علّمته الرماية فَلَمّا اشتدّ ساعده...

طائرة أميركية تحلق فوق سفينة سوفياتية خلال أزمة الصواريخ الكوبية (أرشيفية - بي بي سي)
طائرة أميركية تحلق فوق سفينة سوفياتية خلال أزمة الصواريخ الكوبية (أرشيفية - بي بي سي)
TT

علّمته الرماية فَلَمّا اشتدّ ساعده...

طائرة أميركية تحلق فوق سفينة سوفياتية خلال أزمة الصواريخ الكوبية (أرشيفية - بي بي سي)
طائرة أميركية تحلق فوق سفينة سوفياتية خلال أزمة الصواريخ الكوبية (أرشيفية - بي بي سي)

يعتبر الفيلسوف الأميركي كارل بوبر أن كل حياة هي عبارة عن حلّ للمشكلات. ففي كلّ مرّة نجد الحلّ لمشكلة ما، فإن هذا الحل سيُنتج حتماً مشكلاته المستقبليّة. نحصّن الدار خوفاً من اللصوص ولحماية ما نملك. لكننا في المقابل نخلق مشكلة سهولة الخروج منه في حال شبّ حريق في الداخل. عندما نملك القوّة، نسيطر على المساحة. وعندما تكبر المساحة تضعُف القوّة. من هنا نبتكر الاستراتيجيات لمزج الأهداف بالوسائل المتوفرة. لكن ابتكار الاستراتيجيات يخلق بحدّ ذاته مشكلات جديدة لم نكن نتوقّعها.

تعتبر سلسلة جبال الهملايا الحاجز الأهم بين الهند والصين. فهي تُخفّض حدّة الصراع، كما تمنع الاشتباك المباشر بين دولتين نوويّتين، وهما الأكبر سكانيّا في العالم. لكن الهملايا تمنع الهند من الدخول إلى قلب السهل الأوراسيّ. كما تمنع الصين من الوصول إلى المحيط الهندي مباشرة. لذلك تعتمد الدولتان الاقتراب غير المباشر للتعامل مع هذا العائق. تلتف الصين على الهند، وذلك عبر مشروع الرئيس الصينيّ الحزام والطريق، الأمر الذي قد يُطوّق الهند من كلّ الجهّات.

نقطة حدودية هندية بالقرب من الحدود مع الصين (أرشيفية - أ.ف.ب)

تردّ الهند على المشروع الصينيّ عبر اعتماد تحالفات غير مُلزمة حتى الآن مع الولايات المتحدة الأميركيّة - الكواد (Quad). أو عبر تحالفات متفرّقة مع المحيط المباشر، لكن شرط أن تتجاوز هذه التحالفات كلّاً من باكستان العدو اللدود للهند، كما تتجاوز الصين. من هنا الاتفاق الهندي – الإيرانيّ حول مرفأ شهبهار. باختصار لا تزال الجغرافيا تُحدّد الاستراتيجيات الكبرى وحتى إشعار آخر. فهي الحلّ، وهي المشكلة في نفس الوقت.

تقرّبت أميركا من الصين أيام الرئيس نيكسون بهدف تقسيم العالم الشيوعيّ وتفكيكه، معتبرة أن هذه الاستراتيجيّة سوف تؤدّي إلى إضعاف الاتحاد السوفياتيّ كحلّ سحريّ. خلق هذا الحل نتائج غير متوقّعة، كما خلق مشاكله الخاصة. بعد الانفتاح على الصين، قد يمكن القول إن العالم لم يعد ثنائيّ الأقطاب. مهّد هذا الانفتاح مع حكم الرئيس الصيني الراحل دنغ شياوبنغ إلى الصين الحاليّةـ والتي تنافس من علّمها الرماية.

