هل يصبح «الذكاء الاصطناعي المظلم» التهديد الأخطر القادم للأمن السيبراني؟

«كاسبرسكي»: المعركة المقبلة بين «ذكاءين اصطناعيين»

تشير تحليلات أمنية إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المظلم تُستخدم في حملات تصيد وهجمات فدية (شاترستوك)
تشير تحليلات أمنية إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المظلم تُستخدم في حملات تصيد وهجمات فدية (شاترستوك)
TT

هل يصبح «الذكاء الاصطناعي المظلم» التهديد الأخطر القادم للأمن السيبراني؟

تشير تحليلات أمنية إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المظلم تُستخدم في حملات تصيد وهجمات فدية (شاترستوك)
تشير تحليلات أمنية إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المظلم تُستخدم في حملات تصيد وهجمات فدية (شاترستوك)

عند تقاطع الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، تبرز ساحة معركة جديدة تتسارع فيها وتيرة المخاطر: ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي المظلم». فمع ازدياد قوة أدوات الذكاء الاصطناعي وسهولة الوصول إليها، لم تعد هذه التقنيات حكراً على المطورين أو الباحثين، بل أصبحت في متناول مجرمي الإنترنت الذين باتوا يستخدمونها لأتمتة الهجمات، وتوسيع نطاقها، وتخصيصها بدقة غير مسبوقة.

هذا التحوّل كان في صميم تحذيرات خبراء شركة «كاسبرسكي»، خلال مشاركتهم في مؤتمر «Cyber Security Weekend 2025» الذي عُقد مؤخراً في جزيرة بوكيت التايلاندية، حيث ناقشوا مع «الشرق الأوسط» ملامح المرحلة المقبلة من التهديدات السيبرانية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.

أليكسي أنتونوف قائد فريق مركز أبحاث تقنيات الذكاء الاصطناعي لدى «كاسبرسكي» متحدثاً خلال المؤتمر (كاسبرسكي)

من الابتكار إلى الاستغلال

لطالما مثّل الذكاء الاصطناعي وعداً بتحولات جذرية في مختلف القطاعات من الرعاية الصحية والتعليم، إلى عالم التمويل والخدمات اللوجستية. لكن كأي أداة قوية، يبقى استخدامه مرهوناً بالنيات: فقد يكون محفزاً للابتكار، أو وسيلة فعالة في أيدي من يسعى للإضرار.

يقول أليكسي أنتونوف، قائد فريق مركز أبحاث تقنيات الذكاء الاصطناعي في «كاسبرسكي»، إن المهاجمين المحترفين بدأوا بالفعل تسخير الذكاء الاصطناعي لتعزيز أدواتهم. لكنه يحذر من المرحلة المقبلة: «الخطر الحقيقي سيظهر عندما يتمكن غير المحترفين من استخدام هذه النماذج بسهولة».

ويشاركه الرأي سيرغي لوجكين، رئيس فريق البحث والتحليل العالمي (GReAT) في «كاسبرسكي»، موضحاً أن «الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن لا يزال بحاجة إلى تدخل بشري لصياغة برمجيات خبيثة فعالة، لكن هذا الوضع لن يستمر طويلاً».

ويفصّل أنتونوف المشهد التقني الحالي، قائلاً إن النماذج الذكية اليوم يمكنها إنتاج شيفرات خبيثة، لكنها لا تزال تحتاج إلى تعديل يدوي لتجاوز أنظمة الحماية. فيما يؤكد لوجكين أن «الكود» الناتج يحتاج عادة إلى «تصحيح وتحسين بشري ليحقق أهدافه»، إلا أن كلا الخبيرين يتفقان على أن المستقبل القريب سيشهد بروز نماذج قادرة على إنتاج برمجيات خبيثة متقدمة بشكل تلقائي، دون تدخل بشري يُذكر.

