الاستثمارات العامة... السعودية ترسم ملامح مستقبل الألعاب العالمي باستراتيجية طموحة

خطة لجعل المملكة مركزاً عالمياً للابتكار والمنافسة والمواهب في الرياضات الإلكترونية

الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي في هذا القطاع
الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي في هذا القطاع
TT

بقيادة صندوق الاستثمارات العامة... السعودية ترسم ملامح مستقبل الألعاب العالمي باستراتيجية طموحة

الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي في هذا القطاع
الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي في هذا القطاع

في قلب مشهد عالمي سريع التطور، برزت المملكة العربية السعودية قوةً لا يُستهان بها في قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية، وهذا الأمر ليس مجرد مشاركة، بل قيادة حقيقية تتجسّد في استضافة بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية لعامين متتاليين، إضافة إلى الاستثمار في كبرى شركات تطوير الألعاب العالمية وبناء شركات محلية.

استراتيجية وطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية

ليس هذا الصعود المبهر وليد الصدفة بل هو نتاج رؤية استراتيجية عميقة، إذ تُدرك المملكة أن الألعاب والرياضات الإلكترونية ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل محرك اقتصادي وثقافي هائل. وانطلاقاً من هذه الرؤية، جرى إطلاق الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية، وهي خطة متكاملة تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي لهذا القطاع بحلول عام 2030، وتتضمن 86 مبادرة، تتبع نحو 20 جهة حكومية بمشاركة القطاع الخاص، وتشمل حاضنات أعمال، وفعاليات كبرى، وأكاديميات تعليمية تضمن مواكبة وتيرة النمو المتسارعة في القطاع.

وبأهداف طموحة تشمل رفع جودة الحياة والإسهام بنحو 50 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي، واستحداث أكثر من 39 ألف فرصة عمل، ترسم الاستراتيجية مساراً واضحاً نحو مستقبل مستدام يعتمد على الابتكار والمواهب الشابة دون 35 عاماً التي تُشكل 71 في المائة من سكان المملكة.

شعار صندوق الاستثمارات العامة

المُحرك والمُمكّن الرئيسي

ويقف صندوق الاستثمارات العامة محركاً رئيسياً خلف هذا التحول الاستراتيجي؛ فمن خلال استراتيجية استثمارية طويلة المدى، يعمل الصندوق على ركيزتين أساسيتين: الأولى هي اقتناص الفرص الاستثمارية الواعدة وعقد الشراكات العالمية التي تضمن عوائد مستدامة وتدفع عجلة التحول الاقتصادي. أما الركيزة الثانية التي لا تقل أهمية، فهي تحقيق أثر وطني ملموس عبر توطين المعرفة، وبناء بنية تحتية عالمية المستوى، وتنمية الكفاءات المحلية، وإطلاق قطاعات اقتصادية جديدة تكون بمثابة حجر الأساس في اقتصاد المستقبل.

وتواكب الاستراتيجية النمو الكبير المُتوقع في القطاع، إذ تُشير التقديرات إلى نمو القطاع عالمياً بمعدل نمو سنوي إجمالي تجاوز 13في المائة خلال عام 2023، علماً بأن النمو المتوقع للقطاع في المملكة سيصل إلى 250 في المائة بنهاية عام 2030.

ولتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع، جرى تأسيس مجموعة «سافي» للألعاب الإلكترونية (Savvy Games Group) في عام 2021، وهي الذراع التنفيذية الطموحة والمملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة.

وتعمل «سافي» بصفتها قوة دافعة مهمتها ليست فقط الاستثمار في القطاع، بل الإسهام بفاعلية في رسم مستقبله محلياً وعالمياً. وترتكز استراتيجيتها على بناء شراكات قوية مع رواد القطاع العالميين، وتمكين القطاع الخاص المحلي، والأهم من ذلك، إيجاد منظومة متكاملة تضمن للمملكة مكانة ريادية لتكون وجهة عالمية للألعاب والرياضات الإلكترونية.

استثمار عالمي في كبرى الشركات

ولتحقيق هذه الريادة، اتبعت «سافي» نهجاً جريئاً في الاستثمار والاستحواذ، ما أرسل موجات صادمة في أنحاء الصناعة، فمن خلال استثمار مليار دولار في مجموعة «إمبريسر» (Embracer Group) السويدية العملاقة، واستثمار 265 مليون دولار في شركة «هيرو إي سبورتس» (Hero eSports) الآسيوية الرائدة، أثبتت «سافي» قدرتها على رسم ملامح المستقبل.

