أفكار وأوامر بسيطة تتيح للذكاء الاصطناعي إنشاء برامج كومبيوترية

تسهل لأي شخص إنتاجها من دون معرفته بلغات البرمجة

البرمجة من دون لغة برمجية تشابه عملية التحكم بالطرق القيديم بواسطة الازرار والمفاتيح
البرمجة من دون لغة برمجية تشابه عملية التحكم بالطرق القيديم بواسطة الازرار والمفاتيح
TT

أفكار وأوامر بسيطة تتيح للذكاء الاصطناعي إنشاء برامج كومبيوترية

البرمجة من دون لغة برمجية تشابه عملية التحكم بالطرق القيديم بواسطة الازرار والمفاتيح
البرمجة من دون لغة برمجية تشابه عملية التحكم بالطرق القيديم بواسطة الازرار والمفاتيح

أنا لست مبرمجاً، ولا أستطيع أن أكتب سطراً واحداً بلغة بايثون Python للبرمجة عالية المستوى، أو لغة جافا سكريبت JavaScript للبرمجة أو لغة C ++ للبرمجة.

وباستثناء فترة قصيرة في سنوات مراهقتي، عندما كنت أقوم ببناء مواقع إلكترونية وأتلاعب بالرسوم المتحركة، فإني لم أكن مهندس برمجيات، ولا أطمح إلى ترك الصحافة من أجل العمل في صناعة التكنولوجيا.

ومع ذلك، فقد كنت أكتب الكثير من الرموز(الأكواد) البرمجية على مدى الأشهر القليلة الماضية.

توظيف الذكاء الاصطناعي للبرمجة

ومن بين إبداعاتي توصلت إلى أداة تقوم بنسخ وتلخيص المدونات الصوتية (Podcasts) الطويلة، وأداة لتنظيم إشاراتي المرجعية (Bookmarks) على وسائل التواصل الاجتماعي في قاعدة بيانات قابلة للبحث، كما توصلت إلى موقع ويب يخبرني ما إذا كان حجم أي قطعة أثاث يناسب صندوق سيارتي، وإلى تطبيق يسمى LunchBox Buddy، الذي يحلل محتويات ثلاجتي ويساعدني في تحديد ما يمكنني تحضيره لغداء ابني في المدرسة.

محادثة مع اداة الذكاء الاصطناعي لصنع تطبيق لوجبات غداء للاطفال

وكل هذه الإبداعات كانت ممكنة بفضل تقنية الذكاء الاصطناعي، والاتجاه الجديد في الذكاء الاصطناعي الذي يُعرف باسم (Vibecoding). وهو مصطلح مبتكر يستخدم لوصف طريقة بناء التطبيقات أو المواقع باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل بسيط وغير تقني؛ إذ يشير إلى إنشاء البرامج أو تطوير التطبيقات عن طريق كتابة أو تقديم أفكار أو أوامر بسيطة، غالباً تكون نصوصاً، لأدوات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من كتابة الأكواد البرمجية المعقدة.

ويعد Vibecoding، وهو مصطلح ابتكره الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي أندريه كارباثي، اختصاراً مفيداً للطريقة التي تسمح بها أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم حتى للهواة غير المتخصصين ببناء تطبيقات ومواقع ويب تعمل بشكل كامل، فقط عن طريق كتابة التعليمات في مربع النص؛ إذ لا تحتاج إلى معرفة كيفية البرمجة لكي تمارس هذه الطريقة؛ إذ إنه مجرد وجود فكرة، وقليل من الصبر، عادةً ما يكون كافياً.

وصف الأفكار

وقد كتب كارباثي الشهر الماضي عن الأمر قائلاً: «هذه ليست برمجة حقيقية، أنا فقط أنظر إلى الأفكار والمشاكل، وأكتب وصفاً لما أريده، وأقوم بتشغيل الأدوات، ثم نسخ الأكواد ولصقها، وفي الغالب ينجح الأمر».

