تعرف على معارك قراصنة لعبة «راية القراصنة»

مغامرات شرسة ومشوقة عبر المحيطات لبناء سمعة اللاعب... والقدرة على اللعب مع الآخرين لبناء أسطول يحتل البحار بدعم ممتد للغة العربية

متعة اللعب الفردي والجماعي في «راية القراصنة»
متعة اللعب الفردي والجماعي في «راية القراصنة»
TT

تعرف على معارك قراصنة لعبة «راية القراصنة»

متعة اللعب الفردي والجماعي في «راية القراصنة»
متعة اللعب الفردي والجماعي في «راية القراصنة»

تعد لعبة «سكال آند بونز راية القراصنة» Skull and Bones من الألعاب المبتكرة التي تغير من مفاهيم اللعب، حيث يمكن للاعب واحد أو مجموعة من اللاعبين التحكم بسفينة قراصنة وتطويرها لخوض أجواء حروب في المحيط الهندي خلال القرن السابع عشر في عالم مفتوح ومليء بشتى المخاطر من حول اللاعب. واختبرت «الشرق الأوسط» اللعبة، ونذكر ملخص التجربة.

معارك ضارية عبر المحيطات

قرصنة عبر المحيطات

تستلهم اللعبة قصتها من الحكايات الأسطورية المرتبطة بالقرصنة، مع تأثير كل قرار يتخذه اللاعب على رحلته بمستويات متفاوتة من المخاطر والمكافآت، ابتداء من قبول العقود وجمع الموارد، وصولا إلى التنقل عبر طرق التجارة المهمة ومهاجمة السفن التجارية الغنية. ومع نمو سمعة اللاعب، سيتمكن من بناء وتخصيص أسطوله البحري بالكامل وفتح مجموعة متنوعة من العناصر الجديدة عبر عالم اللعبة.

وتبدأ قصة اللعبة بمشهد سينمائي في سفينة قراصنة وسط عاصفة شديدة وحرب طاحنة جارية مع أعداء مجهولين. وتلقي العاصفة باللاعب على جزيرة نائية، لتبدأ رحلته في العالم الضخم. وبعد ذلك، ستأخذ اللعبة اللاعب إلى جزيرة «سانت آن» التي تعد المعبر الأساسي للقراصنة في اللعبة، والتي تحتوي على كل البائعين الذين يتفاعل اللاعب معهم للحصول على الملابس والأسلحة والأدوات والموارد المختلفة. ويقابل اللاعب زعيم القراصنة «جون سكورلوك» المعروف بسيد الجريمة Kingpin، الذي سيشرح ما يريده من اللاعب. وسيصبح اللاعب أحد أهم القادة لـ«جون سكورلوك»، ليستغله في عمليات الترهيب وبيع الأسلحة لعدة أطراف في حرب قائمة وسط المحيط الهندي وأطراف أفريقيا.

بيئة غنية بالتفاصيل عبر جزر متنوعة

صراعات وتهريب

وتأخذ القصة اللاعب عبر الصراع بين شعب البحر وعشيرة «الفارا»، ليلعب القراصنة الدور في إبقاء الحرب مشتعلة بتزويد الطرفين بالأسلحة بهدف كسب المال. ولن يعجب الفرنسيون والهولنديون بما يفعله القراصنة، ليحاولوا الإطاحة بالكابتن «جون سكورلوك» وطاقم القراصنة. كما يجب على اللاعب تهريب السلع بدءاً بمهمة في الجزيرة بهدف إثبات الولاء، لتبدأ رحلة اللاعب مع الجمعية السرية للمهربين. ومع مرور الوقت، ستشرح اللعبة المزيد حول آليات التهريب، حيث يجب في البداية شراء عناصر محددة من أماكن محددة وجلبها إلى المكان السري في قبو الحانة لتحويلها إلى بضائع أخرى غير قانونية.

مزايا لعب ممتعة

وسيواجه اللاعب معارك ضارية ضد القراصنة والفصائل المتحاربة والمنظمات والإمبراطوريات القوية التي تتنافس جميعها على التحكم بالمحيط الهندي. وستكون كل رحلة في عالم اللعبة فريدة من نوعها، حيث يمكن للاعب توسيع إمبراطوريته من خلال توحيد قواه مع أصدقاء آخرين أو لاعبين يقابلهم في المحيط. ويمكن تفعيل الطور التنافسي واختبار أسلحة اللاعب ضد الزعماء الأقوياء والمنظمات القوية والفصائل المحلية، وحتى القراصنة المنافسين، وذلك للحصول على مزيد من التحدي.

وتدعو اللعبة اللاعبين لرسم مصيرهم والتحول من شخص منبوذ إلى زعيم للقراصنة، وذلك ببناء سمعتهم من خلال المعارك البحرية المليئة بالإثارة والبعثات المجزية في عالم مليء بالغدر. اللاعب حر في استكشاف عالم اللعبة المفتوح والبحث عن الطعام والموارد التي يحتاج إليها للبقاء على قيد الحياة، ويمكنه تنفيذ مهام تزيد من شهرته وتدفعه نحو الهدف النهائي المتمثل في أن يصبح زعيماً للقراصنة.

