الكوكب يغلي... والعلماء يجربون تقنيات «محرمة» لتبريده

منتقدون حذّروا من عواقب «لا يمكن السيطرة عليها»

تطلق مولدات تفتيح السحابة البحرية مضخات من مياه البحر (جامعة ساوثرن كروس)
تطلق مولدات تفتيح السحابة البحرية مضخات من مياه البحر (جامعة ساوثرن كروس)
TT

الكوكب يغلي... والعلماء يجربون تقنيات «محرمة» لتبريده

تطلق مولدات تفتيح السحابة البحرية مضخات من مياه البحر (جامعة ساوثرن كروس)
تطلق مولدات تفتيح السحابة البحرية مضخات من مياه البحر (جامعة ساوثرن كروس)

يلجأ العلماء إلى تقنيات لم يكن من الممكن التفكير بها من قبل لتبريد الكوكب، مثل إلقاء المواد الكيميائية في المحيط ورش المياه المالحة في السحب وحقن جزيئات عاكسة في السماء، لأن الجهود العالمية للتحقق من انبعاثات الغازات الدفيئة تفشل، بحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال».

وكانت هذه الأساليب الهندسية الجيولوجية تعد من المحرمات من قبل العلماء والمنظمين الذين كانوا يخشون أن يؤدي التلاعب بالبيئة إلى عواقب غير مقصودة، ولكن الآن يتلقى الباحثون أموال دافعي الضرائب والاستثمارات الخاصة للخروج من المختبر واختبار هذه الأساليب في الهواء الطلق.

ووفق الصحيفة، يعكس هذا التحول القلق المتزايد من أن الجهود المبذولة للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة لا تتحرك بالسرعة الكافية لمنع الآثار المدمرة لموجات الحرارة والعواصف والفيضانات التي تفاقمت بسبب تغير المناخ.

ما هي الغازات الدفيئة؟

وللتوضيح، فإن الغازات الدفيئة هي الغازات التي لها خاصية امتصاص الأشعة تحت الحمراء، أي أنها تمتص الطاقة الحرارية الكلية، حيث إن هذه الأشعة تنبعث من سطح الأرض ثم تتم إعادتها مرة أخرى إلى السطح، وهو ما يؤدي إلى الاحتباس الحراري.

ويعد غاز ثاني أكسيد الكربون، والميثان، وبخار الماء من أهم غازات الدفيئة، بالإضافة إلى غازات أخرى مثل مستويات الأوزون التي توجد على السطح، وأكسيد النيتروس، والغازات المفلورة (fluorinated gases).

وبحسب العلماء وقادة الأعمال المشاركين في المشاريع، فإن «الهندسة الجيولوجية ليست بديلاً عن تقليل الانبعاثات بل هي وسيلة لإبطاء الانحباس الحراري المناخي في السنوات القليلة المقبلة مع كسب الوقت للتحول إلى اقتصاد خالٍ من الكربون على المدى الطويل».

وهناك ثلاث تجارب ميدانية جارية في الولايات المتحدة وخارجها وفق «وول ستريت جورنال».

تفتيح السحابة البحرية

وفي هذا الشهر، يقوم الباحثون على متن سفينة قبالة الساحل الشمالي الشرقي لأستراليا بالقرب من جزر وايت صنداي برش خليط مالح من خلال فوهات الضغط العالي في الهواء في محاولة لتفتيح السحب منخفضة الارتفاع التي تتشكل فوق المحيط.

ويأمل العلماء أن تعكس السحب الأكبر والأكثر سطوعاً ضوء الشمس بعيداً عن الأرض، وتظليل سطح المحيط، وتبرد المياه حول الحاجز المرجاني العظيم، حيث أسهم ارتفاع درجات حرارة المحيط في نفوق المرجان على نطاق واسع.

وتقود جامعة ساوثرن كروس المشروع البحثي، المعروف باسم تفتيح السحابة البحرية، بوصفه جزءاً من برنامج استعادة الشعاب المرجانية والتكيف معها بقيمة 64.55 مليون دولار.