وقد كانت تجاربي الخاصة في Vibecoding تهدف إلى إنشاء ما أسميه «برمجيات الشخص الواحد» «software for one»، وهي تطبيقات صغيرة مُخصَّصة تهدف لحل مشاكل معينة في حياتي، فهذه ليست من أنواع الأدوات التي قد تبنيها شركات التكنولوجيا الكبيرة، ولا توجد سوق حقيقية لها، كما أن ميزاتها تكون محدودة، وبعضها يعمل بشكل جزئي فقط.

لكن بناء البرمجيات بهذه الطريقة، من خلال وصف مشكلة في جملة أو جملتين، ثم مشاهدة نموذج ذكاء اصطناعي قوي يعمل على بناء أداة مُخصَّصة لحلها، هو تجربة مذهلة، فهي تخلق شعوراً بالذهول الناتج عن استخدام الذكاء الاصطناعي، على غرار ما شعرت به بعد استخدام تطبيق ChatGPT لأول مرة.

وهي أفضل طريقة وجدتها لإثبات قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم للمشككين، والتي يمكنها أتمتة أجزاء كبيرة من البرمجة الأساسية للكومبيوتر، وقد تكون قادرة قريباً على تحقيق إنجازات مماثلة في مجالات أخرى.

صحيح أن أدوات البرمجة باستخدام الذكاء الاصطناعي موجودة منذ سنوات، وقد صُممت أدوات سابقة، مثل GitHub Copilot، لمساعدة المبرمجين المحترفين على العمل بشكل أسرع، وذلك جزئياً من خلال تكملة أسطر الشيفرة البرمجية الخاصة بهم بالطريقة نفسها التي يكمل بها ChatGPT الجملة، لكننا كنا لا نزال في حاجة إلى معرفة كيفية البرمجة للحصول على أقصى استفادة منها والتدخل عندما يتعثر الذكاء الاصطناعي.

أدوات ذكية جديدة

لكن على مدى العام أو العامين الماضيين، تم بناء أدوات جديدة للاستفادة من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر قوة التي تمكّن حتى المبتدئين من البرمجة مثل المحترفين.

وتعمل هذه الأدوات، التي تشمل Cursor وReplit وBolt وLovable، بالطريقة نفسها تقريباً، فبناءً على تعليمات المُستخدِم، تقوم الأداة بتصميم المنتَج، وتحدد أفضل الشيفرات البرمجية ولغات البرمجة التي يجب استخدامها، ثم تبدأ العمل على بناء المنتَج، وتسمح معظم الأدوات باستخدام محدود مجاني، مع وجود مستويات أخرى مدفوعة تفتح ميزات أفضل، وقدرة على بناء المزيد من المنتجات.

وبالنسبة لغير المبرمجين، فإن الـVibecoding يمكن أن يبدو وكأنه أشبه بالسحر، فبعد كتابة التعليمات الخاصة بك، تظهر سطور غامضة من التعليمات البرمجية بسرعة، وبعد بضع ثوانٍ قليلة، إذا سار كل شيء على ما يرام، يظهر نموذج أولي يعمل، ويمكن للمستخدمين اقتراح تعديلات أو تغييرات، وعندما يكونون راضين عن منتجهم الجديد، فإن بإمكانهم نشره على الويب أو تشغيله على أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، ويمكن أن تستغرق العملية بضع دقائق فقط، أو ساعات عدة، اعتماداً على مدى التعقيد.

تجربة تخلق شعوراً بالذهول من قدرات الأدوات الذكية

تطبيق شخصي لوجبة غداء للأطفال

وقد طلبت من Bolt بناء تطبيق يمكن أن يساعدني في تحضير وجبة غداء مدرسية لابني، بناءً على صورة تم تحميلها لمحتويات ثلاجتي، وبعد نحو 10 دقائق من إدخال التعليمات الخاصة بي، كان LunchBox Buddy وهو الاسم الذي اختاره الذكاء الاصطناعي لتطبيقي الجديد، جاهزاً، واقترح إعداد شطيرة ديك رومي عادية.