تفرض الجغرافيا على الولايات المتحدة الأميركيّة أغلب الاستراتيجيّات الكبرى التي رسمتها، وذلك منذ أن وعت أميركا دورها، قوّتها، ثرواتها وموقعها العالميّ. ومن يقول إن لدى الولايات المتحدة الأميركيّة ميولاً مؤثّرة نحو الانعزال عن العالم (Isolationism) فهو مخطئ، لأن الجغرافيا لا تسمح لها بالانعزال. فهي دولة تطلّ على آسيا عبر المحيط الهادئ. كما تطلّ على أوروبا عبر الأطلسيّ. لذلك يُطلق عليها دولة بمحيطين (2 - Ocean Country). هذا بالإضافة إلى الإطلالة على المحيط المتجمّد الشمالي. أنتجت الجغرافيا الأميركيّة ثقافة استراتيجيّة مستمرّة في الجوهر، لكن مع اختلاف في الشكل، وهي:

أن تبقى أميركا متواجدة في كلّ من شرق آسيا، كما في القارة العجوز.

أن تمنع أميركا حتى ولو بالقوّة هيمنة دولة واحدة في كل من المنطقتين.

أن تمنع أميركا أيّ قوّة عظمى أو كبرى من تأسيس أيّ وجود لها في المحيط المباشر للقارة الأميركيّة (الأزمة الكوبيّة العام 1962).

الرئيسان الروسي والصيني يتفقدان حرس الشرف في بكين (أرشيفية - د.ب.أ)

إن أميركا تملك أهم قوّة بحريّة، حسب ما نصح الرئيس الأميركيّ جورج واشنطن

وعليه، تدخّلت أميركا في الحربين الأولى والثانية، وذلك لمنع ألمانيا من الهيمنة على القارة العجوز. كما تدخّلت ضد اليابان في الحرب الثانية لمنعها من خلق منطقة نفوذ تمتد من الجزر اليابانيّة، وحتى مضيق مالاكا. وهي تتدخّل حاليا في أوكرانيا لمنع روسيا من الهيمنة على أوروبا بعد السيطرة على أوكرانيا. كما تسعى لإنشاء أحلاف جديدة حول الصين لمنعها من الهيمنة على كل شرق آسيا.

صراع الأيديولوجيا والجيوسياسة

يتحدّث الرئيس الأميركيّ جو بايدن عن تحالف الديمقراطيات ضد تحالف الأوتوقراطيات في العالم. تعتبر أميركا قوّة الستاتيكو في العالم، لأنها تريد الحفاظ على النظام العالمي الذي بنته هي بعد الحرب العالمية الثانية. يسعى الرئيس بوتين إلى خلق نظام عالميّ جديد، لا يُهمين عليه الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة الأميركيّة. من هنا التحالف غير المُعلن بينه وبين الرئيس الصينيّ، كما زيارته الأخيرة إلى بكين. وبذلك، تتكوّن وتتظهّر المعادلات التالية:

لا يمكن لأميركا أن تستمر في الدفاع عن نظامها العالميّ. عليها أن تبدأ بوضع الأولويّات، وذلك بالتخلّي عن أمكنة ما، والتشبّث بأمكنة أخرى لا تضرب مُسلّماتها الجيوسياسيّة.

لا يمكن لأميركا التخلّي عن شرق آسيا، كما عن أوروبا، وهي تُعيد ترتيب التحالفات القديمة، وتحديثها للتعامل مع المتغيّرات الجيوسياسيّة. وهي حتى الآن مهيمنة عسكريّاً في منطقة الشرق الأوسط، وهي المنطقة الأكثر اضطراباً، والتي تعكس فعليّاً حالة النظام العالميّ المهترئة.

يتظهّر حالياً تحالف كبير في السهل الأوراسيّ. مركز الثقل في هذا التحالف هو الصين، تليها روسيا ومن ثمّ إيران وكوريا الشماليّة. ما يجمع هذه الدول هو العداء الأكيد للولايات المتحدة الأميركيّة. لكن الصورة الصغرى تُظهّر الكثير من التباينات. ما تريده الصين من العالم الغربيّ هو غير ما تريده روسيا في صراعها مع الغرب. حتى أن الهرميّة بين روسيا والصين هي مسألة تستلزم الدرس. فمن هو اللاعب الكبير (Senior)؟ ومن هو اللاعب الجونيور (Junior)؟ خاصة أن عملية إنتاج الثروة في الصين حتى الآن تكمن في التصدير إلى الأسواق الغربيّة. بينما تكمن صناعة الثروة في روسيا في بيع الطاقة للصين كي تنتج هذه الأخيرة لتُصدّر بعدها إنتاجها إلى الغرب.