تخطيط للتطور

وتتميز كل منطقة بشعبها ومواردها وسفنها وطرق قتالها الخاصة، حيث يجب التخطيط وبناء سفينة اللاعب بالشكل المطلوب قبل الإبحار إلى إحدى تلك المناطق، حيث إن البعض يستخدم الطوربيدات والآخر يستخدم قنابل النار، بينما يستخدم الآخر مقدمة سفنه للإطاحة بسفينة اللاعب إلى قعر المحيط. كما توجد في كل منطقة حوارات مختلفة مع العديد من الشخصيات.

ولدى اللعبة كثير لتقدمه للاعب الذي يستثمر وقته بها مع تقديم العديد من عناصر تطوير الشخصيات Role Playing Games RPG عبر الإنترنت مع الآخرين Massive Multiplayer Online Role Playing Game MMORPG، ومعارك حامية بالسفن قد يستغرق بعضها أكثر من 20 دقيقة لإكمال المعركة الواحدة، وهي مرضية على الرغم من صعوبة بعضها. ويمكن استخدام العديد من الطرق لمحاربة الخصوم، مثل المدفعيات العادية والطويلة والأسلحة النافثة للنيران وأخرى تساعد على إغراق السفن والطوربيدات والبراميل المتفجرة.

يجب تطوير سفينه اللاعب وتطويرها ليصبح قائداً مشهوراً

قتال مدفعي

ويجب على اللاعب جمع أنواع مختلفة من البضائع من خلال شرائها أو الاستيلاء عليها، الأمر الذي يعني ضرورة اللعب لوقت ممتد بهدف جمع المكونات المطلوبة للحصول على تطوير واحد للسفينة. وتجدر الإشارة إلى أنه يجب الحصول على مخطط التطوير قبل تنفيذه. ويتطلب هذا الأمر الإبحار إلى أماكن بعيدة مليئة بالمخاطر لجلب المخططات، أو العثور عليها في صناديق الكنوز الكثيرة التي تحتوي على النقود والموارد ومزايا لتخصيص الشخصية والسفينة. ومع كل عملية بيع لما يستولي اللاعب عليه، سيكسب نقوداً يمكن إنفاقها في السوق لشراء الأسلحة والدروع والتطويرات الخاصة، الأمر الذي يقدم متعة لعب ممتدة بعد إكمال القصة الرئيسية.

أكثر ما تركز عليه اللعبة هو القتال البحري باستخدام السفن والمدافع. ولن يكون اللاعب في مأمن على الإطلاق وهو يبحر عبر المحيطات، حيث تواجهه سفن القراصنة الآخرين والسفن الفرنسية والهولندية وأسماك القرش. ويمكن إكمال قصة اللعبة في نحو 25 ساعة، وهي تقدم أجواء جميلة ومناطق باهرة في خريطة كبيرة وغنية بالبيئة المختلفة، مع تصميمها بخطة طموح لمرحلة ما بعد الإطلاق لسنوات متعددة، حيث سيتم تحديثها بانتظام بمحتوى وأنشطة وقصص وتحديات جديدة مجانية للاعبين.

معارك جماعية ممتعة

وعلى الرغم من وجود نمط لعب فردي ممتع، فإن المتعة الحقيقية تتمثل في اللعب الجماعي الذي يتطلب وجود اتصال بالإنترنت للعب مع الأهل والأصدقاء. ويمكن أن يقابل اللاعب لاعبين آخرين عبر الخريطة الضخمة والمرسومة بعناية، ليقوموا بمساعدة اللاعب في قتال أحد الزعماء المطلوبين بعد ظهور إشعار أمامهم، ليشعر اللاعب بأنه موجود في عالم حي سواء كان يقاتل في محيط مفتوح أو ممرات بحرية ضيقة في سواحل أفريقيا.

ذكاء جماعي

ويمكن جمع الموارد بشكل تشاركي دون الحاجة إلى التسابق في كل مرة ليطيح أحدهم بسفينة، لدرجة أنه يمكن الانتظار في بعض الأحيان إلى حين الانتهاء من معركة يقودها لاعبون آخرون، ليدخل اللاعب ويجمع الموارد بكل سهولة. اللعب الجماعي ممتع، وخصوصاً أن اللعبة ترفع من مستويات صعوبة الأعداء مع تزايد أعداد فريق اللاعب، وتقديم مكافآت إضافية لهم جميعاً، الأمر الذي يجعل اللعبة أكثر اتزاناً في نمط اللعب الجماعي.

كما تقدم اللعبة مجموعة من الفعاليات التي يمكن إكمالها بشكل فردي أو بصحبة الأصدقاء، مثل الاستيلاء على مكان أو قاعدة ما، بحيث يجب أن تتسلل مجموعة من طاقم اللاعب إلى موقع محدد لسرقة موارده مع مواجهة موجات متتالية من الأعداء على شكل سفن صغيرة أو سفن حربية إلى حين اكتمال سرقة المكان بالكامل.

