زيارة خاصة لـ«الشرق الأوسط» إلى «وحدة الجرائم الرقمية» في «مايكروسوفت»

تحلل الوحدة 78 تريليون إشارة أمان يومياً بمساعدة الذكاء الاصطناعي

«مايكروسوفت»: نحن لا نتفاعل فقط مع التهديدات الإلكترونية بل نلاحق المجرمين ونفكك شبكاتهم ونجعل الإنترنت مكاناً أكثر أماناً للجميع (مايكروسوفت)
«مايكروسوفت»: نحن لا نتفاعل فقط مع التهديدات الإلكترونية بل نلاحق المجرمين ونفكك شبكاتهم ونجعل الإنترنت مكاناً أكثر أماناً للجميع (مايكروسوفت)
TT

زيارة خاصة لـ«الشرق الأوسط» إلى «وحدة الجرائم الرقمية» في «مايكروسوفت»

«مايكروسوفت»: نحن لا نتفاعل فقط مع التهديدات الإلكترونية بل نلاحق المجرمين ونفكك شبكاتهم ونجعل الإنترنت مكاناً أكثر أماناً للجميع (مايكروسوفت)
«مايكروسوفت»: نحن لا نتفاعل فقط مع التهديدات الإلكترونية بل نلاحق المجرمين ونفكك شبكاتهم ونجعل الإنترنت مكاناً أكثر أماناً للجميع (مايكروسوفت)

تُعتبر وحدة الجرائم الرقمية (DCU) التابعة لـ«مايكروسوفت» قوة حاسمة في المعركة العالمية الشرسة ضد الجرائم الإلكترونية. تقع هذه الوحدة في المقر الرئيسي للشركة في مدينة سياتل الأميركية، وتتبع نهجاً متعدد التخصصات يجمع بين الخبرة القانونية والتكنولوجيا المتطورة والشراكات العالمية لمكافحة بعض أكثر التهديدات الإلكترونية تطوراً في العالم. أتيحت لـ«الشرق الأوسط» زيارة حصرية لهذا المركز لرؤية كيفية عمل هذا الفريق المتخصص عن كثب، واستكشاف أحدث ابتكاراتهم، وفهم المشهد المتطور للأمن السيبراني.

ستيفن ماسادا المستشار العام المساعد لوحدة الجرائم الرقمية في «مايكروسوفت» (ستيفن ماسادا)

محاربة الجرائم الإلكترونية

يقود هذه العمليات ستيفن ماسادا، المستشار العام المساعد لوحدة الجرائم الرقمية في «مايكروسوفت»، الذي يتمتع بخبرة واسعة من عمله السابق في وزارة العدل الأميركية، حيث قضى أكثر من 12 عاماً في التعامل مع ملاحقات وتحقيقات الجرائم الإلكترونية.

ويوضح ماسادا أن «مهمة المركز بسيطة ولكنها طموحة، وهي تعطيل عمليات المجرمين الإلكترونيين، وجعل العالم الرقمي أكثر أماناً للجميع».

تعمل وحدة الجرائم الرقمية منذ عام 2008، وشهدت تطوراً لتصبح شبكة عالمية تضم محامين ومحققين ومحللي بيانات ومحترفين في مجال الأمن السيبراني. يستفيد الفريق من شبكة استخبارات التهديدات الواسعة لـ«مايكروسوفت»، حيث يحلل 78 تريليون إشارة أمان يومياً بمساعدة الذكاء الاصطناعي لتتبع وتحييد التهديدات الإلكترونية قبل أن تتصاعد.

يقول ماسادا في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «الجرائم الإلكترونية لم تعد مجرد أفراد يعملون بشكل منفرد بل أصبحت صناعة». ويضيف: «يعمل القراصنة مثل الشركات، حيث يقدمون الجرائم الإلكترونية بوصفها خدمة، مما يخلق سلسلة توريد من التهديدات الرقمية».