سيرغي لوجكين، رئيس فريق البحث والتحليل العالمي (GReAT) في «كاسبرسكي» متحدثاً خلال المؤتمر (كاسبرسكي)

ولادة «الذكاء الاصطناعي المظلم»

قدّم كل من أنتونوف ولوجكين مفهوماً مقلقاً لما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي المظلم»، وهي نماذج لغوية ضخمة يتم تطويرها أو تعديلها على يد مجرمي الإنترنت، بعيداً عن أي قيود أخلاقية أو ضوابط أمنية. يصف أنتونوف هذه النماذج بأنها «صُممت من مجرمين... لمجرمين». أما لوجكين فيُفصّل الأمر بقوله: «إذا حاولت استخدام نموذج ذكاء اصطناعي شرعي لإنشاء برمجية خبيثة، فسيرفض. أما الذكاء الاصطناعي المظلم، فلن يضع أي حدود، وسينفذ كل ما تطلبه من رسائل تصيّد مقنعة إلى نسخ مزيّفة من مواقع إلكترونية شهيرة».

سلاح الذكاء الاصطناعي الحقيقي

ورغم أن التركيز الإعلامي غالباً ما ينصب على القدرات الإبداعية للذكاء الاصطناعي، فإن التهديد الحقيقي يكمن في سرعته وقابليته للتوسع. ففي السابق، كان على المهاجمين إعادة كتابة الشيفرات يدوياً لتجاوز أنظمة الحماية بعد اكتشافها. أما اليوم، فيكفي أن يُدخل المهاجم أمراً بسيطاً مثل «اجعلها غير قابلة للكشف»، ليقوم الذكاء الاصطناعي بالباقي.

يشرح لوجكين أن هذا التطور يُسرّع بشكل كبير من دورات إنتاج البرمجيات الخبيثة، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي تعديل البنى البرمجية القائمة وإضافة وظائف جديدة خلال وقت قصير، مع الحاجة إلى تدخل بشري محدود. هذه السرعة تمنح المهاجمين المحترفين وغير المحترفين ميزة واضحة، وتوسّع دائرة التهديد بشكل غير مسبوق.

ويستشهد لوجكين بمجموعة «فانكسيك» (FunkSec) التي ظهرت عام 2024 كنموذج لهذا التحول؛ إذ استخدمت شيفرات مكتوبة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، مصحوبة بتعليقات برمجية عالية الجودة، لتنفيذ هجمات فدية مزدوجة. وتميزت هذه المجموعة باتباع نموذج «منخفض الكلفة وعالي الحجم»، معتمدة على أدوات الذكاء الاصطناعي لزيادة الكفاءة وتقليل التكاليف وهو تحول نوعي في أسلوب عمل مجرمي الإنترنت.

تحذر تقارير بأن الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تزداد تعقيداً وسرعةً ما يجعل التصدي لها أكثر صعوبة (شاترستوك)

التحول والتكيف

من بين أبرز المخاوف المتصاعدة، استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير برمجيات خبيثة متحورة قادرة على تغيير شكلها باستمرار لتفادي أنظمة الكشف التقليدية. يوضح لوجكين: «كل عينة جديدة من البرمجية نفسها قد تبدو مختلفة»، مشيراً إلى أن النماذج الذكية أصبحت قادرة على توليد هذه المتغيرات بشكل تلقائي.

وخلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، يضيف لوجكين أن المهاجمين بات بإمكانهم كذلك استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد وحدات خبيثة جديدة مثل أدوات تسجيل المفاتيح أو اعتراض الكاميرات بناءً على قوالب برمجية جاهزة، ما يجعل تطوير الهجمات أسرع وأقل تكلفة من أي وقت مضى.

ومع تصاعد هذا التهديد، يؤكد كل من أنتونوف ولوجكين أن المدافعين لا يزالون يملكون الفرصة للتفوق، بشرط تغيير طريقة التعامل مع التهديدات. ويشدد أنتونوف على أن «المدافع لا يحارب الذكاء الاصطناعي نفسه، بل يحارب ناتجه»، مشيراً إلى ضرورة تطوير أدوات استخباراتية ترصد البصمات الرقمية للهجمات، وتحديد مصادر أدوات التصيّد المتقدمة المنتشرة في الشبكات المظلمة.

