موجة من الصور ومقاطع الفيديو الزائفة تجتاح «طوفان الأقصى»

ألعاب فيديو تزعم أنها من ساحة الحرب

يرى مراقبون أنه لا يمكن اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً للأخبار بل هي وسيلة لنشر المصادر فقط (شاترستوك)
يرى مراقبون أنه لا يمكن اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً للأخبار بل هي وسيلة لنشر المصادر فقط (شاترستوك)
TT

موجة من الصور ومقاطع الفيديو الزائفة تجتاح «طوفان الأقصى»

يرى مراقبون أنه لا يمكن اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً للأخبار بل هي وسيلة لنشر المصادر فقط (شاترستوك)
يرى مراقبون أنه لا يمكن اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً للأخبار بل هي وسيلة لنشر المصادر فقط (شاترستوك)

في العصر الرقمي الذي نعيشه اليوم، لا يمكن الاستهانة بقوة العناصر المرئية في تشكيل وسرد القصص والأخبار. ومنذ بدء عملية «طوفان الأقصى» التي تشهد تصعيداً كبيراً، يستمر طوفان الصور ومقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي، التي توثقها كاميرات المراسلين في الغالب، وأخرى يوثقها المدنيون بكاميرات هواتفهم الشخصية.

لكن ليس كل ما يتدفق من مواد هو حقيقي؛ بل قد تظهر صور ومقاطع فيديو مزيفة تؤدي إلى تضليل المشاهد، حتى وسائل الإعلام أحياناً.

من حسابات زائفة قد تنتحل شخصية صحافيين، إلى مشاهد من ألعاب فيديو حربية تُنشر على أنها حقيقية، كلها تضع منصات التواصل الاجتماعي أمام صعوبات لاحتواء موجة من المعلومات المضللة حول الحرب الدائرة بين إسرائيل وغزة.

الأخبار الكاذبة يمكن أن تؤدي إلى تضخيم الأحداث على الأرض أو تحريفها تماماً وتغيير الرأي العام ( شاترستوك)

سيل من الخداع

يقول باحثون في مجال التحقق من المعلومات المضللة: إن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يشاهدون كماً كبيراً من صور الحرب الزائفة، ومقاطع فيديو قديمة من سوريا أعيد نشرها لتبدو كأنها مصورة في غزة، ولقطات من ألعاب فيديو يتم تمريرها على أنها مشاهد من هجوم حركة «حماس».

على سبيل المثال، انتشرت صورة على الإنترنت يُزعم أنها تظهر جنوداً إسرائيليين أَسَرتهم حركة «حماس»، إلا أن صحافيي خدمة تقصّي صحّة الأخبار في وكالة «الصحافة الفرنسية» وجدوا أن الصورة التُقطت عام 2022 خلال تدريب عسكري في غزة.

هذه الصورة ملتقطة عام 2022 خلال مناورة في غزة وليست لجنود إسرائيليين أَسَرتهم «حماس» خلال عملية «طوفان الأقصى» (أ.ف.ب)

وفي مثال آخر، انتشر مقطع فيديو على نطاق واسع، ولأكثر من مليون مرة على وسائل التواصل الاجتماعي، يظهر فيه رجل فلسطيني ملثم يطلق النار على طائرة مروحية إسرائيلية، والتي تسقط بعد ذلك. تم الكشف عن أن الفيديو مزيف، وقد تم إنشاؤه باستخدام تقنية «التلاعب» بعد أن دمجت لقطات من لعبة الفيديو «أرما 3» مع لقطات من الحرب في غزة، بعد ملاحظة وجود عدد من العلامات تشمل أشياء غير منطقية فيه، مثل عدم حدوث تفاعل بين الطيار وإطلاق النار، واختلافات في جودة الفيديو.

فيديو مزيف آخر تم اكتشافه من قبل موقع «FactCheck.org» يزعم أن مجموعة من الناس يهاجمون امرأة إسرائيلية، وأن تصويره تم في غزة. لكن تبيَّن من خلال التحقيق أن التصوير حصل في غواتيمالا لحملة إعلانية عام 2015. وبعد تداوله على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، لاحظ موقع «FactCheck.org» وجود عدد من العلامات التي تشير إلى إنشائه باستخدام تقنية التلاعب بالفيديو، وعدم وجود رد فعل من المرأة التي تعرضت للهجوم، واختلافات في جودة الفيديو أيضاً.

وسائل التواصل والمعلومات الحقيقية

يلجأ الناس في أوقات الأزمات والحروب والكوارث الطبيعية إلى منصات التواصل الاجتماعي؛ للحصول على المعلومات؛ حيث يعد الحصول عليها أمراً سهلاً وسريعاً ومجانياً. قد يفتح ذلك شهية المخادعين الذين ينشرون الأكاذيب والكراهية بحثاً عن التفاعل والمتابعين، إضافة إلى الخوارزميات التي تنشر هذا المحتوى المثير للقلق، ما يطرح سؤالاً عن كون وسائل التواصل الاجتماعي مكاناً موثوقاً للحصول على المعلومات.

