الفيديو القصير وصنّاع المحتوى… السر الجديد لتسويق السيارات في الخليج

«تيك توك»: 40 % يستخدمون الوسائط الرقمية للبحث قبل شراء السيارة

سوق السيارات الخليجية تنمو بمعدل سنوي مركب 6.6 في المائة بين 2023 و2028
سوق السيارات الخليجية تنمو بمعدل سنوي مركب 6.6 في المائة بين 2023 و2028
TT

الفيديو القصير وصنّاع المحتوى… السر الجديد لتسويق السيارات في الخليج

سوق السيارات الخليجية تنمو بمعدل سنوي مركب 6.6 في المائة بين 2023 و2028
سوق السيارات الخليجية تنمو بمعدل سنوي مركب 6.6 في المائة بين 2023 و2028

يشهد قطاع السيارات في دول مجلس التعاون الخليجي تحولاً جذرياً ليس فقط على الطرقات، بل أيضاً في أسلوب تواصل العلامات التجارية مع المستهلكين. ومع معدل نمو سنوي مركب متوقع يبلغ 6.6 في المائة بين عامَي 2023 و2028 حسب الإحصاءات، تمثّل السوق فرصة غير مسبوقة أمام المُصنّعين التقليديين والوافدين الجدد للوصول إلى جمهور يتسع بوتيرة متسارعة. لكن في هذا المشهد التنافسي تبقى القدرة على الظهور والتواصل المؤثر عاملاً حاسماً.

يوضح رئيس شراكات الأعمال لقطاعات المستهلكين في حلول الأعمال العالمية لدى «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سامي قبيطر، أن قطاع السيارات في دول مجلس التعاون الخليجي يشهد نمواً ملحوظاً، وهذا يؤثر بشكل مباشر على طريقة تعامل العلامات التجارية مع التسويق الرقمي اليوم. ويضيف، خلال حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، أنه يجب على العلامات التجارية أن تجد طرقاً للتميّز وجذب انتباه المستهلكين الملمين بالتقنيات الرقمية.

سامي قبيطر رئيس شراكات الأعمال لقطاعات المستهلكين في حلول الأعمال العالمية لدى «تيك توك» بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (تيك توك)

من صالات العرض إلى الشاشات

انتقل جزء كبير من عملية شراء السيارات في الخليج إلى الفضاء الرقمي. وأظهرت أبحاث «تيك توك»، بالتعاون مع «الفطيم للسيارات» و«OMG (Annalect)»، أن 74 في المائة من الأشخاص يستخدمون الوسائط الرقمية للبحث قبل شراء السيارة، فيما أكد 40 في المائة أن الإعلانات الرقمية تؤثر بشكل كبير على قراراتهم.

بات المستهلكون يعتمدون على مزيج من مراجعات الخبراء، والنصائح الفنية، ومحتوى المجتمعات، ورسائل العلامات التجارية لاتخاذ قراراتهم. ومع ذلك، فإن وفرة المعلومات هذه قد تكون مربكة أحياناً. ويعلّق قبيطر: «رغم التطورات المذهلة في تكنولوجيا السيارات، يواجه المستهلكون صعوبة في مواكبة التفاصيل التقنية لخيارات الشراء المستقبلية، سواء بسبب المصطلحات المعقدة أو الجهد المطلوب للبحث عن معلومات موثوقة».

وهنا يبرز دور الفيديو القصير بوصفه أداة حاسمة.

يلعب الفيديو القصير وصنّاع المحتوى دوراً حاسماً في تحفيز نية الشراء

لماذا ينجح الفيديو القصير؟

الفيديو القصير، بأسلوبه الجاذب والسريع، قادر على إثارة الفضول وتحفيز النية الشرائية بشكل أكبر من كثير من الوسائط التقليدية. ويشرح قبيطر أن الفيديو القصير يلعب دوراً مهماً في إثارة الفضول ودفع نية الشراء، وهما عاملان أساسيان يدفعان الجمهور إلى البحث عن علامات أو طرازات معينة.

