كيف يدعم «واي فاي 7» التحول الرقمي وشبكات القطاعات الحيوية؟

«الشرق الأوسط» تحاور المدير الإقليمي لشركة «إكستريم نتوركس»

يتطلب «واي فاي 7» بنية تحتية متقدمة ودعماً لمعدلات بيانات أعلى (أدوبي)
يتطلب «واي فاي 7» بنية تحتية متقدمة ودعماً لمعدلات بيانات أعلى (أدوبي)
TT

كيف يدعم «واي فاي 7» التحول الرقمي وشبكات القطاعات الحيوية؟

يتطلب «واي فاي 7» بنية تحتية متقدمة ودعماً لمعدلات بيانات أعلى (أدوبي)
يتطلب «واي فاي 7» بنية تحتية متقدمة ودعماً لمعدلات بيانات أعلى (أدوبي)

يرفع الاعتماد المتزايد على الحلول المستندة إلى البيانات الحاجة إلى اتصال قوي ومنخفض زمن الاستجابة وعالي الإنتاجية. ويمثل ظهور تقنية «واي فاي 7» خطوة كبيرة للأمام؛ ما يوفر نطاق تردد غير مسبوق، ويتيح تطبيقات فورية كانت غير ممكنة سابقاً. تلتقي «الشرق الأوسط» معن الشكرجي، المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا لدى شركة «إكستريم نتوركس»؛ لفهم كيفية تحول تقنية «واي فاي 7» للصناعات، وتعزيز تجارب المستخدمين، ودعم الممارسات المستدامة.

تحسين الاتصال مع «واي فاي 7»

يعدّ «واي فاي 7» أحدث تقدم في الاتصال اللاسلكي، ويشير إطلاقه إلى تحول كبير في كيفية قدرة الشبكات على التعامل مع الطلب المتزايد على البيانات عالية السرعة. يوضح الشكرجي أن التكنولوجيا توفر «نطاق تردد أوسع»؛ ما يعني من الناحية العملية، سرعة نقل البيانات أكبر وتقليل ملحوظ في زمن الاستجابة. هذا التحول مهم لتطبيقات تتطلب اتصالاً في الوقت الفعلي، مثل بث الفيديو، وإنترنت الأشياء، وعمليات الذكاء الاصطناعي.

ويرى الشكرجي أن التغيير الكبير حدث مع الانتقال من «واي فاي 6» إلى «واي فاي6E» والآن يبني «واي فاي 7» على ذلك من خلال فتح نطاق تردد الستة غيغاهرتز. يقارن الشكرجي ذلك «بتوسيع طريق ذات مسار واحد إلى طريق سريعة كثيرة المسارات»؛ مما يسمح بتدفق بيانات أكثر سلاسة وسرعة عبر الأجهزة. يدعم هذا التحسين الكثير من الاستخدامات ذات الطلب العالي، من بث الأحداث الحية في الملاعب المكتظة إلى توفير بيانات الرعاية الصحية الضرورية فوراً.

تحسين التجارب في الملاعب الرياضية

تظهر إمكانات «واي فاي 7» في البيئات ذات الكثافة العالية، مثل الملاعب الرياضية، حيث يتصل آلاف المستخدمين بالشبكة في وقت واحد. في ملعب أنفيلد ببريطانيا، موطن نادي ليفربول، طبّقت شركة «إكستريم نتوركس» «واي فاي 7» لتمكين اتصال سلس للمشجعين؛ مما يسمح لهم ببث الفيديو، ومشاركة التجارب على وسائل التواصل الاجتماعي، والحصول على معلومات في الوقت الفعلي دون انقطاع.

يسلط الشكرجي الضوء على أهمية الاتصال الموثوق به في تقديم تجربة متميزة للمشجعين. ويقول: «فكّر في خدمات مثل نقاط البيع الرقمية التي تتصل بالشبكة اللاسلكية». تسمح هذه الخدمات «بتقديم الطعام والمشروبات للمشجعين مباشرة في مقاعدهم بدلاً من إجبارهم على الذهاب إلى مكان البيع». ويضيف بأن التطبيقات المتنقلة للخدمات المختلفة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من تجربة المشجع الحديثة، مدفوعة بقدرات شبكة «واي فاي 7» السريعة وذات زمن الاستجابة المنخفض.

