الصين: ريادة عالمية في تجربة السيارات ذاتية القيادة

20 % من السيارات المبيعة فيها ستكون دون سائق عام 2030

سيارات أجرة روبوتية تختبر في شوارع الصين
سيارات أجرة روبوتية تختبر في شوارع الصين
TT

الصين: ريادة عالمية في تجربة السيارات ذاتية القيادة

سيارات أجرة روبوتية تختبر في شوارع الصين
سيارات أجرة روبوتية تختبر في شوارع الصين

تُجرى الآن أكبر تجربة في العالم للسيارات ذاتية القيادة، في الشوارع المزدحمة في مدينة ووهان، المدينة التي تقع في وسط الصين ويبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة، وفيها 4.5 مليون سيارة، ولها طرق سريعة مكونة من 8 ممرات وجسور شاهقة فوق المياه الموحلة لنهر اليانغتسي.

أسطول سيارات أوتوماتيكية

هناك أسطول مكون من 500 سيارة أجرة يتم التحكم فيها بواسطة أجهزة الكومبيوتر، وغالباً ما لا يوجد أي سائق بشري لحالات الطوارئ. وقالت شركة التكنولوجيا العملاقة «بايدو»، التي تدير الأسطول، الشهر الماضي، إنها ستضيف 1000 سيارة أخرى مما تسمى «سيارات الأجرة الآلية» في ووهان. وفي مختلف أنحاء الصين، سمحت 16 مدينة أو أكثر للشركات باختبار المركبات ذاتية القيادة على الطرق العامة، وتتنافس ما لا يقل عن 19 شركة صينية لصناعة السيارات ومورديها على ترسيخ الريادة العالمية في هذا المجال.

ريادة عالمية للصين

ولا توجد دولة أخرى تتحرك بالقوة نفسها. وتقدم الحكومة للشركات مساعدة كبيرة. وبالإضافة إلى تخصيص المدن مناطق اختبار على الطرق لسيارات الأجرة الآلية، تعمل أجهزة الرقابة على الحد من المناقشات عبر الإنترنت للحوادث وخروقات السلامة لكبح المخاوف العامة بشأن التكنولوجيا الناشئة. وقد وجدت الدراسات الاستقصائية التي أجرتها شركة «جي دي باور»، وهي شركة استشارية في مجال السيارات، أن السائقين الصينيين أكثر استعداداً من الأميركيين للثقة في أجهزة الكومبيوتر لتوجيه سياراتهم.

قال تشانغ مينغ، صاحب محل بقالة صغير بالقرب من جناح تشينغتشوان في ووهان، حيث يتوقف عديد من سيارات الأجرة الآلية من «بايدو»: «أعتقد بأنه لا داعي للقلق كثيراً بشأن السلامة. لا بد أن تكون (السيارة) قد اجتازت موافقة السلامة».

هناك سبب آخر لريادة الصين في تطوير السيارات ذاتية القيادة وهو سيطرتها الصارمة والمشددة على البيانات، إذ أنشأت الشركات الصينية مراكز أبحاث مهمة في الولايات المتحدة وأوروبا وأرسلت النتائج إلى الوطن. لكن لا يُسمح لأي بحث في الصين بمغادرة البلاد. ونتيجة لذلك، يصعب على شركات صناعة السيارات الأجنبية استخدام ما تعلمته في الصين للسيارات التي تبيعها في بلدان أخرى.

سيارة «تيسلا» الكهربائية

جوانب السلامة حول العالم

ثم هناك قضايا السلامة. ومع تقدم الصين للأمام، أصبحت الشركات والجهات التنظيمية في أماكن أخرى أكثر حذراً.

أوقفت خدمة «كروز (Cruise)» لسيارات الأجرة الآلية التابعة لشركة «جنرال موتورز» أعمالها في الولايات المتحدة الخريف الماضي، بعد أن صدمت إحدى سياراتها في سان فرنسيسكو، وسحبت من الطريق أحد المشاة الذي كانت صدمته سيارة أخرى كان يقودها سائق بشري. قام المنظمون في كاليفورنيا في وقت لاحق بتعليق ترخيص الولاية للشركة. ولكن «كروز» استأنفت اختبارات محدودة في فينيكس.