وحسب قبيطر فإن تأثير صنّاع المحتوى في هذا المجال واضح؛ إذ أظهر البحث أن واحداً من كل ثلاثة مشترين في الإمارات يعزو قراره بالشراء إلى تأثير صانع محتوى، مما يبرز قوة المحتوى الشخصي والقابل للتفاعل في فئة استثمارية مرتفعة مثل السيارات.

وتكشف بيانات «تيك توك» عن أن القنوات الرقمية، بما في ذلك الفيديو القصير، تُسهم بـ64 في المائة من الزيارات البحثية الموجهة نحو العلامات التجارية، مع تحقيق «تيك توك» عائد استثمار أعلى بنسبة 90 في المائة مقارنة بالإعلانات المصورة عبر الإنترنت. ويضيف قبيطر: «يمكن لـ(تيك توك) توليد ما يقرب من 10 في المائة من جميع الاستفسارات الرقمية الخاصة بعلامات السيارات، باستخدام حصة صغيرة نسبياً من الإنفاق الإعلاني».

الموازنة بين الإرث والجيل الجديد

بالنسبة إلى العلامات التجارية العريقة، يكمن التحدي في إيجاد التوازن بين الإرث العميق ومتطلبات جيل رقمي شاب. ويقول قبيطر إن الأمر يتعلّق بإيجاد التوازن بين التقليد والابتكار. ويعني ذلك تقديم هوية العلامة التجارية بأسلوب قريب ومفهوم عبر المنصات التي يقضي فيها المستهلكون الشباب معظم وقتهم. وتلعب المحتويات التعليمية دوراً مهماً هنا؛ إذ تُبسط التقنيات المعقدة في صيغ بصرية سهلة الفهم، مما يعزّز الإدراك والحماس في آن.

ووفقاً لورقة بحثية صادرة عن «تيك توك»، فإن القنوات الرقمية مثل «تيك توك» والبرمجيات الإعلانية والمنصات الاجتماعية تُسهم بنسبة 22.6 في المائة من استفسارات السيارات، وقد تفوقت «تيك توك» على القنوات الأخرى في عائد الاستثمار. وبالنسبة إلى قبيطر، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالأداء الإعلاني، بل أيضاً بخلق نقاط تواصل مع المستهلكين قبل وفي أثناء وبعد عملية الشراء.

«تيك توك» يحقق عائد استثمار أعلى بنسبة 90 في المائة مقارنة بالفيديو عبر الإنترنت (أ.ف.ب)

رحلة المستهلك غير الخطية

النموذج التقليدي لمسار الشراء (الوعي - الاهتمام - الرغبة - الفعل) لم يعد مناسباً بالكامل. يصف سامي قبيطر سلوك المشتري الحالي بـ«تفكير الفشار»، أي التنقل غير الخطي، حيث يقفز العملاء بين المراحل وفق ما يُثير انتباههم. وتتمثّل أهم النتائج المترتبة على هذا التحول في الحضور الدائم للعلامة؛ إذ يوضح قبيطر أن المستهلكين عادة ما يفكرون في اثنين أو ثلاث علامات أو طرازات فقط. إذا لم تكن العلامة موجودة في مرحلة الوعي، فمن المستبعد أن تدخل في دائرة الاختيار.

أيضاً تأتي المرونة وتعدد المنتجات، لتلبية احتياجات العملاء المتغيرة وجذب انتباه من يبحثون عن بدائل بسبب نقص المخزون أو التوافر. بالإضافة إلى التفاعل بعد البيع، إذ أظهرت البيانات أن 40 في المائة من العملاء المخلصين قد يغيّرون الطراز بسبب التوافر، مما يبرز أهمية المحتوى المخصص واستراتيجيات إدارة علاقات العملاء للحفاظ عليهم.

استراتيجية القمع الكامل

أظهرت أبحاث «تيك توك» أن الحملات التي تغطي جميع مراحل القمع التسويقي تحقّق زيادة بنسبة 14 في المائة في الاستفسارات مقارنة بالحملات الموجهة لمرحلة الأداء فقط.

