كيف يغير الذكاء الاصطناعي مفهوم خدمة العملاء في مراكز الاتصال؟

«الشرق الأوسط» تلتقي نائبة رئيس تسويق المنتجات العالمية في شركة «أفايا»

يوفر الذكاء الاصطناعي  فرصًا جديدة للشركات للتواصل مع العملاء بطرق أكثر جدوى وكفاءة (شاترستوك)
يوفر الذكاء الاصطناعي فرصًا جديدة للشركات للتواصل مع العملاء بطرق أكثر جدوى وكفاءة (شاترستوك)
TT

كيف يغير الذكاء الاصطناعي مفهوم خدمة العملاء في مراكز الاتصال؟

يوفر الذكاء الاصطناعي  فرصًا جديدة للشركات للتواصل مع العملاء بطرق أكثر جدوى وكفاءة (شاترستوك)
يوفر الذكاء الاصطناعي فرصًا جديدة للشركات للتواصل مع العملاء بطرق أكثر جدوى وكفاءة (شاترستوك)

تبحث الشركات بشكل متزايد عن حلول تمكِّن من الابتكار دون المساومة على الأداء أو الأمان أو الخصوصية. أحد التحديات الأكثر إلحاحاً التي تواجهها كثير من الشركات الانتقال إلى السحابة، وهو التحوُّل الذي يعد بالابتكار، ولكنه غالباً ما يجلب عقبات غير متوقَّعة.

تلتقي «الشرق الأوسط» مع جيزيل بوغانم، نائبة رئيس تسويق المنتجات العالمية في شركة «أفايا (Avaya)»، على هامش فعاليات معرض «جايتكس» في دبي، لتناقش الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في تحويل تجربة العملاء وتشكيل الطريقة التي تتفاعل بها الشركات مع عملائها وتعزيز الكفاءة التشغيلية. كما تستكشف تعقيدات تبنّي حلول السحابة الهجينة، وكيف يمكن للشركات إدارة هذه التحديات للبقاء قادرة على المنافسة.

جيزيل بوغانم نائبة رئيس تسويق المنتجات العالمية في شركة «أفايا» متحدثة إلى «الشرق الأوسط» (أفايا)

الذكاء الاصطناعي في تجربة العملاء

يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل خدمة العملاء من خلال أتمتة المهام الروتينية وتمكين اتخاذ القرارات في الوقت الحقيقي. تسمح أدوات من شركة «أفايا»، مثل المساعدين الافتراضيين وروبوتات الدردشة للشركات بتقديم دعم العملاء على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، والإجابة عن الأسئلة الشائعة، وحل المشكلات البسيطة دون الحاجة إلى تدخُّل بشري. يستخدم المساعدون الافتراضيون معالجة اللغة الطبيعية (NLP) لفهم استفسارات العملاء والردّ عليها، مما يخلق تفاعلات أكثر بديهية وحوارية.

توضح بوغانم أن الذكاء الاصطناعي له بالفعل تأثير عميق على كيفية تفاعل الشركات مع عملائها وتقول: «لا يعمل الذكاء الاصطناعي فقط على تحسين تجربة العملاء، بل يغير كذلك أدوار الوكلاء والمشرفين داخل عمليات خدمة العملاء».

إن «الوكلاء المتميزين بالذكاء الاصطناعي» هم ابتكار آخر يقود التغيير في مشهد خدمة العملاء. وتصف بوغانم كيف يساعد الذكاء الاصطناعي الوكلاء من خلال «إزالة المهام المتكررة، مثل مساعدة الوكيل، والنسخ، وإدارة المعرفة». كما يسمح لوكلاء خدمة العملاء بالتركيز على القضايا الأكثر تعقيداً، وتحسين قدرتهم على تقديم خدمة شخصية عالية الأهمية للعملاء.

