روسيا تعوّل على تراجع الدعم الغربي لأوكرانيا... وتترقّب فُرص مكاسب ميدانية

عنصر في الجيش الأوكراني في لواء المدفعية الخامس والخمسين يحمل قذيفة لمدفع هاوتزر ذاتي الحركة من طراز «قيصر» قبل إطلاق النار على القوات الروسية، وسط الغزو الروسي لأوكرانيا، بالقرب من بلدة أفدييفكا في منطقة دونيتسك، أوكرانيا في 31 مايو 2023 (رويترز)
عنصر في الجيش الأوكراني في لواء المدفعية الخامس والخمسين يحمل قذيفة لمدفع هاوتزر ذاتي الحركة من طراز «قيصر» قبل إطلاق النار على القوات الروسية، وسط الغزو الروسي لأوكرانيا، بالقرب من بلدة أفدييفكا في منطقة دونيتسك، أوكرانيا في 31 مايو 2023 (رويترز)
TT

روسيا تعوّل على تراجع الدعم الغربي لأوكرانيا... وتترقّب فُرص مكاسب ميدانية

عنصر في الجيش الأوكراني في لواء المدفعية الخامس والخمسين يحمل قذيفة لمدفع هاوتزر ذاتي الحركة من طراز «قيصر» قبل إطلاق النار على القوات الروسية، وسط الغزو الروسي لأوكرانيا، بالقرب من بلدة أفدييفكا في منطقة دونيتسك، أوكرانيا في 31 مايو 2023 (رويترز)
عنصر في الجيش الأوكراني في لواء المدفعية الخامس والخمسين يحمل قذيفة لمدفع هاوتزر ذاتي الحركة من طراز «قيصر» قبل إطلاق النار على القوات الروسية، وسط الغزو الروسي لأوكرانيا، بالقرب من بلدة أفدييفكا في منطقة دونيتسك، أوكرانيا في 31 مايو 2023 (رويترز)

في حين قدّرت مصادر بحثية أن المساعدات الغربية لأوكرانيا بلغت أدنى مستوى لها منذ الاجتياح الروسي في فبراير (شباط) 2022، يترقب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصته في محاولة ليحقق انتصارات في الميدان الأوكراني.

 

وقد حذّرت كييف الأربعاء، قادة الدول الأعضاء في مجموعة السبع، بأن موسكو تعوّل على «انهيار» الدعم الغربي لها، مع مضاعفة الجيش الروسي «ضغطه بشكل كبير» على الجبهة.

عنصر من الجيش الأوكراني في آلية عسكرية بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف، وسط الغزو الروسي لأوكرانيا الخميس 31 مارس 2022 (أ.ب)

تراجع وتيرة المساعدات الغربية لكييف

أفاد معهد «كييل» الألماني للبحوث، الخميس، بأن وتيرة الوعود الغربية بمنح أوكرانيا مساعدات جديدة (عسكرية ومالية)، تباطأت بشكل ملحوظ على خلفية خلافات سياسية، في أوروبا والولايات المتحدة، وأيضاً لأسباب ميدانية، بسبب تعثر الهجوم المضاد الأوكراني الذي بدأ في يونيو (حزيران) الماضي، وكانت الدول الحليفة تعوّل عليه كثيراً لإحداث نقلة نوعية في المعارك على الجبهة ضد القوات الروسية.

وأشار المعهد إلى أن وعود المساعدات الغربية الجديدة لأوكرانيا هي في أدنى مستوياتها منذ بداية الغزو الروسي.

جنود أوكرانيون يتفقدون مركبتهم القتالية المدرعة للمشاة CV90 السويدية الصنع في موقع يشير إلى اتجاه مدينة باخموت في منطقة دونيتسك الأوكرانية في 27 نوفمبر 2023، وسط الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

كما أنه مع اندلاع الحرب بين إسرائيل و«حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تراجعت أخبار الحرب الروسية في أوكرانيا من شاشات الرادارات لصالح الحرب في الشرق الأوسط.