يقول قبيطر: «التوازن هو الأساس، حيث يُفضّل تخصيص 25 في المائة إلى 40 في المائة من ميزانية (تيك توك) لحملات بناء العلامة (الجزء العلوي من القمع)، و60 في المائة إلى 75 في المائة لحملات الأداء (الجزء السفلي من القمع)».

كما أن مدة الحملة مهمة، إذ يوصي بتشغيلها لمدة 10 إلى 12 أسبوعاً لالتقاط العملاء طوال رحلة الشراء الطويلة. ويصف هذه المقاربة بـ«الاستراتيجية المستمرة»، مشيراً إلى أنها تحقق زيادة في الكفاءة بنسبة 62 في المائة.

40 في المائة يرون أن الإعلانات الرقمية تؤثر بشكل كبير في قراراتهم (أ.ب)

حالة نجاح «Lexus Content Lab»

يذكر قبيطر أحد أبرز الأمثلة الإقليمية الناجحة، وهي مبادرة «Lexus Content Lab» على «تيك توك»، التي هدفت إلى تمكين عشاق السيارات من إنشاء مقاطع عالية الجودة.

ويستعيد تفاصيل المبادرة قائلاً: «قدمت (لكزس) دورة مكثفة صمّمها صناع المحتوى، لإلهام عشاق السيارات لإنتاج محتوى احترافي وقابل للانتشار خلال 30 دقيقة فقط». وشملت ورشات العمل دروساً تطبيقية في المؤثرات البصرية (CGI) وتقنيات التحرير، وسجلت طلباً مرتفعاً أدى إلى نفاد الحجوزات بسرعة. أسفرت هذه الجهود عن زيادة التفاعل بمعدل خمسة أضعاف، وحققت «لكزس» أعلى معدلات تفاعل لها منذ سنوات خلال الربع الأول من 2024. ويعلّق قبيطر: «التواصل الأصيل مع الجمهور من خلال دعمهم في إنشاء المحتوى يمكن أن يحقق نتائج قوية للعلامات التجارية، خصوصاً في قطاع السيارات».

المستقبل رقمي بامتياز

تشترك كل هذه الممارسات في مبدأ واحد، وهو مقابلة المستهلك حيث يكون على المنصات وبالصيغ والتوقيت اللذَيْن يختارهما. العلامات التي تتبنى هذا الفكر لا تبيع سيارات فقط، بل تبني مجتمعات وتبسّط القرارات وتخلق تجارب تتجاوز صالة العرض.

تشير الأرقام إلى واقع واضح، سوق السيارات الخليجية تنمو بمعدل سنوي مركب يبلغ 6.6 في المائة بين 2023 و2028، فيما يعتمد 74 في المائة من المستهلكين على الوسائط الرقمية للبحث قبل الشراء، ويؤكد 40 في المائة أن الإعلانات الرقمية تؤثر في قراراتهم. وفي الإمارات، يتأثر واحد من كل ثلاثة مشترين بصنّاع المحتوى، فيما تأتي 64 في المائة من النقرات البحثية على العلامات التجارية من القنوات الرقمية. كما تحقق «تيك توك» عائد استثمار أعلى بنسبة 90 في المائة مقارنة بالفيديو عبر الإنترنت، وتُسهم الحملات الكاملة القمع في زيادة الاستفسارات بنسبة 14 في المائة، فيما ترفع الاستراتيجيات مستمرة الكفاءة بنسبة تصل إلى 62 في المائة.

تحمل طفرة قطاع السيارات في الخليج فرصاً وتحديات في آن واحد. وكما يختتم قبيطر: «من يتكيّف بسرعة مع هذه السلوكيات الاستهلاكية المتغيرة هو الأكثر قدرة على جذب الانتباه وكسب الولاء في سوق يتطور بسرعة».

في عصر يمكن فيه لمقطع فيديو مدته 15 ثانية أن يدفع إلى زيارة صالة العرض، ولمراجعة صانع محتوى أن تحسم قرار الشراء، يتم إعادة كتابة قواعد التسويق في قطاع السيارات.