علاوة على ذلك، يمكّن الذكاء الاصطناعي من تحليل المشاعر في الوقت الحقيقي، مما يساعد الشركات على فهم الحالة العاطفية للعميل أثناء التفاعلات. وتشير بوغانم إلى أننا «نشهد ارتفاعاً في تحليل المشاعر والعواطف. ومن خلال تحليل أنماط اللغة ونبرة الصوت، يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف استياء العملاء في وقت مبكر، مما يسمح للوكلاء بتعديل ردودهم ومنع التصعيد». تعمل هذه القدرة على معالجة المشكلات بشكل استباقي قبل أن تتحول إلى مشاكل كبيرة، من أجل تعزيز تجربة العميل الإجمالية.

«أفايا»: لا ينبغي أن يعني الابتكار التنازلات... بل ينبغي أن يعني التقدم (شاترستوك)

التخصيص والتحليلات التنبؤية

إن قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل كميات هائلة من بيانات العملاء تمكِّن أيضاً من تجارب مخصصة للغاية. من خلال استخدام التحليلات التنبؤية، يمكن للشركات توقع احتياجات العملاء وتقديم حلول مخصصة قبل أن يطلبها العملاء. يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي تحليل الأنماط في تفاعلات العميل السابقة لتقديم توصيات مخصصة للمنتجات، أو عروض ترويجية مخصصة، أو دعم عملاء استباقي.

على سبيل المثال، قد يدرك نظام الذكاء الاصطناعي أن العميل يتصل بالدعم بشكل متكرر بشأن مشكلة متكررة. وبدلاً من انتظار العميل للتواصل، يمكن للنظام تقديم حل أو مورِد بشكل استباقي، ومنع الاستفسارات المستقبلية، وتحسين تجربة العميل.

وترى بوغانم أن هذا النوع من الذكاء الاصطناعي التنبئِّي أصبح أكثر أهمية مع سعي الشركات إلى تلبية توقعات العملاء المتزايدة فيما يتعلق بالتخصيص والخدمة السلسة. ومن خلال الاستفادة من الرؤى التي يقودها الذكاء الاصطناعي، لا تستطيع الشركات تحسين رضا العملاء فحسب، بل أيضاً زيادة الكفاءة، من خلال تقليل عدد الاستفسارات الروتينية التي تتطلب تدخلاً بشرياً.

إعادة تعريف الأدوار في تجربة العملاء

مع تزايد تكامل الذكاء الاصطناعي في مشهد تجربة العملاء، فإنه يعيد أيضاً تشكيل أدوار وكلاء خدمة العملاء والمشرفين والمديرين. يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد على أنه متعاون قيّم وليس بديلاً للموظفين البشر. وتؤكد بوغانم خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» على هذا التحوُّل، موضحةً أن «دور الوكيل الآن مختلف... من المتوقَّع أن يكون الوكيل أقرب إلى العميل، وأن يقضي وقتاً أقل في المهام المتكررة والمزيد من الوقت في تقديم خدمة مخصصة».

تساعد أدوات الذكاء الاصطناعي الوكلاء على العمل بشكل أكثر ذكاءً، من خلال أتمتة العديد من المهام الإدارية التي قد تستغرق وقتهم بخلاف ذلك. بدلاً من قضاء الوقت في البحث عن المعلومات أو إنشاء التقارير، يمكن للوكلاء الآن التركيز على تقديم تجربة أكثر إنسانية وتعاطفاً.

يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز الكفاءة وتجارب العملاء وإبقاء التنافسية (شاترستوك)

مستقبل الذكاء الاصطناعي في تجربة العملاء

يرتبط مستقبل تجربة العملاء ارتباطاً وثيقاً بالتطوُّر المستمر للذكاء الاصطناعي. وكما تشير بوغانم، سيتم النظر إلى الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد على أنه جزء لا يتجزأ من عمليات خدمة العملاء. وتتوقع «ظهور المزيد من الوكلاء المتميزين بالذكاء الاصطناعي، والمزيد من الوكلاء الافتراضيين المستقلين، وسيتغير مشهد القوى العاملة التي نصمم الحلول لها».