من جهته يقوم «وايمو (Waymo)»، قسم السيارات ذاتية القيادة سابقاً في «غوغل»، باختبار أكثر من 200 سيارة ذاتية القيادة في ضواحي فينيكس وفي سان فرنسيسكو، بالإضافة إلى نحو 50 في لوس أنجليس وفي أوستن، وتكساس. وقد تم إخطار «وايمو» من قبل المنظمين الفيدراليين الشهر الماضي بأنهم يقومون بمراجعة سلامتها.

كما أغلقت شركتا «فورد» و«فولكسفاغن» مشروعهما المشترك لسيارات الأجرة الآلية «Argo AI»، قبل عامين، لكن الشركين لا تزالان تعملان على تطوير أنظمة القيادة المساعدة المتقدمة.

وفي الخريف الماضي، علقت اليابان اختبارها لعربات الغولف ذاتية القيادة التي تسير بسرعة 7 أميال في الساعة بعد أن اصطدمت إحداها بدواسة دراجة متوقفة. لم يصب أحد. ثم تم استئناف الاختبار في مارس (آذار) الماضي.

مراهنة «تيسلا»

لم تقم أي شركة بمراهنة أكبر على القيادة الموجهة بالكومبيوتر مثلما فعلته شركة صناعة السيارات الأميركية «تيسلا». لكن نظامها الآلي للقيادة على الطرق السريعة، الذي قدمته في عام 2014، ونظامها الجديد للقيادة الذاتية الكاملة «Full Self-Driving»، للقيادة على الطرق السريعة والطرق السريعة، ليسا دون سائق حقاً. إذ يتعين على سائقي السيارات إبقاء أعينهم على الطريق وأيديهم على عجلة القيادة.

أعلن إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تيسلا»، في الخامس من أبريل (نيسان) الماضي «إزاحة الستار عن (Tesla Robotaxi) في 8/8».

تفوق نظم السياقة الصينية

يقدم عديد من صانعي السيارات الكهربائية الصينيين ميزات القيادة المساعِدة المتقدمة في سياراتهم ذات الإنتاج الضخم. في 4 يونيو (حزيران)، سمحت بكين لتسع شركات صناعة سيارات صينية - بما في ذلك «Nio»، و«BYD»، و«SAIC Motor» - ببدء اختبارات أنظمة القيادة المساعِدة المتقدمة التي تتجاوز القيادة الذاتية الكاملة المذكورة أعلاه لشركة «تيسلا».

على الأقل في البداية، سيتم إجراء الاختبارات في مناطق محظورة، وليس على الطرق العامة. وتقوم «بايدو» وشركة «هواوي»، عملاق الإلكترونيات، بتوريد جزء أو كل هذه الأنظمة الآلية لعديد من شركات صناعة السيارات الصينية.

لدى «بايدو» أيضاً مشروع مشترك مع شركة «تشجيانغ جيلي»، يُدعى «جيوي»، لتصنيع سيارات ذاتية القيادة. وتتوقع الجمعية الصينية لمهندسي السيارات أن تكون 20 في المائة من السيارات المبيعة في الصين في عام 2030 دون سائق بالكامل، وأن 70 في المائة أخرى سوف تتمتع بتكنولوجيا القيادة المساعِدة المتقدمة.

من الصعب التنبؤ بالشعبية المستقبلية للسيارات ذاتية القيادة في الولايات المتحدة، لأنها تعتمد على مدى سرعة تحول شركات صناعة السيارات إلى السيارات الكهربائية. وتعمل التكنولوجيا دون سائق بشكل أفضل مع السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطارية مقارنةً بالسيارات التي تعمل بالبنزين أو معظم السيارات الهجينة التي تعمل بالبنزين والكهرباء. يمكن للمحركات الكهربائية زيادة الطاقة أو تقليلها بتأخر أقل وبزيادات أكثر دقة.

خرائط شوارع عالية الدقة

وفي الصين، تمثل السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطارية نحو 25 في المائة من السوق، مقارنة بنحو 7 في المائة في الولايات المتحدة. لقد كانت الصين سوقاً كبيرة لشركة «تيسلا» وتقنيات القيادة المساعِدة المتقدمة الخاصة بها. لكن الحكومة تتخذ الآن إجراءات صارمة ضد أي حركة لهذه البيانات خارج الصين.