مقالات ذات صلة

«بي إم دبليو» الشرق الأوسط تختتم 2025 بنمو قوي عبر كامل محفظتها

عالم الاعمال «بي إم دبليو» الشرق الأوسط تختتم 2025 بنمو قوي عبر كامل محفظتها

«بي إم دبليو» الشرق الأوسط تختتم 2025 بنمو قوي عبر كامل محفظتها

اختتمت مجموعة «بي إم دبليو» الشرق الأوسط عام 2025 بنتائج قوية ونمو مستدام عبر كامل محفظتها التي تشمل علامات «بي إم دبليو» و«ميني» و«بي إم دبليو موتورد».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد منظر عام لدولاب لندن وبيغ بن والحي المالي من موقع مشروع برودواي وسط لندن (رويترز)

نمو الاقتصاد البريطاني يتجاوز التوقعات في نوفمبر

سجَّل الاقتصاد البريطاني نمواً أقوى من المتوقع خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، مدفوعاً بعودة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية في شركة «جاكوار لاند روفر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد جانب من اجتماع الخريّف مع مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «بي واي دي» وانغ شوان فو مع عدد من المسؤولين (الشرق الأوسط)

السعودية و«بي واي دي» تبحثان آليات نقل التقنية والتصنيع المحلي

عقد وزير الصناعة والثروة المعدنية، بندر الخريّف، اجتماعاً مع مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «بي واي دي» الصينية، وانغ شوان فو، بحث الفرص المشتركة لتصنيع السيارات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سفن عملاقة وآلاف الحاويات في ميناء «يانتيان» بمدينة شينزن الصينية (رويترز)

الصين تعلن اتفاقاً مع أوروبا لحل نزاع «السيارات الكهربائية»

أعلنت الصين، يوم الاثنين، توصلها إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي بشأن صادرات السيارات الكهربائية الصينية إلى دول التكتل.

«الشرق الأوسط» (بكين - بروكسل)
علوم البطارية الجديدة ركبت في هذه الدراجة النارية الكهربائية

بطارية جديدة مبتكرة للدراجات النارية الكهربائية تُشحن في 5 دقائق فقط

يمكن وضعها في مراكز البيانات، ومحطات شحن السيارات الكهربائية، ومنشآت الطاقة الشمسية

أديل بيترز (واشنطن)

صاروخ إعادة البشر إلى القمر يُنقل لمنصة الإطلاق بفلوريدا

مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)
مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)
TT

صاروخ إعادة البشر إلى القمر يُنقل لمنصة الإطلاق بفلوريدا

مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)
مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)

نقلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) صاروخها العملاق «إس إل إس»، الذي من المفترض أن يحمل روّاد فضاء إلى مدار القمر في أوّل مهمّة منذ أكثر من 50 سنة، إلى منصّة إطلاق لإجراء تجارب تمهيداً لرحلة «أرتيميس 2».

واستغرقت العمليّة، أمس (السبت)، نحو 12 ساعة، وتعدّ من الخطوات الأخيرة المتبقّية قبل إقلاع المهمّة المرتقب بين مطلع فبراير (شباط) وأواخر أبريل (نيسان).

ونقل الصاروخ الضخم الأبيض والبرتقالي فجراً من مبنى تركيب القطع في اتجاه مجمّع إطلاق الصواريخ «39 بي» في مركز كيندي الفضائي في فلوريدا حيث وصل عصراً، ومن المرتقب أن يخضع لسلسلة من الفحوص.

إن كانت النتائج مرضية، فسيكون في وسع الصاروخ الإقلاع بدءاً من السادس من فبراير، حسب التقديرات الأوّلية لـ«ناسا»، في مهمّة هي الأولى منذ «أبولو» في 1972 تحمل أربعة روّاد، ثلاثة أميركيين وكندي، إلى مدار القمر.

وقال جون هانيكات المشرف على برنامج الصاروخ خلال مؤتمر صحافي، الجمعة: «نحن بصدد كتابة التاريخ»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كيندي الفضائي (أ.ف.ب)

«جعل المستحيل ممكناً»

حضر الروّاد الأربعة، وهم ريد وايزمن وكريستينا هاموك كوك وفيكتور غلوفر وجيريمي هانسن، عمليّة نقل الصاروخ، السبت.

