تمرد قومي قد يربك جمهوريي أميركا حتى 2028

خروج المعلق المحافظ تاكر كارلسون يكشف عن صدع في «ماغا»

ترمب برفقة الإعلامي تاكر كارلسون في فينيكس بأريزونا 31 أكتوبر 2924 (أ.ف.ب)
ترمب برفقة الإعلامي تاكر كارلسون في فينيكس بأريزونا 31 أكتوبر 2924 (أ.ف.ب)
TT

تمرد قومي قد يربك جمهوريي أميركا حتى 2028

ترمب برفقة الإعلامي تاكر كارلسون في فينيكس بأريزونا 31 أكتوبر 2924 (أ.ف.ب)
ترمب برفقة الإعلامي تاكر كارلسون في فينيكس بأريزونا 31 أكتوبر 2924 (أ.ف.ب)

في ضربة جديدة للحزب الجمهوري وحركة «ماغا»، أعلن المعلق المحافظ تاكر كارلسون أنه «خارج» الحزب لأنه «لم يعد يعكس آراءه».

أهمية هذا الإعلان لا تكمن في احتمال تحول كارلسون إلى المعسكر الديمقراطي، فهو استبعد ذلك صراحةً. بل في أنه يمنح صوتاً شديد التأثير لشريحة ترى أن الحزب الجمهوري خان الوعد الأصلي لـ«أميركا أولاً». وحسب «أكسيوس» ووكالة «أسوشييتد برس»، قال كارلسون إنه لن يدعم الجمهوريين بعد الآن، متهماً قيادتهم بتقديم مصالح إسرائيل والمانحين والشركات على مصالح الأميركيين. لكن توصيف ما يجري بأنه خروج كامل من «ماغا» يحتاج إلى تدقيق: كارلسون يبتعد عن نسختها الحاكمة المرتبطة بالرئيس دونالد ترمب، من دون أن يتخلى عن قوميته المحافظة أو عن معظم مواقفه الثقافية. كما أن حالته ليست فردية تماماً، لكنها لا ترقى بعد إلى انشقاق تنظيمي واسع؛ إنها شبكة اعتراض تضم إعلاميين وناشطين ومسؤولين سابقين، تختلف في التفاصيل وتتفق على أن الحركة ابتعدت عن وعودها المناهضة للحروب والمؤسسة.

أميركيات يعتمرن قبعات «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) خلال حضور حفل انتخابي لدونالد ترمب في ويست بالم بيتش بفلوريدا 6 نوفمبر 2024 (رويترز)

إيران وإسرائيل

الحرب مع إيران هي نقطة الانفجار، لكنها ليست أصل الأزمة الوحيد. كارلسون، ومعه أصوات مثل ستيف بانون، وميغين كيلي، وكانديس أوينز، وجو روغان، وثيو فون، يمثلون تياراً يرى أن «أميركا أولاً» تعني تجنب الحروب الطويلة، وتقليص الالتزامات الخارجية، ورفض أن تحدد دولة حليفة أولويات واشنطن. وقد انتقل الاعتراض من الإعلام إلى داخل الإدارة عندما استقال مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كينت، قائلاً إنه لا يستطيع تأييد حرب لا يعتقد أن إيران فرضتها بتهديد وشيك.

في المقابل، يتمسك تيار جمهوري تقليدي، يضم صقوراً في الكونغرس وشخصيات إعلامية محافظة، بأن التحالف مع إسرائيل ومواجهة إيران جزء من الأمن القومي الأميركي، وليسا تناقضاً معه. ومن هنا أصبح الصراع حول تعريف «أميركا أولاً»: هل هو انكفاء عسكري وانتقائية صارمة في استخدام القوة، أم تفوق أميركي نشط يحمي الحلفاء ويردع الخصوم؟ وقد زاد الاتفاق الأولي لإنهاء الحرب تعقيد المشهد، إذ هاجم بعض الصقور ما رأوها تنازلات لطهران، بينما انتقد المعسكر الانعزالي أصل الدخول في الحرب. وهكذا وجد ترمب نفسه تحت ضغط متعاكس من جناحين كانا يجتمعان سابقاً تحت قيادته.