سيكون أحد التحديات الرئيسية في المستقبل إيجاد التوازن الصحيح بين الأتمتة والتفاعل البشري. وفي حين يمكن للذكاء الاصطناعي التعامل مع العديد من المهام بكفاءة، فإنه ستكون هناك دائماً مواقف تتطلب التعاطف والفهم البشري. وتنصح الشركات بإيجاد توازن يستفيد من نقاط قوة الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على اللمسة الإنسانية الضرورية لبناء علاقات قوية مع العملاء.

التحديات الخفية للهجرة السحابية

وفقاً لبوغانم، فإن العقبة الرئيسية التي تواجهها كثير من المؤسسات عند الانتقال إلى السحابة هي التأخيرات والتكاليف غير المتوقَّعة. وأشارت إلى نتائج دراسة بحثية أجرتها جهة خارجية مع عملاء المؤسسات العالمية بأن الوقت اللازم لإكمال الهجرة استغرق 3 أضعاف الوقت المتوقَّع». وبحسب الدراسة، «أدَّت تحديات التخصيص إلى ارتفاع التكاليف بنسبة 50 في المائة عن المتوقع». وغالباً ما تؤدي هذه العقبات غير المتوقعة إلى انخفاضات كبيرة في مستويات الخدمة، مما يزيد من تعقيد عملية الانتقال.

تتوقع العديد من الشركات أن يكون الانتقال إلى السحابة عملية سريعة وسلسة، لكن الواقع أكثر تعقيداً بكثير. وتلاحظ جيزيل بوغانم أنه «لا ينبغي أن يعني الابتكار التنازلات. بل ينبغي أن يعني الابتكار التقدُّم». ومع ذلك، غالباً ما تؤدي عملية إصلاح الأنظمة الحالية إلى التنازلات من حيث الوقت والتكلفة وجودة الخدمة.

قوة السحابة الهجينة: التخصيص دون تنازل

تقدِّم حلول السحابة الهجينة أرضية مشتركة للمؤسسات التي تريد الاستفادة من ابتكار السحابة دون التضحية باستقرار أنظمتها الحالية. وتعد بوغانم بأن «تسمح السحابة الهجينة للشركات بالابتكار على منصة موثوقة. ولا يزال بإمكانها الحفاظ على ما ينجح، وتقديم الابتكار، وتبنيه، مع نموها بدلاً من إصلاح كل شيء دفعة واحدة».

يسمح هذا النهج التدريجي للابتكار للشركات بالمضي قدماً دون مخاطر استبدال النظام بالكامل. توفر حلول السحابة الهجينة المرونة اللازمة لدمج التقنيات الجديدة حسب الحاجة، مع الحفاظ على الأنظمة القديمة القيمة التي لا تزال تعمل.

في الصناعات، مثل التمويل والرعاية الصحية والحكومة، حيث الامتثال والخصوصية والأمان أمر بالغ الأهمية تُعدّ هذه المرونة ضرورية. تقول بوغانم: «نحن في (أفايا) نوفر لعملائنا خياراً بشأن المكان الذي يريدون أن يُبقوا فيه برامجهم وبياناتهم، سواء محلياً أو خارجياً». هذا مهم بشكل خاص في القطاعات الخاضعة للتنظيم الشديد، حيث تكون إقامة البيانات والتحكم في المعلومات أمراً بالغ الأهمية.

وتشدد بوغانم على أن السحابة الهجينة لا تقدم مساراً للابتكار فحسب، بل تضمن أيضاً أن تتمكن الشركات من الحفاظ على الامتثال للوائح المحلية، التي تختلف بشكل كبير من منطقة إلى أخرى. تجعل هذه القدرة على تخصيص الحلول لتناسب الاحتياجات والأطر القانونية المحددة السحابة الهجينة أداة قوية للشركات العاملة في بيئات معقدة.