ويتم تمويل البرنامج من خلال الشراكة بين «Reef Trust» التابع للحكومة الأسترالية ومؤسسة «Great Barrier Reef Foundation»، ويشمل منظمات الحفاظ على البيئة والعديد من المؤسسات الأكاديمية.

يبحث العلماء ورجال الأعمال عن طرق مبتكرة لتعزيز احتجاز الكربون والمخاطر التي يمكن أن تجلبها

تفريق سحابة من الجزيئات العاكسة

في إسرائيل، بدأت شركة ناشئة تدعى «Stardust Solutions» في اختبار نظام لتفريق سحابة من الجزيئات العاكسة الصغيرة على ارتفاع نحو 60 ألف قدم، ما يعكس ضوء الشمس بعيداً عن الأرض لتبريد الغلاف الجوي في مفهوم يُعرف باسم إدارة الإشعاع الشمسي، أو «SRM» ولم يكشف الرئيس التنفيذي لشركة ستاردست والنائب السابق لكبير العلماء في هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية ياناي يدفاب عن تركيبة الجزيئات المملوكة.

وقال يدفاب إن «ستاردست» جمعت 15 مليون دولار من اثنين من المستثمرين، وأجرت اختبارات جوية منخفضة المستوى باستخدام الدخان الأبيض لمحاكاة مسار الجزيئات في الغلاف الجوي.

وأشار إلى أنه بعد أن تكمل الشركة اختبار السلامة الداخلي، فإنها تعتزم إجراء اختبار خارجي محدود لتكنولوجيا التشتت وأجهزة المراقبة والجزيئات في الأشهر القليلة المقبلة.

نظرية الدواء المضاد للحموضة

أما في ماساتشوستس، فيخطط الباحثون في معهد «وودز هول» لعلوم المحيطات لصب 6000 غالون من محلول سائل من هيدروكسيد الصوديوم، أحد مكونات الغسول، في المحيط على بعد 10 أميال جنوب مارثا فينيارد هذا الصيف. ويأملون أن تعمل القاعدة الكيميائية مثل قرص كبير من «التومز» (دواء مضاد للحموضة)، مما يخفض حموضة قطعة من المياه السطحية ويمتص 20 طناً مترياً من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ويخزنه بأمان في المحيط.

قال العالم المشارك في منظمة الصحة العالمية والباحث الرئيسي في المشروع آدم سوبهاس: «عندما تصاب بحرقة في المعدة، فإنك تأكل قطعة من التومز التي تذوب وتجعل السائل في معدتك أقل حمضية. وقياساً على ذلك، فإننا نضيف هذه المادة القلوية إلى مياه البحر، ما يسمح للمحيطات بامتصاص المزيد من ثاني أكسيد الكربون من دون إثارة المزيد من تحمض المحيطات. كل ما نراه حتى الآن هو أنه آمن بيئياً».

وأوضح سوبهاس أن المشروع الذي تبلغ تكلفته 10 ملايين دولار، والمعروف باسم تعزيز قلوية المحيطات، يتم تمويله من قبل الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، واثنتين من المؤسسات الخيرية والعديد من الجهات المانحة الخاصة. ومن المقرر أن يتم إطلاق هيدروكسيد الصوديوم، الذي سيتطلب موافقة وكالة حماية البيئة الأميركية، في أغسطس (آب).

التدخلات البشرية قد تؤدي إلى منحدر زلق

وشرحت الصحيفة أن التجارب التي تهدف إلى تبريد الغلاف الجوي عن طريق عكس ضوء الشمس بعيداً عن الأرض هي محاولة لتقليد ما يحدث عندما يثور البركان.

وفي عام 1991، قذف جبل بيناتوبو، وهو بركان نشط في الفلبين، الكبريت والرماد إلى الغلاف الجوي العلوي، ما أدى إلى انخفاض درجة حرارة الأرض بمقدار 0.5 درجة مئوية (0.9 درجة فهرنهايت) لمدة عام كامل.