زار ماسك بكين في أبريل للحصول على موافقة شركته لتقديم القيادة الذاتية الكاملة في الصين. وتوصّل إلى صفقات للاحتفاظ في الصين بأي بيانات يتم جمعها في البلاد، والحصول على خرائط عالية الدقة للطرق الصينية من خلال اتفاقية مع «بايدو». ولا تسمح الصين للشركات الأجنبية بالوصول المباشر إلى الخرائط عالية الدقة، التي تعدّ ضرورية للأنظمة ذاتية القيادة.

كاميرات وليزر للرصد

تستخدم القيادة المساعِدة أو السيارات ذاتية القيادة كاميرات صغيرة مثبتة على واجهاتها الخارجية، أو في بعض الحالات أنظمة ليزر مصغرة، لجمع المعلومات. تتم معالجة معظم هذه البيانات بواسطة أجهزة الكومبيوتر الموجودة في السيارة، التي تتخذ القرارات بشأن التوجيه وسرعة السيارة. على الرغم من أن معظم البيانات الصادرة عن الكاميرات وأجهزة الليزر الموجودة على السيارات لا يتم تحميلها إلى شركات صناعة السيارات، فإن إمكانية تتبع الأشخاص ورسم خرائط للمواقع الحساسة أثارت قلق خبراء الأمن.

ولا تزال أوروبا والولايات المتحدة تسمحان للمصنِّعين بإرسال بيانات القيادة إلى الصين، لكن هذا قد يتغير. وقالت وزيرة التجارة الأميركية جينا ريموندو، الشهر الماضي، إن الولايات المتحدة ستقترح قواعد هذا الخريف لتنظيم عمل السيارات المرتبطة إلكترونياً بالصين. وبدأت أوروبا في دراسة هذه القضية أيضاً.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

مبيعات «فورد» ترتفع 10 % في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2025

عالم الاعمال مبيعات «فورد» ترتفع 10 % في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2025

مبيعات «فورد» ترتفع 10 % في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2025

سجّلت شركة «فورد» الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أعلى أداء لمبيعاتها خلال عقد من الزمن، بعدما حققت نمواً سنوياً بنسبة 10 % في عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق التكنولوجيا تتقدّم لكنَّ انتباه الإنسان ليس آلة (رويترز)

تحذير: القيادة الذاتية تتجاوز قدرة البشر

السيارات ذاتية القيادة «تفرض متطلّبات نفسية غير مسبوقة على السائقين، وهي متطلّبات لسنا مستعدّين لها حالياً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الرئيس التنفيذي لشركة «نيسان» إيفان إسبينوسا (الشرق الأوسط) p-circle 01:35

خاص رئيس «نيسان»: السعودية «جوهرة ذهبية» تقود نمونا في المنطقة

شدد الرئيس التنفيذي لشركة «نيسان» للسيارات، إيفان إسبينوسا، أن منطقة الشرق الأوسط، والسعودية تحديداً، تمثل إحدى أهم الركائز الاستراتيجية في خطط الشركة العالمية.

مساعد الزياني (جدة)
الاقتصاد المقر الرئيسي لشركة نيسان في مدينة يوكوهاما اليابانية (الشرق الأوسط)

«نيسان» العالمية تعلن عودتها إلى السوق السورية

أعلنت شركة نيسان العالمية للسيارات عودتها إلى السوق السورية، في خطوة قالت فيها إنها تعكس توجهاً لإعادة بناء حضور منظم ومستدام ضمن استراتيجيتها للنمو الإقليمي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
عالم الاعمال «بورشه الشرق الأوسط وأفريقيا» تسجل أفضل مبيعات لها منذ 12 عاماً

«بورشه الشرق الأوسط وأفريقيا» تسجل أفضل مبيعات لها منذ 12 عاماً

كشفت شركة «بورشه» العالمية للسيارات أن وحدة الشركة في الشرق الأوسط وأفريقيا حققت في عام 2025 أفضل نتائج مبيعات سنوية لها منذ 12 عاماً.

«الشرق الأوسط» (دبي)

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.