ولم تكن جميع تجاربي في Vibecoding ناجحة، حيث واجهت صعوبة لمدة أسابيع في بناء أداة «Inbox Autopilot» التي يمكنها الرد على رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بي تلقائياً، بأسلوبي في الكتابة نفسه، كما واجهت عقبات عند محاولة دمج العمليات التي يتم تنفيذها باستخدام الذكاء الاصطناعي في تطبيقات مثل Google Photos وiOS Voice Memos، والتي لم يتم تصميمها للعمل بشكل جيد مع الإضافات الخارجية من أطراف ثالثة.

وبالطبع، يرتكب الذكاء الاصطناعي أخطاءً أحياناً، فذات مرة، عندما حاولت إنشاء موقع ويب لمتجر إطارات في الحي الذي أسكن به، اختلق الذكاء الاصطناعي تقييمات مزيفة من صفحة مفترضة للمتجر على Yelp (وهو موقع يقدم تقييمات للمحال التجارية والخدمات) وأضافها إلى صفحة التقييمات على الموقع الإلكتروني للمتجر.

وفي مرة أخرى، عندما حاولت تحويل قصة طويلة كتبتها موقعاً إلكترونياً تفاعلياً، أدرج الذكاء الاصطناعي نحو نصف النَص وترك النصف الآخر.

وبعبارة أخرى، لا يزال الـVibecoding في حاجة إلى الاستفادة من وجود البشر للإشراف على الروبوتات أو على الأقل التواجد بالقرب منها، ومن المحتمل أن يكون أفضل لمشاريع الهواة، وليس للمهام الأساسية.

لكن هذه الحال قد لا تستمر طويلاً، فالكثير من شركات الذكاء الاصطناعي تعمل على تطوير وكلاء لهندسة البرمجيات التي قد تحل محل المبرمجين البشريين بشكل كامل، وبالفعل، يحقق الذكاء الاصطناعي درجات عالمية في اختبارات البرمجة التنافسية، كما قامت الكثير من شركات التكنولوجيا الكبرى، بما في ذلك «غوغل»، بتفويض جزء كبير من أعمالها الهندسية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وقد صرَّح سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لـلشركة أخيراً، بأن الشيفرة البرمجية التي يولدها الذكاء الاصطناعي تمثل أكثر من ربع جميع الشيفرات الجديدة الذي يتم نشرها في الشركة.

إذن، لو كنت مبرمجاً مبتدئاً، وهو النوع الذي يبدو أن الذكاء الاصطناعي من المرجح أن يحل محله، فقد أشعر بحالة من الذعر بشأن مستقبل وظيفتي، لكنني مجرد شخص يحب التجريب وبناء الأدوات التي تعمل على تحسين حياتي بطرق بسيطة، والـVibecoding، أو البرمجة الفعلية، هي أحد المجالات التي يبدو أن الذكاء الاصطناعي يتطور فيها بشكل لا لَبس فيه.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

خاص النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

يفرض تسارع الذكاء الاصطناعي ضغطاً على البنية التحتية، حيث يصبح تخزين البيانات وكفاءته واستدامته عاملاً حاسماً في القدرة على التوسع.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)

«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

«غوغل» تطلق استيراد الذاكرة في «جيميناي»، لنقل السياق والتفضيلات بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز تجربة شخصية مستمرة للمستخدمين.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)

خناق «هرمز» يطارد ثورة الذكاء الاصطناعي بـ«شبح الهيليوم»

بينما ينشغل العالم بمراقبة تدفقات النفط الخام والغاز الطبيعي عبر «هرمز»، تنفجر أزمة صامتة في إمدادات «الغاز غير المرئي» الذي تعتمد عليه أحدث التقنيات البشرية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مندوبون يحضرون الاجتماع الوزاري الـ14 لمنظمة التجارة العالمية في ياوندي بالكاميرون يوم 28 مارس 2026 (رويترز)

تعثر مفاوضات منظمة التجارة العالمية وسط جمود بين أميركا والهند

قال دبلوماسيون إنَّ محادثات إصلاح منظمة التجارة العالمية وتمديد فترة الوقف المؤقت لفرض رسوم جمركية على المعاملات الإلكترونية دخلت يومها الأخير دون أي انفراجة.