مواصفات تقنية

رسومات اللعبة جميلة ومتقنة إلا أنها لا تستغل القدرات الكاملة لتقنيات الرسومات الحديثة على أجهزة الألعاب أو الكومبيوتر الشخصي، ولكنها مناسبة لأجواء اللعب الحماسية. وقد يشعر اللاعب برغبة للتجول في عالم اللعبة لرؤية الأجواء والبيئة الطبيعية بعيداً عن المهام القاسية وحياة القراصنة الصعبة. ويمكن اختيار موسيقى جميلة جداً من القوائم، ليسمع اللاعب موسيقى الجزيرة وغناء طاقم السفينة عند الإبحار لمزيد من الانغماس في العالم الخيالي للعبة. وبالحديث عن القوائم، فهي سهلة وغير معقدة، ويمكن الوصول إلى الخيارات المرغوبة بكل سلاسة وسرعة. هذا، وتدعم اللعبة اللغة العربية بدقة كبيرة في ترجمة القوائم والحوارات بين الشخصيات والنصوص، وهي من أفضل تجارب التعريب المتقنة إلى الآن، وتستحق التقدير.

التحكم بالسفينة ومدافعها جيد جداً، مع تقديم تنويع في الأسلحة وإمكانية التعديل على المدافع أو تبديلها بأخرى أقوى لهزيمة الأعداء. ونذكر القدرات المتقدمة لأداة التحكم الخاصة بجهاز «بلايستيشن 5» التي تدعم اهتزازات عالية الدقة ومقاومة الأزرار للضغط عليها لدى إطلاق النيران من المدافع أو الإبحار.

ويتحمل الجهاز الخادم Server الواحد للعب نحو 20 لاعباً في الوقت نفسه دون حدوث أي مشاكل أو تقطع في الإرسال. وتجدر الإشارة إلى أنه وفي وقت كتابة هذا الموضوع، فإن الأجهزة الخادمة الخاصة بأجهزة الألعاب تقدم مستويات أداء أفضل مقارنة بإصدار الكومبيوتر الشخصي، ولكن من المتوقع إصلاح هذا الأمر من خلال تحديثات سريعة.

مواصفات الكومبيوتر المطلوبة

وبالنسبة لمواصفات الكومبيوتر المطلوبة لعمل اللعبة بدقة 1080 وبسرعة 30 صورة في الثانية، فهي معالج «إنتل كور آي7 4790» بسرعة 3.6 غيغاهرتز أو «إيه إم دي رايزن 5 1600» بسرعة 3.2 غيغاهرتز أو أفضل، وبطاقة الرسومات «إنفيديا جيفورس جي تي إكس 1060» بذاكرة رسومات تبلغ 6 غيغابايت أو «إيه إم دي راديون آر إكس 5500 إكس تي» بذاكرة رسومات تبلغ 8 غيغابايت أو أفضل، و8 غيغابايت من الذاكرة (بدعم للمسارات المزدوجة لنقل البيانات Dual-channel) أو أفضل، و65 غيغابايت من السعة التخزينية (بتقنية الحالة الصلبة SSD)، ونظام التشغيل «ويندوز 10» بدقة 64 - بت، وامتدادات «دايركت إكس 12» البرمجية.

أما إن أردت اللعب بدقة 1080 وبسرعة 60 صورة في الثانية، فتصبح المواصفات معالج «إنتل كور آي7 8700 كيه» بسرعة 3.7 غيغاهرتز أو «إيه إم دي رايزن 5 3600» بسرعة 3.6 غيغاهرتز أو أفضل، وبطاقة الرسومات «إنفيديا جيفورس آر تي إكس 2070» بذاكرة رسومات تبلغ 8 غيغابايت أو «إيه إم دي راديون آر إكس 5700 إكس تي» بذاكرة رسومات تبلغ 8 غيغابايت أو أفضل، و16 غيغابايت من الذاكرة (بدعم للمسارات المزدوجة لنقل البيانات Dual-channel) أو أفضل، و65 غيغابايت من السعة التخزينية (بتقنية الحالة الصلبة SSD)، ونظام التشغيل «ويندوز 10» بدقة 64 - بت، وامتدادات «دايركت إكس 12» البرمجية.

معلومات عن اللعبة

* الشركة المبرمجة: «أوبي سوفت سنغافورة» Ubisoft Singapore www.UbisoftSingapore.com

* الشركة الناشرة: «أوبي سوفت» Ubisoft www.Ubisoft.com

* موقع اللعبة: www.Ubisoft.com

* نوع اللعبة: قتال ومغامرات Action Adventure

* أجهزة اللعب: «بلايستيشن 5» و«إكس بوكس سيريز إكس وإس» والكومبيوتر الشخصي

* تصنيف مجلس البرامج الترفيهية ESRB: للبالغين أكبر من 17 عاماً «M 17»

* دعم للعب الجماعي: نعم، حتى 6 لاعبين


مقالات ذات صلة

تكنولوجيا معارك فضائية في المستقبل باستخدام «هياكل» آلية

لعبة «ماراثون»: رؤية مستقبلية لألعاب «الاستخراج» وانغماس كبير في المعارك

تركز على تجربة اللاعبين ضد بعضهم بعضاً وضد الذكاء الاصطناعي

خلدون غسان سعيد (جدة)
رياضة سعودية 4 ملايين ريال مجموع جوائز الموسم السعودي الجديد للرياضات الإلكترونية (الشرق الأوسط)

الدوري السعودي للرياضات الإلكترونية ينطلق بـ10 ألعاب عالمية

أعلن الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية، الانطلاق الرسمي لموسم 2026 من الدوري السعودي للرياضات الإلكترونية.