يدعم «واي فاي 7» استخدامات كثيرة تتطلب اتصالاً فورياً كـ«إنترنت الأشياء» (أدوبي)

دعم الرعاية الصحية

بينما تعدّ الرياضة والترفيه أمثلة مشوقة، يمتد تأثير «واي فاي 7» إلى الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية. يوضح معن الشكرجي خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه في المستشفيات، حيث يكون الوصول إلى الملفات الرقمية الكبيرة مثل صور الأشعة أو الأشعة المقطعية أمراً ضرورياً، يمكن أن يُحدِث «واي فاي 7» ثورة في رعاية المرضى. تقليدياً، كانت هذه الملفات الكبيرة تتطلب اتصالات سلكية بسبب حجمها، لكن مع «واي فاي 7» يمكن لمقدمي الرعاية الصحية الآن الوصول إليها لاسلكياً.

على سبيل المثال، يمكن للأطباء والممرضات حمل أجهزتهم اللوحية إلى جانب سرير المريض والوصول إلى جميع المعلومات الضرورية على الفور، حسبما يقول الشكرجي. هذه القدرة ليست مجرد راحة؛ ففي حالات مثل الجراحة عن بُعد، يعدّ نقل البيانات في الوقت الفعلي أمراً بالغ الأهمية لسلامة المرضى. يُمكّن «واي فاي 7» من تقديم خدمات في الوقت الفعلي منخفضة زمن الاستجابة والتي تكون ضرورية في حالات الحياة أو الموت.

«رؤية السعودية» للتحول الرقمي

يتماشى اندفاع المملكة العربية السعودية نحو التحول الرقمي مع إمكانات «واي فاي 7» بحسب وصف الشكرجي. كجزء من «رؤية 2030»، تستثمر المملكة في التقنيات المتقدمة لبناء مجتمع رقمي مُمكّن. ويعترف الشكرجي بهذه الطموحات، مشيراً إلى أن المملكة «بدأت بالفعل» في تطوير البنية التحتية اللازمة لدعم التطبيقات الرقمية عبر مختلف القطاعات.

وقد تعاونت شركة «إكستريم نتوركس» مع مؤسسات رئيسية عدة في السعودية، مثل «مجموعة الدكتور سليمان الحبيب الطبية»، حيث طبّقوا «واي فاي 7» لتوفير تجربة رقمية متكاملة للمرضى. يتضمن ذلك الدخول من دون لمس، والسجلات الطبية الرقمية، والوصول الآمن والسريع إلى المعلومات الصحية. يقول الشكرجي: «نحن فخورون بالعمل مع مؤسسات رائدة في المملكة العربية السعودية لدعم رحلتهم الرقمية.»

يساهم في استدامة الطاقة من خلال إدارة ذكية لاستهلاكها حسب الحاجة (أدوبي)

تحديات توسيع البنية التحتية

بينما تعدّ فوائد «واي فاي 7» كبيرة، فإن ترقية البنية التحتية تمثل تحديات. يجب استبدال نقاط الوصول (APs) مع كل جيل جديد من «واي فاي» بسبب الحاجة إلى تقنيات راديو محدثة تدعم زيادة عرض النطاق الترددي. بالإضافة إلى ذلك، مع نقل نقاط الوصول لمزيد من البيانات، يجب ترقية محولات الشبكة وإمدادات الطاقة لدعم زيادة حجم حركة المرور.

ويشير الشكرجي إلى أن «كل واحدة من نقاط الوصول هذه تنقل الآن أضعافاً عدة من حركة المرور مقارنة بالنماذج القديمة». لذلك؛ فإن الأجهزة الخلفية، مثل المحولات وتصميمات الطاقة الفعالة، تعدّ ضرورية لدعم القدرات المعززة لـ«Wi-Fi 7». مع البنية التحتية الأساسية المناسبة، يمكن للمؤسسات الاستعداد للمستقبل وضمان قدرتها على التعامل مع متطلبات التطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وما بعده.