ولكن حتى سنوات قليلة مضت، كان العديد من العلماء يعارضون التدخلات البشرية، خوفاً من المنحدر الزلق الذي من شأنه أن يسمح للمجتمع بتجنب اتخاذ قرارات صعبة بشأن الحد من الانبعاثات، وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج عكسية.

وقال وزير سياسة المناخ العالمية في الدنمارك دان يورجنسن: «يتحول هذا بسهولة إلى ذريعة لعدم القيام بكل الأشياء التي يمكننا القيام بها بالفعل التي نعلم أنها ستنجح».

وأضاف: «عندما نبدأ بالتدخل في الطبيعة، فإننا نخاطر أيضاً بأن يكون لها العديد من العواقب السلبية للغاية التي لا يمكننا السيطرة عليها والتي لا يمكننا التنبؤ بها. التدخل ضروري، لكن علينا أن نكون حذرين للغاية في كيفية القيام بذلك».

من جهته، قال الأستاذ المساعد في علوم الأرض والغلاف الجوي في جامعة كورنيل دانييل فيجيني: «وصلنا الآن إلى النقطة التي لا يكون فيها الاختيار بين نعم أو لا فيما يتعلق بتنفيذ إدارة المخاطر المستدامة، ولكن بين اتخاذ قرار مستنير وآخر غير مستنير».

وأصدرت الأكاديمية الوطنية للعلوم دراسة في عام 2021 تدعو إلى اتباع نهج حذر في دراسة تقنيات الهندسة الجيولوجية الشمسية، كما استعرض تقرير ثانٍ في عام 2022 طرقاً مختلفة لتخزين ثاني أكسيد الكربون في المحيط.

في عام 2023، أصدر البيت الأبيض مبادئ توجيهية بحثية لحقن الجسيمات العاكسة في الغلاف الجوي وإضاءة السحب، وخلص إلى أن التقنيات توفر إمكانية تبريد الكوكب ولكنها تحمل أيضاً مخاطر غير معروفة، مثل استنفاد طبقة الأوزون الواقية، والإضرار بالحياة البحرية، والإضرار بالمحاصيل أو تغيير أنماط هطول الأمطار.

وفي هذا الشهر، في نيروبي بكينيا، سوف يناقش المندوبون إلى جمعية البيئة التابعة للأمم المتحدة قراراً للنظر في المخاطر والفوائد المترتبة على إدارة الإشعاع الشمسي.

الهدف من التجارب الميدانية لهذا العام في الولايات المتحدة وإسرائيل وأستراليا هو معالجة بعض هذه الأسئلة والحصول على معلومات حول ما إذا كانت هذه المشاريع يمكن أن تضع الأساس لجهود واسعة النطاق لتبريد الكوكب.

وقال مايكل دايموند، الأستاذ المساعد في الأرصاد الجوية وعلوم البيئة في جامعة ولاية فلوريدا، عن تجربة تفتيح السحاب الأسترالية: «إنهم يجيبون عن أسئلة مهمة حقاً حول ما إذا كنا سنرش ملح البحر في الغلاف الجوي. هل سيصل ذلك إلى السحاب، هل سيبقى هناك؟ هل يمكنك الحصول على ما يكفي من السطوع لإحداث فرق؟».

ولكي ينتقل أي من هذه المشاريع من مرحلة التجربة الميدانية إلى مرحلة النشر العالمي على نطاق واسع، فسوف يتطلب الأمر تعاوناً دولياً ومن المرجح أن يكلف تريليونات الدولارات. ويتطلب العمل بهذا السيناريو سنوات طويلة.


مقالات ذات صلة

الجفاف في إنجلترا يُهدد قرع الهالوين

يوميات الشرق ثمار اليقطين ملقاة في حقل بالقرب من دانشتات بألمانيا (إ.ب.أ)

الجفاف في إنجلترا يُهدد قرع الهالوين

مع اقتراب عيد الهالوين، تتزيّن مداخل المنازل في أنحاء البلاد بثمار القرع الكبيرة، المحفورة على هيئة وجوه مخيفة، والمضاءة من الداخل بشموع صغيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر.