بوغانم: السحابة الهجينة تسمح للشركات بالابتكار على منصة موثوقة (شاترستوك)

إدارة البيانات: مفتاح الابتكار

إن أحد أكبر التحديات التي تواجه الشركات اليوم إدارة بيانات تجربة العملاء التي غالباً ما تكون متناثرة عبر منصات وأنظمة مختلفة. وتشير بوغانم خلال حديثها الخاص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «من دون البيانات، لا يمكنك بناء حالات استخدام مبتكرة، خصوصاً مع الذكاء الاصطناعي». إن العدد المتزايد من نقاط اتصال العملاء، مدفوعة بواجهات الذكاء الاصطناعي الجديدة وقنوات الاتصال، يزيد من تعقيد عملية إدارة البيانات.

تواجه الشركات تحدي توحيد نقاط الاتصال هذه وإدارة رحلة العميل بشكل فعال. وهنا تبرز حلول السحابة الهجينة، حيث تقدم طريقة لتجميع البيانات المتناثرة في منصة واحدة موحَّدة. ومن خلال القيام بذلك، يمكن للشركات الاستفادة من قوة الذكاء الاصطناعي لتقديم تجارب عملاء مخصصة وسلسة دون المساومة على الأمان أو الامتثال.

تذكر بوغانم أن «الأسواق مختلفة، لكن مشاكل العملاء هي نفسها». سواء في الحكومة أو التمويل أو الرعاية الصحية، تحتاج الشركات إلى امتلاك بياناتها وإدارتها بشكل فعال لدفع الابتكار. توفر السحابة الهجينة البنية الأساسية اللازمة للقيام بذلك، مما يوفر للشركات منصة متوافقة باستمرار مع احتياجاتها.

في عصر لم يعد فيه التحول الرقمي اختيارياً، يجب على الشركات إيجاد طرق للابتكار، دون التضحية بالأداء أو الأمان أو الامتثال. وتوفر حلول السحابة الهجينة من «أفايا» وسيلة لتحقيق هذا التوازن، مما يتيح للمؤسسات الحفاظ على البنية الأساسية الحالية مع تبني تقنيات جديدة تدريجياً مثل الذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)

خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)
نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)
TT

خبير دولي لـ«الشرق الأوسط»: الحروب تنتقل تدريجياً من ساحات القتال إلى مراكز البيانات

نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)
نحاس أكد أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات (شترستوك)

أكد خبير في الذكاء الاصطناعي أن البشرية تقف اليوم أمام تحول تاريخي يتجاوز تطوير أسلحة تقليدية؛ إذ نشهد انتقالاً عميقاً للحروب من عصر القوة الميكانيكية العنيفة إلى عصر «الخوارزميات الفتاكة»، مشدّداً على أن الانتصار في الميدان لم يعد يعتمد فقط على شجاعة الجنود أو كثافة النيران، بل بات مرتبطاً بسرعة معالجة البيانات، وقدرة الأنظمة الذكية على تحليل المواقف المعقدة في لحظات حاسمة.

تحول السيادة من «الذراع» إلى «العقل»

وأوضح الدكتور محمود نديم نحاس، الخبير في الذكاء الاصطناعي بأكاديمية المستقبل الدولية في لندن، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحروب بدأت تنتقل تدريجياً من ساحات القتال الميدانية إلى مراكز البيانات، ومن ضجيج المدافع إلى هدوء الخوارزميات، لتصبح سباقاً بين الأكواد البرمجية، لافتاً إلى أن مفهوم السيادة شهد تغيراً جذرياً، فبعد أن كانت السيادة لقوة «الذراع» البشرية في العصور القديمة، انتقلت إلى «العين» عبر أجهزة الاستشعار والأقمار الاصطناعية، لتستقر اليوم في «العقل الإلكتروني» الذي يدير المشهد من وراء الشاشات، وأن هذا التحول جعل من الممكن لخوارزمية واحدة أن «تشل جيشاً كاملاً دون إطلاق رصاصة واحدة».