قدّم الرئيس الصيني الراحل دنغ شياوبنغ إلى من سيخلفه في قيادة الصين النصائح التالية: راقب بهدوء، أمّن موقفنا، تعامل مع الأمور بهدوء، أخفِ قدراتك وانتظر وقتنا، كن جيداً في الابتعاد عن الأضواء، ولا تدعي القيادة أبداً. وهو الذي قال مرّة إنه عند عبور النهر لا بدّ من تحسّس الحصى في القعر. فهل تغيّرت ظروف هذه النصائح اليوم؟ وهل نحن أمام ما سُمّي «بفخ توسيديدس»، أي المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma)؟ والتي قد تؤدّي إلى حرب عالمية ثالثة؟


مقالات ذات صلة

اليونان تسعى للحصول على صور إعدام النازيين لعدد من مواطنيها

أوروبا علم اليونان (رويترز)

اليونان تسعى للحصول على صور إعدام النازيين لعدد من مواطنيها

قالت اليونان إنها ستحاول الحصول على صور تظهر على ما يبدو اللحظات الأخيرة لـ200 مواطن يوناني أعدمتهم فرقة إعدام نازية في أثينا خلال الحرب العالمية الثانية.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
تحليل إخباري تظهر كلمة «الذكاء الاصطناعي» ونموذج مصغّر لروبوت والعلم الأميركي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

تحليل إخباري الذكاء الاصطناعي في الحرب الحديثة... ماذا عن «الداتا» المسمومة؟

يهدف الذكاء الاصطناعي إلى تسريع اتخاذ القرار في الحرب، واختيار أفضل وسيلة عسكرية للتعامل مع هدف ما. فماذا لو كانت المعلومة عن الهدف خاطئة بناء على «داتا» مسمومة

المحلل العسكري (لندن)
أوروبا قنبلة من الحرب العالمية الثانية (أ.ف.ب)

إزالة قنبلة من الحرب العالمية الثانية زنتها نصف طن من ورشة في بلغراد

أعلنت الشرطة الصربية عن إزالة قنبلة جوية تبلغ زنتها 470 كيلوغراماً تعود إلى الحرب العالمية الثانية من ورشة بناء في وسط العاصمة بلغراد.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
أوروبا المكان المخصص في مقبرة كتابوي لعائلة فرنكو بمدينة فيرول مسقط رأس الديكتاتور (رويترز)

خمسون عاماً على رحيل فرنكو

منذ خمسين عاماً، طوت إسبانيا صفحة الجنرال فرنسيسكو فرنكو الذي قاد أطول نظام ديكتاتوري في تاريخ أوروبا الغربية الحديث

شوقي الريّس (مدريد)
أوروبا الرئيس الروسي السابق ونائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي دميتري ميدفيديف (أرشيفية - أ.ب)

ميدفيديف يتهم فنلندا بالاستعداد للحرب

اتهم نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس الروسي السابق دميتري ميدفيديف فنلندا بالمضي في مسار الحرب ضد روسيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

«المنظمة البحرية الدولية» تدعو لاجتماع طارئ بشأن مضيق هرمز

زورق تابع لخفر سواحل شرطة سلطنة عُمان خلال دورية بالقرب من مضيق هرمز في مسقط بعُمان 12 مارس 2026 (رويترز)
زورق تابع لخفر سواحل شرطة سلطنة عُمان خلال دورية بالقرب من مضيق هرمز في مسقط بعُمان 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

«المنظمة البحرية الدولية» تدعو لاجتماع طارئ بشأن مضيق هرمز

زورق تابع لخفر سواحل شرطة سلطنة عُمان خلال دورية بالقرب من مضيق هرمز في مسقط بعُمان 12 مارس 2026 (رويترز)
زورق تابع لخفر سواحل شرطة سلطنة عُمان خلال دورية بالقرب من مضيق هرمز في مسقط بعُمان 12 مارس 2026 (رويترز)

أعلنت «المنظمة البحرية الدولية»، الخميس، عقد اجتماع طارئ، الأسبوع المقبل؛ لمناقشة التهديدات التي تُواجه الملاحة في الشرق الأوسط، ولا سيما في مضيق هرمز.