تعزيز الأمان في الشبكات اللاسلكية

يعدّ الأمان جانباً مهماً آخر يتفوق فيه «Wi-Fi 7». ومع تحول الشبكات اللاسلكية الوسيلة الأساسية للاتصال بين الأجهزة، يوضح الشكرجي أن أمان الشبكة أصبح أقوى من أي وقت مضى. وعلى عكس الشبكات السلكية، التي قد تسمح لجهاز بالوصول إلى الأنظمة بمجرد توصيله، تتطلب الشبكات اللاسلكية تحكماً صارماً في الوصول. يقول الشكرجي: «الناس مدركون تماماً لأمن الشبكات اللاسلكية»، مع بروتوكولات مثل «WPA2» و«WPA3» إلى جانب المفاتيح المشتركة المسبقة؛ مما يعزز الأمن لمستوى يتجاوز في كثير من الأحيان الشبكات السلكية.

يدعم «واي فاي 7» التحول الرقمي بكفاءة مع تخفيض استهلاك الطاقة وزيادة الأمان (أدوبي)

الاستدامة من خلال إدارة الطاقة الذكية

إضافة إلى الأداء والأمان، يعالج «Wi-Fi 7» مخاوف الاستدامة من خلال استخدام الطاقة الذكي. وقد قدمت شركة «إكستريم نتوركس» ميزات إدارة الطاقة في نقاط الوصول الخاصة بـ«Wi-Fi 7»؛ مما يتيح للمؤسسات تحسين استهلاك الطاقة بناءً على طلب الشبكة. على سبيل المثال، خلال فترات انخفاض حركة المرور، مثل الساعات غير الرسمية في المتاجر، يمكن للنظام تقليل الطاقة مع الحفاظ على الأجهزة الأساسية مثل كاميرات الأمان عبر الإنترنت.

يشرح معن الشكرجي أنه «عندما لا تحتاج إلى الطاقة الكاملة، يمكنك تقليلها، تماماً مثل تعتيم الأضواء». هذه الميزة، التي تمكنت من خلالها الأتمتة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، تعمل على ضبط استهلاك الطاقة ديناميكياً؛ مما يساهم في تقليل تكاليف الطاقة ودعم أهداف الاستدامة. ويضيف: «نرى المزيد من العملاء يشملون الاستدامة معياراً عند اختيار شركاء التكنولوجيا».

يمثل «واي فاي 7» تطوراً كبيراً في تكنولوجيا الشبكات اللاسلكية، حيث يقدم اتصالاً محسّناً ويدعم التحول الرقمي ويساهم في الممارسات المستدامة. في البيئات ذات الكثافة العالية، مثل الملاعب والمستشفيات والمؤسسات الرقمية الأولى، تعمل تلك التقنية على تغيير طريقة الاتصال والتواصل والابتكار. تقوم شركة «إكستريم نتوركس» ومزودو التكنولوجيا الآخرون بإعداد الساحة لمستقبل يتسم بالاتصال السريع والموثوق والفعال من حيث الطاقة، لتلبية متطلبات العالم الرقمي المتزايدة.


مقالات ذات صلة

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا حوّل المهام الروتينية التقليدية إلى عمليات ذكية وسريعة لتسريع الإبداع

وحدات «إنفيديا» للرسومات المدمجة في الكومبيوترات المحمولة تطلق عنان الإبداع والذكاء الاصطناعي

تهدف وحدات «إنفيديا» لتوفير تجربة إنتاجية ذكية للأعمال الإبداعية بأداء مضاعف وموثوقية أعلى في تطبيقات التصميم والمونتاج.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا سيارات في صالة عرض في بكين 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

شركة صينية تطوّر مرحاض سيارة يُشغَّل بالأوامر الصوتية

سجّلت شركة صينية لصناعة السيارات براءة اختراع لمرحاض مخفي أسفل مقعد سيارة منزلق، ويمكن تشغيله باستخدام أوامر صوتية.

«الشرق الأوسط» (شنغهاي)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.


«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)
تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)
TT

«سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)
تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

تُظهر نتائج أول تقرير لحالة الشبكات اللاسلكية في السعودية من شركة «سيسكو» أن هذا النوع من البنية التقنية لم يعد يُنظر إليه بوصفه مجرد وسيلة اتصال داخل المؤسسات، بل أحد العوامل التي تؤثر بشكل مباشر في الأداء والنمو. ويستند التقرير إلى دراسة عالمية شملت 6098 من صناع القرار والمتخصصين الفنيين في الشبكات اللاسلكية عبر 30 سوقاً، من بينها 106 مؤسسات في السعودية، ما يمنح النتائج المحلية وزناً إضافياً في قراءة التحولات الجارية في بيئات العمل الرقمية داخل المملكة.

