«الناتو» يوافق على «أكبر برنامج تسليح» منذ عقود

واشنطن تضغط على دول الحلف لرفع إنفاقها إلى 5 في المائة... وتعدّ منطقة المحيط الهادئ «أولوية»

بيت هيغسيث ينضمّ إلى صورة جماعية لوزراء دفاع «الناتو» ببروكسل يوم 5 يونيو (رويترز)
بيت هيغسيث ينضمّ إلى صورة جماعية لوزراء دفاع «الناتو» ببروكسل يوم 5 يونيو (رويترز)
TT

«الناتو» يوافق على «أكبر برنامج تسليح» منذ عقود

بيت هيغسيث ينضمّ إلى صورة جماعية لوزراء دفاع «الناتو» ببروكسل يوم 5 يونيو (رويترز)
بيت هيغسيث ينضمّ إلى صورة جماعية لوزراء دفاع «الناتو» ببروكسل يوم 5 يونيو (رويترز)

وافق حلف شمال الأطلسي «الناتو»، الخميس، على أكبر برنامج لإعادة التسليح منذ الحرب الباردة، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية». فيما أفاد وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الدول الأعضاء في الحلف باتت «قريبة جداً» من التوصل إلى اتفاق بشأن الإنفاق الدفاعي، قبيل قمة مقررة في وقت لاحق هذا الشهر، في مسعى للإيفاء بمطلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن تنفق كل دولة خمسة في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي.

برنامج إعادة التسلح

ينصّ برنامج إعادة التسلّح الأكبر في تاريخ الحلف، الذي نقلت تفاصيله «وكالة الأنباء الألمانية»، على توسيع هائل لقدرات الرّدع والدفاع خلال الأعوام المقبلة، في الوقت الذي تستمر فيه روسيا في تشكيل «خطر كبير» على التحالف العسكري الغربي.

وقال الأمين العام للحلف، مارك روته، إن الأولويات الرئيسية للبرنامج هي أنظمة الأسلحة البعيدة المدى والدفاع الجوي والقوات البرية المتنقلة. ويشمل برنامج إعادة التسلح أهدافاً مُحدّدة لقدرات عسكرية مختلفة، ويتمّ إعطاء كل دولة عضو تعليمات دقيقة بشأن ما يتعيّن عليها المساهمة به في أعمال الردع والدفاع المشتركة في المستقبل القريب. وتمّ وضع القدرات المطلوبة بناءً على خطط دفاعية جديدة. كما يؤخذ في الاعتبار تقييمات أجهزة الاستخبارات التي تشير إلى احتمالية أن تكون روسيا مستعدة لمهاجمة حليف في الناتو خلال أعوام قليلة، رغم حرب موسكو المستمرة ضد أوكرانيا.

تسوية حول مستويات الإنفاق

أكّد وزير الدفاع الأميركي، الخميس، لدول حلف شمال الأطلسي أنه «لا يمكنها الاعتماد على واشنطن» من أجل الدفاع، مطالباً إياها بالاتفاق على إنفاق 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. وقال هيغسيث لنظرائه في الناتو: «رسالتنا ستبقى واضحة. الرّدع والسلام من خلال القوة، لكن لا يمكن أن تكون هناك حالة اعتماد. لا يمكن، ولن يكون هناك اعتماد على أميركا في عالم مليء بالتهديدات».

وزير الدفاع الأميركي (يسار) والأمين العام للناتو يخاطبان الإعلام في بروكسل يوم 5 يونيو (د.ب.أ)

ويضغط الرئيس الأميركي على أعضاء الحلف للإعلان عن زيادة كبيرة في هدف موازناتها العسكرية خلال الاجتماع المقرر في 24 و25 يونيو (حزيران) في هولندا. وقال هيغسيث بعد اجتماع مع نظرائه في الناتو في بروكسل: «تتجاوز البلدان هنا نسبة 2 في المائة بكثير ونعتقد أنها قريبة جداً، وتقترب من التوافق، على التزام بشأن نسبة 5 في المائة للناتو في لاهاي في وقت لاحق هذا الشهر». وعرض الأمين العام للناتو مارك روته اتفاق تسوية، ينصّ على أن يُشكّل الإنفاق الدفاعي الأساسي 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2032، وأن تشكّل مجالات أوسع مرتبطة بالأمن، مثل البنى التحتية، 1.5 في المائة. وأضاف هيغسيث: «نعتقد في هذا الحلف أنه في غضون أسابيع، سنتعهّد بخمسة في المائة (...). 3.5 في المائة في القدرات العسكرية الصلبة، و1.5 في المائة للبنى التحتية والأنشطة المرتبطة بالدفاع». وتابع أن «هذا المزيج يمثّل التزاماً حقيقياً، ونعتقد أن بإمكان كل بلد زيادة الإنفاق».

