الجدل حول مراكز البيانات يهزّ معاقل الجمهوريين

الناخبون يخشون ارتفاع الفواتير واستنزاف المياه وفقدان الأراضي الزراعية

صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أوركل» في أبيلين بتكساس يوم 26 أغسطس (أ.ف.ب)
صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أوركل» في أبيلين بتكساس يوم 26 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

الجدل حول مراكز البيانات يهزّ معاقل الجمهوريين

صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أوركل» في أبيلين بتكساس يوم 26 أغسطس (أ.ف.ب)
صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أوركل» في أبيلين بتكساس يوم 26 أغسطس (أ.ف.ب)

تحولت مراكز البيانات، في غضون أشهر، من رمز للاستثمار والتقدم التكنولوجي إلى عبء انتخابي يدفع جمهوريين في ولايات متأرجحة إلى الابتعاد عن الرئيس دونالد ترمب. فبينما يضعها الأخير في قلب المنافسة مع الصين على الذكاء الاصطناعي، يطالب حكام ومرشحون في بعض الولايات الجمهورية؛ مثل حاكم تكساس غريغ أبوت، والمرشحان مايك روجرز في ميشيغان، وستايسي غاريتي في بنسلفانيا، بتعليق مؤقت لمشروعات جديدة، فيما يستخدم مرشحون آخرون معارضتها في إعلاناتهم الانتخابية.

هذا التباعد لا يمثّل تمرداً جمهورياً على ترمب أو رفضاً للتكنولوجيا، بقدر ما يعكس محاولة لحماية المرشحين من قضية محلية شديدة الحساسية قبل انتخابات التجديد النصفي. وقد أقر ترمب نفسه بأن الصناعة تحتاج إلى «بعض المساعدة في العلاقات العامة»، وقال إن معارضة الجمهوريين لمراكز البيانات «أمر مقبول»، مانحاً مرشحي حزبه مساحة نادرة للابتعاد عن إحدى أولوياته.

فاتورة محلية لسباق عالمي

تبدو المفارقة واضحة، إذ تعرض واشنطن مراكز البيانات بوصفها بنية تحتية للأمن القومي والريادة الأميركية، في حين يراها كثير من السكان مصانع رقمية ضخمة تصل فوائدها إلى شركات التكنولوجيا، في حين تبقى تكلفتها محصورة في البلدات التي تستضيفها. وتشمل المخاوف ارتفاع فواتير الكهرباء، واستنزاف المياه، والضغط على الشبكات، والضجيج، وفقدان الأراضي الزراعية، فضلاً عن الإعفاءات الضريبية التي لا تقابلها دائماً وظائف دائمة بأعداد كبيرة.

ويقدر مختبر «لورنس بيركلي» الوطني أن مراكز البيانات قد تستهلك نحو 11.8 في المائة من إجمالي الكهرباء الأميركية بحلول عام 2030، مع احتمال تراوح النسبة بين 9.5 و15.3 في المائة. ولا يعني ذلك أن هذه المراكز وحدها مسؤولة عن ارتفاع الأسعار؛ فتقادم الشبكات وتكلفة الوقود والطقس القاسي عوامل إضافية. لكن تسارع الطلب جعلها الهدف الأكثر وضوحاً لغضب المستهلكين.

وأظهر استطلاع لـ«بوليتيكو» في يوليو (تموز) أن عدداً أكبر من الأميركيين بات يعارض بناء مركز قريب منه مقارنة بمن يؤيده، وأن غالبية المستطلعين تعتقد أن هذه المنشآت ترفع فواتير الكهرباء وتستنزف المياه. كما قال نحو نصفهم إنهم قد يكونون أكثر ميلاً إلى تأييد مرشح يقترح وقفاً مؤقتاً للمشروعات.