ومع كبسولة «أوريون» التي سيتمركز فيها الروّاد، يبلغ طول الصاروخ 98 متراً، أي أنّه أعلى من تمثال الحرّية، لكنه أقصر بقليل من صاروخ «ساتورن 5» الذي نقل مهمّات «أبولو» المأهولة إلى القمر والممتدّ على 110 أمتار.

وقال الرائد الكندي جيريمي هانسن في تصريحات للإعلام: «أنا متحمّس جدّاً. وفي خلال أسابيع قليلة، ستشهدون على تحليق أربعة أشخاص في مدار القمر. وإن كنّا قادرين على أمر مماثل اليوم، فتخيّلوا ما سيكون في وسعنا فعله غداً». وصرّح زميله فيكتور غلوفر: «نبذل ما في وسعنا لجعل المستحيل ممكناً».

ومن المفترض أن تمتدّ هذه المهمّة نحو عشرة أيّام يدور خلالها الطاقم حول القمر، تمهيداً للرحلة المقبلة التي ستشكّل العودة المنتظرة للبشر إلى سطح القمر بهدف إقامة وجود دائم هذه المرّة.

صاروخ أرتميس العملاق «إس إل إس» التابع لشركة «ناسا» في مركز كيندي الفضائي (أ.ف.ب)

لكن هذه المهمّة تشكّل في ذاتها سابقة على مستويات عدّة. فهي أوّل رحلة إلى مدار القمر تشارك فيها امرأة ورائد غير أبيض وآخر غير أميركي.

«سباق ثان إلى الفضاء»

وقبل الانطلاق، يتحقّق مهندسو «ناسا» من أمن الصاروخ ومتانته. ومن المفترض إجراء سلسلة من الفحوص قبل تدريب عام على عملية محاكاة.

وأطلقت مهمّة «أرتيميس 1» غير المأهولة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بعد عدّة تأجيلات ومحاولتين سابقتين غير ناجحتين.

ويهدف برنامج «أرتيميس» الذي كشف عنه النقاب خلال الولاية الأولى لدونالد ترمب إلى إقامة وجود بشري دائم على القمر في نهاية المطاف، والتمهيد لرحلات مقبلة نحو المريخ، لكنه تعرض لتأخيرات كثيرة في السنوات الأخيرة، غير أن «ناسا» أحدثت مفاجأة في أواخر 2025 مع إعلانها عن احتمال إطلاق «أرتيميس 2» في «مطلع فبراير» بدلاً من أبريل.

وقد يعزى تقريب الموعد إلى ضغوط من إدارة ترمب الطامعة بكسب «سباق ثان إلى الفضاء» ضدّ بكين بعد ذاك الذي تواجهت فيه الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي إبّان الحرب الباردة.

وبات محور المنافسة اليوم إرسال البشر إلى القمر بحلول 2030 وإقامة قاعدة على سطحه. ومن المرتقب أن يتمّ تأجيل مهمّة «أرتيميس 3» المحدّد موعدها راهناً في منتصف 2027. ويشير خبراء الملاحة الفضائية إلى أن جهاز الهبوط على القمر الذي طوّرته شركة «سبايس إكس»، التابعة لإيلون ماسك، غير جاهز بعد، ما يؤشّر إلى أن الصين قد تسحب البساط من تحت قدمي الولايات المتحدة.


«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
TT

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

قد يبدأ تطبيق الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» قريباً بعرض إعلانات لمنتجات وخدمات يُرجّح أنها تهم المستخدمين، وذلك استناداً إلى طبيعة محادثاتهم مع المنصة.

وأعلنت شركة «أوبن إيه آي»، أمس (الجمعة)، أنها ستختبر هذه الإعلانات في النسخة المجانية من تطبيق «تشات جي بي تي» للمستخدمين البالغين المسجلين في الولايات المتحدة. كما كشفت عن إطلاق باقة اشتراك جديدة تحمل اسم «Go» بسعر 8 دولارات شهرياً، تتضمن بعض الميزات المحسّنة، مثل ذاكرة أكبر وإمكانات أوسع لإنشاء الصور، وبسعر أقل من باقتي «Plus» (20 دولاراً شهرياً) و«Pro» (200 دولار شهرياً).