وقال معهد «كييل»، الذي يحصي المساعدات العسكرية والمالية والإنسانية التي تم التعهد بها وتسليمها إلى أوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا قبل ما يقارب 22 شهراً «تشهد دينامية دعم أوكرانيا تباطؤاً. بلغت التعهدات بالمساعدات أدنى مستوياتها بين أغسطس (آب) وأكتوبر 2023، بانخفاض قدره 90 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها في عام 2022».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حفل تقديم ميداليات في قاعة سانت جورج ﺑ«قصر الكرملين الكبير»، في موسكو، روسيا، الجمعة 8 ديسمبر 2023 (د.ب.أ)

بوتين يستعد لاغتنام الفرصة

يراقب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشدة تراجع الدعم الغربي لأوكرانيا في مشهد يراه فرصة لتحقيق فوز في أوكرانيا. الظروف ملائمة لبوتين، وفق شبكة «سي إن إن» الأميركية. زعيم «فاغنر» يفغيني بريغوجين قُتل مع كبار شخصيات «فاغنر» الأخرى في حادث تحطم طائرة غامض. موسكو غنية بأموال النفط. المجنّدون من سجونها يملأون الخنادق بوقود مدافع لا ينضب على ما يبدو. عادت المؤسسة العسكرية الروسية للوقوف على قدميها، ونجحت إلى حدٍ كبير حتى الآن في صد الهجوم المضاد الذي شنته أوكرانيا. يُضاف إلى ذلك، التكلفة التي أنفقها حلف شمال الأطلسي (الناتو) بدفعه المليارات من الدولارات على التدريب والأسلحة التي خُصصت للجيش الأوكراني.

الرئيس الأميركي جو بايدن يلقي كلمة في مركز كاربنترز الدولي للتدريب في لاس فيغاس، نيفادا، في 8 ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

خلافات أميركية حول دعم أوكرانيا

يعوّل الرئيس الروسي لتحقيق تقدم في حربه ضد أوكرانيا، على تراجع الدعم الأميركي الكبير في العتاد العسكري والتمويل، نتيجة الخلافات السياسية في الداخل الأميركي بين الجمهوريين والديمقراطيين. كما أن احتمال فوز الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية العام المقبل وعودته إلى البيت الأبيض، قد تزيد من صعوبة الموقف بالنسبة لأوكرانيا، حيث عُرف عن ترمب مواقف سابقة تعترض على استمرار دعم الولايات المتحدة الكبير لأوكرانيا البعيدة عن البر الأميركي، مقابل اتهامه دول الاتحاد الأوروبي بعدم تقديم ما يكفي من المساعدات في حرب (في أوكرانيا) قريبة من حدود دول الاتحاد.

ومنع الجمهوريون في مجلس الشيوخ الأميركي تقديم حزمة تشريعية تتضمن 60 مليار دولار من المساعدات لأوكرانيا مساء الأربعاء، وسط مواجهة مع الديمقراطيين بشأن الحدود الأميركية وسياسة الهجرة.

الرئيس الأميركي جو بايدن يلتقي بنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، الخميس 21 سبتمبر 2023، في العاصمة الأميركية واشنطن (أ.ب)

وفي محاولة لكسر الجمود في ملف الحزمة التشريعية لأوكرانيا، ناشد الرئيس الأميركي جو بايدن، في وقت سابق من الأربعاء، الكونغرس بعدم السماح «للسياسات الحزبية التافهة» بأن تقف في طريق المساعدات المقدمة إلى كييف. وقال الرئيس: «سيحكم التاريخ بقسوة على أولئك الذين أداروا ظهورهم لقضية الحرية»، مضيفاً: «لا يمكننا أن نسمح لبوتين بالفوز».

