كيف تبدو حياة الجاسوس بعد كشفه؟

تقرير... التجسس يحمل مخاطر كبيرة لكن ليس جميع الجواسيس يقبعون في السجن

رجل يقف في الظلام مرتدياً قبعة فيدورا ومعطفاً... شخصية على غرار فيلم نوير من خمسينات القرن العشرين (شاترستوك)
رجل يقف في الظلام مرتدياً قبعة فيدورا ومعطفاً... شخصية على غرار فيلم نوير من خمسينات القرن العشرين (شاترستوك)
TT

كيف تبدو حياة الجاسوس بعد كشفه؟

رجل يقف في الظلام مرتدياً قبعة فيدورا ومعطفاً... شخصية على غرار فيلم نوير من خمسينات القرن العشرين (شاترستوك)
رجل يقف في الظلام مرتدياً قبعة فيدورا ومعطفاً... شخصية على غرار فيلم نوير من خمسينات القرن العشرين (شاترستوك)

مع عودة التجسس إلى عناوين الأخبار بعد توجيه تهمة لثلاثة مواطنين بلغاريين في المملكة المتحدة في إطار تحقيق في حلقة اشتباه في تجسس روسي، تلقي مجلة «بوليتيكو» نظرة على كيفية التعامل مع الجواسيس بمجرد كشفهم عن هوياتهم، وعن أهمية بعض الجواسيس لبلدانهم، حيث لا يتركون للتعفن في سجن أجنبي بعد القبض عليهم، البعض منهم يتم تبادلهم في صفقة تبادل للجواسيس. وأحياناً يتردد صائدو الجواسيس في التفكير في صفقة لأن الخيانة كانت كبيرة جداً، ويبدو أن عقوبة السجن الطويلة تستحق.

وهناك بعض الجواسيس الذين يُعرفون بالاستهلاكيين، الذين يحتلون مناصب منخفضة جداً لدرجة أن معالجيهم لا يهتمون بما يحدث لهم بمجرد أن يتم فضحهم، ويُعدون غير مهمين بما يكفي للنظر في صفقة تبادل جواسيس.

حياة ساحرة

المضيفة التلفزيونية آنا تشابمان في حفل افتتاح السجادة الحمراء لمهرجان موسكو السينمائي الدولي (شاترستوك)

بالنسبة لماريا بوتينا - المعروفة أيضاً باسم آنا تشابمان- العميلة الروسية السابقة، والتي لفتت ألوان شعرها اللامعة انتباه الصحف الأميركية والبريطانية، كانت الحياة بعد التجسس مربحة ومليئة بعروض الأزياء والتلفزيون وفرص الأعمال.

تم تبادل بوتينا، التي اتخذت لقبها من شخص بريطاني تزوجته لفترة قصيرة، وتم استقبالها بحفاوة عند عودتها إلى وطنها بعد أن تمت صفقة تبادلها قبل أكثر من عقد من الزمان، في أكبر صفقة تبادل جواسيس منذ نهاية الحرب الباردة. أفرجت فيها الولايات المتحدة عن 10 روس، بما في ذلك بوتينا، وسلمت الكرملين سيرغي سكريبال، ضابط المخابرات الروسي المدان بالتجسس لصالح بريطانيا، بالإضافة إلى 3 أشخاص آخرين.

التقت بوتينا وزملاؤها العملاء النائمون مع فلاديمير بوتين عند وصولهم، وغنوا معاً أغاني وطنية. وتم منح العديد منهم وظائف استشارية مدفوعة الأجر في الشركات الحكومية، ولكن حققت بوتينا نجاحاً كبيراً مع رغبة الكرملين في ترويجها كـ«فتاة جيمس بوند» للرئيس الروسي. وتم تعيينها في البداية مستشارةً للرئيس التنفيذي لمصرف روسي. ومنذ ذلك الحين، كانت عضواً في الدوما، وعارضة أزياء على منصة الأزياء، ومصممة أزياء، ومقدمة برامج تلفزيونية، ورائدة أعمال.

أما أندريه بيزروكوف، المعروف في الولايات المتحدة باسم دونالد هيثفيلد، الذي عاد أيضاً في الصفقة نفسها، فقد أعاد ابتكار نفسه أكاديمياً في جامعة الشؤون الدولية في موسكو.

الشوق للوطن

بحسب المجلة، تمكن 3 من الخمسة المشهورين بلقب «كامبريدج5»، كيم فيلبي وجاي برغس ودونالد ماكلين، من الهرب والفرار إلى موسكو. أدوارهم بوصفهم عملاء مزدوجين ما زالت تطارد المخابرات البريطانية، كان الثلاثة من الطبقة العليا في بريطانيا، وكان الرجال يُعدّون جديرين بالثقة تماماً.

لقد تسببوا في أضرار عميقة ودائمة لأجهزة المخابرات البريطانية، حيث سلموا الآلاف من الوثائق السرية إلى الروس، وحذروا من المنشقين الروس المحتملين، وخذلوا العاملين لصالح البريطانيين والأميركيين وراء الستار الحديدي.

لم يعش أي منهم حياة ساحرة في الاتحاد السوفياتي الباهت. شعر فيلبي بالإحباط لأن المخابرات السوفياتية «كي جي بي» لم تكن تثق به لسنوات عديدة ولم يتم تشغيله. وفي السنوات القليلة الأولى كان محتجزاً رهن الإقامة الجبرية. وكشف ميخائيل ليوبيموف، أقرب معارفه في المخابرات السوفياتية، الذي كان يدير محطات «كي جي بي» في بريطانيا والدنمارك خلال الحرب الباردة، عن أن الروس كانوا يخشون أن يفر فيلبي عائداً إلى بريطانيا، بسبب الملل والحنين إلى الوطن.