وطلبت ست من الدول الأعضاء الأربعين في «المنظمة»، هي بريطانيا ومصر وفرنسا والمغرب وقطر والإمارات العربية المتحدة، عقد الاجتماع المقرر في مقرها بلندن، يوميْ 18 و19 مارس (آذار).

يأتي ذلك وسط مخاوف من انقطاع إمدادات الطاقة العالمية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعارها بشكل حاد.

وبات مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط يومياً، مغلقاً فعلياً؛ على خلفية التهديدات الإيرانية.

واستهدف هجوم، الخميس، ناقلتيْ نفط قبالة العراق، وأسفر عن مقتل شخص، بينما اندلع حريق في سفينة شحن بعد إصابتها بشظايا.

صورة ملتقَطة في 11 مارس 2026 تُظهر دخاناً يتصاعد من ناقلة تايلاندية تعرضت لهجوم بمضيق هرمز الحيوي (أ.ف.ب)

ودعا المرشد الإيراني الجديد مجتبى، الخميس، إلى «الاستمرار في استخدام ورقة إغلاق مضيق هرمز»، في حين صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن إيقاف «إمبراطورية الشر» الإيرانية أهم من أسعار النفط.

ووسط تصعيدٍ متسارع على عدة جبهات بالشرق الأوسط، أكَّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب قدرة الولايات المتحدة على جعل إعادة بناء إيران أمراً «شِبه مستحيل»، مشيراً إلى أن طهران تقترب من نقطة الهزيمة، بينما حدَّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان شروطاً لإنهاء الحرب، داعياً إلى تقديم ضمانات دولية تكفل وقفاً دائماً للهجمات، ودفع تعويضات، مع تأكيد ضرورة الاعتراف بـ«الحقوق المشروعة» لإيران.


روسيا تُندد بتصريحات ترمب حول «السيطرة» على كوبا

صورة نشرتها الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عبر حسابها على «تلغرام»
صورة نشرتها الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عبر حسابها على «تلغرام»
TT

روسيا تُندد بتصريحات ترمب حول «السيطرة» على كوبا

صورة نشرتها الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عبر حسابها على «تلغرام»
صورة نشرتها الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا عبر حسابها على «تلغرام»

ندّدت روسيا، اليوم ​الخميس، بما وصفته بأنه ابتزاز وتهديدات من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي قال إن ‌الولايات المتحدة ‌قد ​تبدأ «السيطرة» ‌على كوبا، ​وهي حليفة لموسكو.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن موسكو ستُقدم لكوبا كل ما ‌تستطيع ‌من ​دعم ‌سياسي ودبلوماسي، ودعت ‌إلى إيجاد حل دبلوماسي للتوتر مع واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال ترمب، يوم ‌الاثنين، إن كوبا في «مشكلة عميقة»، وإن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتولى التعامل مع هذا الملف، الذي قد يفضي أو لا يفضي إلى «سيطرة ​ودية».


الحرب الأولى بالذكاء الاصطناعي: ضحايا مدنيون واختبارات غير مسبوقة للتكنولوجيا العسكرية

متطوعون وفرق إنقاذ في موقع الضربة التي أصابت المدرسة في ميناب (رويترز)
متطوعون وفرق إنقاذ في موقع الضربة التي أصابت المدرسة في ميناب (رويترز)
TT

الحرب الأولى بالذكاء الاصطناعي: ضحايا مدنيون واختبارات غير مسبوقة للتكنولوجيا العسكرية

متطوعون وفرق إنقاذ في موقع الضربة التي أصابت المدرسة في ميناب (رويترز)
متطوعون وفرق إنقاذ في موقع الضربة التي أصابت المدرسة في ميناب (رويترز)

تثير العملية العسكرية الأخيرة في إيران، التي أُطلق عليها اسم «الغضب الملحمي»، جدلاً واسعاً حول دور الذكاء الاصطناعي في ساحات القتال، بعد مقتل 110 أطفال وعشرات المدنيين في قصف استهدف مدرسة ابتدائية في ميناب، وسط تساؤلات عن مدى الاعتماد على الأنظمة الآلية في اتخاذ القرارات الحاسمة. وفقاً لصحيفة «التايمز».