وكثيراً ما يوصف إحجام الكونغرس عن تقديم المساعدات المطلوبة لأوكرانيا على أنه شعور بالقلق من جانب الجمهوريين، الذين لا يريدون جر الولايات المتحدة إلى صراع جديد، في حين أن المقصود من المساعدات الأميركية بشكل خاص، وفق السياسيين الأميركيين المدافعين عن المساعدات الأميركية لأوكرانيا، هو منع جر الولايات المتحدة إلى صراع مباشر مع روسيا. فضمان قدرة أوكرانيا على الاستمرار في قتال موسكو، بدلاً من السماح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالتقدم بالقرب من حدود دول الناتو بما يكفي، هو كي لا تضطر الولايات المتحدة إلى القتال لصالح حلفائها بنفسها، وليس عبر الوكالة كما هو الحال - منذ بدء الغزو الروسي في 24 فبراير وحتى اليوم - بمساعدتها أوكرانيا في الدفاع عن نفسها بوجه الغزو الروسي.

مبنى الكونغرس في العاصمة الأميركية واشنطن، 04 ديسمبر 2023. حث البيت الأبيض الكونغرس على تمويل المزيد من المساعدات لأوكرانيا قبل نفاد تمويل المساعدات في نهاية عام 2023 (إ.ب.أ)

ووفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية ينتقد مسؤولون أميركيون الهجوم الأوكراني المضاد. وقد شرح هؤلاء للصحيفة دون أن يذكروا أسماءهم، أن كييف تحركت متأخرة للغاية في هجومها المضاد، أو أنها لم تستمع إلا قليلاً لنصائح الحلفاء.

ويتصاعد القلق في أوساط قادة أبرز حليفين للولايات المتحدة؛ الاتحاد الأوروبي وكندا، فضلاً عن أوكرانيا، من احتمال أن تكون عودة ترمب إلى سدة الرئاسة الأميركية ضربة خطيرة لهم، سواء على المستوى الاقتصادي أو على الدعم العسكري والمالي الأميركي لأوكرانيا.

الرئيس الأميركي السابق والمرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترمب يتحدث خلال تجمع انتخابي لحملته الرئاسية لعام 2024 في دوبوك بولاية أيوا بالولايات المتحدة، في 20 سبتمبر 2023 (رويترز)

عبّر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عن أسباب رفضه مواصلة دعم أوكرانيا، حين قال في مقابلة سابقة: «أريد من أوروبا أن تقدم مزيداً من الأموال... هم يعتقدون أننا حمقى. نحن ننفق 170 مليار دولار على أراضٍ بعيدة (في إشارة إلى مساهمة واشنطن في تمويل أوكرانيا)، وهم مجاورون لتلك الأرض مباشرة. لا أعتقد أن ذلك سوف يستمر». علماً أن الرقم الفعلي لقيمة المساعدات الأميركية بلغ نحو 70 مليار دولار منذ بدء الاجتياح الروسي للبلاد في فبراير 2022، وفق تقرير صدر أمس الجمعة ﻟ«مجلس العلاقات الدولية» - وهو معهد دراسات مركزه مدينة نيويورك - وتبقى الولايات المتحدة حتى الآن الدولة الأكثر إنفاقاً بين حلفاء أوكرانيا في دعم كييف في مواجهتها الغزو الروسي.

ويرى مراسل الأمن الدولي لشبكة «سي إن إن» في لندن نيك باتون والش، أن فوز دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، إذا تحقق العام المقبل، من شأنه أن يشكّل تهديداً للأمن القومي الأوروبي، حيث سيكون ترمب رئيساً أميركياً لديه ولع لا يمكن تفسيره برئيس الكرملين.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة مجموعة العشرين في مدينة هامبورغ، ألمانيا، في 7 يوليو 2017 (أ.ب)

تراجع الدعم الأوروبي

بدأت الوحدة الأوروبية الداعمة لأوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي، التي كانت ملحوظة للغاية طيلة الأشهر الواحدة والعشرين الأولى من الحدث الأكثر أهمية في أوروبا منذ سقوط سور برلين عام 1989، تظهر عليها علامات الانقسام والتبدد، وفق شبكة «سي إن إن» الأميركية.