ويدفع التهديد من روسيا، بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع حرب أوكرانيا والمخاوف حيال مدى التزام الولايات المتحدة بأمن أوروبا في عهد ترمب، الدول الأوروبية لزيادة ميزانياتها الدفاعية. ولفت عدد من الدبلوماسيين إلى أن روته يبدو في طريقه لضمان التوصل إلى اتفاق بالتزامن مع قمة لاهاي، لكن بعض الحلفاء ما زالوا مترددين حيال الالتزام بمستويات إنفاق كهذه.

اختلاف الأولويات

تغيّب هيغسيث عن اجتماع الأربعاء مع وزراء الدفاع الأوروبيين بشأن تنسيق المساعدات العسكرية لأوكرانيا، حيث خصص اليوم الأول من اجتماع الناتو لمساعدة كييف في حربها مع روسيا. وعدّ البعض غيابه عن الاجتماع رسالة واضحة عن المسافة التي باتت تفصل بين واشنطن وكييف، في الوقت الذي صرّح فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الأربعاء بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أبلغه في مكالمة هاتفية بأن موسكو ستضطر إلى الرد بقوة على الهجمات الأوكرانية الأخيرة، مما يُضعف احتمالات وقف الحرب التي بدأت في أوائل عام 2022.

شدّد وزير الدفاع الأميركي على ضرورة رفع الدول الأعضاء إنفاقها الدفاعي إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي يوم 5 يونيو (رويترز)

وحذّر هيغسيث من أن الحلفاء الأوروبيين يجب أن يُقدّموا الحصة الكبرى من المساعدات العسكرية المستقبلية لكييف، عاداً غرب منطقة المحيط الهادئ «مسرح العمليات ذات الأولوية» للبنتاغون. وكان هيغسيث قد أحدث هزّة في الناتو خلال زيارته الأخيرة، في فبراير (شباط)، عندما حذّر من أن واشنطن قد تسعى لخفض عدد قواتها في أوروبا للتركيز على التهديد الصيني. وهذه المرة، أشار هيغسيث إلى أنه «لن يستبق» أي قرارات لترمب في وقت تجري الولايات المتحدة مراجعة لانتشار قواتها حول العالم، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». وقال: «سنضمن تحوّلنا بشكل مناسب إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ وإعادة تأسيس ردع هناك. ومن ثم، سنزيد مشاركة العبء عبر العالم». وأضاف: «لا يمكن لأميركا أن تكون في كل مكان في الوقت نفسه، وينبغي ألا نكون كذلك».

سحب أسلحة دفاعية من كييف

كشفت تقارير إعلامية عن إرسال وزير الدفاع الأميركي مذكرة سرية، الشهر الماضي، إلى الكونغرس، يطلب فيها الإذن من خلية الاستحواذ السريع المشتركة، وهي مكتب تابع للبنتاغون يضمن تلبية احتياجات القادة من الأسلحة، لاستعادة الصمامات الخاصة بالصواريخ التي قدمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا.

رجال إنقاذ أوكرانيون يعملون على إخماد حريق اندلع في مبنى إثر غارة جوية على خاركيف في 4 يونيو (أ.ف.ب)

وهذه الصمامات مخصصة لنظام أسلحة الاستهداف الدقيق المتقدم. وقد زودت الولايات المتحدة أوكرانيا بهذه التكنولوجيا لبضع سنوات، واستخدمها الأوكرانيون في نظام صواريخ أرض - جو للدفاع ضد الطائرات الروسية دون طيار.

وأبلغ البنتاغون لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، في رسالة لم يُكشف عنها سابقاً، أن حاجة الجيش الأميركي إلى الصمامات كانت «مسألة عاجلة حدّدها وزير الدفاع»، حيث تستعد وحدات القوات الجوية الأميركية في الشرق الأوسط لصراع محتمل مع إيران أو تجدّد القتال مع الحوثيين في اليمن. ويقول مؤيدو هذه الخطوة إن البنتاغون يتمتع بالمرونة اللازمة لاتخاذ مثل هذا الإجراء بموجب مشروع قانون الإنفاق العسكري الطارئ الذي تم إقراره العام الماضي. لكنها في المقابل أثارت مخاوف مؤيدي أوكرانيا في الكونغرس، الذين يقولون إن البنتاغون لم يوضح تأثير هذه الخطوة على الدفاعات الأوكرانية، وما إذا كانت حاجة القوات الجوية الأميركية إليها ملحة.