«الشرق الأوسط» (ياوندي )
تكنولوجيا يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

تحديث «iOS 26.4» يقدم تحسينات يومية وميزات ذكاء اصطناعي محدودة بينما تأجل إطلاق النسخة المطورة من «سيري» المنتظرة لاحقاً.

نسيم رمضان (لندن)

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
TT

الذكاء الاصطناعي وواقع البيانات... هل تواكب البنية التحتية هذا التسارع؟

النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)
النمو المتسارع للبيانات يفرض تحديات جديدة على البنية التحتية من حيث الكفاءة والاستدامة (غيتي)

مع تسارع الذكاء الاصطناعي في توليد البيانات واستخدامها، يؤدي تزايد أهمية البنية التحتية إلى تحول أقل وضوحاً، لكنه أكثر عمقاً. فبينما يتركّز جزء كبير من النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي على قوة الحوسبة وأداء النماذج، يشير قادة الصناعة بشكل متزايد إلى كيفية تخزين البيانات والوصول إليها وتوسيعها على نطاق واسع.

في إحاطة إعلامية خاصة حضرتها «الشرق الأوسط»، قدّم مسؤولون في شركة «سي غيت تكنولوجي» (Seagate Technology) هذا التحول بوصفه تغيراً هيكلياً، لا مجرد تحديث تقني. فالتحدي لم يعد يقتصر على إنتاج البيانات أو معالجتها، بل بات يتمحور حول القدرة على الحفاظ عليها وتوسيعها بكفاءة واستدامة وعلى نحو يمكن التنبؤ به. يقول ديف موسلي، الرئيس التنفيذي للشركة إن «ما نعلنه اليوم ليس مجرد إنجاز على مستوى المنتج، بل يعكس كيف يجب أن تتطور البنية التحتية لمواكبة التسارع غير المسبوق في نمو البيانات عالمياً».

ديف موسلي الرئيس التنفيذي لشركة «سي غيت تكنولوجي»

يصعب المبالغة في حجم هذا النمو. فحسب موسلي، انتقل حجم البيانات العالمية من نحو زيتابايت واحد في عام 2005 إلى أكثر من 70 زيتابايت في عام 2020، مع توقع إضافة مئات الزيتابايت في السنوات المقبلة. ورغم أن الذكاء الاصطناعي يعدّ محركاً رئيسياً لهذا التوسع، فإنه ليس العامل الوحيد؛ إذ تسهم خدمات الحوسبة السحابية والفيديو والأتمتة والمتطلبات التنظيمية في تشكيل منظومة بيانات أكثر تعقيداً واتساعاً.

هذا التداخل يعيد صياغة طريقة تقييم البنية التحتية. ويضيف موسلي أن «القصة لم تعد تتعلق بتقنية واحدة، بل بالبنية التحتية وتخصيص رأس المال». بمعنى آخر، لم يعد السؤال هو ما إذا كان بالإمكان إنتاج البيانات أو معالجتها، بل ما إذا كانت الأنظمة الداعمة قادرة على التوسع بكفاءة لمواكبة هذا النمو.

ما بعد الحوسبة

أحد أبرز الاستنتاجات هو أن مسار الذكاء الاصطناعي لا يمكن فهمه من خلال الحوسبة وحدها. فرغم أهمية المعالجات والمسرّعات، فإنها تعتمد بشكل أساسي على توفر البيانات.

ويشير موسلي إلى أنه «عندما يتحدث الناس عن بنية الذكاء الاصطناعي، يركّزون على الحوسبة التي لا يمكن أن تعمل دون بيانات. ماذا يحدث عندما تنفد البيانات من منصات الحوسبة؟ هذه مشكلة».

هذا الطرح يعيد وضع التخزين في قلب أنظمة الذكاء الاصطناعي. فالبيانات لا يكفي أن تكون موجودة، بل يجب الاحتفاظ بها وحمايتها وإمكانية استرجاعها على نطاق واسع. وفي بيئات الحوسبة فائقة الحجم، حيث تُتخذ القرارات على مدى خمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، تتحول هذه المتطلبات معادلةً اقتصادية بقدر ما هي تقنية.