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل، بلجيكا، 1 مارس 2023 (رويترز)

وبينما اتخذت الأقلية الترمبية في الولايات المتحدة المساعدات المقدمة لأوكرانيا رهينة برفضها وضع مساعدات لأوكرانيا على جدول الأعمال، يواجه الاتحاد الأوروبي خطر استخدام حق النقض من قبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي يريد إلغاء برمجة المناقشة للتصويت على المساعدة المقدمة إلى أوكرانيا في المجلس الأوروبي، حسب تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية الخميس.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان خلال اجتماع قبل منتدى «الحزام والطريق» في بكين عاصمة الصين، في 17 أكتوبر 2023 (رويترز)

وقد أدرك القادة الأوروبيون، بحسب تقرير «لوفيغارو»، أنهم لا يستطيعون الوفاء بوعدهم بتقديم مليون ذخيرة مدفعية إلى أوكرانيا قبل الربيع. ولم يزود الاتحاد الأوروبي حتى الآن سوى 300 ألف قطعة مدفعية لكييف. وعلى الرغم من أن قدرات الإنتاج الأوروبية زادت بنسبة 20 إلى 30 في المائة منذ الغزو الروسي، فإن تنفيذ الطلبيات بطيء.

يعوّل بوتين أيضاً على أن تدفع أوروبا بكييف نحو المفاوضات مع روسيا سعياً إلى التهدئة، رغم أن معظم القادة الغربيين يدركون تماماً أنه لا يمكن الوثوق ببوتين، حسب «سي إن إن»، ويرون أن موسكو تستخدم الدبلوماسية خدعةً لتحقيق أهدافها العسكرية، إذ يتوقع هؤلاء أن يستمر بوتين بأي اتفاق سلام لفترة كافية تسمح له بإعادة تجهيز جيشه ثم العودة لأخذ المزيد من أوكرانيا.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (الثاني من اليمين) ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال (الثاني من اليسار) يحضران اجتماعاً في كييف، أوكرانيا، 21 نوفمبر 2023. يتزامن تاريخ اللقاء مع «يوم الكرامة والحرية» والذكرى العاشرة لثورة الميدان الأوروبي (في أوكرانيا) في 21 نوفمبر 2013 (إ.ب.أ)

وبينما تترقّب روسيا محاوِلةً الاستفادة من تراجع في الدعم الغربي لأوكرانيا، كيف تبدو اليوم ملامح جبهات القتال في الميدان الأوكراني - أي في الساحة، التي ستُحدّد فيها إلى حدٍ كبير نتيجة الحرب - بعد ما يقرب من عام وعشرة أشهر على الغزو الروسي؟

جبهات الميدان الأوكراني

بعد ستة أشهر من شن أوكرانيا هجومها المضاد (في يونيو 2023) لاستعادة الأراضي التي احتلتها روسيا بغزوها للبلاد منذ 24 فبراير 2022، لم تتمكّن القوات الأوكرانية من إحراز تقدّم ميداني كبير كانت تطمح لتحقيقه، وكذلك فشلت القوات الروسية في إحراز انتصار ميداني. وفيما دخلت البلاد فصل الشتاء، تبدو الحرب بين الطرفين أنها دخلت في مرحلة جمود.

جنود أوكرانيون من فرقة «اعتراض مسيرات» يلتقطون صورة مع سيرغي ناييف (الثالث من اليسار) قائد القوات المشتركة في أوكرانيا، يحملون طائرة مسيرة روسية مطلية باللون الأسود تم إسقاطها... يقف الجنود بجوار دبابة ألمانية من طراز «غيبارد» مضادة للطائرات، في ضواحي كييف، في 30 نوفمبر 2023 (أ.ف.ب)

في الجبهة الجنوبية، حققت أوكرانيا تقدماً على الضفة اليسرى لنهر دنيبرو في محاولة منها لإنشاء رأس جسر، وللتهديد بمهاجمة الوجود الروسي في شبه جزيرة القرم من جهة الغرب. في المقابل، وعلى هذه الجبهة أيضاً، تتعرض مدينة خيرسون الأوكرانية - التي استعادتها كييف في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 في هجومها المضاد - لقصف روسي يومي.