لهذا، يضغط نواب جمهوريون لطرح «قانون حماية دافعي الأسعار»، الذي يُلزم الولايات بالنظر في قواعد تجعل المشغلين يتحمّلون تكلفة توسعة الشبكات لخدمتهم. وفي المقابل، يدافع قادة جمهوريون عن الفوائد الضريبية والإنشائية، مستشهدين ببلدات استخدمت إيرادات المراكز لخفض ضرائب الملكية أو تمويل المدارس. وهكذا لم يعد الخلاف بين مؤيد للتكنولوجيا ومعارض لها، بل حول من يدفع ومن يستفيد.

لماذا الولايات الجمهورية؟

لا يبدو أن الأمر يتعلق بانتقال جماعي لمراكز قائمة من الولايات الديمقراطية إلى الجمهورية، بقدر ما يعكس توجهاً متزايداً لضخ الاستثمارات الجديدة في أسواق كانت هامشية قبل سنوات. فالذكاء الاصطناعي يحتاج قبل أي شيء إلى كهرباء وفيرة وسريعة الاتصال، ثم إلى مساحات واسعة، وأراضٍ أرخص، وتصاريح أسرع، وإعفاءات ضريبية وبيئة تنظيمية تسمح ببناء محطات طاقة مرافقة.

وحسب شركة «جيه إل إل»، باتت الأسواق الجديدة تستحوذ على 77 في المائة من قدرات مراكز البيانات قيد الإنشاء في أميركا الشمالية. وتتصدّر ولاية تكساس بنحو 26 غيغاواط من القدرات القائمة والمخططة، تليها فرجينيا بنحو 13 غيغاواط، فيما تتسارع الاستثمارات في أوهايو ولويزيانا وولايتَي كارولاينا الشمالية والجنوبية.

وهذا ما يفسّر تركز الأزمة في ولايات جمهورية أو متأرجحة. فالمشروعات العملاقة تُقام غالباً في مناطق ريفية وضواحٍ تشكّل جزءاً أساسياً من القاعدة الجمهورية. وينظر بعض الناخبين المحافظين إليها أيضاً باعتبارها نموذجاً لقرارات تتخذها شركات بعيدة، بالتفاهم مع حكومات محلية، قبل إطلاع السكان عليها. لذلك، يلتقي القلق من الفاتورة والمياه مع شعارات السيطرة المحلية والشك في الشركات الكبرى والخوف الأوسع من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إلغاء وظائف.

لكن الولايات الديمقراطية ليست خارج المواجهة، فقد أصبحت نيويورك أول ولاية تفرض تعليقاً عاماً لمدة سنة على بناء المراكز الضخمة، مع توجه إلى إلغاء إعفاءاتها من ضريبة المبيعات. كما تناقش فرجينيا تقليص حوافز ضريبية تصل قيمتها إلى نحو 1.6 مليار دولار سنوياً، وتعيد ولايات مثل مينيسوتا وواشنطن وإلينوي النظر في الدعم المقدم للصناعة.

وقف التقنية أم تنظيمها؟

منذ بدايات الثورة الصناعية، استقبل العمال التقنيات الجديدة باعتبارها منافساً يهدد الجهد البشري، قبل أن تخلق وظائف وقطاعات جديدة. غير أن الاعتراض الحالي لا يتعلق بالخوف من التقنية وحدها، بل بطريقة توزيع تكلفتها.

فالناخب قد يقبل حاجة البلاد إلى الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقبل بالضرورة أن يدفع زيادة في فاتورة الكهرباء أو أن تتحمّل بلدته استنزاف المياه مقابل وعود اقتصادية غير محددة. ورغم أنه من غير المرجح وقف هذا التوسع، فإن الأزمة تتحول إلى اختبار لقدرة الجمهوريين، وترمب خصوصاً، على التوفيق بين سباق استراتيجي مع الصين وسياسة «أميركا أولاً» من جهة، وناخب محلي لا يريد أن تتحول بلدته إلى الوقود الصامت لذلك السباق من جهة أخرى.