«الشرق الأوسط» (شاطئ إيزتوزو (تركيا) )
أوروبا امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)

الحكومة البريطانية تعلن حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا

أعلنت الحكومة البريطانية، الخميس، حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا، عازية ذلك إلى «فترة غير مسبوقة من الأحوال الجوية المتطرفة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «إيني» الإيطالية (رويترز)

«إيني» الإيطالية: على الاتحاد الأوروبي تعليق نظام تداول انبعاثات الكربون

قال كلاوديو ديسالزي الرئيس التنفيذي لشركة «إيني»، الأربعاء، إن على الاتحاد الأوروبي تعليق نظام تداول انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد صهاريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في منشأة هامرفست بالنرويج (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يؤجل تطبيق قواعد الميثان على واردات النفط والغاز لمدة عام

اقترحت المفوضية الأوروبية، الأربعاء، تأجيل تطبيق قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بانبعاثات الميثان الناجمة عن واردات النفط والغاز لمدة عام واحد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

أكّد مدير مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، الاثنين، أن تفاقم ظاهرة «إل نينيو» تسبّب بدرجات حرارة قياسية في منطقة رئيسية بالمحيط الهادئ خلال سبتمبر (أيلول)، وقد يُسهم في جعل هذا العام الأكثر حرّاً على الإطلاق على المستوى العالمي.

ويحذّر خبراء الأرصاد الجوية حول العالم منذ أشهر من أن ظاهرة «إل نينيو» الحالية قد تصبح الأقوى على الإطلاق، فيما تحطم الرقم القياسي الأخير حتى قبل بلوغ الظاهرة ذروتها المتوقعة في وقت لاحق من العام الحالي.

و«إل نينيو» هي مرحلة احترار ضمن دورة مناخية طبيعية تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائية بشكل مؤقت، ما يتسبب في تغيرات بأنماط الطقس قد تزيد مخاطر الجفاف والفيضانات وتفاقم الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري.

وأفاد مرصد «كوبرنيكوس» للمناخ بأن درجات حرارة سطح البحر في منطقة رئيسية لرصد ظاهرة «إل نينيو» في المحيط الهادئ تُعرف باسم «نينيو 3.4»، بلغت مستوى قياسياً غير مسبوق عند 29.70 درجة مئوية الشهر الماضي.

وتجاوزت هذه الحرارة المستويات القصوى المسجلة خلال موجات «إل نينيو» القوية السابقة في أعوام 1982-1983 و1997-1998 و2015-2016.

وقال مدير «كوبرنيكوس»، كارلو بونتمبو، لوكالة «فرانس برس»، إن «إل نينيو» هذا العام التي ظهرت في يونيو (حزيران) «استثنائية جداً»، لكن ما زال من المبكر تحديد إن كانت الأقوى التي يتم تسجيلها على الإطلاق.

ومع ارتفاع درجات حرارة المحيطات بفعل التغير المناخي، قد تبدو موجات «إل نينيو» الأخيرة أقوى من سابقاتها، ما يعقّد المقارنات التاريخية.

وأوضح مرصد «كوبرنيكوس» أنه اعتمد مؤشراً جديداً يأخذ في الاعتبار ارتفاع حرارة المحيطات الاستوائية، ويشير إلى أن الظاهرة الحالية لم تتجاوز بعد الموجات السابقة من حيث القوة.

وقال بونتمبو «إنه حدث كبير للغاية حتى وفق هذا المقياس، وهذه الظاهرة الكبيرة جداً تحدث اليوم في ظل مناخ أشد حرارة بكثير».

ولا يعتمد جميع خبراء الأرصاد الجوية المقياس نفسه لتقييم ظاهرة «إل نينيو».