سهى العمري (جدة)
يوميات الشرق طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)

إدمان ألعاب الفيديو قد يصيب المراهقين بـ«جنون العظمة»

كشفت دراسة حديثة عن أن الأطفال، في سن المراهقة، الذين يُعانون من صعوبة في السيطرة على عاداتهم في ألعاب الفيديو أكثر عرضة لتجارب شبيهة بالذهان.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك هناك لعبة فيديو شهيرة قد تساعد في التغلب على ذكريات الصدمات النفسية (رويترز)

لعبة شهيرة تساعد في التخلص من ذكريات الصدمات النفسية

أظهرت دراسة علمية جديدة أن لعبة الفيديو الشهيرة «تتريس Tetris» قد تساعد في التغلب على ذكريات الصدمات النفسية السابقة

«الشرق الأوسط» (لندن)

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
TT

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

في المراحل الأولى من ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، كان الحديث يدور في معظمه حول الإمكانات المستقبلية أكثر من النتائج الفعلية، إلا أن هذه المرحلة بدأت تتلاشى تدريجياً. فبيانات الشركات اليوم تشير بوضوح إلى أن هذه التقنية لم تعد مجرد تجربة، بل أصبحت محركاً حقيقياً للعوائد المالية وتحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز القدرة التنافسية.

تقرير عالمي أعدته شركة «سنوفليك»، استند إلى آراء نحو 1900 من قادة الأعمال وتقنية المعلومات في تسع دول، يقدم صورة واضحة عن كيفية قياس المؤسسات لأثر استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. وتشير النتائج إلى نمط متكرر، حيث إن المؤسسات التي تبنّت التقنية مبكراً قد بدأت بالفعل في تحقيق عوائد ملموسة، وفي بعض الحالات عوائد كبيرة.

الاستثمارات بدأت تؤتي ثمارها

أبرز ما يكشفه التقرير هو حجم النجاح في تبني التقنية. إذ أفادت 92 في المائة من المؤسسات بأن استثماراتها في الذكاء الاصطناعي تحقق عائداً على الاستثمار.

هذا الرقم لافت، خاصة أن انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئات العمل ما زال حديثاً نسبياً. وهو مؤشر على انتقال التقنية من مرحلة التجارب إلى مرحلة التأثير الفعلي في الأعمال.

أما على صعيد المستقبل، فتبدو الصورة أكثر وضوحاً، حيث إن 98 في المائة من المشاركين يخططون لزيادة استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي. هذا الجمع بين العوائد الحالية المرتفعة والرغبة شبه الجماعية في زيادة الاستثمار يعكس تحولاً هيكلياً، وليس مجرد موجة مؤقتة.

يمتد أثر الذكاء الاصطناعي إلى تحسين الكفاءة وتجربة العملاء وتسريع الابتكار وليس فقط خفض التكاليف (غيتي)

من التجربة إلى العائد القابل للقياس

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي مجرد وعود، بل بدأت الشركات في قياس أثره بدقة.

فنحو ثلثي المؤسسات باتت تقيس العائد على الاستثمار من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتشير البيانات إلى أن متوسط العائد يبلغ 1.41 دولار مقابل كل دولار يتم إنفاقه، أي ما يعادل عائداً بنسبة 41 في المائة.

عملياً، يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على خفض التكاليف، بل يسهم أيضاً في خلق مصادر دخل جديدة. وتأتي هذه العوائد من تحسين الكفاءة وتسريع العمليات وتعزيز القدرة على استخراج الرؤى من البيانات، كما يظهر التقرير أن 88 في المائة من المؤسسات سجلت تحسناً في الكفاءة في حين لاحظت 84 في المائة تحسناً في تجربة العملاء. كما أن 84 في المائة أيضا شهدت تسارعاً في الابتكار. ويشير ذلك إلى أن أثر الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في حالات استخدام محدودة، بل أصبح يمتد إلى وظائف الأعمال الأساسية.

تفاوت بين القطاعات

رغم أن متوسط العائد يقارب 41 في المائة، فإن الأداء يختلف بين القطاعات. فبعض الصناعات تحقق نتائج أسرع من غيرها. على سبيل المثال، سجلت شركات الإعلام والإعلان عوائد تصل إلى 69 في المائة، مقارنة بمتوسط عام يبلغ نحو 49 في المائة في بعض القياسات الأحدث. يعكس هذا التفاوت طبيعة الاستخدام. فالقطاعات التي توظف الذكاء الاصطناعي مباشرة في التفاعل مع العملاء، مثل التسويق وصناعة المحتوى، تحقق عوائد أسرع وأكثر وضوحاً.