صورة من مقطع فيديو نشرته سابقاً وزارة الدفاع الروسية يُظهر عدداً من الجنود الروس ومعهم معدات عسكرية استولوا عليها خلال المعارك في أوكرانيا (سبوتنيك)

وفي الوسط، لم تتغير الخطوط الأمامية إلى الجنوب من زابوريجيا، التي كانت لأشهر عدة محور التركيز الرئيسي للهجمات الأوكرانية باتجاه مدينة ميليتوبول، في محاولة لقطع اتصال البر الرئيسي الروسي بشبه جزيرة القرم، الذي ضمته روسيا من طرف واحد سنة 2014. ومن المتوقّع أن يُبطئ الشتاء القادم بثلوجه، القتال بشكل أكبر في هذه الجبهة.

صورة غير مؤرخة لجنود روس وسط مدينة أرتيموفسك (باخموت)، وسط الصراع في أوكرانيا (سبوتنيك)

وفي الشرق، روسيا تحاصر أفدييفكا، هذه البلدة التي رغم أنها ذات قيمة استراتيجية قليلة، تسعى روسيا لتحقيق انتصار فيها لتكون بالتالي رمزاً لانتصار لها رغم تكبدها خسائر كبيرة في هجومها على هذه البلدة. تحاصر القوات الروسية المدينة ببطء، مثلما فعلت مع مدينة باخموت في وقت سابق من هذا العام.

جنود أوكرانيون يقفون على دباباتهم بالقرب من بلدة باخموت على الخطوط الأمامية، وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا، في منطقة دونيتسك، شرق أوكرانيا، في 13 يناير 2023 (رويترز)

الأسلحة الغربية لصد التقدّم الروسي

بحسب «معهد دراسة الحرب» (مركزه واشنطن)، تمتلك الترسانات الغربية الأسلحة اللازمة لمواجهة كل التحديات التي تواجه المقاتلين في أوكرانيا تقريباً، لكن تعبئة روسيا الكاملة لاقتصادها ومجتمعها للحرب يمكن أن تؤدي إلى الموازنة مع الغرب رغم القيود التكنولوجية التي تعانيها روسيا.

عنصر في الجيش الأوكراني في لواء المدفعية الخامس والخمسين يحمل قذيفة لمدفع هاوتزر ذاتي الحركة من طراز «قيصر» قبل إطلاق النار على القوات الروسية، وسط الغزو الروسي لأوكرانيا، بالقرب من بلدة أفدييفكا في منطقة دونيتسك، أوكرانيا في 31 مايو 2023 (رويترز)

وتبقى قدرة أوكرانيا على منع القوات الروسية من شن مناورات بآليات حربية واسعة النطاق، تظل تعتمد في المقام الأول، على استمرار تقديم المساعدات الغربية لكييف بالحجم الكبير الذي شهدته هذه المساعدات منذ بدء الغزو الروسي للبلاد. وتعتمد أوكرانيا بشكل خاص على المساعدات الغربية في أنظمة الدفاع الجوي والمدفعية والأنظمة المضادة للدروع، وهي متطلبات وجودية لأوكرانيا التي لا تستطيع أن تصنع أو تحصل على ما يكفي من هذه الأنظمة بمفردها لمنع المؤسسة العسكرية الروسية من استعادة القدرة على القيام بعمليات هجومية ميكانيكية على نطاق واسع، وشن الهجمات على المدن الأوكرانية.

 


مقالات ذات صلة

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...