تكلفة التخزين لكل تيرابايت واستهلاك الطاقة وكثافة السعة لكل رفّ، كلها أصبحت عوامل حاسمة. وكما أفاد موسلي: «الذكاء الاصطناعي لا يتوسع بالحوسبة فقط، بل يعتمد على اقتصاديات مستدامة، والتخزين هو ما يحدد هذه الاقتصاديات».

الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط... بل يضاعفها عبر النسخ وإعادة التدريب والاستخدام المستمر (غيتي)

من النمو إلى التراكم

جزء من هذا التحول يرتبط بطبيعة البيانات نفسها. فالذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فحسب، بل يضاعفها. ويصرح بي إس تيه، الرئيس التجاري للشركة بأن «الذكاء الاصطناعي لا يستهلك البيانات فقط، بل يراكمها». عملياً، يعني ذلك أن البيانات تُنسخ وتُوزَّع وتُحفظ ويُعاد استخدامها لتدريب النماذج وإعادة تدريبها. ونتيجة لذلك؛ لم يعد نمو البيانات خطياً، بل أصبح متسارعاً ومتراكماً.

ويظهر هذا الواقع في توسّع مراكز البيانات عالمياً. فهناك اليوم أكثر من 11 ألف مركز بيانات، مع توقع ارتفاع العدد إلى نحو 15 ألفاً خلال السنوات المقبلة. لكن الأهم هو حجم هذه المراكز. فما كان يُعدّ مركزاً ضخماً سابقاً بقدرة 10 ميغاواط تحل محله اليوم مراكز «عملاقة» تصل إلى 100 أو حتى 300 ميغاواط.

ويذكر تيه أنه «لا يكاد يمر يوم دون الإعلان عن بناء مركز بيانات جديد في مكان ما من العالم». لكن التحول الحقيقي لا يكمن في العدد فقط، بل في الحجم والضغط المتزايد على البنية التحتية.

التوسع دون اضطراب

مع هذا النمو، لا يتمثل التحدي في زيادة السعة فقط، بل في تحقيق ذلك دون إحداث اضطراب. فمشغلو البنية التحتية الضخمة لا يمكنهم تحمل تغييرات جذرية متكررة. ويلفت موسلي إلى أن بعض العملاء يتخذون قرارات تمتد لخمس أو سبع أو حتى عشر سنوات، ويحتاجون إلى ثقة بأن كثافة التخزين ستستمر في التوسع دون تغييرات معمارية معطِّلة.هذا التركيز على القابلية للتنبؤ أصبح بحد ذاته ميزة أساسية. فالتطور يجب أن يكون تدريجياً ومستمراً، لا أن يفرض إعادة تصميم مكلفة في كل مرحلة.

من جانبه، يوضح جون موريس، المدير التقني، أن التقنيات التقليدية لزيادة الكثافة وصلت إلى حدودها ويتابع: «تقنية التسجيل المغناطيسي التقليدية اقتربت من حدودها، ونحتاج إلى ابتكارات جديدة لدفع الجيل القادم من التخزين».

ولهذا؛ طوّرت الشركة تقنية التسجيل المغناطيسي بمساعدة الحرارة (HAMR)، التي تستخدم تسخيناً دقيقاً بالليزر لزيادة كثافة البيانات دون تغيير الحجم الفيزيائي للأقراص. ويشرح موريس بأن «الزيادة في السعة تتحقق من خلال الفيزياء الأساسية للتسجيل؛ ما يتيح اقتصاديات أفضل من حيث التكلفة لكل تيرابايت والاستثمار المطلوب». الأهم أن هذه التقنية لم تعد في مرحلة التجارب، بل انتقلت إلى بيئات الإنتاج الفعلية، حيث تم اعتمادها من قِبل عملاء في قطاع الحوسبة السحابية واسعة النطاق.

