«الناتو» يوافق على «أكبر برنامج تسليح» منذ عقود

واشنطن تضغط على دول الحلف لرفع إنفاقها إلى 5 في المائة... وتعدّ منطقة المحيط الهادئ «أولوية»

بيت هيغسيث ينضمّ إلى صورة جماعية لوزراء دفاع «الناتو» ببروكسل يوم 5 يونيو (رويترز)
بيت هيغسيث ينضمّ إلى صورة جماعية لوزراء دفاع «الناتو» ببروكسل يوم 5 يونيو (رويترز)
TT

«الناتو» يوافق على «أكبر برنامج تسليح» منذ عقود

بيت هيغسيث ينضمّ إلى صورة جماعية لوزراء دفاع «الناتو» ببروكسل يوم 5 يونيو (رويترز)
بيت هيغسيث ينضمّ إلى صورة جماعية لوزراء دفاع «الناتو» ببروكسل يوم 5 يونيو (رويترز)

وافق حلف شمال الأطلسي «الناتو»، الخميس، على أكبر برنامج لإعادة التسليح منذ الحرب الباردة، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية». فيما أفاد وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الدول الأعضاء في الحلف باتت «قريبة جداً» من التوصل إلى اتفاق بشأن الإنفاق الدفاعي، قبيل قمة مقررة في وقت لاحق هذا الشهر، في مسعى للإيفاء بمطلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن تنفق كل دولة خمسة في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي.

برنامج إعادة التسلح

ينصّ برنامج إعادة التسلّح الأكبر في تاريخ الحلف، الذي نقلت تفاصيله «وكالة الأنباء الألمانية»، على توسيع هائل لقدرات الرّدع والدفاع خلال الأعوام المقبلة، في الوقت الذي تستمر فيه روسيا في تشكيل «خطر كبير» على التحالف العسكري الغربي.

وقال الأمين العام للحلف، مارك روته، إن الأولويات الرئيسية للبرنامج هي أنظمة الأسلحة البعيدة المدى والدفاع الجوي والقوات البرية المتنقلة. ويشمل برنامج إعادة التسلح أهدافاً مُحدّدة لقدرات عسكرية مختلفة، ويتمّ إعطاء كل دولة عضو تعليمات دقيقة بشأن ما يتعيّن عليها المساهمة به في أعمال الردع والدفاع المشتركة في المستقبل القريب. وتمّ وضع القدرات المطلوبة بناءً على خطط دفاعية جديدة. كما يؤخذ في الاعتبار تقييمات أجهزة الاستخبارات التي تشير إلى احتمالية أن تكون روسيا مستعدة لمهاجمة حليف في الناتو خلال أعوام قليلة، رغم حرب موسكو المستمرة ضد أوكرانيا.

تسوية حول مستويات الإنفاق

أكّد وزير الدفاع الأميركي، الخميس، لدول حلف شمال الأطلسي أنه «لا يمكنها الاعتماد على واشنطن» من أجل الدفاع، مطالباً إياها بالاتفاق على إنفاق 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. وقال هيغسيث لنظرائه في الناتو: «رسالتنا ستبقى واضحة. الرّدع والسلام من خلال القوة، لكن لا يمكن أن تكون هناك حالة اعتماد. لا يمكن، ولن يكون هناك اعتماد على أميركا في عالم مليء بالتهديدات».

وزير الدفاع الأميركي (يسار) والأمين العام للناتو يخاطبان الإعلام في بروكسل يوم 5 يونيو (د.ب.أ)

ويضغط الرئيس الأميركي على أعضاء الحلف للإعلان عن زيادة كبيرة في هدف موازناتها العسكرية خلال الاجتماع المقرر في 24 و25 يونيو (حزيران) في هولندا. وقال هيغسيث بعد اجتماع مع نظرائه في الناتو في بروكسل: «تتجاوز البلدان هنا نسبة 2 في المائة بكثير ونعتقد أنها قريبة جداً، وتقترب من التوافق، على التزام بشأن نسبة 5 في المائة للناتو في لاهاي في وقت لاحق هذا الشهر». وعرض الأمين العام للناتو مارك روته اتفاق تسوية، ينصّ على أن يُشكّل الإنفاق الدفاعي الأساسي 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2032، وأن تشكّل مجالات أوسع مرتبطة بالأمن، مثل البنى التحتية، 1.5 في المائة. وأضاف هيغسيث: «نعتقد في هذا الحلف أنه في غضون أسابيع، سنتعهّد بخمسة في المائة (...). 3.5 في المائة في القدرات العسكرية الصلبة، و1.5 في المائة للبنى التحتية والأنشطة المرتبطة بالدفاع». وتابع أن «هذا المزيج يمثّل التزاماً حقيقياً، ونعتقد أن بإمكان كل بلد زيادة الإنفاق».