وكانت الخطوة الأبرز في الاستحواذ على شركة «سكوبلي» (Scopely) المتخصصة في ألعاب الهواتف الذكية، مقابل 4.9 مليار دولار، وهي الشركة التي تقف خلف لعبة «مونوبولي غو» (Monopoly Go) الشهيرة التي تجاوزت إيراداتها 5 مليارات دولار في عامين فقط.

ولم تكتفِ «سافي» بالاستحواذ على مطوري الألعاب، بل وجَّهت أنظارها نحو البنية التحتية للرياضات الإلكترونية نفسها، فمن خلال الاستحواذ على شركتي «إي إس إل» (ESL) و«فايس إت» (FACEIT) (من كبرى الشركات في تنظيم البطولات العالمية) ودمجهما تحت كيان واحد هو «إي إف جي»، أصبحت المجموعة لاعباً رئيسياً يتحكم في جزء كبير من المشهد التنافسي العالمي. هذا التكامل الاستراتيجي مكَّنها من تنظيم حدث بحجم كأس العالم للرياضات الإلكترونية الذي سجّل في نسخته الأخيرة 750 مليون مشاهدة من أكثر من 175 دولة، واستقطب 2000 من أفضل اللاعبين المحترفين في العالم للتنافس على جوائز وصلت قيمتها إلى 70 مليون دولار، ما يعكس مدى التأثير العالمي لهذه الاستثمارات. وهذا الحدث الضخم لم يكن مجرد بطولة، بل كان إعلاناً واضحاً عن طموح المملكة لإعادة تشكيل خريطة هذه الصناعة العالمية التي يتجاوز جمهورها 3 مليارات شخص.

صناعة الأبطال محلياً: توطين المعرفة

وإدراكاً منها أن الاستدامة الحقيقية تكمن في بناء المواهب المحلية، أولت «سافي» أهمية قصوى لنقل المعرفة وتوطينها؛ حيث جرى إطلاق استوديوهات تطوير ألعاب محلية، مثل «ميراي» و«ستير ستوديوز» (Steer Studios) لإتاحة الفرصة للمطورين السعوديين للعمل جنباً إلى جنب مع خبراء عالميين.

كما جرى تأسيس «أكاديمية سافي» التي تُقدم برامج متخصصة لمختلف الفئات العمرية، وعقد شراكات استراتيجية مع جامعات رائدة، مثل جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، وجامعة الملك عبد العزيز، لضمان تخريج جيل جديد من المبدعين والمبتكرين في هذا القطاع الحيوي.

وبعيداً عن البطولات الاحترافية والاستثمارات الضخمة، تعمل «سافي» على بناء مجتمع نابض بالحياة من اللاعبين والمطورين داخل المملكة. ويتجلَّى ذلك في تنظيم فعاليات مجتمعية جذَّابة، مثل حفل إطلاق لعبة «بوكيمون غو» في الرياض، الذي حضره أكثر من 7000 شخص من 35 جنسية مختلفة، ومسابقة «GameOn GameJam» بالتعاون مع شركة «إتش بي» (HP)، التي شجّعت المطورين على ابتكار ألعاب تتمحور حول قضايا التغيُّر المناخي. هذه الفعاليات لا تُعزز الشغف بالألعاب فحسب، بل تبني جسوراً من التواصل والإبداع المشترك.

منظومة متكاملة لمستقبل الاقتصاد

ما نشهده اليوم ليس مجرد استثمارات متفرقة، بل هو نسج متقن لمنظومة متكاملة وطويلة الأمد؛ حيث إن قطاع الألعاب هو بوابة لقطاعات أخرى، كالسياحة والترفيه والتقنية والإعلام. ومن خلال بناء هذه المنظومة، لا تسعى المملكة إلى تنويع اقتصادها وتحسين جودة الحياة فحسب، بل تمضي بثقة نحو ترسيخ مكانتها عاصمةً عالميةً لصناعة الألعاب والرياضات الإلكترونية، تصنع المستقبل بدلاً من الاكتفاء بمراقبته.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي لتفكيك وتجميع نصوص برمجة الألعاب الإلكترونية الكلاسيكية

تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لتفكيك وتجميع نصوص برمجة الألعاب الإلكترونية الكلاسيكية

الذكاء الاصطناعي لتفكيك وتجميع نصوص برمجة الألعاب الإلكترونية الكلاسيكية

يشهد قطاع الألعاب الإلكترونية في الفترة الأخيرة ثورة غير مسبوقة تقودها مجتمعات المطورين وهواة الهندسة العكسية للنص البرمجي

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا مراحل وأسلحة مبهرة في لعبة «شبح يوتيه النسخة الكاملة»

«شبح يوتيه النسخة الكاملة»: عودة ملحمة الساموراي بمراحل وأسلحة وأنماط لعب جديدة

طُرحت لعبة «شبح يوتيه» (Ghost of Yotei) قبل عام، مقدمة للاعبين مغامرة مشوقة في رحلة انتقام عبر بيئة يابانية خلابة في حقبة زمنية تاريخية بلمسات إبداعية.