وقد لا تكون مراكز البيانات القضية التي تحسم الانتخابات النصفية وحدها، لكنها باتت اختصاراً سياسياً لسؤال أكبر: هل تستطيع أميركا بناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي من دون تحميل المجتمعات المضيفة تكلفته؟


مقالات ذات صلة

الانتخابات النصفية الأميركية وبداية العد العكسي

الولايات المتحدة​ ترمب في المؤتمر الوطني الجمهوري في تكساس في 10 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

الانتخابات النصفية الأميركية وبداية العد العكسي

يستعرض «تقرير واشنطن»، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، أبرز السباقات الانتخابيّة والعوامل التي قد تحسم معركة مجلسي النواب والشيوخ.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ رئيس مجلس النواب مايك جونسون في الكونغرس يوم 15 سبتمبر 2026 (أ.ب)

حرب إيران تلاحق حزب ترمب

مع اقتراب الانتخابات النصفية في الكونغرس الأميركي واستياء الناخبين من تأثير حرب إيران على معيشتهم، توسّعت الانشقاقات بين نواب الحزب الجمهوري حيال الحرب.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ رئيس مجلس النواب مايك جونسون يتحدث في مؤتمر الحزب الجمهوري في تكساس في 10 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

مَن يقلب موازين القوى في واشنطن؟

ينتهي هذا الأسبوع موسم الانتخابات التمهيدية في الولايات المتحدة ويبدأ العد العكسي للانتخابات النصفية الحاسمة التي ستجري في الثالث من نوفمبر.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب على مسرح المؤتمر الحزبي الجمهوري في دالاس في 10 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ترمب والجمهوريون... مكسب انتخابي أم عبء سياسي؟

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، ما إذا كان ترمب لا يزال ورقةَ الجمهوريين الأقوى أم أنه قد يتحول إلى عبء في السباقات المتأرجحة.

رنا أبتر (واشنطن)
الاقتصاد الحضور يستمع إلى ترمب وهو يلقي كلمته خلال المؤتمر الوطني الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي بمركز الخطوط الجوية الأميركية في دالاس (أ.ف.ب) p-circle 00:36

«توزيعات ترمب» تضع 1.35 تريليون دولار على طاولة الانتخابات

يضع وعد الرئيس دونالد ترمب بدفع 5 آلاف دولار لكل بالغ أميركي إذا احتفظ الجمهوريون بالكونغرس، فاتورة تصل إلى 1.35 تريليون دولار أمام المالية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

طهران... تصعيد خطابي لا يُغلق باب التفاوض

بزشكيان رافعاً صورة علي خامنئي في الأمم المتحدة (رويترز)
بزشكيان رافعاً صورة علي خامنئي في الأمم المتحدة (رويترز)
TT

طهران... تصعيد خطابي لا يُغلق باب التفاوض

بزشكيان رافعاً صورة علي خامنئي في الأمم المتحدة (رويترز)
بزشكيان رافعاً صورة علي خامنئي في الأمم المتحدة (رويترز)

صعّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في الأمم المتحدة، خطابياً ضد نظيره الأميركي دونالد ترمب، غير أنه أبقى الباب مفتوحاً أمام الجهود الدبلوماسية لتسوية الأزمة.

وادعى بزشكيان أن بلاده لا ترغب في امتلاك سلاح نووي، «لكنها لن تقبل بأي قيود على برنامجها النووي المدني». وردّاً على كلام ترمب، قال بزشكيان: «لن ننحني ولن نخضع. نحن مستعدون للحوار والدبلوماسية والمفاوضات، لكننا لن نقبل أبداً لغة القوة».

وعُقد على هامش اجتماعات الأمم المتحدة لقاء بين موفدين للطرفين برعاية قطرية، وُصف بأنه «جيد للغاية».

وقال مسؤول إيراني كبير لوكالة «رويترز» إن بلاده «تدرس الرد الأميركي على مقترحها لإنهاء الأعمال العدائية». وأوضح أنه جرى بحث معاودة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأميركي خلال محادثات غير مباشرة مع واشنطن، أمس.