وبحسب شبكة «سي إن إن»، سيشاهد مشتركو باقة «Go» أيضاً إعلانات داخل الخدمة، في حين لن تُعرض أي إعلانات لمشتركي باقتي «Plus» و«Pro»، ولا لعملاء «أوبن إيه آي» من الشركات.

وكان سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، قد أعرب في وقت سابق، عن تحفظاته إزاء إدخال الإعلانات إلى «تشات جي بي تي». غير أن هذه الخطوة تأتي في سياق سعي الشركة الحثيث إلى إيجاد مصادر جديدة لزيادة الإيرادات من قاعدة مستخدميها التي تُقدَّر بنحو 800 مليون مستخدم شهرياً، وذلك للمساعدة في تغطية تكلفة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، التي تعتزم الشركة استثمار نحو 1.4 تريليون دولار فيها على مدى السنوات الثماني المقبلة.

وفي هذا السياق، قال ألتمان في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إن «أوبن إيه آي» تتوقع إنهاء عام 2025 بإيرادات سنوية تقارب 20 مليار دولار.

وكانت الشركة قد أطلقت العام الماضي، أداة تُعرف باسم «الدفع الفوري»، تتيح للمستخدمين شراء المنتجات مباشرةً من متاجر تجزئة مثل «وول مارت» و«إتسي» عبر «تشات جي بي تي». كما قدّمت أدوات في مجالات الصحة والتعليم وغيرها، في إطار مساعيها لجعل «تشات جي بي تي» جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمستخدمين، وربما تحفيزهم على الترقية إلى اشتراكات مدفوعة.

وقد تُثبت الإعلانات أنها استراتيجية مربحة لشركة «أوبن إيه آي»، إذ يمكن استغلال المعلومات المستخلصة من محادثات المستخدمين مع «تشات جي بي تي» لإنشاء إعلانات عالية الاستهداف. فعلى سبيل المثال، إذا طلب أحد المستخدمين المساعدة في التخطيط لرحلة، فقد تظهر له إعلانات متعلقة بفنادق أو أنشطة ترفيهية في الوجهة المقصودة.

وكجزء من هذا الاختبار، ستظهر الإعلانات أسفل إجابات «تشات جي بي تي» على استفسارات المستخدمين، مع تصنيفها بوضوح على أنها «إعلانات ممولة». وأكدت «أوبن إيه آي» أن هذه الإعلانات لن تؤثر في محتوى إجابات «تشات جي بي تي»، مشددة على أن المستخدمين «يجب أن يثقوا بأن الإجابات تستند إلى ما هو مفيد موضوعياً».

كما أوضحت الشركة أنها لن تبيع بيانات المستخدمين أو محادثاتهم للمعلنين، مؤكدةً أن بإمكان المستخدمين تعطيل تخصيص الإعلانات المبنية على محادثاتهم في أي وقت.


دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
TT

دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)

أعاد التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة متجددة حول الأتمتة ومستقبل العمل. فمن تطوير البرمجيات إلى إنتاج المحتوى، باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُظهر قدرات لافتة في الاختبارات البحثية والمعايير التقنية. لكن فجوة أساسية ما زالت قائمة تتعلق بقدرة هذه الأنظمة على تنفيذ أعمال حقيقية ذات قيمة اقتصادية، كما هي مطلوبة في سوق العمل الفعلي.

دراسة جديدة تسعى للإجابة عن هذا السؤال عبر إطار قياس مبتكر يُعرف باسم «مؤشر العمل عن بُعد» (Remote Labor Index – RLI)، وهو أول معيار تجريبي يقيس بشكل منهجي قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على أتمتة مشاريع عمل متكاملة مأخوذة من أسواق العمل الحر الحقيقية. وتأتي النتائج مفاجئة، وأكثر واقعية مما توحي به كثير من السرديات المتداولة حول قرب الاستغناء عن الوظائف البشرية.