لقطة من أعلى تُظهر المحاصيل بعد ظروف جفاف طويلة الأمد وذلك تزامناً مع إعلان الجمعية التشريعية في السلفادور حالة الطوارئ الوطنية بسبب تأثيرات ظاهرة «إل نينيو» (رويترز)

وأعلنت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية، الجمعة، أن ظاهرة «إل نينيو» بلغت «أعلى شدة مسجلة على الإطلاق».

ومع اشتداد «إل نينيو»، سجل متوسط درجات حرارة سطح البحر عالمياً مستوى قياسياً لشهر سبتمبر (أيلول) بلغ 21.05 درجة مئوية، متجاوزاً الرقم القياسي السابق للشهر نفسه المسجل في عام 2023 الذي بلغ 20.92 درجة مئوية، وفق «كوبرنيكوس».

وحذّر خبراء من أن «إل نينيو» هذه المرة، مصحوبة بالتغيّر المناخي المدفوع بالأنشطة البشرية، يمكن أن تجعل 2027 العام الأكثر حراً على الإطلاق مع انبعاث الحرارة المخزّنة في المحيط الهادئ إلى الجو.

وقد تتسبب الظاهرة الجوية التي تقع عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتدوم ما بين 9 أشهر و12 شهراً، برفع درجات الحرارة في العام التالي لتبلغ ذروتها.

لكن بونتمبو أشار إلى أن حتى العام 2026 يمكن أن يحطّم أرقاماً قياسية مع استعداد ظاهرة «إل نينيو» الحالية لبلوغ ذروتها.

وقال لـ«فرانس برس»: «إذا تابعنا النموذج الذي شهدناه في الماضي فقد ينتهي بنا المطاف بعام 2026 يحطّم الأرقام القياسية، متبوعاً بـ2027 يحطّم الأرقام القياسية» أيضاً.

وبعد شهر أغسطس (آب) الذي سجّل حرارة قياسية، سجل العالم عموماً ثاني أشد أشهر سبتمبر حرارة على الإطلاق، إذ بلغ متوسط درجة حرارة الهواء عند سطح الأرض 16.27 درجة مئوية، حسب المرصد الأوروبي.

وكانت درجات الحرارة في سبتمبر أعلى بمقدار 1.63 درجة مئوية من متوسط مستويات ما قبل الثورة الصناعية، أي الفترة الممتدة بين عامَي 1850 و1900.

وكان الشهر الثاني على التوالي الذي تجاوز فيه ارتفاع درجات الحرارة 1.5 درجة مئوية.

وقال بونتمبو إن درجات الحرارة ستبقى على الأرجح أعلى بـ1.5 درجة مئوية عن معدلها الطبيعي مطلع العام المقبل.

جعلت دورة «إل نينيو» الأخيرة عام 2024 العام الأكثر حرّاً على الإطلاق بعد عدة أشهر تجاوزت فيها الحرارة 1.5 درجة مئوية، حسب بونتمبو.

لكن في حين تلعب «إل نينيو» دوراً مهماً، فإن «السبب النهائي لارتفاع الحرارة وتجاوزها 1.5 درجة مئوية يعود إلى الانبعاثات البشرية لغازات الدفيئة»، على حد قوله.

واتفقت الدول خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في باريس في عام 2015 على إبقاء ارتفاع حرارة الأرض عند مستوى أقل بكثير من درجتَين مئويتَين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصره عند 1.5 درجة مئوية، للحد من تداعيات التغير المناخي.

لكن الأمم المتحدة أعلنت في سبتمبر أن العالم سيتجاوز خلال سنوات قليلة هدف حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية على المدى الطويل.

ويؤكد العلماء ضرورة خفض انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن الوقود الأحفوري لتقليص الفترة التي يتجاوز فيها الاحترار العالمي عتبة 1.5 درجة مئوية، وإعادة درجات الحرارة إلى ما دونها بأسرع وقت ممكن.


البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.