غرفة محاكاة الجرائم الإلكترونية

عندما دخلنا إلى مركز مكافحة الجرائم الإلكترونية في «مايكروسوفت» تعرفنا على مساحة تجمع بين التحليل الجنائي واستخبارات التهديدات في الوقت الفعلي وجهود إنفاذ القانون.

كانت إحدى التجارب الأكثر إثارة هي زيارة غرفة محاكاة الهجمات الإلكترونية، حيث تتم إعادة بناء سيناريوهات الجرائم الإلكترونية الواقعية. يشرح ماسادا أن هذه المساحة تسمح للشركات والمسؤولين الحكوميين والمحترفين في مجال الأمن السيبراني بتجربة كيفية حدوث هجوم الفدية في الوقت الفعلي. تقدم المحاكاة التي اختبرناها تجربة تفاعلية تهدف إلى مساعدة الزوار على فهم التأثير الفوري للاختراق الإلكتروني واستراتيجيات الاستجابة اللازمة.

خلال عام 2024 ساهمت وحدة الجرائم الرقمية في 85 عملية اعتقال على مستوى العالم (شاترستوك)

مختبر التهديدات والتحقيقات

في مختبر التحقيقات، يعمل المحللون الجنائيون وعلماء البيانات في «مايكروسوفت» على تتبع شبكات المجرمين الإلكترونيين. باستخدام التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يراقب الفريق أكثر من 3000 جهة تهديد إلكتروني معروفة عالمياً، بما في ذلك مجموعات تابعة لدول وشبكات الفدية وشبكات الاحتيال المالي. يسعون من ذلك إلى تحديد وتتبع وتعطيل عمليات المجرمين الإلكترونيين قبل أن تتسبب في ضرر.

يقول ماسادا إن العمل لا يقتصر على الاستجابة للتهديدات الإلكترونية، بل يتضمن أيضاً تفكيك البنية التحتية التي تمكنها بشكل استباقي.

وعلى طول الممرات، تعرض عدة أكشاك تفاعلية حالات رئيسية للجرائم الإلكترونية تمكنت وحدة الجرائم الرقمية (DCU) من تعطيلها بنجاح. تسلط هذه الحالات الضوء على جهود مايكروسوفت في إزالة أدوات التصيد الاحتيالي، وإيقاف عمليات الفدية، ومنع مخططات سرقة الهوية التي استهدفت ملايين المستخدمين حول العالم.

حقائق

13.82 تريليون دولار

هو حجم التكلفة العالمية للجرائم الإلكترونية بحلول عام 2028 بعد أن كانت 9.22 تريليون دولار في عام 2024

القانون لمكافحة الجرائم الإلكترونية

بينما تركز غالبية المنظمات فقط على الأمن السيبراني الدفاعي، تأخذ وحدة الجرائم الرقمية في «مايكروسوفت» نهجاً هجومياً باستخدام الاستراتيجيات القانونية لإيقاف شبكات المجرمين الإلكترونيين.
يوضح ماسادا أن «مايكروسوفت» تستخدم القانون أداة لتعطيل الجرائم الإلكترونية. من خلال الحصول على أوامر قضائية، يمكن مصادرة النطاقات وحظر الخوادم الخبيثة وتفكيك البنية التحتية الإجرامية.

وقد أثبت هذا النهج القانوني فاعليته الكبيرة في تعطيل الجرائم الإلكترونية ذات الدوافع المالية وحتى الجهات التابعة للدول. على مر السنين، قامت «مايكروسوفت» بمبادرات قانونية ضد بعض أخطر شبكات المجرمين الإلكترونيين في العالم، غالباً بالتعاون مع الحكومات ووكالات إنفاذ القانون وشركات الأمن السيبراني.