استراتيجيات خالد بن الوليد وكلاوزفيتز في عصر الآلة

وفي ربط فريد بين الفكر العسكري الكلاسيكي والتقنية الحديثة، ذكر نحاس أن عبقرية القائد خالد بن الوليد في المباغتة وإرباك العدو واستخدام «الكَراديس» بمرونة عالية، تظل أهدافاً استراتيجية ثابتة حتى اليوم، واستطرد موضحاً أن الذكاء الاصطناعي يسعى لتفتيت ما يسمى «ضباب الحرب» الذي تحدث عنه المنظّر العسكري، كارل فون كلاوزفيتز، وهو حالة عدم اليقين والارتباك في الميدان، عبر تقديم خرائط واقع معزز وبيانات لحظية دقيقة، على حد تعبيره، ومع ذلك، حذّر الدكتور نحاس من مخاطرة نشوء «ضباب رقمي» جديد، حيث قد يؤدي تعقيد الخوارزميات إلى قرارات آلية لا يستطيع البشر تفسيرها أو تبريرها بسهولة.

المنظومة الذكية في قلب المعركة

نحّاس قال خلال حديثه إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد سلاح مستقل، بل منظومة تقنية متكاملة تتغلغل في كل مفاصل العمل العسكري، وذلك عبر (تحليل البيانات الضخمة) حيث تستطيع الخوارزميات تحليل ملايين الصور من الأقمار الاصطناعية والمسيّرات في ثوانٍ لتحديد الأهداف وتصنيفها، وهو ما كان يتطلب أياماً من الجهد البشري، إلى جانب الأنظمة المستقلة، على غرار الغواصات غير المأهولة التي تعمل لأشهر تحت الماء، والآليات البرية التي تعبر تضاريس وعرة، مما يمنح الجيوش قدرة على الوصول إلى مناطق كانت تُصنف سابقاً بأنها «انتحارية».

كما يشمل «التنبؤ الاستراتيجي»، حسب نحّاس، وذلك من خلال بناء نماذج محاكاة تتوقع الخطوة التالية للعدو بدقة، مما يحول الاستراتيجية العسكرية من حالة «رد الفعل» إلى «الاستباق الذكي».

درع الحماية والدفاع فرط الصوتي

وأشار نحاس إلى أن إحدى أهم فوائد الذكاء الاصطناعي هي دوره بوصفه «درعاً» واقياً للقوات، وفصّل ذلك عبر تقنية «الصيانة التنبؤية» التي تتوقع تعطل المحركات أو قطع الغيار قبل وقوع العطل، مما يحافظ على الجاهزية القتالية، مؤكّداً أن ظهور الصواريخ «فرط الصوتية» التي تفوق سرعة الصوت بخمس مرات جعل العقل البشري عاجزاً عن اعتراضها، مما حتم الاعتماد على أنظمة الدفاع الذكي التي تتخذ قرار الاعتراض في أجزاء من الثانية.

ثورة المسيّرات و«ذكاء الأسراب»

وفيما يخص التفوق الجوي، أبان أن «الطائرات المسيّرة» الرخيصة والانتحارية قلبت الموازين التقليدية، فلم يعد التفوق حكراً على الطائرات المقاتلة باهظة الثمن، وشرح مفهوم «ذكاء الأسراب» المستوحى من النحل والطيور، حيث تهاجم مئات المسيّرات كتلةً واحدةً ذكيةً تعيد تنظيم نفسها تلقائياً إذا دُمّر جزء منها، مما «يُغرق» أنظمة الرادار التقليدية، معتبراً أن هذا التحول حوّل الحرب إلى معركة اقتصادية استنزافية، حيث تستنزف مسيّرة رخيصة صاروخاً دفاعياً باهظ التكلفة.

