تتزايد المؤشرات على إعادة ترتيب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب علاقاتها الخارجية، بما يمنح الأولوية لنصف الكرة الغربي ويضع الشراكات الأوروبية أمام اختبارات سياسية وأمنية جديدة.
فبين تحويل أموال كانت مخصصة لدول أوروبية وعربية إلى دول في أميركا اللاتينية في وقت سابق من هذا الأسبوع، واستبعاد حلفاء بارزين من اجتماع يناقش مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يتصاعد القلق من انتقال واشنطن إلى التعامل الانتقائي مع شركائها. ورغم اختلاف طبيعة الخطوتين، فإن تزامنهما يطرح تساؤلات بشأن معايير توزيع الدعم الأميركي، وحدود سلطة الإدارة في تغيير وجهة أموال أقرّها الكونغرس، ومكانة أوروبا في حساباتها الاستراتيجية.
أموال تُغيّر وجهتها
كشفت صحيفة «واشنطن بوست» أن الإدارة قررت تحويل 52 مليون دولار من المساعدات العسكرية المخصصة لسلوفاكيا ومقدونيا الشمالية وتونس والعراق إلى بنما وبيرو والإكوادور وكولومبيا. وأبلغت الكونغرس بالمضي في الخطوة، رغم اعتراض السيناتورة جين شاهين والنائب غريغوري ميكس، أرفع عضوين ديمقراطيين في لجنتي العلاقات الخارجية بمجلسي الشيوخ والنواب، اللذين طلبا تعليقها.
ويتركز الاعتراض القانوني على الأموال المخصصة للدولتين الأوروبيتين، لأنها أقرت ضمن تشريع تكميلي مرتبط بحرب أوكرانيا. أما تمويل تونس والعراق، فمصدره تشريع مختلف، ولا يخضع للقيود نفسها. وهو تمييز أساسي عند تقديم اتهام الإدارة بتجاوز إرادة المشرعين.
وفي رسالة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، اعتبر شاهين وميكس أن السلطة التنفيذية لا تملك حرية مطلقة لنقل الأموال إلى دول وأولويات لا ترتبط بالغرض الذي حدده الكونغرس. وأشارا إلى أن الإدارة لم توضح كيف يستجيب تمويل الدول اللاتينية الأربع لاحتياجات البلدان المتضررة من الحرب الأوكرانية.
وتعود هذه المخصصات إلى عام 2022، عندما سعت واشنطن إلى دعم الدول التي تساعد كييف، وتشجيع استبدال المعدات الروسية بأسلحة أميركية. ولذلك، يتجاوز الخلاف قيمة الأموال إلى مصير سياسة ربطت دعم أوكرانيا بإضعاف الاعتماد على الصناعات العسكرية الروسية.
أولوية الجوار الأميركي
تدافع الخارجية الأميركية عن تحويل الأموال بعدّه منسجماً مع استراتيجية الأمن القومي، وتقول إن الأموال ستساعد في مكافحة ما تسميه «الإرهاب المرتبط بالمخدرات»، وتأمين قناة بنما، وتعزيز الشراكات الأمنية، ومواجهة النفوذ العسكري للخصوم في المنطقة. لكنها لم تجب عن اعتراض المشرعين المتعلق بالقيود القانونية على استخدام المخصصات.
ويضع هذا التبرير القرار ضمن توجه أوسع نحو تقديم الجوار الأميركي على ساحات أخرى. وهو توجه ينسجم مع خطاب ترمب عن إحياء «مبدأ مونرو»، ودعوة روبيو إلى استثمار الفرص والشراكات التي ترى الإدارة أن واشنطن أهملتها.
وتكتسب هوية الحكومات المستفيدة دلالة سياسية إضافية، حيث يصفها تقرير الصحيفة بأنها تميل إلى المحافظة، وتشير خصوصاً إلى تقارب حكومتي كولومبيا والإكوادور مع الإدارة، وتجاوبهما مع مطالب تعزيز التعاون ضد المخدرات. ويُغذّي ذلك الشكوك في أن التقارب السياسي بات مؤثراً في توزيع المساعدات.
ومع ذلك، لا تكفي هذه المعطيات للجزم بأن التحويل مكافأة آيديولوجية؛ إذ تقدم الإدارة أهدافاً أمنية مُحدّدة. وتبقى المسألة التي يثيرها الديمقراطيون هي مدى جواز تمويل هذه الأهداف من اعتمادات خصّصها الكونغرس لأغراض أخرى، خصوصاً أن ترمب قد ضرب بعرض الحائط اعتراضات سابقة مماثلة.
أما أوروبياً، فيرى جيريمي شابيرو، مدير الأبحاث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن الخطوة ستُقرأ مؤشراً إلى أولويات الإدارة، وستعزز الخشية من التخلي عن الأوروبيين إذا لم يلبوا توقعاتها، خصوصاً بشأن إيران.
حلفاء خارج اجتماع «الناتو»
يتقاطع هذا القلق مع ما كشفته «بوليتيكو» عن عدم دعوة بريطانيا وفرنسا ودول البلطيق إلى اجتماع في بولندا خلال هذا الشهر، يقوده مسؤول السياسات في «البنتاغون» ألبريدج كولبي، لمناقشة مستقبل «الناتو». والاجتماع هو مجموعة عمل محدودة، وليس قمة رسمية للحلف، لكن غياب قوى عسكرية رئيسية أثار أسئلة عن معايير المشاركة.
وتضم الصيغة المعروفة بـ«مجموعة بيرغن» النرويج والسويد وفنلندا وألمانيا وهولندا. ويؤكد مشاركون أن هدفها بلورة أفكار تُعرض لاحقاً على الحلف بأكمله، فيما يقول كولبي إنها تستهدف تعزيز القدرات الأوروبية وجعل التحالف أكثر استدامة.
غير أن تفسير الاختيار بالإنفاق الدفاعي وحده لا يُبدّد الاعتراضات، لأن المستبعدين يشملون دولاً ذات مساهمات عسكرية مهمة. ولم يقدم البنتاغون أو البيت الأبيض توضيحاً يزيل هذا الغموض، بحسب الصحيفة.
وتستحضر الخطوة تهديدات سابقة بمعاقبة الحلفاء الذين لا يساندون أولويات ترمب، وخصوصاً الحرب على إيران. لكنها لا تثبت بذاتها أن قائمة المدعوين صيغت على أساس الموقف من تلك الحرب.
وتكشف القضيتان عن مصدر قلق مشترك: تراجع القدرة على توقع السلوك الأميركي. وحين تتغير وجهة التمويل رغم اعتراض المشرعين، وتبقى معايير إشراك الحلفاء غامضة، تصبح الثقة نفسها موضع اختبار. والسؤال الأوروبي المتقدم عندئذٍ هو ما إذا كان رفع الإنفاق وتحمّل أعباء الدفاع سيضمنان شراكة مستقرة، أم أن الدعم الأميركي سيصبح مرتبطاً بتوافق سياسي يتغير من ملف إلى آخر.