ومع ذلك، يبقى الاتجاه العام ثابتاً، فعبر مختلف القطاعات، يحقق الذكاء الاصطناعي قيمة قابلة للقياس حتى في المراحل المبكرة من اعتماده.

البيانات... العامل الحاسم

رغم هذه النتائج الإيجابية، يسلط التقرير الضوء على تحدي جاهزية البيانات. فنجاح الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل كبير على جودة البيانات وتنظيمها. وتشير الأرقام إلى أن 80 في المائة من الشركات تقوم بالفعل بتخصيص نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام بياناتها الخاصة.

لكن التحديات لا تزال كبيرة، إذ تواجه 64 في المائة صعوبة في دمج البيانات عبر الأنظمة المختلفة.

وتعاني 59 في المائة من تحديات في حوكمة البيانات ومراقبة جودتها، إضافة إلى ذلك تجد 58 في المائة صعوبة في جعل البيانات جاهزة للاستخدام في الذكاء الاصطناعي، كما تشير التقديرات إلى أن ما بين 80 في المائة إلى 90 في المائة من بيانات المؤسسات غير مهيكلة، بينما لا يُستخدم سوى جزء محدود منها فعلياً في تدريب النماذج. تعني هذه النتائج أن هناك فجوة واضحة بين قدرات النماذج المتقدمة والبنية التحتية للبيانات.

تمثل جودة البيانات وتكاملها التحدي الأكبر مع فجوة واضحة بين قدرات النماذج والبنية التحتية للبيانات (شاترستوك)

تكاليف أعلى وتحديات في التوسع

رغم العوائد الإيجابية، لا يخلو المشهد من التحديات، خاصة فيما يتعلق بالكلفة والتوسع، إذ تشير البيانات إلى أن 96 في المائة من المؤسسات تجاوزت توقعاتها من حيث التكلفة في جانب واحد على الأقل من مشاريع الذكاء الاصطناعي، كما تفيد 78 في المائة منها بأن نصف حالات الاستخدام أو أكثر كانت أعلى تكلفة من المتوقع. يُفهم من هذا الواقع أن تحقيق نتائج أولية ممكن، لكن توسيع نطاق الاستخدام عبر المؤسسة يفرض تحديات تقنية ومالية إضافية، كما أن متطلبات البنية التحتية، خصوصاً في مجالات التخزين والمعالجة، تتزايد مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

انتقال نحو تبنٍ مؤسسي شامل

أحد أبرز التحولات هو اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات إذ لم يعد مقتصراً على فرق محددة أو مشاريع تجريبية، بل أصبح يُستخدم في مجالات متعددة مثل عمليات تقنية المعلومات وخدمة العملاء وتطوير البرمجيات والتسويق، كما تستثمر المؤسسات في عدة محاور متوازية، 83 في المائة منها في البرمجيات الداعمة و82 في المائة في البنية التحتية و81 في المائة في البيانات و78 في المائة في النماذج اللغوية الكبيرة و76 في المائة في الكفاءات البشرية.

يؤكد هذا أن تبني الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بالأدوات فقط، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل البيانات والتقنيات والمهارات.

نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي

تشير هذه الأرقام مجتمعة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بلغ مرحلة مفصلية، فبعد سنوات من الاستثمارات في التحول الرقمي دون عوائد فورية في بعض الأحيان، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يقدم قيمة ملموسة منذ المراحل الأولى. ويتضح ذلك من خلال معدلات عائد تتجاوز 40 في المائة وأن أكثر من 90 في المائة من المؤسسات تحقق نتائج إيجابية.

إضافة إلى التزام شبه كامل بزيادة الاستثمارات ما يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة تنافسية فقط، بل أصبح معياراً أساسياً في بيئة الأعمال.

92 في المائة من المؤسسات تحقق عائداً على الاستثمار مع متوسط عائد يقارب 41 في المائة لكل دولار يُنفق (شاترستوك)

المرحلة المقبلة: التوسع والاستدامة

رغم هذه النتائج، لا تزال المؤسسات في مراحل مبكرة نسبياً من التبني. تشير البيانات إلى أن 71 في المائة من الشركات لديها حالات استخدام للذكاء الاصطناعي أكثر مما يمكنها تنفيذه حالياً، ما يعكس ضغطاً متزايداً لتحديد الأولويات، كما ستركز المرحلة المقبلة على توسيع نطاق الاستخدامات الناجحة، مع معالجة تحديات الكلفة والبيانات والتكامل.

من الإمكانات إلى الأداء الفعلي

يمثل الانتقال من الوعود النظرية إلى العوائد الفعلية نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي. فالتقنية لم تعد تُقاس بما يمكن أن تفعله، بل بما تحققه بالفعل. الشركات اليوم ترى نتائج مالية وتشغيلية واضحة. ومع ذلك، تبقى الرحلة في بدايتها. فالتحديات المرتبطة بالبيانات والتكلفة والتوسع لا تزال قائمة. لكن ما أصبح مؤكداً هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً. بل أصبح جزءاً أساسياً من طريقة عمل المؤسسات وتنافسها ونموها.


استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية
TT

استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

استطلاع أميركي: المراهقون يتعرّضون لضغوط شديدة لنشر صور جنسية

لا يرغب أي والد في معرفة أن ابنه أو ابنته قد تعرَّض، أو تعرَّضت، لضغوط لإرسال صور جنسية، لكن استطلاعاً جديداً يشير إلى أن كثيراً من المراهقين يفعلون ذلك بالفعل، وغالباً مع شخص تربطهم به علاقة.

استطلاع أميركي

شمل الاستطلاع، الذي نُشر في مجلة «JAMA Network Open»، يوم الثلاثاء، أكثر من 6200 شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاماً، سُئلوا عن حوادث التحرُّش الجنسي بواسطة الصور، التي تعرَّضوا لها قبل بلوغهم سن 18 عاماً. وتناول الاستطلاع الجهات التي تميل إلى الضغط على المراهقين لنشر صور جنسية لأنفسهم، ومدى استجابتهم، والآثار النفسية المترتبة على هذه القرارات.

الفتيات يتعرَّضن لطلبات فاضحة من معارفهن

أكثر من 90 في المائة ممن أفادوا بتلقيهم طلباً قسرياً لصورة جنسية كانوا من الإناث، واستجاب أكثر من نصفهن للطلب. وكان من المرجح أن يفعلن ذلك بناءً على طلب شريك في علاقة عاطفية، وليس من شخص غريب أو شخص يعرفونه عبر الإنترنت فقط.

وقالت ليزا جونز، أستاذة علم النفس في مركز أبحاث الجرائم ضد الأطفال بجامعة نيو هامبشاير، وإحدى مؤلفي الدراسة الجديدة، إن هذا الأمر جدير بالملاحظة لأنَّ التغطية الإعلامية لـ«الابتزاز الجنسي» وآثاره قد توحي بأن «الخطر الأكبر يأتي من أشخاص لا تعرفهم على الإنترنت».

وعلى الرغم من وقوع مثل هذه الحالات، فإن «هذا النوع من الإيذاء يرجح أن يكون مصدره شخصاً تعرفه»، كما أوضحت: «بل وحتى شخصاً تربطك به علاقة عاطفية».

الاستجابة لطلبات إكراه متكررة

وكان المراهقون الذين استجابوا لطلبات الإكراه أكثر عرضةً للاستجابة إذا استمرَّت هذه الطلبات لأكثر من شهر، أو إذا طلب الشخص صوراً 4 مرات أو أكثر، ما يشير إلى أنهم ربما شعروا بالإرهاق من كثرة هذه الطلبات.

تأثيرات نفسية سيئة

وكان المشاركون الذين قرَّروا مشاركة الصور تحت الضغط، أكثر عرضةً للتغيب عن المدرسة أو التفكير في إيذاء النفس بعد إرسالها، مقارنةً بمَن لم يشاركوا الصور.

وقالت جونز إن الاستطلاع الجديد أُجري بوصفه جزءاً من دراسة أوسع نطاقاً حول تجارب المراهقين مع الإساءة القائمة على الصور، وكيف يمكن أن تؤثر هذه الطلبات وردود فعلهم على الصحة النفسية.

شيوع تبادل الرسائل الجنسية

وكانت دراسة حديثة شملت أكثر من 3400 مراهق تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، وجدت أن نحو ثلثهم قد تلقوا رسائل جنسية، بينما أرسل نحو رُبعهم رسائل جنسية.

فضح الصور... والابتزاز

ووجدت تلك الدراسة أن نحو نصف المراهقين الذين أرسلوا رسائل جنسية قالوا إن صورهم نُشرت لاحقاً دون إذنهم. كما تعرَّض نحو نصفهم للابتزاز الجنسي، أي أنهم تعرَّضوا للتهديد.

وقال سمير هيندويا، الأستاذ في كلية علم الجريمة والعدالة الجنائية بجامعة فلوريدا أتلانتيك، والمدير المشارك لمركز أبحاث التنمر الإلكتروني، والذي أسهم في إعداد الدراسة السابقة: «معظم المراهقين لا يفعلون ذلك». وأضاف: «لكننا نلاحظ أن الأرقام (الحالية) أعلى مما كانت عليه في السابق».

تكتّم المراهقين

وفي الاستطلاع الجديد، كان المشاركون الذين شاركوا صوراً جنسية أقل عرضةً بكثير لإخبار مَن حولهم عن تعرُّضهم للإكراه مقارنةً بمَن قالوا إنهم تعرَّضوا للإكراه لكنهم لم يشاركوا أي صورة.

وقالت جونز: «أعتقد أن هذا الأمر مُقلق للغاية. يجب أن تتمحور رسائلنا حول مساعدتهم على فهم أن الأمر ليس خطأهم، وأنه من المهم توجههم لطلب المساعدة».

ماذا يمكن للوالدين فعله؟

وأشار هيندويا إلى أنه فوجئ بكيفية إشارة الدراسة الجديدة - التي لم يشارك فيها - إلى أنَّ بعض المراهقين يتعرَّضون لضغوط نفسية شديدة من شركائهم في العلاقات العاطفية. وأوضح أن من الطبيعي أن يرغب المراهقون في الشعور بالرغبة والقبول، وألا يُنظر إليهم على أنهم «غير جذابين» أو «متحفظين».