طارق التركي مدير هندسة الحلول في «سيسكو» السعودية

الشبكات تصنع القيمة

تعكس الأرقام الواردة في التقرير هذا التحول بوضوح. فقد أفادت أكثر من 83 في المائة من المؤسسات في السعودية بتحسن تفاعل العملاء نتيجة استثماراتها في الشبكات اللاسلكية، فيما قالت 78 في المائة إنها حققت مكاسب في الكفاءة التشغيلية، وأشارت 75 في المائة إلى تحسن إنتاجية الموظفين، بينما رأت 67 في المائة أن لهذه الاستثمارات أثراً إيجابياً في الإيرادات. ولا تكتفي هذه النتائج بإظهار تحسن تقني في أداء الشبكات، بل تشير إلى أن المؤسسات بدأت تتعامل مع الشبكات اللاسلكية بوصفها محركاً للأعمال، لا مجرد طبقة داعمة في الخلفية.

ويضع طارق التركي، مدير هندسة الحلول في «سيسكو» السعودية، في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، هذا التحول، في سياق أوسع، إذ يرى أن المؤسسات في السعودية لم تعد تعتمد على الشبكات اللاسلكية لمجرد ربط الأفراد بالإنترنت أو بالشبكات الداخلية، بل باتت تنتظر منها دعماً مباشراً لبيئات عمل أكثر تعقيداً، تشمل أحمال الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والعمل الهجين، والتعاون اللحظي، وتجارب العملاء المتصلة باستمرار. ومن هنا، يقول إن الشبكات اللاسلكية لم تعد مجرد أداة تقنية، بل أصبحت «منصة استراتيجية» تدعم المرونة والابتكار والقدرة على توسيع الخدمات الرقمية، في انسجام مع التحول الرقمي المتسارع في المملكة.

المؤسسات السعودية سجلت مكاسب ملموسة من الاستثمار اللاسلكي شملت تفاعل العملاء والكفاءة التشغيلية وإنتاجية الموظفين والإيرادات (شاترستوك)

ضغوط التشغيل المتصاعدة

هذه الصورة الإيجابية لا تأتي من دون تكلفة تشغيلية وتنظيمية متصاعدة، فالتقرير يلفت إلى ما تصفه «سيسكو» بـ«مفارقة الذكاء الاصطناعي في الشبكات اللاسلكية»، حيث يسهم الذكاء الاصطناعي في رفع العائد على الاستثمار في الشبكات، لكنه في الوقت نفسه يزيد التعقيد والضغوط الأمنية والتحديات المرتبطة بالمواهب البشرية. وتكشف النتائج أن 100 في المائة من المؤسسات المستطلعة في السعودية ترى أن عمليات الشبكات اللاسلكية أصبحت أكثر تعقيداً، بينما تقول 63 في المائة إنها لا تزال تمضي معظم وقتها في معالجة المشكلات بعد وقوعها، بدلاً من إدارتها بشكل استباقي، في حين تشير 86 في المائة إلى وجود فجوات في الرؤية تعرقل فاعلية معالجة أعطال «الواي فاي».

ويشير التركي إلى أن هذا التصاعد في التعقيد لا يرتبط فقط بزيادة عدد الأجهزة أو التطبيقات، بل أيضاً بأن كثيراً من المؤسسات لم تنتقل بعد بالقدر الكافي نحو نماذج تشغيل أكثر نضجاً. وبرأيه، فإن المشكلة لا تكمن في الحجم وحده، بل في استمرار الاعتماد على أساليب تشغيل يدوية ودفاعية، رغم أن البيئات اللاسلكية الحديثة تتطلب إدارة استباقية، وأتمتة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ورؤية متكاملة من طرف إلى طرف. ومن هذه الزاوية، لا تبدو قضية التحديث مرتبطة بزيادة الإنفاق فقط، بل أيضاً بإعادة بناء الطريقة التي تُدار بها الشبكات نفسها داخل المؤسسة.