من جانبه، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو ‌روبيو أمس ‌إن التوصل إلى اتفاق مع إيران سيتطلب جهداً شاقاً ‌لفترة ‌من الوقت، ‌مضيفاً أن الرئيس ترمب يمتلك خيارات عسكرية أيضاً.


إدارة ترمب تخصّ شي باستقبال استثنائي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال جولة في «معبد السماء» ببكين يوم 14 مايو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال جولة في «معبد السماء» ببكين يوم 14 مايو (رويترز)
TT

إدارة ترمب تخصّ شي باستقبال استثنائي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال جولة في «معبد السماء» ببكين يوم 14 مايو (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال جولة في «معبد السماء» ببكين يوم 14 مايو (رويترز)

يخصّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره الصيني شي جينبينغ باستقبال استثنائي، بدأ من قاعدة أندروز المشتركة مساء أمس الأربعاء، ويستمرّ اليوم في البيت الأبيض حيث تُقام مراسم عسكرية وحفاوة بروتوكولية لافتة.ويبدأ البرنامج الرسمي، اليوم، بمراسم عسكرية وكلمتين للزعيمين، تعقبها محادثات بين ترمب وشي، ثم مأدبة عشاء، على أن يُختتم البرنامج الجمعة بلقاء آخر وزيارة مشتركة للأرشيف الوطني.


استقبال نادر من ترمب للرئيس الصيني لدى وصوله إلى الولايات المتحدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب يستقبلان الرئيس الصيني شي جين بينغ وزوجته بنغ لي يوان (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب يستقبلان الرئيس الصيني شي جين بينغ وزوجته بنغ لي يوان (ا.ب)
TT

استقبال نادر من ترمب للرئيس الصيني لدى وصوله إلى الولايات المتحدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب يستقبلان الرئيس الصيني شي جين بينغ وزوجته بنغ لي يوان (ا.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب يستقبلان الرئيس الصيني شي جين بينغ وزوجته بنغ لي يوان (ا.ب)

حطّت طائرة الرئيس الصيني شي جينبينغ في الولايات المتحدة، الأربعاء، حيث تواجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى مدرج المطار لاستقباله بدلا من انتظاره حتى يصل إلى البيت الأبيض.

طائرة الرئيس الصيني في قاعدة أندروز المشتركة في ولاية ماريلاند (ا.ف.ب)

ويُظهر قرار ترمب استقبال شي في قاعدة أندروز المشتركة الواقعة خارج واشنطن، بدلا من استقباله في مقر الإقامة الرئاسي، إلى أي مدى يمضي الرئيس الأميركي في تكريم الرئيس الصيني، خلال أول زيارة دولة يجريها إلى العاصمة واشنطن منذ أكثر من عقد.

وكان الرئيس والسيدة الأولى ميلانيا في القاعدة للمشاركة في مراسم استقبال شي وزوجته بينغ لي يوان. ويدشن هذا الاستقبال زيارة تستمر ثلاثة أيام، يُتوقع أن تكون حافلة بالمراسم والاحتفالات، حتى وفقا لمعايير البيت الأبيض. ومن المقرر أن تتضمن زيارة الدولة مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض الخميس، في إطار المعاملة بالمثل للفخامة الاحتفالية التي ميزت زيارة ترمب إلى الصين في مايو (أيا)ر الماضي.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، أن واشنطن وبكين اتفقتا على تمديد الهدنة التجارية بينهما لمدة شهرين، بعد أن كان مقررا أن تنتهي في 10نوفمبر (تشرين الثاني).

وعقب محادثات مع نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ، قال بيسنت إن أكبر اقتصادين في العالم اتفقا على تمديد "التهدئة الاقتصادية بين البلدين التي كان من المقرر أن تنتهي في 10 نوفمبر، حيث سيصار إلى تمديدها حتى 10 يناير (كانون الثاني)».