كلا الخبيرين أشار أيضاً إلى مجموعة «لازاروس» سيئة السمعة كمثال بارز على الجرائم السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث قامت المجموعة بإنشاء صفحات تصيّد وملفات تعريف مزيفة عبر منصات احترافية باستخدام أدوات توليد المحتوى الذكي. ويرجّح لوجكين، استناداً إلى تقارير غير مؤكدة، أن بعض الشيفرات المستخدمة من قبل المجموعة كُتبت جزئياً عبر نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة.

محمد هاشم المدير العام للسعودية والبحرين لدى شركة «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

الشرق الأوسط... ساحة نشطة للتهديدات

تُعد منطقة الشرق الأوسط اليوم إحدى أكثر الساحات حساسية في مشهد التهديدات السيبرانية العالمية، حيث يتقاطع التحول الرقمي المتسارع مع تصاعد الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويرى أليكسي أنتونوف أن هذا ليس بالأمر الجديد، إذ لطالما شكّلت المنطقة محور اهتمام استراتيجي للقوى الجيوسياسية، بفضل مكانتها كمركز مالي وتجاري آخذ في التوسع والنمو.

وتُظهر بيانات «كاسبرسكي» أن حدة هجمات الفدية في الشرق الأوسط ارتفعت لتبلغ 0.72في المائة في عام 2025، متجاوزة بذلك أفريقيا وتركيا. ويُعزى هذا الارتفاع إلى تسارع تبنّي التقنيات الرقمية في المنطقة، إلى جانب تفاوت مستويات النضج الأمني السيبراني بين القطاعات والدول. ومع ازدياد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير البرمجيات الخبيثة، تصبح هذه التهديدات أكثر خفاءً وفاعلية من ذي قبل.

وفي سياق متصل، يؤكد محمد هاشم، المدير العام لشركة «كاسبرسكي» في السعودية والبحرين، أن المملكة تسير في طليعة الدول التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي على مستوى المنطقة. لكنه يحذّر من أن هذه الطفرة التقنية لا تخلو من تحديات أمنية عميقة. ويقول في حديثه مع «الشرق الأوسط»: «السعودية تقود جهود التحول الرقمي في المنطقة باستثمارات ضخمة، لكن لا بد من مواجهة التحديات الأمنية المصاحبة لتقنيات الذكاء الاصطناعي منذ مراحلها الأولى».

ويشدد هاشم على أهمية دمج الأمن السيبراني ضمن دورة حياة تطوير الذكاء الاصطناعي، بدءاً من التصميم وحتى التنفيذ، مؤكداً أن ذلك هو السبيل لضمان الجاهزية المستقبلية. كما يسلّط الضوء على دور مؤسسات وطنية مثل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) ومكتب إدارة البيانات الوطني في بناء منظومة ذكاء اصطناعي آمنة وقادرة على الصمود. ويضيف أن هذه الجهود تصبح أكثر أهمية في القطاعات الحساسة، مثل المدن الذكية والرعاية الصحية والقطاع المالي، التي تشكّل محاور أساسية في «رؤية السعودية 2030».

تفيد تقارير بأن استخدام الذكاء الاصطناعي يساهم في تسريع تطوير البرمجيات الخبيثة ويقلل الحاجز التقني أمام المهاجمين الأقل خبرة (شاترستوك)

ذكاء اصطناعي ضد ذكاء اصطناعي

يتوقع خبراء «كاسبرسكي» أن يشهد المستقبل القريب تحولاً نوعياً في طبيعة المواجهات الرقمية، حيث تتحول المعركة من «البشر باستخدام الذكاء الاصطناعي» إلى صراع مباشر بين «أنظمة ذكاء اصطناعي» نفسها.