ومن أبرز الحالات تلك التي تتعلق بشبكة «ستورم - 1152» البارزة في عالم الجريمة الإلكترونية التي كانت تعمل على تطوير أداة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتجاوز إجراءات أمان «CAPTCHA» وإنشاء حسابات وهمية على نطاق واسع. تمكنت «مايكروسوفت» بالشراكة مع «أكروس لابس» من إيقاف هذه العملية، مما أدى إلى تقليل عدد الحسابات الوهمية بشكل كبير. ويعد ماسادا أن «المجرمين الإلكترونيين يتطورون باستمرار، ولكننا نتطور معهم».

يعمل في وحدة الجرائم الرقمية 34000 مهندس أمني متخصص بدوام كامل (شاترستوك)

الذكاء الاصطناعي ومستقبل الجرائم الإلكترونية

أحد التحديات الأكثر إلحاحاً التي تواجهها وحدة الجرائم الرقمية اليوم هو إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي من قبل المجرمين الإلكترونيين. مع تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بسرعة، يجد القراصنة طرقاً لاستغلالها في حملات التصيد الآلية، وكذا عمليات الاحتيال باستخدام «التزييف العميق» وسرقة الهوية.

خلال الجولة، تعرفت «الشرق الأوسط» على تحقيق حديث لـ«مايكروسوفت» كشف عن مجموعة إجرامية تستخدم محتوى تم إنشاؤه بالذكاء الاصطناعي لنشر المعلومات المضللة وتنفيذ مخططات الاحتيال. ردت وحدة الجرائم الرقمية من خلال إيقاف البنية التحتية الرقمية للشبكة. أيضاً عبر تحليل التهديدات المولدة بالذكاء الاصطناعي لتحسين دفاعات مايكروسوفت الأمنية والتعاون مع وكالات إنفاذ القانون لتتبع ومقاضاة المتورطين.

يؤكد ماسادا أن «الذكاء الاصطناعي أداة قوية، ولكن في الأيدي الخطأ، ويمكن أن يتم تحويلها إلى سلاح». لهذا السبب تستخدم «مايكروسوفت» الذكاء الاصطناعي ليس فقط لمكافحة الجرائم الإلكترونية، بل أيضاً لتوقعها ومنعها. وقد قامت وحدة الجرائم الرقمية بدمج أنظمة استخبارات التهديدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لفحص أنماط الأنشطة الإجرامية الإلكترونية، مما يساعد «مايكروسوفت» على توقع التهديدات الإلكترونية والتخفيف منها قبل حدوثها.

جبهة موحدة ضد الجرائم الإلكترونية

أحد الدروس الرئيسية من الزيارة كان كيفية تعاون «مايكروسوفت» مع الحكومات وشركات الأمن السيبراني الخاصة ووكالات إنفاذ القانون لتعزيز تأثيرها. تتعاون وحدة الجرائم الرقمية بنشاط مع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) والإنتربول لتتبع المجرمين الإلكترونيين الدوليين. هناك أيضاً تنسيق مع شركات أخرى مثل «غوغل» و«أمازون» لاتخاذ إجراءات قانونية مشتركة ضد شبكات الاحتيال واسعة النطاق. إضافة إلى الحكومات المحلية.

كانت زيارة وحدة الجرائم الرقمية في «مايكروسوفت» تجربة مثيرة للتفكير سلطت الضوء على حجم وتعقيد الجرائم الإلكترونية الحديثة. كما يبدو أن ما يميز «مايكروسوفت» من خلال هذه الوحدة هو نهجها الاستباقي الذي يجمع بين استخبارات التهديدات المدعومة بالذكاء الاصطناعي وإنفاذ القانون والشراكات العالمية لمكافحة الجرائم الإلكترونية من جذورها.

 

 

 


مقالات ذات صلة

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
عالم الاعمال استطلاع لـ«كلاوديرا»: ثقة مرتفعة بالبيانات في السعودية رغم تحديات الحوكمة

استطلاع لـ«كلاوديرا»: ثقة مرتفعة بالبيانات في السعودية رغم تحديات الحوكمة

أظهر استطلاع حديث أجرته شركة «Cloudera» أن المؤسسات في السعودية تبدي مستويات مرتفعة من الثقة ببياناتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.