خلدون غسان سعيد (جدة)
خاص امرأة تتبضع من أحد المراكز التجارية والتموينية في السعودية (واس)

خاص الإنفاق الرقمي يعيد تشكيل عادات المستهلك السعودي

يتجه المستهلك السعودي بوتيرة متسارعة إلى تقليص اعتماده على النقد مع توسع استخدام المدفوعات الرقمية في قطاعات الحياة اليومية، من البقالة إلى الألعاب الإلكترونية.

دانه الدريس (الرياض)
تكنولوجيا أعداء خياليون ورسومات مبهرة

لعبة «مارفيلز وولفرين»: ملحمة سينمائية تنبض بالمعارك الضارية عبر قصة درامية

أحد أبرز وأهم الإصدارات الحصرية لجهاز «بلايستيشن 5»

خلدون غسان سعيد (جدة)
رياضة عالمية الياباني يوكي كوريهارا يحتفل بذهبية الآسياد في سن الـ11 (أ.ب)

«آسياد 2026»: ياباني بعمر الـ11 يحرز ذهبية في الألعاب الإلكترونية

حقق الياباني يوكي كوريهارا البالغ 11 عاماً الميدالية الذهبية للألعاب الإلكترونية في دورة الألعاب الآسيوية السبت بأسلوب مبهر.

«الشرق الأوسط» (ناغويا (اليابان))

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

TT

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

أعلنت ثماني ولايات أميركية، منها أيوا وكانساس، أمس (الأربعاء)، أنها رفعت دعاوى قضائية على شركة «أوبن إيه آي» أمام محاكم في أنحاء البلاد بسبب الأضرار التي قالت إن تطبيق «تشات جي بي تي» تسبب بها للأطفال.

وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد ذكرت الولايات أن روبوت الدردشة الآلي دفع أطفالاً إلى إيذاء أنفسهم أو آخرين.

وتسعى الدعاوى القضائية المرفوعة أمام محاكم الولايات إلى الحصول على أمر يجبر «أوبن إيه آي» على إجراء تغييرات في طريقة عمل «تشات جي بي تي» مع الأطفال.

وتسعى الولايات أيضاً إلى الحصول على أمر يجبر الشركة على التنازل عن الأرباح التي حققتها من المستخدمين الأطفال.

وكان وزير العدل بولاية فلوريدا أول من رفع دعوى قضائية على الشركة باتهامات مماثلة في يونيو (حزيران).

وتواجه الشركة أيضاً عشرات الدعاوى القضائية التي تتهم «تشات جي بي تي» بالمساعدة في وقائع إطلاق نار عشوائي أو أعمال عنف أخرى.


السعودية ترسل أول عينات بيولوجية من نوعها بالمنطقة إلى الفضاء

برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
TT

السعودية ترسل أول عينات بيولوجية من نوعها بالمنطقة إلى الفضاء

برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)

أرسلت السعودية أول عينات بيولوجية من نوعها بمنطقة الشرق الأوسط إلى محطة الفضاء الدولية، في إطار مهمة الجاذبية الحيوية 1 ضمن «SpaceX CRS - 35»، بدعم من الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء «ناسا».

وجاء الإطلاق من وكالة الفضاء السعودية وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست» ضمن برنامج بحثي طويل المدى يستهدف دعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد، عبر سلسلة من 3 مهمات متتابعة.

ويُعزِّز هذا الإنجاز العلمي حضور السعودية في أبحاث الجاذبية الصغرى، ويوسع توظيف علوم وتقنيات الفضاء في خدمة الأبحاث الصحية والحيوية.

وتمثل المهمة أولى مراحل البرنامج بإرسال عينات بشرية مرجعية من متبرعين أصحاء إلى الفضاء؛ لتأسيس قاعدة علمية للمقارنة في المراحل اللاحقة، والاستفادة من الخصائص الفريدة لبيئة الجاذبية الصغرى في دراسة التغيرات الخلوية المرتبطة بالتقدم في العمر والأمراض العصبية التنكسية.