ويرى كل من أنتونوف ولوجكين أن هذه النقلة ليست بعيدة، مشيرين إلى أننا نعيش حالياً مرحلة انتقالية، لكن المؤشرات تدل على أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح في وقت قريب اللاعب الوحيد على جانبي الهجوم والدفاع. ويعزّز محمد هاشم هذا الطرح، مؤكداً أن الشراكات العالمية ستكون مفتاحاً لحماية التقدم التقني من مخاطره المحتملة، ويقول: «من الضروري أن يترافق الابتكار في الذكاء الاصطناعي مع حماية سيبرانية بمستوى عالمي. فمواجهة التهديدات الناشئة مثل التزييف العميق والتصيّد المؤتمت تتطلب تنسيقاً دولياً وتبادلاً مستمراً للمعرفة والدفاعات».

من جهة أخرى، بات الذكاء الاصطناعي يشكّل اليوم العنصر المشترك في معظم التهديدات السيبرانية الحديثة من تطوير البرمجيات الخبيثة، إلى تنفيذ حملات تصيّد متقدمة، ووصولاً إلى مراقبة الأفراد عبر الأجهزة المحمولة. ومع ذلك، يُذكّر خبراء «كاسبرسكي» أن الذكاء الاصطناعي لا يزال أداة، وقيمة هذه الأداة تُحدَّد بطريقة استخدامها.

وفي وقت يقف فيه العالم الرقمي أمام مفترق طرق مصيري، لم يعد السؤال المطروح ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر شكل الصراع السيبراني، بل إلى أي مدى نحن مستعدون لتوجيه هذا التحوّل بدلاً من أن نُفاجَأ به.


مقالات ذات صلة

47 مليون رابط تصيد احتيالي استهدف مستخدمي الشرق الأوسط خلال عام

تكنولوجيا تُظهر بيانات عام 2025 أن الغالبية العظمى من هجمات التصيد الاحتيالي تستهدف سرقة بيانات تسجيل الدخول للحسابات الإلكترونية (شاترستوك)

47 مليون رابط تصيد احتيالي استهدف مستخدمي الشرق الأوسط خلال عام

تكشف «كاسبرسكي» تصاعد التصيد الاحتيالي في الشرق الأوسط حيث تُسرق بيانات الدخول ويُعاد بيعها، ما يحول الهجمات الفردية إلى مخاطر سيبرانية طويلة الأمد.

نسيم رمضان (لندن)
أوروبا أوضح وزير الداخلية الفرنسي أن الخرق الأمني جرى بسبب ضعف إجراءات «السلامة الرقمية» (رويترز)

سرقة ملفات «حساسة» في هجوم سيبراني على الداخلية الفرنسية

أعلنت الحكومة الفرنسية، الأربعاء، أنه تم «استخراج... بضع عشرات» من السجلات السرية خلال هجوم سيبراني على وزارة الداخلية الفرنسية استمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس يوم 6 يوليو 2021 (رويترز) play-circle 01:59

«عملية الأخطبوط»… قراصنة إيرانيون يزعمون اختراق هاتف رئيس وزراء إسرائيلي سابق

زعمَت مجموعة قرصنة إيرانية تُدعى «حنظلة» (Handala)، يوم الأربعاء، أنها نجحت في اختراق الهاتف المحمول لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
تكنولوجيا معرض «بلاك هات» أفسح مساحة كبيرة للطلاب ضمن فعالياته (تصوير: تركي العقيلي) play-circle

ما الذي يدفع «ناشئين» سعوديين للالتحاق بقطاع الأمن السيبراني؟

أظهر تقرير حديث للهيئة الوطنية للأمن السيبراني في السعودية، أن حجم القوى العاملة في قطاع الأمن السيبراني بالمملكة؛ بلغ أكثر من 21 ألف مختص خلال عام 2024.