ما بعد المعايير الاصطناعية

تركز معظم اختبارات الذكاء الاصطناعي الحالية على مهام محددة أو معزولة ككتابة شيفرات قصيرة أو الإجابة عن أسئلة تقنية أو تصفح الإنترنت أو تنفيذ أوامر حاسوبية مبسطة. ورغم أهمية هذه المعايير، فإنها غالباً لا تعكس التعقيد والتكامل والغموض الذي يميز العمل المهني الحقيقي.

من هنا جاء تطوير «مؤشر العمل عن بُعد»، الذي لا يختبر مهارات منفصلة، بل يقيس قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع كاملة من البداية إلى النهاية، تماماً كما تُسند إلى محترفين يعملون لحساب عملاء حقيقيين. وتشمل هذه المشاريع مجالات مثل التصميم والهندسة المعمارية وإنتاج الفيديو وتحليل البيانات وتطوير الألعاب وإعداد الوثائق وغيرها من أشكال العمل عن بُعد التي تشكل جوهر الاقتصاد الرقمي المعاصر. وبهذا، تنقل الدراسة النقاش من مستوى القدرات النظرية إلى مستوى الأداء الفعلي القابل للقياس في السوق.

نتائج المؤشر تظهر أن الذكاء الاصطناعي ما زال عاجزاً عن أتمتة معظم مشاريع العمل عن بُعد بمستوى مهني مقبول (غيتي)

قياس مؤشر العمل عن بُعد

تتكون قاعدة بيانات المؤشر من 240 مشروع عمل حر مكتمل، يحتوي كل مشروع على ثلاثة عناصر رئيسية هي وصف تفصيلي للمهمة والملفات المدخلة اللازمة لتنفيذها ومخرجات نهائية أنجزها محترفون بشريون باعتبارها مرجعاً قياسياً. ولم تكتفِ الدراسة بالمخرجات فقط، بل جمعت أيضاً بيانات عن الوقت والتكلفة اللازمين لتنفيذ كل مشروع. وقد استغرق إنجاز المشروع الواحد، في المتوسط، نحو 29 ساعة من العمل البشري، بينما تجاوزت بعض المشاريع حاجز 100 ساعة. وتراوحت تكاليف المشاريع بين أقل من 10 دولارات وأكثر من 10 آلاف دولار، بإجمالي قيمة تتجاوز 140 ألف دولار وأكثر من 6 آلاف ساعة عمل فعلي.

ويعكس هذا التنوع والتعقيد المتعمد طبيعة العمل الحقيقي، بعيداً عن المهام المبسطة أو المتخصصة.

تقييم أداء الذكاء الاصطناعي

اختبر الباحثون عدة نماذج متقدمة من وكلاء الذكاء الاصطناعي باستخدام عملية تقييم بشرية دقيقة حيث مُنحت الأنظمة نفس أوصاف المشاريع والملفات التي حصل عليها المحترفون، وطُلب منها إنتاج مخرجات كاملة. ثم قام مقيمون مدربون بمقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالمخرجات البشرية المرجعية، مع التركيز على سؤال جوهري يتعلق بمدى قبول العميل الحقيقي لهذا العمل باعتباره مكافئاً أو أفضل من عمل محترف بشري.

المقياس الأساسي في الدراسة هو «معدل الأتمتة» أي النسبة المئوية للمشاريع التي نجح الذكاء الاصطناعي في إنجازها بمستوى احترافي مقبول. كما استخدمت الدراسة نظام تصنيف شبيهاً بنظام «إيلو» لإجراء مقارنات دقيقة بين النماذج المختلفة، حتى في الحالات التي لم تصل فيها أي منها إلى مستوى الأداء البشري.