الضغوط الأمنية تتصاعد مع توسع بيئات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء ما يرفع تكلفة الحوادث ويزيد الحاجة إلى نماذج حماية أكثر حداثة (رويترز)

تصاعد المخاطر الأمنية

تظهر الضغوط الأمنية واحدةً من أبرز النقاط التي يكشفها التقرير. ففي السعودية، أفادت 84 في المائة من المؤسسات بأنها تعرضت على الأقل لحادثة أمنية واحدة مرتبطة بالشبكات اللاسلكية خلال الاثني عشر شهراً الماضية. كما قالت 60 في المائة إنها تكبدت خسائر مالية مرتبطة بهذه الحوادث، فيما أشارت 51 في المائة من هذه الفئة إلى أن الخسائر تجاوزت مليون دولار أميركي خلال عام واحد. كذلك ذكرت 35 في المائة أنها تعرضت لتعطل ناتج عن اختراق أجهزة إنترنت الأشياء أو التكنولوجيا التشغيلية. وتعطي هذه الأرقام مؤشراً واضحاً إلى أن الحديث عن أمن الشبكات اللاسلكية لم يعد يدور حول مخاطر نظرية، بل حول تكلفة فعلية تمس التشغيل والمال معاً.

ويشرح التركي هذا الجانب بالقول إن مكامن الضعف تظهر اليوم عند تقاطع الحجم، وتنوع الأجهزة، والأتمتة. فكلما اتسعت بيئات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والتكنولوجيا التشغيلية، ازدادت أعداد النقاط الطرفية المتصلة، واتسع معها سطح الهجوم المحتمل، لا سيما في البيئات الموزعة والعمليات الحيوية. ويعد أن التحدي لا يقتصر على كثرة الأجهزة، بل يشمل أيضاً ضعف الرؤية، وتفاوت تطبيق السياسات الأمنية، ووجود أجهزة غير مُدارة أو ضعيفة الحماية. كما يلفت إلى تصاعد القلق من الهجمات السيبرانية المؤتمتة أو المولدة بالذكاء الاصطناعي، بما يزيد سرعة التهديدات وتعقيدها. ومن هنا، يشدد على أن التفكير الأمني التقليدي القائم على حماية المحيط الخارجي للشبكة لم يعد كافياً، في مقابل الحاجة إلى نماذج أكثر حداثة تعتمد على التقسيم والمراقبة المستمرة والوصول القائم على الهوية وسرعة الاستجابة.

فجوة المهارات باتت تحدياً رئيسياً فيما يتوقف تعظيم قيمة الشبكات اللاسلكية على الجمع بين تبسيط التشغيل وتعزيز الأمن وتطوير الكفاءات (غيتي)

سباق على المواهب

لا تقل فجوة المواهب أهمية عن التعقيد والأمن. فالتقرير يشير إلى أن 91 في المائة من المؤسسات في السعودية تواجه صعوبات في توظيف الكفاءات المتخصصة في الشبكات اللاسلكية. كما يربط هذا النقص بآثار تشغيلية واضحة، إذ أفادت 40 في المائة من المؤسسات بارتفاع تكاليف التشغيل بسبب هذه الفجوة، بينما تحدثت 40 في المائة عن تراجع المعنويات، ورأت 28 في المائة أن النقص في المهارات يحد من الابتكار. ويضيف التقرير أن كثيراً من المتخصصين يتجهون بشكل متزايد إلى وظائف الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ما يزيد من حدة المنافسة على الكفاءات المطلوبة لإدارة البيئات اللاسلكية الحديثة.

ويفيد التركي بأن هذه الفجوة لا ترتبط فقط بصعوبة التوظيف، بل بتغير طبيعة الدور نفسه. فالفِرق المعنية بالشبكات اللاسلكية لم تعد مطالبة بمجرد الحفاظ على الاتصال، بل بات مطلوباً منها فهم الأتمتة، والأمن، والعمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وبيئات إنترنت الأشياء والتكنولوجيا التشغيلية، وإدارة تجربة المستخدم. وهذا يعني أن السوق لا تعاني فقط نقصاً في عدد المتخصصين، بل نقصاً في كفاءات هجينة قادرة على العمل عبر هذه المساحات المتداخلة. ومن هنا، تبدو المؤسسات الأكثر تقدماً هي تلك التي تنظر إلى خبرات الشبكات اللاسلكية بوصفها قدرة استراتيجية طويلة الأمد، لا وظيفة تقنية ضيقة يمكن سدها بالتوظيف وحده.