غازي الحارثي (الرياض)
تكنولوجيا شهد المعرض مشاركة أكثر من 500 جهة (بلاك هات) play-circle

بـ40 ألف زائر و25 صفقة استثمارية... «بلاك هات» يُسدل ستار نسخته الرابعة

اختُتمت في الرياض، فعاليات «بلاك هات 2025»، عقب 3 أيام شهدت حضوراً واسعاً، عزّز مكانة السعودية مركزاً عالمياً لصناعة الأمن السيبراني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«محركات الإجابات»... مولّدات الأخبار الكاذبة الجديدة

«محركات الإجابات»... مولّدات الأخبار الكاذبة الجديدة
TT

«محركات الإجابات»... مولّدات الأخبار الكاذبة الجديدة

«محركات الإجابات»... مولّدات الأخبار الكاذبة الجديدة

يتبنى معظم قادة قطاع التكنولوجيا في الوقت الراهن، موقف الثقة المفرطة بأعمالهم، فيما يسخر خبراء الذكاء الاصطناعي اليوم من التفكير النقدي نفسه، كما كتبت كريس ميلي(*).

ها هي ذي «غوغل» تُدمج الذكاء الاصطناعي في متصفح كروم، فيما يعلن الخبراء نهاية المواقع الإلكترونية... ستتحول مئات الروابط إلى إجابات فردية، وسيختفي التفاعل، وسيُفرغ الإنترنت المفتوح من مضمونه. والمستقبل سيكون لمن يفوز بالانضمام إلى استجابة الذكاء الاصطناعي، وليس لمن يبني أفضل موقع إلكتروني.

أوهام وأكاذيب جديدة

لقد أمضينا العقد الماضي نتعلم أنه لا يُمكن تصديق كل شيء على «فيسبوك». والآن نحن على وشك ارتكاب الخطأ نفسه مع «تشات جي بي تي» و «كلود» و«جيمناي» التي قد تقدم قصة مُنمقة، أو استنتاجاً خاطئاً. هل سيتوقف الناس عن التفكير النقدي في المعلومات لمجرد أنها تأتي في غلاف أجمل؟

المشكلة نفسها... في غلاف جديد

علمتنا أزمة الأخبار الكاذبة درساً مهماً: العرض المصقول لا يعني بالضرورة معلومات موثوقة. فالتنسيق الجميل، والأسلوب الواثق، والرسومات القابلة للمشاركة لا تضمن الحقيقة.

كان علينا إعادة تعلم أساسيات الوعي الإعلامي: التحقق من المصدر، وفهم المنهجية، والبحث عن التحيز، وكذلك قراءة وجهات نظر متعددة، والتفكير النقدي.

«محركات الإجابة»

والآن، تأتي «محركات الإجابة» answer engines بوعد مغرٍ: «لا تقلق بشأن كل ذلك. فقط ثق بما نقوله لك» هذه هي «الأخبار الكاذبة 2.0».

تحذيرات من ركاكة العمل

وثّقت مجلة «هارفارد بزنس ريفيو» ما يحدث عندما يتوقف الناس عن التدقيق في مخرجات الذكاء الاصطناعي. أطلقوا عليها اسم «محتوى ركاكة العمل»، وهي محتوى يبدو مهنياً واحترافياً ولكنه يفتقر إلى الجوهر. شرائح مصقولة، وتقارير منظمة، وملخصات بليغة غير مكتملة، تفتقر إلى السياق، وغالباً ما تكون خاطئة.

والآن يقضي الموظفون ساعتين في المتوسط ​​لـ«تنظيف» وتنقية كل حالة، أي كل محتوى. وقد وصف أحدهم كل هذا الأمر بأنه «يخلق مجتمعاً كسولاً عقلياً وبطيء التفكير». وقال آخر: «اضطررتُ لإضاعة الوقت في التحقق من الأمر بنفسي، ثم أضعتُ المزيد من الوقت في إعادة العمل بنفسي».