توعية الشباب بالمخاطر

من جهتها أكدت ديبي هيربينيك، مديرة مركز تعزيز الصحة الجنسية في جامعة إنديانا ومؤلفة كتاب «نعم، طفلك: ما يحتاج الآباء إلى معرفته عن المراهقين اليوم والجنس»، أن «الشباب لا يعرفون دائماً كيفية التعامل مع الإكراه، وكثيراً ما يرسلون صوراً عارية».

توصي هيربينيك في كتابها بالتحدث مع الأطفال حول العواقب المحتملة لمشاركة أو طلب صور عارية مع مَن يعجبون بهم، أو مَن يواعدونهم، أو مَن تربطهم بهم علاقة جدية، بما في ذلك التنمر والقلق والابتزاز الجنسي والتبعات القانونية.

وأضافت هيربينيك أن «مَن المستفيد؟ ومَن الخاسر؟» أسئلة جيدة لطرحها على المراهقين. «كيف تُعامل الفتيات عندما تنتشر صورهن؟ وكيف يُعامل الأولاد؟».

وأشارت إلى أن هذا النوع من الحوارات يجب أن يبدأ عندما يمتلك الأطفال جهازاً قادراً على إرسال واستقبال الصور، أو عندما يقضون وقتاً دون إشراف مع مَن يمتلكون هذه الأجهزة.

مناقشة الموضوعات مع الأطفال

قال جيف تمبل، الأستاذ وعالم النفس في جامعة تكساس للعلوم الصحية في هيوستن، إن الدراسة الجديدة تُبرز أهمية مناقشة هذه الموضوعات مع الأطفال في سنٍّ مبكرة وبشكل متكرِّر. وأضاف: «إن أهم ما يُمكن فعله هو التحدث مع أطفالكم، وليس مجرد حديث عابر عن الجنس، بل هو حوار مستمر حول العلاقات الصحية والجنسية السليمة، ومفهوم الموافقة».

* خدمة «نيويورك تايمز».


كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
TT

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني
مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني

مع تسارع أنظمة الذكاء الاصطناعي في أتمتة مهام كانت تُعدّ في صميم القدرات البشرية؛ من الكتابة والتحليل إلى دعم اتخاذ القرار، تركّزت معظم النقاشات على الإنتاجية والكفاءة، وفقدان الوظائف. لكن خلف هذه التحولات الظاهرة، يبرز تغيّر أعمق بكثير، يطال ليس فقط طريقة عملنا، بل تعريفنا للذكاء والقيمة، وحتى معنى أن نكون بشراً.

بالنسبة للمؤلف العالمي في تطوير الذات، ديريك ريدال، لا يمثل هذا التحول مجرد نقلة تقنية، بل لحظة فلسفية واجتماعية مفصلية، حيث تتعرض مفاهيم راسخة حول الذكاء لإعادة نظر جذرية.

يقول ريدال خلال مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» إن «السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الذكاء، بل ما إذا كنا قد عرّفناه بشكل صحيح منذ البداية».

لعقود طويلة، ارتبط مفهوم الذكاء بالقدرة على معالجة المعلومات، والتعرُّف إلى الأنماط، وحل المشكلات. وقد شكّلت هذه القدرات أساس أنظمة التعليم وسوق العمل والهياكل الاقتصادية. لكن مع تفوق الذكاء الاصطناعي في هذه المهام بسرعة وتكلفة أقل، يفقد هذا التعريف تفرده.

ديريك ريدال - مؤلف عالمي في تطوير الذات

من الذكاء إلى المعنى

مع تحوُّل الذكاء إلى مورد وفير، تبدأ قيمته الاقتصادية بالتراجع. ويختصر ريدال هذه الفكرة بقاعدة بسيطة، وهي أن «القيمة تتجه نحو ما هو نادر».

في هذا السياق، قد يصبح الذكاء بمعناه التقليدي مشابهاً للأكسجين، أي متاحاً للجميع، لكنه لم يعد عاملاً مميزاً. وعندما تصبح المعرفة والتحليل متاحين على نطاق واسع، تنتقل القيمة إلى بُعد آخر أقل قابلية للقياس، لكنه أكثر إنسانية. ويضيف ريدال أن «هناك المادة... وهناك ما له معنى».

فاللحظات التي تدفع البشر إلى الفعل، كالحب والإبداع والرسالة، نادراً ما تكون نتاج حسابات منطقية. إنها تنبع من إدراك أعمق يتجاوز البيانات، وهو ما يجعل القدرة على إنتاج المعنى محوراً جديداً للقيمة.

خطر انهيار الهوية

ورغم أن فقدان الوظائف يشغل حيزاً كبيراً من النقاش، يرى ريدال أن الخطر الأعمق يكمن في الهوية نفسها؛ فقد بنى الناس عبر أجيال تعريفهم لذواتهم على ما يفعلونه. لم تكن الوظيفة مجرد مصدر دخل، بل إطار للمعنى والانتماء. لكن مع قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء هذه الأدوار، ينهار هذا الإطار. ويردف: «لن يفقد الناس وظائفهم فقط، بل سيفقدون الإجابة عن سؤال: من أنا؟».