من الابتكار إلى الإنتاج الصناعي

تحويل الابتكار منتجاً فعلياً يتطلب أكثر من اختراق تقني، بل يحتاج إلى قدرة على التصنيع على نطاق واسع بدقة عالية. وحول ذلك يقول موريس إن «نقل هذه التقنية من البحث إلى الإنتاج تطلب تطوير تقنيات جديدة بالكامل»، مشيراً إلى التقدم في المواد والفوتونيات وعمليات التصنيع الدقيقة. وهذا ما يتيح التوسع التدريجي دون انقطاع. فكل جيل جديد يبني على السابق؛ ما يسمح بزيادة السعة دون الحاجة إلى إعادة تصميم الأنظمة بالكامل.

التحدي الأساسي لم يعد سرعة النماذج... بل قدرة البنية التحتية على التوسع بشكل مستدام وموثوق (غيتي)

اقتصاديات الحجم

على مستوى البنية التحتية الضخمة، حتى التحسينات الصغيرة تُحدِث فرقاً كبيراً. ويفسر موسلي بأنه في بيئة تخزين بحجم إكسابايت واحد، يمكن تحقيق تحسن في كفاءة الطاقة بنحو 47 في المائة مقارنة بالأنظمة السابقة، مع تقليل عدد الأقراص من نحو 50 ألفاً إلى نحو 22 ألفاً؛ ما يؤدي إلى تقليل المساحة والتبريد والتعقيد التشغيلي.

هذه ليست تحسينات هامشية، بل تغييرات تؤثر مباشرة على التكلفة والبنية.

وأشار تيه إلى أن الاستدامة أصبحت عاملاً مؤثراً في قرارات الشراء، قائلاً: «لم تعد الاستدامة مسألة ثانوية»، في إشارة إلى أهمية استهلاك الطاقة والبصمة الكربونية. كما أن نظرة المؤسسات إلى البيانات تغيّرت، حيث إنه «في السابق كانت البيانات تُعدّ تكلفة، أما اليوم فهي أصل استراتيجي يتراكم بمرور الوقت».

السؤال الحاسم

تشير هذه التطورات إلى تحول أوسع في تصميم بنية الذكاء الاصطناعي. فالتخزين الذي كان في الخلفية، أصبح اليوم في صميم التخطيط. في السابق، كانت الأولوية للحوسبة والذاكرة والشبكات. أما اليوم، فأصبح التخزين عاملاً حاسماً في قدرة الأنظمة على التوسع. وكما وصفه تيه: «كان التخزين مثل الهواء أو الماء أساسي، لكنه غير مرئي... إلى أن يغيب». اليوم، لم يعد كذلك، بل أصبح محورياً في بناء القدرات الرقمية.

بالنسبة لقيادة الشركة، يتجاوز هذا التحول حدود التقنية ليطرح سؤالاً أساسياً حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. وباعتقاد موسلي أن «السؤال الأهم لهذا العقد ليس مدى سرعة تدريب النماذج، بل مدى قدرة البنية التحتية للبيانات على التوسع بشكل مستدام».

هذا الطرح يعيد توجيه النقاش، حيث إن مستقبل الذكاء الاصطناعي قد لا يعتمد فقط على تطور النماذج، بل على القدرة على إدارة البيانات على نطاق غير مسبوق بكفاءة واستقرار ودون انقطاع. وبهذا المعنى، قد لا يُقاس تقدم الذكاء الاصطناعي بذكائه فقط، بل بالبنية التحتية التي تجعله ممكناً.


«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
TT

«غوغل» تتيح نقل سجل المحادثات والتفضيلات إلى «جيميناي»

تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)
تتيح «غوغل» ميزة استيراد الذاكرة في «جيميناي» لنقل التفضيلات والسياق الشخصي من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى (شاترستوك)

تسعى «غوغل» إلى معالجة إحدى أبرز العقبات في عالم تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمستهلكين، وهي «مشكلة البدء من الصفر». فمع تنقُّل المستخدمين بين أكثر من مساعد ذكي، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين لإعادة إدخال تفضيلاتهم، وشرح سياقهم الشخصي مراراً، وإعادة بناء سجل محادثاتهم من جديد. ومن خلال مجموعة ميزات جديدة في تطبيق «جيميناي»، تحاول الشركة تقليل هذا الاحتكاك عبر تمكين المستخدم من نقل «ذاكرته الرقمية» بين المنصات.