وتشمل تجربتين بيولوجيتين طوّرتها «كاوست» تحملان الاسمين SSA - 1 وSSA - 2. وينفذ البرنامج ضمن شراكة علمية دولية تجمع المؤسسة الوطنية الأميركية للخلايا الجذعية (NSCF) وبدعم من «ناسا»، وشركة «أكسيوم سبيس»، إلى جانب مشاركة علمية وطنية من الوكالة و«كاوست»، بما يعزز تكامل القدرات المحلية مع المنظومة البحثية العالمية.

من جانبها، قالت رائدة الفضاء السعودية ريانة برناوي، المشرفة العامة على أبحاث الجاذبية الصغرى في الوكالة، إن إطلاق هذه العينات «يمثل خطوة علمية مهمة في مسار توظيف بيئة الفضاء لخدمة صحة الإنسان، ويعكس تطور القدرات الوطنية وجاهزيتها للمشاركة في أبحاث متقدمة وعبر برنامج الجاذبية الحيوية».

وأضافت برناوي: «نسعى لتحويل المعرفة المكتسبة في المدار إلى فرص بحثية تسهم في تعميق فهم الأمراض ودعم تطوير حلول علاجية مستقبلية».

وبدوره، أكد أستاذ العلوم الحيوية في «كاوست» البروفسور عماد غلوزي، العالم الرئيس للمشروع، أن المهمة تتيح للباحثين اختبار نماذج الأمراض في بيئة لا يمكن محاكاتها على الأرض، وتعزز إسهام الجامعة في اكتشافات تخدم المرضى في المملكة والعالم.

إلى ذلك، أبدت الدكتورة بينار ميسي، المستشارة العلمية للمؤسسة والرئيسة العالمية للتصنيع الحيوي والتقنية الحيوية في «أكسيوم سبيس»، حماسها لهذه المهمة التي شملت عينات من السعودية.

وأوضحت ميسي أن فريق المؤسسة «سيختبر ولأول مرة في بيئة الجاذبية الصغرى، مفهوم (قرية الخلايا)، ويتيح مفهوم دمج عدة خطوط خلوية فردية ضمن عضية واحدة، إجراء دراسات على مستوى المجموعات السكانية، مع إمكانية تنفيذ ما يمكن وصفه بـ(التجارب السريرية في طبق مخبري)».

ويمتد البرنامج عبر ثلاث مهمات بحثية مترابطة تبدأ بدراسة العينات المرجعية السليمة، ثم دراسة نماذج مشتقة من مرضى ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد، وصولاً إلى دراسة الاستجابة العلاجية واستكشاف أهداف دوائية محتملة في بيئة الجاذبية الصغرى.

ويأتي برنامج «الجاذبية الحيوية» ضمن جهود الوكالة لبناء القدرات الوطنية في أبحاث الجاذبية الصغرى وعلوم الحياة، وتوسيع الشراكات العلمية الدولية، وتوظيف علوم وتقنيات الفضاء لخدمة صحة الإنسان، بما يسهم في تعزيز الاقتصاد المعرفي والابتكار وجودة الحياة، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030».


«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
TT

«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)

على غرار كاميل، المهندسة المعمارية التي يوفّر عليها الذكاء الاصطناعي «وقتاً هائلاً»، يلجأ عدد كبير من الموظفين الفرنسيين إلى هذه الأداة من دون موافقة أصحاب عملهم، في إطار ابتكارهم حلولهم الخاصة رداً على الأساليب القديمة والبطيئة التي لا تزال شركاتهم تعتمدها، وتقصيرها في تبنّي التقنيات الحديثة.

وتدير صوفي (اسم مستعار) وهي مديرة عقارات تبلغ 38 عاماً، 500 عقار وتضطر للتعامل مع الحالات الطارئة، فضلاً عن «مئات رسائل البريد الإلكتروني المتراكمة». وتصف كمية العمل بـ«الهائلة»، مشيرة إلى أن ضغوط المسؤولين عنها تزيد الوضع سوءاً.

وتعد صوفي أن الأدوات المستخدمة داخل شركتها باتت «متقادمة»، وأن مديريها يفشلون في مواكبة التطور. وتتابع: «لا توفر الشركات الأدوات اللازمة لتسهيل العمل، مما يسبب إحباطاً كبيراً للموظفين».

ودفع ذلك بالموظفة الثلاثينية إلى الاشتراك على نفقتها الخاصة بخدمات نموذج الذكاء الاصطناعي «كلود» من «أنثروبيك»، واستخدامه لصوغ الردود على المالكين والمستأجرين.

وتقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يتعين علي التحقق من النقاط القانونية للتأكد من عدم وجود أخطاء، إلا أنه يوفر علي مع ذلك وقتاً هائلاً. إنه أشبه بتكليف شخص آخر إنجاز عمل يتطلب وقتاً طويلاً».