يقول أحمد الشيخ، خبير الدور السياسي لمنصات التواصل الاجتماعي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» من لندن: «إنه لا يمكن اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً للأخبار؛ بل هي وسيلة لنشر المصادر» التي قد تكون موثوقة أو غير موثوقة. ويعتبر أن دور المستخدم يكمن في اختيار المصادر الموثوق بها. أما بالنسبة لنقل الأحداث المباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يقول أحمد الشيخ: إن ذلك قد يجعل المصدر موثوقاً «للمدة التي يتم فيها نقل الحدث»، لكن لا يجعله مصدراً للحدث بشكل عام. وهنا يظهر جانب آخر من مشاكل التواصل الاجتماعي؛ حيث إنها تركز على جزء من الحدث وليس على الحدث كله، بحكم توجهات الناقل السياسية أو الاجتماعية، أو إمكاناته المادية واللوجستية، ما يعني عدم اعتداده مصدراً لنقل الأخبار.

التحقق من المعلومات

ما يزيد الطين بلة، هو أن منصات التواصل الاجتماعي تبدو كأنها تتخلى عن جهودها الرامية إلى إبراز المعلومات الجيّدة أو الحقيقية، وخصوصاً مع عمليات تسريح موظفين، وخفض التكاليف التي طالت فرق الأمن والسلامة، ما يعيق قدرتها على التعامل مع هذه الفوضى، وخصوصاً وقت الأزمات. وما يفاقم المشكلة -حسب مراقبين- أنه مثلاً في منصة «إكس» المملوكة لإيلون ماسك، يوجد عدد كبير من الإجراءات المثيرة للجدل، كإعادة تفعيل حسابات تروج لمؤامرات زائفة، ووضع برنامج لمشاركة عائدات الإعلانات مع صانعي المحتوى، ما يحفّز البحث عن التفاعل بدلاً من توخي الدقة.

يعتبر أحمد الشيخ، خبير الدور السياسي لمنصات التواصل الاجتماعي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «إكس» كغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي تعيش فوضى توثيق الحسابات بالعلامة الزرقاء؛ حيث كانت في السابق تعتبر الحسابات الموثقة -نوعاً ما- مصدراً للخبر. لكن الآن يمكن لأي شخص توثيق حسابه مقابل مبلغ مالي قليل (8 دولارات) ما أدى إلى سيل من الأخبار الزائفة التي تؤثر على المستخدمين الذين لا يمكن أن يثقوا غالباً في تلك العلامات الزرقاء، واعتبارها تمثل جهات رسمية أو شخصيات حقيقية.

الملياردير الأميركي إيلون ماسك صاحب منصة «إكس» (أ.ف.ب)

آثار التزييف والتضليل

في الوقت الذي يكون من الصعب فيه إحصاء الآثار السلبية الناجمة عن المعلومات المضللة في أثناء الحروب والكوارث، يمكن أن تؤدي إلى تضخيم الأحداث على الأرض أو تحريفها تماماً. كما قد ينتج عنها تحريف الرأي العام، وصعوبة فهم الأطراف المحايدة للوضع الفعلي، واستنتاج تحليلات أو تدخلات خاطئة. ويعتبر البعض أنه من خلال الأدوات الرقمية المتاحة لها، يمكن للأحزاب استخدام المحتوى المزيف سلاحاً للدعاية، وتعميق الانقسامات، وإعاقة عمليات السلام. والأخطر من ذلك هو ما قد يتحمله المدنيون الذين غالباً ما يقعون في مرمى النيران.

هذا بالإضافة إلى أن وطأة ردود الفعل على التقارير الكاذبة، وما قد تثيره الصور ومقاطع الفيديو من مشاعر، يمكن أن يدفعا الأفراد نحو آراء أو أفعال متطرفة. وغالباً ما يقع هؤلاء ضحية للتحيز؛ حيث يعتقدون بالمعلومات التي تتوافق مع وجهات نظرهم. ويمكن للمحتوى المزيف أن يعزز هذه التحيزات، ما يزيد من ترسيخ الانقسامات.

يتم إنتاج فيديوهات مزيفة باستخدام تقنية «التلاعب» ودمج لقطات من أحداث سابقة أو ألعاب إلكترونية ( شاترستوك)

ما الحل؟

ليس هناك جواب واضح لذلك، أو عملية حسابية متوفرة تساعد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي. لكن خبير الدور السياسي لمنصات التواصل الاجتماعي، أحمد الشيخ، يقول لـ«الشرق الأوسط»: إن أبسط ما يمكن أن يقوم به المستخدم هو «اللجوء إلى المصادر الموثوقة، مثل حسابات تمثل وزارات الصحة، أو منظمات رسمية، أو وزارات الخارجية، وبالطبع وسائل الإعلام الكبرى ووكالات الأنباء».

كما يمكن تطوير أدوات للتحقق من صحة المعلومات، تمكّن الذكاء الاصطناعي من التعرف على المضللة منها، وتحديد مقاطع الفيديو المزيفة، أو استخدام خاصية البحث العكسي التي توفرها «غوغل»؛ لإيجاد مصدر صورة أو فيديو ما. كما يساعد إنشاء وحدات متخصصة في التحقق من صحة المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي، أو المؤسسات الإخبارية التي تستطيع العمل على إزالة المعلومات المضللة ونشر تلك الصحيحة.

إضافة إلى ذلك، يعدّ تثقيف المستخدمين حول كيفية التحقق من صحة المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي أمراً لا يقل أهمية، عبر نشر مقاطع الفيديو التعليمية والمقالات التعريفية. والأهم أيضاً أن يكون المستخدمون أنفسهم على دراية بالمخاطر المرتبطة بمشاركتهم للمعلومات المضللة؛ حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى تفاقم التوترات ونشر الكراهيَة.


مقالات ذات صلة

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
يوميات الشرق بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.