تعتمد عملية الاستيراد على توليد ملخص من التطبيق الآخر ثم إدخاله إلى «جيميناي»، ليتم تحليله وحفظه (غوغل)

استمرارية التجربة الرقمية

في تحديث بدأ طرحه في العالم العربي، تقدم «غوغل» ميزة «استيراد الذاكرة» (Memory Import) التي تتيح نقل عناصر أساسية من السياق الشخصي -مثل الاهتمامات والعلاقات والتفضيلات- من تطبيقات ذكاء اصطناعي أخرى مباشرة إلى «جيميناي».

الفكرة بسيطة، وهي أنه بدلاً من تدريب مساعد جديد من الصفر، يمكن للمستخدم أن ينقل معه طبقة جاهزة من الفهم تعكس طريقة تفاعله السابقة.

ورغم التعقيد التقني الكامن وراء هذه العملية، فإن تنفيذها جاء بشكل مبسَّط. من خلال إعدادات «جيميناي»، يمكن اختيار خيار الاستيراد؛ حيث يتم توليد «طلب» (Prompt) جاهز، ثم يقوم المستخدم بنسخ هذا الطلب إلى تطبيق ذكاء اصطناعي آخر، والذي بدوره يُنتج ملخصاً لتفضيلات المستخدم وسياقه. بعد ذلك، يتم لصق هذا الملخص داخل «جيميناي» الذي يقوم بتحليله وتخزينه ضمن ملف المستخدم. ومن ثمَّ، يصبح «جيميناي» قادراً على استخدام هذه البيانات لتخصيص ردوده، وكأنه يواصل رحلة المستخدم الرقمية بدلاً من البدء من جديد.

تمكِّن الميزة المستخدمين من تجنُّب البدء من الصفر عبر نقل فهم مسبق لطبيعة تفاعلاتهم واهتماماتهم (غيتي)

«الذكاء الشخصي»

تندرج هذه الخطوة ضمن توجه أوسع لدى «غوغل»، نحو ما تسميه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence)، وهو نموذج يسعى إلى تقديم مساعد ذكي أكثر وعياً بالسياق. فبدلاً من التعامل مع كل طلب بشكل منفصل، يهدف «جيميناي» إلى تقديم إجابات مبنيَّة على فهم أعمق لتاريخ المستخدم وعاداته واهتماماته.

ولا يقتصر الأمر على استيراد الذاكرة فقط. فمع موافقة المستخدم، يمكن لـ«جيميناي» الاستفادة من بيانات عبر منظومة «غوغل» الأوسع، بما في ذلك «جيميل» و«صور غوغل» وسجل البحث، إضافة إلى المحادثات السابقة داخل التطبيق نفسه. وهذا يتيح مستوى أكثر تطوراً من التفاعل؛ حيث لا تعتمد الإجابة فقط على السؤال الحالي؛ بل على صورة أوسع تتشكل مع الوقت حول المستخدم.

تشتت سجل المحادثات

كما تعالج «غوغل» مشكلة أخرى برزت مع انتشار استخدام أدوات ذكاء اصطناعي متعددة، وهي تشتت سجل المحادثات؛ إذ بات بإمكان المستخدمين الآن تحميل أرشيف محادثاتهم من منصات أخرى بصيغة ملف مضغوط (ZIP) واستيراده إلى «جيميناي». وبذلك يمكنهم البحث داخل محادثاتهم السابقة، واستكمالها دون فقدان السياق.

تعكس هذه الميزة تحولاً مهماً في طريقة النظر إلى المساعدات الذكية. فهي لم تعد مجرد أدوات منفصلة؛ بل بدأت تأخذ شكل «رفيق رقمي» طويل الأمد؛ حيث تلعب الاستمرارية وتراكم السياق دوراً محورياً في قيمتها. وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى سجل المحادثات كأرشيف فقط؛ بل كجزء من «ذكاء» النظام نفسه.