غياب الجوهر النقدي

هذا ما يحدث عندما نستعين بمصادر خارجية للتفكير النقدي. يبدو المظهر الخارجي جيداً، لكن الجوهر غائب. ويدفع شخص ما الثمن. إذا كان الذكاء الاصطناعي عاجزاً عن إنتاج عمل جيد بشكل موثوق داخلياً، حيث يتوفر السياق والمساءلة، فلماذا نثق به ثقة عمياء خارجياً، حيث لا يوجد أي منهما؟

الأمور البالغة الأهمية تتطلب التحقق

تخيل أن طبيبك يستخدم ملخصاً من الذكاء الاصطناعي لتشخيص حالتك. لو أن محاميك يعتمد على«تشات جي بي تي» للحصول على نصائح تعاقدية. ويثق مستشارك المالي بتوصيات «جيمناي» دون التحقق منها، حينذاك عليك أن تطالبهم بالتحقق. التحقق من المصادر. عرض المنهجية. إثبات أنهم لا يقبلون ما تقوله الخوارزمية فحسب.

قرارات طبية ومسائل مالية وحقوقية

إن القرارات الطبية، والمسائل القانونية، والخيارات المالية، ومخاوف السلامة، جميعها تتطلب شفافية المصادر. أنت بحاجة إلى رؤية العمل. أنت بحاجة إلى السياق. أنت بحاجة إلى التحقق. أما واجهة الدردشة الذكية فلا تُغير هذه الحاجة الأساسية. إنها تُسهل فقط تخطي هذه الخطوات.

المواقع الإلكترونية باقية

نعم، أنماط البحث تتغير. نعم، حركة المرور تتغير. نعم، الذكاء الاصطناعي يُظهر بعض المحتوى بينما يُخفي آخر. هذا لا يجعل المواقع الإلكترونية قديمة، بل يجعلها أكثر أهمية.

المواقع التي ستختفي ستستحق ذلك، مثل: مواقع تحسين محركات البحث التي تتلاعب بالخوارزميات، ومواقع إنتاج المحتوى الرديء. أما المواقع التي ستبقى فستقدم ما لا تستطيع الإجابات المختصرة تقديمه: مصادر موثوقة، منهجيات شفافة، سياقاً عميقاً لا يمكن تلخيصه دون فقدان المعنى.

عندما سيطرت الأخبار الكاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن الحل «التوقف عن استخدام المصادر»، بل «تحسين تقييمها». والأمر نفسه يحدث هنا، إذ إن محركات الإجابات مدخل جديد، وليست بديلاً عن التحقق.

إن الرد الذكي على إجابة الذكاء الاصطناعي ليس «شكراً، أصدقك»، بل «هذا مثير للاهتمام، دعني أتعمق أكثر».

لسنا كسولين إلى هذا الحد

تفترض فرضية «موت المواقع الإلكترونية» أمراً قاتماً: أن البشر سيتوقفون عن كونهم فضوليين، وناقدين، وحذرين بشأن المعلومات المهمة. أننا سنقبل بكل ما تخبرنا به «غوغل».

يريد الناس فهم الأمور بعمق، لا مجرد معرفة الإجابة. يريدون تكوين آرائهم، لا أن يرثوها من الخوارزميات. يريدون التحقق من صحة الادعاءات عندما تكون المخاطر كبيرة. وهذا يتطلب الرجوع إلى المصادر، ومقارنة وجهات النظر، والتفكير النقدي بدلاً من ترك التكنولوجيا تفكر نيابةً عنهم. لا يمكنك فعل كل ذلك في نافذة دردشة.

ارفع مستوى التحدي

إن محركات الإجابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لا تقضي على المواقع الإلكترونية، بل تكشف أيها لم يكن يستحق الزيارة أصلاً.

السؤال ليس عما إذا كانت المواقع الإلكترونية ستنجو، بل عما إذا كان موقعك يقدم ما لا تستطيع الخوارزمية تقديمه: خبرة حقيقية، ومصادر شفافة، ومحتوى قيّماً يدفع الناس إلى الرغبة في معرفة القصة كاملة، لا مجرد ملخصها.

لقد تعلمنا هذا الدرس مع الأخبار الكاذبة، والآن نتعلمه مجدداً مع محركات الإجابة. ثق، ولكن تحقق... تحقق دائماً.

* مجلة «فاست كومباني»، خدمات «تريبيون ميديا».