الأتمتة ما زالت محدودة جداً

على الرغم من التطورات الكبيرة في قدرات التفكير والتعامل متعدد الوسائط، تكشف النتائج أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية ما تزال بعيدة عن أتمتة العمل عن بُعد بشكل واسع. فقد بلغ أعلى معدل أتمتة تحقق 2.5 في المائة فقط، أي أن أقل من ثلاثة مشاريع من كل مائة وصلت إلى مستوى مقبول مقارنة بالعمل البشري. وتتحدى هذه النتيجة الافتراض السائد بأن التحسن في المعايير التقنية يعني بالضرورة قدرة فورية على استبدال العمل البشري. فحتى النماذج المتقدمة القادرة على كتابة الشيفرات أو توليد الصور والنصوص، غالباً ما تفشل عندما يُطلب منها دمج مهارات متعددة، أو الالتزام بتفاصيل معقدة أو تسليم ملفات متكاملة بجودة احترافية.

مستقبل العمل القريب يتجه نحو دعم الإنتاجية البشرية بالذكاء الاصطناعي بدلاً من استبدال الوظائف بالكامل (شاترستوك)

تعثر الذكاء الاصطناعي... ونجاحه

يكشف التحليل النوعي لأسباب الفشل عن مشكلات متكررة، أبرزها أخطاء تقنية أساسية مثل ملفات تالفة أو غير قابلة للاستخدام أو صيغ غير صحيحة أو مخرجات ناقصة وغير متسقة. وفي حالات أخرى، كانت المشاريع مكتملة شكلياً لكنها لا ترقى إلى المستوى المهني المتوقع في سوق العمل الحر.

في المقابل، رصدت الدراسة مجالات محدودة أظهر فيها الذكاء الاصطناعي أداءً أفضل نسبياً، لا سيما في المهام التي تتركز على معالجة النصوص أو توليد الصور أو التعامل مع الصوت كبعض أعمال التحرير الصوتي والتصميم البصري البسيط وكتابة التقارير وتصور البيانات المعتمد على الشيفرة البرمجية. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي يلعب بالفعل دوراً داعماً في بعض أنواع العمل، وإن لم يصل بعد إلى مرحلة الأتمتة الكاملة.

قياس التقدم دون تهويل

رغم انخفاض معدلات الأتمتة المطلقة، يُظهر المؤشر تحسناً نسبياً واضحاً بين النماذج المختلفة. فتصنيفات «إيلو» وهي نظام رياضي لتقييم الأداء النسبي، تشير إلى أن الأنظمة الأحدث تتفوق بشكل منهجي على سابقاتها، ما يعني أن التقدم حقيقي وقابل للقياس، حتى وإن لم يترجم بعد إلى إنجاز مشاريع كاملة. وتكمن قيمة «مؤشر العمل عن بُعد» في كونه أداة طويلة الأمد لمتابعة التطور، بعيداً عن التوقعات المبالغ فيها أو الأحكام الثنائية.

تشير نتائج الدراسة إلى أن الاستغناء الواسع عن العاملين في وظائف العمل عن بُعد ليس وشيكاً في الوقت الراهن. وبدلاً من ذلك، يُرجّح أن يكون الأثر القريب للذكاء الاصطناعي متمثلاً في تعزيز الإنتاجية على مستوى المهام، لا استبدال الوظائف بالكامل.

وسيظل الحكم البشري والقدرة على الدمج وضبط الجودة عناصر مركزية في العمل المهني. ومع ذلك، تحذر الدراسة من أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تقنيات الأتمتة السابقة؛ إذ يسعى إلى محاكاة قدرات معرفية عامة. وإذا تمكنت الأنظمة المستقبلية من سد الفجوة التي يكشفها المؤشر دون التكيّف المصطنع معه، فقد تكون الآثار على سوق العمل أعمق بكثير.

خط أساس جديد للنقاش

لا تدّعي هذه الدراسة التنبؤ بالمستقبل، لكنها تقدم خط أساس علمي وعملي لفهم موقع الذكاء الاصطناعي اليوم. ومن خلال ربط التقييم بعمل حقيقي وتكلفة فعلية ومعايير مهنية واقعية، تضع إطاراً أكثر دقة لنقاشات الأتمتة والعمل. ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، ستصبح أدوات مثل «مؤشر العمل عن بُعد» ضرورية للفصل بين التقدم الحقيقي والضجيج الإعلامي، وضمان أن يُبنى النقاش حول مستقبل العمل على الأدلة لا الافتراضات.