بالنسبة للمستخدم، تكمن الفائدة المباشرة في الكفاءة. فالمهام التي كانت تتطلب شرحاً متكرراً، مثل التخطيط للسفر، أو إدارة المشاريع، أو تطوير أفكار إبداعية، يمكن الآن استئنافها بسهولة من حيث توقفت. أما بالنسبة لـ«غوغل»، فالدلالة الاستراتيجية واضحة، فتقليل تكلفة الانتقال بين المنصات يجعل من الأسهل على المستخدم اعتماد «جيميناي» مساعداً أساسياً، حتى لو كانت تجربته السابقة في مكان آخر.

يمكن لـ«جيميناي» الاستفادة من بيانات خدمات «غوغل» مثل «جيميل» و«صور غوغل» وسجل البحث لتحسين الاستجابات (غوغل)

الخصوصية والمنافسة الجديدة

في المقابل، تظل مسألة الخصوصية والتحكم في البيانات حاضرة. تؤكد «غوغل» أن هذه الميزات تعمل بموافقة المستخدم؛ خصوصاً عند الربط مع خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل». كما أن عملية الاستيراد نفسها تتطلب خطوات واضحة من المستخدم. ومع ذلك، فإن تعمُّق تكامل الذكاء الاصطناعي مع البيانات الشخصية سيبقى موضع نقاش مستمر.

يأتي إطلاق هذه الميزات أولاً عبر «الويب» في العالم العربي، على أن تصل إلى الأجهزة المحمولة خلال الأيام المقبلة، ما يعكس توجهاً نحو تقديم حلول مخصَّصة للأسواق الإقليمية؛ خصوصاً فيما يتعلق باللغة والسياق الثقافي.

بصورة أوسع، يشير هذا التحديث إلى تحول في طبيعة المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التميز يقتصر على قوة النماذج أو عدد الميزات؛ بل بات يرتبط بمدى قدرة المساعد على فهم المستخدم والاستمرار معه عبر الزمن. وفي هذا السياق، تصبح «الذاكرة» عاملاً حاسماً.

فمن خلال تمكين المستخدمين من نقل سياقهم معهم، لا تضيف «غوغل» مجرد ميزة جديدة؛ بل تعيد تعريف نقطة البداية في التفاعل، لتتحول من صفحة بيضاء إلى محادثة مستمرة.


«إنستغرام» يختبر نسخة مدفوعة بمزايا إضافية

شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
TT

«إنستغرام» يختبر نسخة مدفوعة بمزايا إضافية

شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «إنستغرام» (أ.ف.ب)

بدأ تطبيق «إنستغرام» اختبار نسخة جديدة للاشتراك المدفوع في العديد من الدول، مع مزايا إضافية تركز بشكل رئيسي على خاصية «ستوريز»، وفق ما قالت ناطقة باسم الشركة الأم «ميتا» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين، مؤكدة معلومات أوردها موقع «تِك كرانش».

كذلك، سيحصل المستخدمون الذين يدفعون على مزيد من التحكم في الحسابات المسموح لها بمشاهدة الصور أو مقاطع الفيديو التي يشاركونها في منشورات «ستوريز» التي عادة ما تختفي بعد 24 ساعة على الشبكة الاجتماعية.

وقالت الناطقة باسم الشركة إنه يتم اختبار هذه النسخة في «عدد قليل من البلدان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب «تِك كرانش» تشمل هذه البلدان اليابان والمكسيك والفلبين حيث تبلغ أسعار الاشتراك نحو دولارين شهرياً.

وأطلقت «ميتا» إصدارات مدفوعة خالية من الإعلانات من «فيسبوك» و«إنستغرام» في بريطانيا العام الماضي للامتثال للتشريعات في البلاد.

وتعرض منصتا «سناب تشات» و«إكس» نسخة مميزة مدفوعة منذ سنوات.