روبوت مستوحى من النباتات يرفع الأجسام الثقيلة والهشة بذكاء

الباحثون: قمنا بتطوير قبضة روبوتية نامية تشبه النباتات المتسلقة قادرة على الالتفاف حول الجسم وتعليقه بلطف وبشكل آمن (MIT)
الباحثون: قمنا بتطوير قبضة روبوتية نامية تشبه النباتات المتسلقة قادرة على الالتفاف حول الجسم وتعليقه بلطف وبشكل آمن (MIT)
TT

روبوت مستوحى من النباتات يرفع الأجسام الثقيلة والهشة بذكاء

الباحثون: قمنا بتطوير قبضة روبوتية نامية تشبه النباتات المتسلقة قادرة على الالتفاف حول الجسم وتعليقه بلطف وبشكل آمن (MIT)
الباحثون: قمنا بتطوير قبضة روبوتية نامية تشبه النباتات المتسلقة قادرة على الالتفاف حول الجسم وتعليقه بلطف وبشكل آمن (MIT)

لطالما اعتمدت تقنيات الإمساك الروبوتي على أصابع صلبة أو مشابك ميكانيكية أو أنظمة شفط، وهي حلول أثبتت فاعليتها في البيئات الصناعية المنضبطة، لكنها تواجه صعوبات واضحة عند التعامل مع أجسام غير منتظمة الشكل أو حساسة أو تجمع بين الهشاشة والوزن. غير أن مشروعاً بحثياً جديداً من معهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، بالتعاون مع جامعة ستانفورد، يقدّم مقاربة مختلفة جذرياً، مستلهمة من الطريقة التي تلتف بها النباتات المتسلقة وتتكيف مع محيطها.

طريقة عمل الروبوت

بدل الضغط أو القبض المباشر على الأجسام، يعتمد النظام الجديد على أنابيب طويلة ومرنة قابلة للنفخ، تمتد من قاعدة صغيرة باتجاه الهدف، في حركة تشبه نمو النباتات المتسلقة بحثاً عن دعامة. وعند ملامسة الجسم، تلتف هذه الأنابيب حوله ثم تنكمش تدريجياً، لتشكّل ما يشبه الحمالة الناعمة التي توزّع الوزن بشكل متوازن.

ويمنح هذا التصميم الروبوت قدرة غير مألوفة على رفع أجسام تجمع بين الوزن والهشاشة في آن واحد. ففي التجارب المخبرية، تمكنت القبضة من التعامل مع أوعية زجاجية ومنتجات زراعية حساسة دون إلحاق أي ضرر بها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قوة كافية لرفع أحمال أثقل بكثير. ويكمن سر هذه القدرة في توزيع الضغط على مساحة واسعة، بدل تركيزه في نقاط تماس محدودة قد تتسبب بالكسر أو التلف.

إحدى أبرز مزايا هذا النهج المستوحى من الطبيعة هي قدرته العالية على التكيّف. فالقبضات الروبوتية التقليدية غالباً ما تحتاج إلى معرفة مسبقة بشكل الجسم وموقعه الدقيق، فيما تستطيع الأنابيب المرنة في هذا النظام الالتفاف حول العوائق، والدخول إلى المساحات الضيقة، والتكيّف تلقائياً مع الأشكال المختلفة، ما يجعلها مناسبة لبيئات عمل غير متوقعة أو مزدحمة.

أظهر الباحثون أن الروبوت الشبيه بالنباتات المتسلقة قادر على رفع مجموعة متنوعة من الأجسام الثقيلة والهشة بأمان واستقرار (MIT)