ويعرف هذا النوع من الاستخدام بـ«الذكاء الاصطناعي الخفي» (Shadow AI)، أي عندما يلجأ الموظفون إلى هذه الأداة من دون إشراف من الشركة.

ويؤكد جيروم بيلوا، الخبير في أمن المعلوماتية في شركة الاستشارات «وايفستون»، أن هذه الظاهرة باتت «منتشرة إلى حد كبير» في جميع القطاعات العامة والخاصة على حد سواء.

ويوضح بيلوا أن «الأدوات التي تقترح المؤسسات البدء باستخدامها تخضع لقيود تنظيمية وميزانيات محددة، ولا تكون دائماً بكفاءة تلك المتاحة في الخارج مقابل بعض عشرات اليوروهات».

ويتابع: «بحلول الوقت الذي تجد في هذه الشركات النماذج التي تتماشى مع سياساتها الداخلية»، تكون تلك الأدوات أصبحت «قديمة» بالفعل مقارنة بتلك المتوافرة في الخارج للجميع، لا سيما بالنظر إلى «السرعة الجنونية» التي يتطور بها الذكاء الاصطناعي.

ووفقا لمؤشر «وورك تريند إندكس» (Work Trend Index) الصادر عن «مايكروسوفت لينكد إن»، فإن 75 في المائة من الموظفين حول العالم كانوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل عام 2024، و78 في المائة منهم يستخدمون أدواتهم الخاصة.

وتقول كاميل إنه على الرغم من أنها تقوم بمراجعة النتائج والتحقق منها وتعديلها، فإن الذكاء الاصطناعي يكون قد أتم بالفعل بين 80 إلى 90 في المائة من العمل. وتتابع: «لم يكن رؤسائي يريدون الالتفات إلى هذه المسألة. لذا فعلت ما بوسعي» باستخدام الأدوات العامة المتاحة للجميع.

«في الخفاء»

وتوضح سيسيل دوجو، مديرة مرصد التحولات الإدارية والموارد البشرية في المعهد الوطني للفنون والمهن، أن «غياب الأدوات أو التوجيهات من جانب الشركات يشجع على هذه الممارسات».

وتشير إلى أن بعض الشركات تحظر على موظفيها استخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أنهم يلجأون مع ذلك إليه لتسريع العمل وكسب مزيد من الوقت.

وبينما تكون شركات أخرى منهمكة في «صوغ» إطار معين لاستخدام هذه التقنية يشمل المعايير الأخلاقية والأدوات اللازمة ومجالات الاستخدام المحددة، يكون الموظفون قد بدأوا بالفعل باستخدام نماذجهم الخاصة «في الخفاء»، مما يكشف الفجوة بين تحديد القواعد والتجربة على الأرض.

وتتابع دوجو أنه بمجرد أن يلحظ الموظفون فوائد هذه الأدوات، يصبحون «نوعاً ما مدمنين عليها»، وتصبح الأدوات التي توفرها الشركات لاحقاً غير قادرة على منافسة تلك التي يستخدمونها بالفعل.

على أن الظاهرة المشار إليها تثير مخاوف تتعلق بالخصوصية، وسط إمكان تسرب بيانات سرية خاصة بالشركات، حسب جيروم بيلوا.

وتؤكد شهرزاد عبوب، المحامية المتخصصة في قانون البيانات، أنه فيما يتعلق بإرسال بيانات إلى الذكاء الاصطناعي يجب «أن نتعامل معها كما لو كنا على أرض الواقع».

وتضيف: «لا يمكننا مشاركة البيانات التي تتضمن أسرار الشركة أو طريقة عملها أو معلومات شخصية».

إلا أن كاميل تقلل من هذه المخاوف، إذ تعد أن الأدوات المستخدمة يومياً لا تضمن أصلاً الحفاظ على سرية المعلومات، بدءاً من «رسائل البريد الإلكتروني وصولاً إلى منصة تيمز».

وتضيف أن أصحاب العمل يقللون من أهمية إدخال الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي، ومن «العبء الزائد في العمل» الذي يعانيه الموظفون.

ولمنع استمرار الموظفين في استخدامه سراً، ترى سيسيل دوجو أن على المسؤولين في الشركات «وضع خريطة طريق»، يحددون بموجبها الحاجات والأدوات اللازمة والإطار الذي يمكن استخدامها به في كنف الشركة.

ويقول أحد مسؤولي الاتصالات البالغ 41 عاماً، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: «لا أحد في المكتب يقر بذلك علناً، إلا أن الجميع يفعل! من منا لا يستخدم (تشات جي بي تي؟) مجرد التفكير في حظره أمر عبثي».