ويدفع التهديد من روسيا، بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع حرب أوكرانيا والمخاوف حيال مدى التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا في عهد ترمب، الدول الأوروبية لزيادة ميزانياتها الدفاعية. ولفت عدد من الدبلوماسيين إلى أن روته يبدو في طريقه لضمان التوصل إلى اتفاق بالتزامن مع قمة لاهاي، لكن بعض الحلفاء ما زالوا مترددين حيال الالتزام بمستويات إنفاق كهذه.

اختلاف الأولويات

تغيّب هيغسيث عن اجتماع الأربعاء مع وزراء الدفاع الأوروبيين بشأن تنسيق المساعدات العسكرية لأوكرانيا، حيث خصص اليوم الأول من اجتماع الناتو لمساعدة كييف في حربها مع روسيا. وعدّ البعض غيابه عن الاجتماع رسالة واضحة عن المسافة التي باتت تفصل بين واشنطن وكييف، في الوقت الذي صرّح فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الأربعاء بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أبلغه في مكالمة هاتفية بأن موسكو ستضطر إلى الرد بقوة على الهجمات الأوكرانية الأخيرة، مما يُضعف احتمالات وقف الحرب التي بدأت في أوائل عام 2022.

شدّد وزير الدفاع الأميركي على ضرورة رفع الدول الأعضاء إنفاقها الدفاعي إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي يوم 5 يونيو (رويترز)

وحذّر هيغسيث من أن الحلفاء الأوروبيين يجب أن يُقدّموا الحصة الكبرى من المساعدات العسكرية المستقبلية لكييف، عاداً غرب منطقة المحيط الهادئ «مسرح العمليات ذات الأولوية» للبنتاغون. وكان هيغسيث قد أحدث هزّة في الناتو خلال زيارته الأخيرة، في فبراير (شباط)، عندما حذّر من أن واشنطن قد تسعى لخفض عدد قواتها في أوروبا للتركيز على التهديد الصيني. وهذه المرة، أشار هيغسيث إلى أنه «لن يستبق» أي قرارات لترمب في وقت تجري الولايات المتحدة مراجعة لانتشار قواتها حول العالم، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». وقال: «سنضمن تحوّلنا بشكل مناسب إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ وإعادة تأسيس ردع هناك. ومن ثم، سنزيد مشاركة العبء عبر العالم». وأضاف: «لا يمكن لأميركا أن تكون في كل مكان في الوقت نفسه، وينبغي ألا نكون كذلك».

سحب أسلحة دفاعية من كييف

كشفت تقارير إعلامية عن إرسال وزير الدفاع الأميركي مذكرة سرية، الشهر الماضي، إلى الكونغرس، يطلب فيها الإذن من خلية الاستحواذ السريع المشتركة، وهي مكتب تابع للبنتاغون يضمن تلبية احتياجات القادة من الأسلحة، لاستعادة الصمامات الخاصة بالصواريخ التي قدمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا.

رجال إنقاذ أوكرانيون يعملون على إخماد حريق اندلع في مبنى إثر غارة جوية على خاركيف في 4 يونيو (أ.ف.ب)

وهذه الصمامات مخصصة لنظام أسلحة الاستهداف الدقيق المتقدم. وقد زودت الولايات المتحدة أوكرانيا بهذه التكنولوجيا لبضع سنوات، واستخدمها الأوكرانيون في نظام صواريخ أرض - جو للدفاع ضد الطائرات الروسية دون طيار.

وأبلغ البنتاغون لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، في رسالة لم يُكشف عنها سابقاً، أن حاجة الجيش الأميركي إلى الصمامات كانت «مسألة عاجلة حدّدها وزير الدفاع»، حيث تستعد وحدات القوات الجوية الأميركية في الشرق الأوسط لصراع محتمل مع إيران أو تجدّد القتال مع الحوثيين في اليمن. ويقول مؤيدو هذه الخطوة إن البنتاغون يتمتع بالمرونة اللازمة لاتخاذ مثل هذا الإجراء بموجب مشروع قانون الإنفاق العسكري الطارئ الذي تم إقراره العام الماضي. لكنها في المقابل أثارت مخاوف مؤيدي أوكرانيا في الكونغرس، الذين يقولون إن البنتاغون لم يوضح تأثير هذه الخطوة على الدفاعات الأوكرانية، وما إذا كانت حاجة القوات الجوية الأميركية إليها ملحة.

ونقل موقع «أكسيوس»، الخميس، عن مصدر مطلع قوله إن الرئيس ترمب وصف الهجوم الجريء بالطائرات المسيّرة الذي نفذته أوكرانيا على قواعد عسكرية روسية ليل السبت - الأحد الماضي، بأنه كان «قوياً» و«مذهلاً» لكنه قلق بشأن العواقب. وأضاف المصدر أن ترمب يعتقد أن الهجوم الأوكراني قد يدفع بوتين للرد بقوة مما قد يعطل مبادرته الدبلوماسية لوقف الحرب. وأشار المصدر إلى أن أحد أسباب قلق البيت الأبيض من هجوم أوكرانيا هو استهدافه لقاذفات استراتيجية بعيدة المدى قادرة على حمل أسلحة نووية، وهي جزء أساسي من الردع النووي الروسي، عادّاً أن «هذه نقطة بالغة الخطورة».