اللوجيستيات: المدير الجديد للميدان

شدّد نحاس على أن «المحترفين يتحدثون عن اللوجيستيات»، معتبراً الذكاء الاصطناعي المدير الجديد لهذا الميدان الحيوي، وجادل بأن «الخوارزميات تدير الآن سلاسل الإمداد المؤتمتة لضمان تأمين الوقود والذخيرة قبل طلبها وبأقل جهد بشري»، وعرّج على تطوير شاحنات وقوارب تموين تعمل بلا سائق لنقل الإمدادات عبر مناطق الخطر، مما يحمي الجنود الذين كانوا يسقطون ضحايا للكمائن على طرق الإمداد.

الروبوتات والمسؤولية الأخلاقية

وتطرّق إلى الروبوتات العسكرية أو «الجنود الذين لا ينامون»، مبدياً قلقه العميق من «الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل»، وأطلق تحذيراً من أن هذه الأنظمة التي تختار أهدافها دون وجود «إنسان في الحلقة» تثير رعب المنظمات الحقوقية لأنها تلغي مفهوم المسؤولية الأخلاقية عن القتل، وتساءل: مَن هو مجرم الحرب في حال وقوع خطأ؟ هل هو المبرمج أم القائد أم الشركة المصنعة؟

الحروب السيبرانية والنفسية الهجينة

وصف نحاس «الفضاء السيبراني» بساحة الحرب الخامسة، حيث يقود الذكاء الاصطناعي حرباً ناعمة لكنها مدمرة، وحذّر من مخاطر «التزييف العميق» التي يمكنها صناعة فيديوهات مزيفة لقادة عسكريين تأمر بالاستسلام، مما ينهي حروباً عبر انهيار الروح المعنوية، واعتبر أن «التضليل المؤتمت» عبر آلاف الحسابات الآلية التي تنشر الشائعات لزعزعة الاستقرار الداخلي، والهجمات السيبرانية الآلية التي تكتشف الثغرات وتشل البنية التحتية والمفاعلات النووية بسرعة تفوق قدرة البشر على الصد.

سيكولوجية الحرب وتجريدها من الإنسانية

ولفت الدكتور نحاس إلى بُعد نفسي خطير لمواجهة آلة صماء؛ فالجندي الذي يشعر بأنه مراقب دائماً من مسيّرة صامتة قد يعيش ضغطاً نفسياً دائماً يؤدي لانسحابات وهزائم دون اشتباك فعلي، كما حذّر من «تجريد الحرب من الإنسانية»، حيث قد يبدأ الضباط الذين يديرون الحرب من خلف الشاشات برؤية البشر كـ«نقاط» أو «أرقام» في لعبة فيديو، مما يقلل الوازع الأخلاقي ويجعل قرار القتل سهلاً نفسياً وتقنياً.

السيادة التقنية وصراع الرقائق

وخلص نحاس إلى أن الحرب باتت صراع «ميزانيات ذكية» و«تقنيات متطورة» لتصنيع المعالجات، واعتبر أشباه الموصلات (Chips) «سلاحاً استراتيجياً» يعادل الصواريخ النووية، مؤكداً أن الاستقلال البرمجي ضرورة قومية؛ لأن الاعتماد على خوارزميات أجنبية يعني منح «مفتاح السيادة» للدول الأخرى.

وأكد الدكتور محمود نديم نحاس في ختام رؤيته أن دخول الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد تحسين للأدوات، بل إعادة تعريف للقوة والسيادة، وحذر من أن أخطر لحظة هي التي يبدأ فيها الإنسان بالثقة في الآلة أكثر مما ينبغي، مشيراً إلى أن المستقبل سيكون لمن يمتلك الخوارزمية الأذكى، ولكن البقاء سيكون لمن يمتلك الحكمة الكافية للتحكم في الآلة قبل أن تتحكم هي في مصير البشر، خصوصاً أن الآلة تفتقر إلى الرحمة والتقدير الأخلاقي والسياسي الذي يمتلكه القائد البشري.


«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.