في موازاة ذلك، لا يقدّم التقرير الذكاء الاصطناعي بوصفه مصدراً للتعقيد فقط، بل أداة يمكن أن تساعد على تقليص هذا التعقيد إذا استُخدمت ضمن نموذج تشغيلي واضح. ويشير التركي إلى أن الذكاء الاصطناعي يصبح مفيداً عندما يخفف العمل اليدوي، ويحسن الرؤية، ويدفع الفِرق إلى الانتقال من المعالجة التفاعلية إلى الإدارة الاستباقية. ويشمل ذلك اكتشاف المشكلات مبكراً، وتحديد الأسباب الجذرية بسرعة أكبر، وتحسين أداء الشبكة، وتقديم رؤى قابلة للتنفيذ قبل أن يتأثر المستخدمون. وهذه النقطة تكتسب وزناً أكبر إذا ما قُورنت بأرقام التقرير التي تُظهر أن 63 في المائة من المؤسسات لا تزال تمضي معظم وقتها في المعالجة التفاعلية، وأن 86 في المائة تعاني أصلاً فجوات في الرؤية.

يشير التقرير إلى ارتفاع تعقيد إدارة الشبكات اللاسلكية مع استمرار اعتماد كثير من المؤسسات على المعالجة التفاعلية بدلاً من الإدارة الاستباقية (أدوبي)

عائد مرهون بالإدارة

يطرح التركي في الوقت نفسه تحذيراً مهماً، إذ يرى أن إدخال الذكاء الاصطناعي من دون نموذج واضح قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، عبر خلق مزيد من الأدوات والتنبيهات والتعقيد. وهذه الملاحظة تمنح التقرير قدراً من التوازن، لأنها تبتعد عن السردية التي تفترض أن الذكاء الاصطناعي حل تلقائي لجميع المشكلات. فما تقوله نتائج «سيسكو» هو أن قيمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كيفية دمجه في العمليات اليومية، لا على وجوده بحد ذاته. وإذا لم يكن هذا الدمج منضبطاً، فقد تتحول الأداة المصممة للتبسيط إلى مصدر إضافي للضوضاء التشغيلية.

ويشدد طارق التركي خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» على أن تبسيط العمليات وتعزيز الأمن وتطوير المهارات ليست أولويات منفصلة، بل مسارات مترابطة «يجب أن تسير جنباً إلى جنب». وبرأيه، فإن القيمة التي يمكن أن تولدها الشبكات اللاسلكية لا تتحدد فقط بحجم الاستثمار فيها، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على إدارة التعقيد المتزايد، والحد من المخاطر، وبناء الكفاءات اللازمة لتشغيل هذه البيئات بكفاءة.

وتنسجم هذه الفكرة مع الصورة الأوسع التي يرسمها التقرير. فمن جهة، تظهر أرقام واضحة حول المكاسب التي تحققها المؤسسات من الاستثمار في الشبكات اللاسلكية، سواء في تفاعل العملاء أو الكفاءة أو الإنتاجية أو الإيرادات. لكن من جهة أخرى، تكشف الأرقام نفسها أن البيئة أصبحت أكثر صعوبة في الإدارة، وأكثر تعرضاً للمخاطر، وأكثر احتياجاً إلى مهارات متخصصة. وهذا يعني أن العائد من الشبكات اللاسلكية لا يُقاس فقط بما تضيفه من اتصال وسرعة، بل أيضاً بمدى قدرة المؤسسة على تحويل هذه البنية إلى منصة مستقرة وآمنة وقابلة للتوسع.

وفي هذا المعنى، لا يتعلق تقرير «سيسكو» بالاتصال وحده، بقدر ما يتعلق بما أصبحت الشبكات اللاسلكية تحمله فوقها من أعباء وفرص في آن واحد. ففي السعودية، باتت هذه الشبكات تدعم بيئات العمل المتصلة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومنظومات إنترنت الأشياء، والخدمات الرقمية الموجهة للعملاء، وهو ما يرفعها من مجرد بنية تقنية إلى عنصر مؤثر في الأداء المؤسسي.

لكن التقرير يوضح في الوقت نفسه أن هذا التحول لا يكتمل بمجرد النشر أو التحديث، بل يتطلب مؤسسات قادرة على تبسيط التشغيل، وتعزيز الحماية، وتطوير المهارات اللازمة لإدارة شبكات لم تعد تُعرّف فقط بوصفها وسيلة للوصول، بل بوصفها جزءاً من معادلة النمو والمرونة والقدرة التنافسية.