مجالات الاستخدام

يصنّف الباحثون هذا الابتكار ضمن تقاطع مجالين ناشئين هما الروبوتات اللينة، والروبوتات «النامية». إنها أنظمة لا تتحرك بالكامل داخل الفراغ، بل تمتد وتزداد طولاً للوصول إلى أهدافها. وبعد اكتمال الالتفاف حول الجسم، تُفعَّل آلية داخلية للتثبيت واللف، ما يسمح برفع الحمولة ونقلها بدرجة عالية من التحكم والاستقرار. ولا تقتصر الاستخدامات المحتملة لهذه التقنية على المختبرات. ففي البيئات الصناعية، يمكن أن تسهم في تحسين مناولة البضائع غير المنتظمة أو سريعة التلف داخل المستودعات وخطوط الإنتاج. وفي القطاع الزراعي، قد تفتح الباب أمام حصاد أكثر لطفاً للفواكه والخضراوات الحساسة. كما يشير الباحثون إلى تطبيقات مستقبلية في مجال الرعاية الصحية، حيث يمكن لنُسخ أكبر من هذا النظام أن تساعد مقدمي الرعاية في رفع المرضى أو دعمهم جسدياً، ما يقلل من الإصابات والإجهاد البدني.

يمكن تكييف التصميم الجديد للمساعدة في رعاية كبار السن وفرز المنتجات داخل المستودعات أو تفريغ الحمولات الثقيلة (MIT)

آفاق التطور التقني

يعكس هذا البحث توجهاً أوسع في عالم الروبوتات نحو تصميم أنظمة قادرة على التفاعل الآمن مع البشر وبيئات العمل غير المتوقعة. فمع انتقال الروبوتات تدريجياً من المساحات المعزولة إلى أماكن مشتركة مع البشر، تصبح السلامة والمرونة عاملين لا يقلان أهمية عن القوة أو السرعة.

ومن خلال استلهام مبدأ بسيط من الطبيعة وتحويله إلى حل هندسي عملي، يقدّم هذا الابتكار مثالاً واضحاً على كيف يمكن للتصميم المستوحى من الكائنات الحية أن يوسّع حدود ما تستطيع الروبوتات القيام به. وبدل إجبار العالم على التكيّف مع آلات صلبة، يطرح هذا النهج مستقبلاً تتكيّف فيه الآلات مع العالم من حولها.


«أوبن إيه آي» تعتزم إطلاق أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها هذا العام

شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)
TT

«أوبن إيه آي» تعتزم إطلاق أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها هذا العام

شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» (رويترز)

أعلن كريس ليهان، كبير مسؤولي الشؤون العالمية في شركة «أوبن إيه آي»، يوم الاثنين، أن الشركة تعتزم الكشف عن أول جهاز ذكاء اصطناعي من تطويرها في النصف الثاني من عام 2026.

وقال ليهان لموقع «أكسيوس» إن الشركة تسير «على المسار الصحيح» لتحقيق هذا الهدف، واصفاً الجهاز بأنه «أحد أبرز المشاريع المقبلة لشركة (أوبن إيه آي) في عام 2026».

وكان الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، سام ألتمان، قد لمّح إلى وجود خطة لإنتاج جهاز ذكاء اصطناعي مستقبلي منذ استحواذه على شركة ناشئة متخصصة في أجهزة الذكاء الاصطناعي، شارك في تأسيسها المصمم المخضرم في شركة «أبل» جوني آيف، في مايو (أيار) الماضي، لكنه لم يُقدّم أي جدول زمني محدد أو أي وصف لشكل الجهاز.

كما لمّحت شركة «آيف»، التي كانت تُعرف آنذاك باسم «io»، إلى الكشف عن الجهاز في عام 2026. وجاء في نص فيديو ترويجي نُشر وقت الاستحواذ: «نتطلع إلى مشاركة عملنا معكم العام المقبل».

وأفادت تقارير مختلفة بأن «أوبن إيه آي» تعمل على تطوير نماذج أولية لأجهزة صغيرة من دون شاشة - ربما قابلة للارتداء - تتفاعل مع المستخدمين.

وقال ألتمان إن الجهاز سيكون «أكثر هدوءاً» من الجوال الذكي، وسيندهش المستخدمون من بساطته.

وامتنع ليهان عن الخوض في أي تفاصيل تخص الجهاز أو شكله، بما في ذلك ما إذا كان دبوساً أو سماعة أذن أو شيئاً آخر مختلفاً تماماً.