لم تعد حملة إدارة الرئيس دونالد ترمب على ما تسميه «الإرهاب اليساري» محصورة في خطاب سياسي يستهدف حركة «أنتيفا» داخل الولايات المتحدة. فمع إدراج وزارة الخزانة الأميركية مجموعة «فلسطين أكشن» البريطانية على قائمة «الإرهابيين العالميين المصنفين بصورة خاصة»، انتقلت الحملة إلى استخدام العقوبات المالية الأميركية ضد مجموعات وشبكات أجنبية، في خطوة تعطي واشنطن قدرة على ملاحقة أموالها والمتعاملين معها عبر الحدود.
تكمن أهمية القرار في أنه لا يتعلق بمجموعة واحدة أو بالخلاف حول أساليبها التخريبية فحسب، بل يؤسس لاختبار أوسع: هل تبقى مكافحة الإرهاب مرتبطة بطبيعة الفعل وخطورته، أم تتحول تدريجياً إطاراً آيديولوجياً يجمع جماعات يسارية وفوضوية ومؤيدة للفلسطينيين ضمن شبكة تهديد واحدة؟ وهو سؤال تزداد حساسيته عندما تتقاطع حماية المنشآت العسكرية مع حرية الاحتجاج، وتتحول العقوبات الأميركية معياراً تمتثل له مصارف ومؤسسات خارج الولايات المتحدة.

من الخطاب إلى العقوبات
جاء القرار بعد نحو ستة أسابيع من استضافة وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مسؤولين من أكثر من 60 دولة في واشنطن، داعياً إلى إعادة توجيه الجهود الدولية نحو ما وصفه بـ«إرهاب اليسار المتطرف». وقال إن التهديد الذي تمثله الجماعات الإسلامية المسلحة تراجع بفعل التعاون الدولي، في حين ظلت أعمال العنف اليسارية «نقطة عمياء»، مطالباً بتحديد هذا التهديد ورسم شبكاته وإعادة بناء هيكلية مكافحته. وكانت واشنطن قد صنفت، منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، أربع جماعات أوروبية فوضوية منظمات إرهابية أجنبية، وأعلنت سياسة لتقييد تأشيرات المنتمين إلى مجموعات تتهمها بدعم العنف أو التخريب الاقتصادي.
الإجراء الجديد حوّل هذا التوجه عمليةً مالية مترابطة. فإلى جانب «فلسطين أكشن»، عاقبت الخزانة منظمة «أوتيستيشي إنفنتاتي» الإيطالية، متهمة إياها بتوفير استضافة إلكترونية واتصالات مشفرة وأدوات رقمية لخلايا من «أنتيفا» ومجموعات يسارية عنيفة. كما استهدفت حركة «مسار بديل» واثنين من مسؤوليها، قائلة إنها مرتبطة بشبكة «صامدون» التي تعدها واشنطن واجهة لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وقال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إن بلاده ستستخدم «كامل ثقل أدواتها الاقتصادية» لقطع خطوط تمويل هذه الجماعات.
تصنيف مالي واسع
قانونياً، لم يصدر القرار عن وزارة الخارجية بوصفه إدراجاً جديداً على قائمة «المنظمات الإرهابية الأجنبية»، بل عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في الخزانة، الذي صنف «فلسطين أكشن» بموجب الأمر التنفيذي 13224 الصادر بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ويعني ذلك تجميد أي أصول للمجموعة تخضع للولاية الأميركية، ومنع الأميركيين والمؤسسات العاملة عبر النظام المالي الأميركي من تقديم أموال أو سلع أو خدمات لها. كما قد تتعرض مصارف أجنبية لعقوبات ثانوية إذا سهّلت معاملات مهمة لمصلحتها.

وتقول الخزانة إن المجموعة دعمت منذ تأسيسها عام 2020 أعمالاً أصابت عناصر من الشرطة البريطانية، واقتحمت منشآت دفاعية وعسكرية وألحقت بمعدات أضراراً بملايين الدولارات، ثم روّجت لهذه الأساليب دولياً. وتركزت أنشطتها خصوصاً على منشآت شركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية وشركات تتعامل معها. في المقابل، نقلت «رويترز» عن المؤسسة المشاركة في تأسيس المجموعة هدى عموري قولها إن هدف عملياتها هو تعطيل ما وصفته بـ«آلة الحرب الإسرائيلية»، عادَّةً أن القرار يهدّد حرية التعبير والعمل المؤيد للفلسطينيين.
هذا التباين لا يلغي إمكان ملاحقة اقتحام المنشآت أو إصابة رجال الشرطة أو تدمير الممتلكات بموجب القوانين الجنائية العادية. لكنه يضع الخلاف عند مستوى آخر: متى يصبح التخريب لتحقيق غاية سياسية إرهاباً، ومتى يبقى جريمة احتجاجية مهما كانت جسامتها؟
بريطانيا ترسم السابقة
استندت واشنطن بصورة واضحة إلى السابقة البريطانية. فقد حظرت لندن «فلسطين أكشن» في يوليو (تموز) 2025 بموجب قانون الإرهاب، لكن القرار ما زال موضع نزاع قضائي. قضت المحكمة الابتدائية بعدم قانونيته، عادَّةً أنه خالف سياسة وزارة الداخلية ومَسَّ بصورة غير متناسبة حرية التعبير والتجمع، قبل أن تلغي محكمة الاستئناف ذلك الحكم. وستنظر المحكمة العليا الطعن يومي 4 و5 نوفمبر المقبل.

صحيفة «الغارديان» قالت إن حكماً بريطانياً حديثاً كشف عن صعوبة رسم الحد الفاصل. فقد رفض قاضٍ معاملة خمسة ناشطين أتلفوا فرعاً لمصرف «باركليز» وتسببوا بأضرار تجاوزت 200 ألف جنيه إسترليني بوصفهم مرتبطين بالإرهاب، عادَّاً أن الفعل لم يبلغ العتبة العالية المطلوبة، وإن أبقى إدانتهم بالتخريب قائمة. وترى «هيومن رايتس ووتش» أن المعايير الدولية الأفضل تحصر الإرهاب بأفعال تستهدف إحداث الموت أو الإصابة الجسيمة أو احتجاز رهائن، لا بالأضرار المادية التي لا تعرض الحياة للخطر.
بذلك، تكون إدارة ترمب قد صدّرت إلى الخارج معركة أميركية داخلية حول اليسار والعنف السياسي، قبل أن يحسم القضاء البريطاني حتى مشروعية السابقة التي استندت إليها. وقد تمنح الأدوات الجديدة واشنطن قدرة أكبر على ضرب شبكات تمويل فعلية، لكنها تنشئ أيضاً سابقة يمكن لأي إدارة لاحقة قلب اتجاهها واستخدامها ضد جماعات يمينية.