وقد بدأت ملامح هذه الأزمة تظهر بالفعل في ازدياد الشعور بالعزلة وفقدان المعنى. ومع غياب الغاية، تتجاوز التأثيرات الجانب الاقتصادي لتطال الاستقرار النفسي والاجتماعي.

لا يعيد الذكاء الاصطناعي فقط تشكيل العمل، بل يفرض إعادة تعريف جوهر الذكاء الإنساني نفسه (شاترستوك)

وهم الاستعانة بالآلة في التفكير

في موازاة ذلك، يبرز خطر آخر أقل وضوحاً كتفويض التفكير للآلة. يحذر ريدال قائلاً: «عندما تفوّض تفكيرك النقدي، لا تحصل فقط على إجابة أسرع، بل تفقد تدريجياً القدرة على معرفة ما إذا كانت الإجابة صحيحة».

وهذا ما يسميه «التراجع الإنساني»، أي تآكلاً بطيئاً للقدرات الذهنية والقدرة على الحكم المستقل. والخطر هنا ليس فورياً، بل يتخفى خلف الراحة والكفاءة، بينما تتراجع القدرات الأساسية، دون أن نلاحظ.

تعزيز أم اعتماد؟

هذا يقود إلى سؤال محوري: هل يعزز الذكاء الاصطناعي قدرات الإنسان أم يستبدلها؟ يجيب ريدال: «السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الإنسان خلف الأداة ينمو أم يتضاءل بهدوء».

عندما يُستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة، يمكنه تطوير التفكير والإبداع. لكن عندما يحل محل الجهد الذهني، فإنه يضعف هذه القدرات. والاختبار هنا بسيط: إذا ابتعدت عن الأداة، هل تبقى لديك القدرة؟

أما على مستوى المؤسسات، فإن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى كفاءة ظاهرية، لكنه يخلق ثقافات عمل «فارغة». في المقابل، المؤسسات التي تستخدمه لتعزيز التفكير البشري تبني ميزة تنافسية مستدامة. ويصف ريدال هذه الميزة بـ«الإنسانية المصنوعة يدوياً» أي العمق والأصالة اللذين لا يمكن تحويلهما إلى سلعة.

يرى الكاتب أن الخطر الأكبر لا يكمن في فقدان الوظائف بل في اهتزاز هوية الإنسان المرتبطة بما يفعله

إعادة التفكير في التعليم

تكشف هذه التحولات أيضاً حدود أنظمة التعليم الحالية، التي صُممت لنقل المعرفة، وهي مهمة يتفوق فيها الذكاء الاصطناعي، اليوم. ويرى ريدال أن التعليم يجب أن يُعاد بناؤه حول الإبداع والحكمة والشخصية. الإبداع يعني القدرة على إنتاج أفكار جديدة. والحكمة تنبع من التجربة والتأمل، لا من المعلومات فقط. أما الشخصية، فتشمل القيم والقدرة على بناء علاقات إنسانية حقيقية. وفي مناطق، مثل الشرق الأوسط، حيث لا تزال تقاليد التعلم المجتمعي، ونقل الحكمة حاضرة، قد تمثل هذه المقومات ميزة استراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي.

ما بعد الاقتصاد التقليدي

يذهب ريدال أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل الاقتصاد نفسه؛ ففي عالم قد لا يعتمد على العمل البشري بالشكل التقليدي، تصبح مفاهيم، مثل الإنتاجية والناتج المحلي، بحاجة إلى إعادة تعريف. وقد تنتقل القيمة إلى معايير تتعلق بجودة الحياة والمعنى والعلاقات الإنسانية. لكن هل يمكن للآلة أن تحل محل الحدس؟

يرد ريدال، عادّاً أن جزءاً من الحدس يمكن تفسيره كتعرُّف سريع على الأنماط، لكن هناك بُعداً أعمق يسميه «المعرفة التلقائية»، وهو إدراك لا يعتمد على التحليل، بل على الحضور الذهني العميق؛

فكثير من الاكتشافات الكبرى لم تأتِ من التفكير المكثف، بل من لحظات صفاء. وما إذا كان هذا النوع من الإدراك يمكن للآلة الوصول إليه، يبقى سؤالاً مفتوحاً.

تحدّ تنظيمي يتجاوز الاقتصاد

مع توسع الذكاء الاصطناعي، تتجاوز آثاره الجانب الاقتصادي لتشمل الإدراك والصحة النفسية. ويؤكد ريدال ضرورة أن تأخذ السياسات العامة هذه الجوانب بعين الاعتبار، محذراً من «أن عدم القيام بذلك يمثل فشلاً تنظيمياً لا عذر لنا فيه». في النهاية، لا يتمثل التحدي في تطور الذكاء الاصطناعي، بل في قدرة الإنسان على الحفاظ على استقلاله. ويؤكد ريدال أن الحل يبدأ بالوعي الذاتي حيث إن «تنمية الوعي ليست رفاهية... بل شرط أساسي للبقاء إنساناً كاملاً».