خلال أول 24 ساعة من العملية، شنت القوات الأميركية ضربات على أكثر من ألف هدف باستخدام أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، بمعدل يقارب 42 هدفاً في الساعة، ما دفع الخبراء إلى التساؤل عما إذا كانت الآلات هي التي تتحكم الآن في مجريات الحرب، فيما يعجز العقل البشري عن مواكبة هذا المستوى من السرعة والدقة.

وأشارت الأدلة المتزايدة إلى أن الضربة على مدرسة «شجرة طيبة» الابتدائية، التي كانت جزءاً من مجمع تابع للحرس الثوري الإيراني، أسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا، رغم أن المدرسة كانت مفصولة عن المجمع بسور منذ تسع سنوات، وتظهر الصور الفضائية جداريات ملونة وساحة لعب صغيرة، ما يطرح احتمال اعتماد الأنظمة الآلية على بيانات قديمة لتحديد الأهداف.

وقالت نواه سيلفيا، محللة أبحاث في معهد الخدمات المتحدة الملكي: «إذا كان قصف المدرسة حدث عن طريق الخطأ، فهل كان خطأ بشرياً أم نتيجة سرعة التشغيل الآلي للنظام؟ هل استند إلى بيانات قديمة؟ أم أن الآلة هي التي نفذت العملية تلقائياً؟ عدد الضربات التي نراها يدعم فكرة أن الأهداف يتم تحديدها بشكل شبه مستقل».

من جهته، أشار الدكتور كريغ جونز، محاضر في الجغرافيا السياسية بجامعة نيوكاسل، إلى أن الذكاء الاصطناعي ربما أخفق في التعرف على المدرسة كمدرسة، واعتبرها هدفاً عسكرياً، مضيفاً أن أي قرار بشري لتنفيذ الضربة استند إلى تحليلات وجمع معلومات ساعد الذكاء الاصطناعي في إنتاجها.

وأضاف: «مهما كانت الحقيقة النهائية، فإن الضربة تمثل فشلاً استخباراتياً كارثياً، سواء كانت مدفوعة بالذكاء الاصطناعي أو نفذت بواسطة البشر بمساعدة مكون آلي».

صورة بالأقمار الاصطناعية تظهر تضرر مدرسة ومبانٍ أخرى في مدينة ميناب الإيرانية جراء القصف الأميركي الإسرائيلي (رويترز)

وأكدت مصادر البنتاغون أن التحقيقات ما زالت جارية حول ما إذا كانت المعلومات المقدمة عن المدرسة قديمة، في حين ألمح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، دون تقديم أدلة، إلى احتمال تدخل إيران أو جهة أخرى. لكن التحليلات تشير إلى استخدام أسلحة أميركية في العملية.

تستخدم الولايات المتحدة وإسرائيل عدة أنظمة ذكاء اصطناعي في عملياتها العسكرية ضد إيران، أبرزها مشروع «مافن» الذي طورته واشنطن منذ 2018 بمساعدة شركة بالانتير لجمع البيانات وتحليلها، وهو مدمج في جميع قيادات القوات الأميركية.

ويرى الخبراء أن استخدام الذكاء الاصطناعي يشبه «نسخة عسكرية من (أوبر)»، حيث يساهم في الاستهداف والمراقبة، لكن القرار النهائي يظل للبشر. ومع ذلك، تثير سرعة اقتراح آلاف الأهداف يومياً مخاطر كبيرة، بما في ذلك ما يُعرف بـ«تحيز الأتمتة» و«التحيز نحو التنفيذ»، حيث يصبح قرار الآلة سلطة تفوق القدرات البشرية على التقييم القانوني والأخلاقي.

وأعربت إلكه شوارتز، أستاذة النظرية السياسية بجامعة كوين ماري بلندن، عن قلقها من أن المستقبل قد يشهد توسيع مهام الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف والسلوكيات المشبوهة مسبقاً، ما قد يؤدي إلى تنفيذ ضربات استباقية، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي سيصبح عاملاً متزايداً في قرار استخدام القوة وبدء الصراعات، وهو أمر مخيف للغاية.