ربما لم يكن هذا الخوف خاطئاً، اشتاق فيلبي إلى لعبة الكريكيت، وزيارة متاجر لندن الفاخرة. لاحقاً، حصل على دور ثانوي في تدريب مجندي «كي جي بي» وسمح له بكتابة كتاب مذكرات مراقب. برغس وماكلين عانيا أيضاً في التكيف مع الحياة في الاتحاد السوفياتي. أصبحت حياة برغس المنهكة بالكحول أكثر فوضى. ماكلين كان أكثر انضباطاً واندمج في الاتحاد السوفياتي، حيث عمل خبيراً في السياسة الاقتصادية للغرب والشؤون الخارجية البريطانية. لكنه أيضاً انغمس في شرب الكحول بكثافة، وتركته زوجته ميليندا لفترة قصيرة من أجل فيلبي قبل أن تعود إلى الغرب.

المُهملون

يقضي حارس الأمن في السفارة البريطانية ديفيد بالانتاين سميث، من منطقة بيزلي في أسكوتلندا، حكماً بالسجن لمدة 13 عاماً بعد إدانته بالتجسس لصالح روسيا. قام بنسخ وثائق سرية وجدها في خزائن الملفات المفتوحة وعلى المكاتب في السفارة في برلين حيث كان يعمل.

 

ترك في السجن

تم اعتقال كل من ألدريتش آيمز من وكالة الاستخبارات المركزية، وروبرت هانسن، جاسوس مكتب التحقيقات الفيدرالي، في التسعينات من القرن الماضي.

تجسس هانسن لصالح خدمات المخابرات الروسية من عام 1979 حتى عام 2001، ووصف خيانته من قبل المدعين العامين بأنها ربما تعد أسوأ كارثة استخباراتية في تاريخ الولايات المتحدة. باع الآلاف من الوثائق السرية حول الاستراتيجيات النووية الأميركية، وتطورات التكنولوجيا العسكرية، وبرامج الاستخبارات الأميركية.

قدم آيمز أسماء وكلاء الـ«كي جي بي» الذين يعملون سراً لصالح واشنطن والذين تم إعدامهم عند كشفهم. وهناك بعض الأقاويل عن إمكانية تضمينهم في صفقة تبادل جواسيس، ولكن الروس لم يحتجزوا أي جواسيس من نفس الجودة لتبادلهم، بالإضافة إلى أن خيانتهم كانت بشكل مقيت بالنسبة لوكالات الاستخبارات الأميركية، ولم يستحقوا التبادل.

تم احتجاز هانسن في سجن أمني مشدد في كولورادو، حيث أمضى 23 ساعة في اليوم عزلاً، منذ عام 2002 وحتى وفاته في يونيو (حزيران) من هذا العام عن عمر يناهز 79 عاماً.

وآيمز، الذي يبلغ من العمر الآن 82 عاماً، يقضي حكم السجن مدى الحياة في سجن أمني متوسط في ولاية إنديانا.

إنه لغز

وفي ختام التقرير، تقول المجلة الأميركية إنه لا يتم القبض على الجواسيس، حيث ظهر الرجلان الروسيان في تنفيذ عمليات التسمم في سالزبري عام 2018 على التلفزيون الرسمي الروسي بعد تحديد هويتهما بوصفهما مشتبهاً بهما. وزعما أنهما كانا يزوران المدينة الإنجليزية سُياحاً لرؤية كاتدرائية. وقالت هيئة الإذاعة البريطانية في تقرير في عام 2021 إنهما لم يظهرا منذ ذلك الحين.

 

 


مقالات ذات صلة

إسرائيل تجدد التحذير من مساعي إيران لتجنيد متعاونين عبر الإنترنت

شؤون إقليمية سيدة تعمل على جهاز كمبيوتر وبجوارها هاتف جوال (أرشيفية-د.ب.أ) p-circle

إسرائيل تجدد التحذير من مساعي إيران لتجنيد متعاونين عبر الإنترنت

حذّرت الشرطة الإسرائيلية وجهاز «الشاباك» مرة جديدة من محاولات تجنيد واختراق داخل إسرائيل، تقوم بها أجهزة الاستخبارات الإيرانية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا من اجتماع عرض خطة تأمين الأنظمة المعلوماتية من الاختراق (وزارة الدفاع)

الجزائر لتحصين أنظمتها الدفاعية والأمنية من الاختراق والتجسس

أعلنت الجزائر عن إطلاق «درع رقمية» لحماية أنظمتها المعلوماتية الحساسة خصوصاً ما يتعلق بقضايا الأمن والدفاع

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الولايات المتحدة​ مقاتلة أميركية من طراز «إف 16» وأخرى روسية من طراز «سو 35» (أ.ب)

السلطات الأميركية تعتقل طياراً قدَّم خبراته للصين

اعتقلت السلطات الأميركية طياراً سابقاً بتهمة تدريب طيارين عسكريين صينيين بشكل غير قانوني على مقاتلات متطورة، منها «إف 35».

علي بردى (واشنطن)
أوروبا تتهم وارسو بانتظام موسكو وبيلاروس بالقيام بأنشطة تجسس ومحاولات تخريب منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ب)

بولندا تعلن توقيف بيلاروسي متهم بالتجسس

أعلنت سلطات وارسو، الاثنين، توقيف مواطن بيلاروسي مطلع الشهر يشتبه بقيامه بأنشطة تجسس في بولندا وألمانيا وليتوانيا، وتوجيه التهمة إليه رسمياً.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
العالم أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

«الشرق الأوسط» (ريغا)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.