الاستعداد للتفوق على روسيا

وكان سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى «الناتو» ماثيو ويتاكر، قد أعلن الأربعاء، أنه يتعين على حلف شمال الأطلسي أن يتفوق عسكرياً على روسيا التي تستعد فعلياً لصراع جديد محتمل. وأوضح خلال مؤتمر صحافي: «نرى بالفعل أن الكرملين يسعى لإعادة بناء جيشه. يجب أن يتجاوز الحلفاء روسيا».

جانب من اجتماع وزراء دفاع الناتو في بروكسل يوم 5 يونيو (د.ب.أ)

وأضاف: «تستعد موسكو بالفعل لخطوتها التالية»، مشدداً على أنه، في مواجهة هذه التهديدات الروسية، لم يكن أمام دول حلف الناتو «أي خيار». وتابع: «لنكن واضحين، لقد حان الوقت» لزيادة النفقات العسكرية.

ومن جانبه، أكد الأمين العام للحلف مارك روته أن «التهديد الروسي موجود. وسيستمر لفترة طويلة، والروس في الوقت الحالي يعيدون تجهيز قواتهم بوتيرة متسارعة... ينتجون في ثلاثة أشهر ما ينتجه حلف الناتو بأكمله في عام واحد».

وتكشف تقارير وكالات استخبارات غربية عدة، عن أن روسيا ستعيد تشكيل قواتها العسكرية خلال خمس أو سبع سنوات لتكون قادرة على مهاجمة دولة من دول الحلف. وذكّر السفير الأميركي بالطلب الذي قدمه الرئيس دونالد ترمب مراراً وتكراراً، وهو التزام الدول الـ32 الأعضاء في الناتو بتخصيص ما لا يقل عن 5 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع. وأضاف ويتاكر: «نحتاج إلى حلف مبني لمواجهة تهديدات عام 2025 وما بعده، وليس لساحات معارك الأمس».


مقالات ذات صلة

إردوغان يؤكّد رفض تركيا الانجرار إلى الحرب

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

إردوغان يؤكّد رفض تركيا الانجرار إلى الحرب

أكّد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أن بلاده لن تنجرَّ إلى الحرب الدائرة بين إيران، وإسرائيل والولايات المتحدة، لافتاً إلى استعدادها لمواجهة جميع التهديدات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية جزء من حطام صاروخ باليستي إيراني سقط بهطاي جنوب تركيا في 4 مارس الحالي بعد تصدي دفاعات حلف شمال الأطلسي (الناتو) له (رويترز)

دفاعات «الناتو» تُدمّر صاروخاً ثالثاً دخل مجال تركيا الجوي من إيران

أكّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن بلاده تقود حراكاً دبلوماسياً مكثفاً لاحتواء دوامة العنف التي تتمحور حول إيران، والتي تنطوي على خطر جر المنطقة إلى «كارثة».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أفراد من الجيش التركي وقوات الأمن يفتشون حقلاً بعد سقوط قطعة ذخيرة إثر اعتراض منظومة دفاع جوي تابعة لحلف الناتو صاروخاً أُطلق من إيران... في ديار بكر بتركيا 9 مارس 2026 (رويترز)

دفاعات «الناتو» تعترض صاروخاً ثالثاً أُطلق من إيران نحو تركيا

قالت وزارة الدفاع التركية، الجمعة، إن الدفاعات الجوية لحلف الناتو المتمركزة في شرق البحر المتوسط اعترضت صاروخاً باليستياً ثالثاً أُطلق من إيران باتجاه تركيا.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
أوروبا كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي تصل إلى مبنى المجلس الأوروبي في بروكسل بلجيكا 5 مارس 2026 (أ.ب)

كالاس: الولايات المتحدة تريد «تقسيم أوروبا»

قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إن الولايات المتحدة تسعى إلى «تقسيم أوروبا» ولا «تحب الاتحاد الأوروبي».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شؤون إقليمية طائرات مقاتلة من طراز «إف - 16» تابعة لسلاح الجو الأميركي في قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا (رويترز - أرشيفية)

صافرات الإنذار تدوي في قاعدة إنجرليك الجوية التابعة للناتو في جنوب تركيا

دوّت صافرات الإنذار في قاعدة إنجرليك الجوية التركية، وهي منشأة رئيسية تابعة لحلف الناتو، حيث تتمركز القوات الأميركية قرب مدينة أضنة في جنوب شرق البلاد.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.