ونقل موقع «أكسيوس»، الخميس، عن مصدر مطلع قوله إن الرئيس ترمب وصف الهجوم الجريء بالطائرات المسيّرة الذي نفذته أوكرانيا على قواعد عسكرية روسية ليل السبت - الأحد الماضي، بأنه كان «قوياً» و«مذهلاً» لكنه قلق بشأن العواقب. وأضاف المصدر أن ترمب يعتقد أن الهجوم الأوكراني قد يدفع بوتين للرد بقوة مما قد يعطل مبادرته الدبلوماسية لوقف الحرب. وأشار المصدر إلى أن أحد أسباب قلق البيت الأبيض من هجوم أوكرانيا هو استهدافه لقاذفات استراتيجية بعيدة المدى قادرة على حمل أسلحة نووية، وهي جزء أساسي من الردع النووي الروسي، عادّاً أن «هذه نقطة بالغة الخطورة».

الاستعداد للتفوق على روسيا

وكان سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى «الناتو» ماثيو ويتاكر، قد أعلن الأربعاء، أنه يتعين على حلف شمال الأطلسي أن يتفوق عسكرياً على روسيا التي تستعد فعلياً لصراع جديد محتمل. وأوضح خلال مؤتمر صحافي: «نرى بالفعل أن الكرملين يسعى لإعادة بناء جيشه. يجب أن يتجاوز الحلفاء روسيا».

جانب من اجتماع وزراء دفاع الناتو في بروكسل يوم 5 يونيو (د.ب.أ)

وأضاف: «تستعد موسكو بالفعل لخطوتها التالية»، مشدداً على أنه، في مواجهة هذه التهديدات الروسية، لم يكن أمام دول حلف الناتو «أي خيار». وتابع: «لنكن واضحين، لقد حان الوقت» لزيادة النفقات العسكرية.

ومن جانبه، أكد الأمين العام للحلف مارك روته أن «التهديد الروسي موجود. وسيستمر لفترة طويلة، والروس في الوقت الحالي يعيدون تجهيز قواتهم بوتيرة متسارعة... ينتجون في ثلاثة أشهر ما ينتجه حلف الناتو بأكمله في عام واحد».

وتكشف تقارير وكالات استخبارات غربية عدة، عن أن روسيا ستعيد تشكيل قواتها العسكرية خلال خمس أو سبع سنوات لتكون قادرة على مهاجمة دولة من دول الحلف. وذكّر السفير الأميركي بالطلب الذي قدمه الرئيس دونالد ترمب مراراً وتكراراً، وهو التزام الدول الـ32 الأعضاء في الناتو بتخصيص ما لا يقل عن 5 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع. وأضاف ويتاكر: «نحتاج إلى حلف مبني لمواجهة تهديدات عام 2025 وما بعده، وليس لساحات معارك الأمس».


مقالات ذات صلة

تركيا تقترح تشغيل منظومة «إس - 400» الروسية مستقلة عن «الناتو»

شؤون إقليمية منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400» (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

تركيا تقترح تشغيل منظومة «إس - 400» الروسية مستقلة عن «الناتو»

اقترحت تركيا تشغيل منظومة الدفاع الجوي الصاروخي الروسية «إس-400» بشكل مستقل عن أنظمة «حلف الناتو» لحل الخلاف مع الولايات المتحدة

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا كيم جونغ أون يزور موقع بناء غواصة تعمل بالطاقة النووية قادرة على إطلاق صواريخ «بحر - جو» (رويترز) p-circle

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا... النقاشات حولها تتزايد مع دخول حرب أوكرانيا عامها الخامس

رائد جبر (موسكو)
أوروبا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس خلال زيارته لأنقرة 11 فبراير الماضي (الرئاسة التركية)

تركيا تحذر من المساس بوضع جزر بحر إيجه منزوعة السلاح

حذرت تركيا من عواقب المساس بالوضع القانوني لجزر بحر إيجه منزوعة السلاح المحدد في إطار معاهدتي لوزان وباريس للسلام.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية نازحون معظمهم من الإيرانيين ينتظرون بعد عبورهم من إيران عند معبر في مقاطعة فان الشرقية بتركيا يوم 5 مارس 2026 (أ.ب)

«الناتو» يؤكد أن إيران استهدفت تركيا بصاروخ

أكد متحدث باسم «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن صاروخاً باليستياً أطلقته إيران استهدف تركيا بالفعل.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا قادة «الترويكا الأوروبية» مع الرئيس الأوكراني عند مدخل مقر رئاسة الوزراء البريطانية في لندن الاثنين (أ.ف.ب) p-circle

تأجيل المحادثات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا بوساطة أميركية إلى أجل غير مسمى

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قال: «في الوقت الراهن، وبسبب الوضع المحيط بإيران، لا توجد بعد المؤشرات اللازمة لعقد اجتماع ثلاثي».

«الشرق الأوسط» (لندن)

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.