ويمتد الخلاف إلى الاقتصاد والشفافية. المنشقون يقولون إن التركيز على الخارج جاء على حساب الأسعار والرعاية الصحية والقدرة الشرائية، وإن قيادة الحزب خضعت للمانحين والمصالح المؤسسية.

ترمب برفقة روبرت إف كينيدي جونيور وتبدو النائبة السابقة تولسي غابارد والإعلامي تاكر كارلسون خلفهما خلال تجمّع انتخابي في دولوث بجورجيا 23 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

كانت النائبة مارجوري تايلور غرين قد سبقت كارلسون إلى قطيعة علنية مع ترمب انتهت باستقالتها من الكونغرس، بعد خلافات حول السياسة الخارجية، وتكاليف الرعاية الصحية، وملفات جيفري إبستين.

إعادة تركيب لليمين

لا يعكس هذا التمرد انزياحاً بسيطاً نحو اليمين أو الوسط أو اليسار. ففي قضايا الهجرة والثقافة والسلطة الفيدرالية، يبقى كارلسون وحلفاؤه إلى يمين المؤسسة التقليدية. لكنهم في السياسة الخارجية أقل تدخلاً، وفي الاقتصاد أكثر شعبوية وعداءً للشركات الكبرى، وفي نقد إسرائيل أقرب أحياناً إلى مواقف موجودة لدى اليسار التقدمي.

لذلك تبدو الظاهرة إعادة تركيب للمشهد وليست اعتدالاً. إنها يمين قومي شعبوي، محافظ اجتماعياً، متشكك في التحالفات والحروب، وأقل التزاماً بعقيدة السوق الحرة التي حكمت الجمهوريين لعقود. وقد يلتقي تكتيكياً مع اليسار في رفض الحرب أو نفوذ المال، لكنه لا يتحول إليه. كما أن بعض الخطاب المناهض لإسرائيل أثار اتهامات بمعاداة السامية، وهو ما يزيد حدة الانقسام ويمنح الصقور حجة لرفض هذا التيار بوصفه خطراً أخلاقياً وانتخابياً. وفي المقابل، يرى أنصار كارلسون أن استخدام هذا الاتهام أداة لإغلاق النقاش حول حدود الدعم الأميركي لإسرائيل، مما يجعل المصالحة بين الجناحين أكثر صعوبة.

تاكر كارلسون اتهم الحزب الجمهوري بأنه خان الوعد الأصلي (أ.ب)

وراثة ترمب

الأثر الأقرب في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل النصفية لن يكون انتقال أعداد كبيرة إلى الديمقراطيين، بل احتمال الامتناع عن التصويت أو تراجع الحماسة بين الشباب والناخبين غير المنتظمين، الذين ساعدت البودكاستات المحافظة على جذبهم عام 2024. وفي انتخابات متقاربة، يمكن لانخفاض محدود في المشاركة أن يهدد دوائر جمهورية حاسمة، خصوصاً مع تراجع تقييم إدارة ترمب للاقتصاد وتقدم الديمقراطيين في متوسطات الاقتراع العام للكونغرس. وتزيد حساسية المسألة لأن الأغلبية الجمهورية ضيقة، ولأن خسارة بضعة مقاعد قد تغير السيطرة على مجلس النواب.

مع ذلك، لا يزال ترمب يحتفظ بولاء قوي داخل القاعدة الجمهورية، كما أن الاستقطاب الحزبي يجعل تحول المحافظين إلى الديمقراطيين محدوداً. لذلك يرى محللون ان حجم الضرر يعتمد على ما إذا كان كارلسون سيكتفي بالمقاطعة، أم سيستخدم منصته لإسقاط مرشحين جمهوريين، ودعم مستقلين، أو بناء شبكة سياسية موازية.

أما في 2028، فيرى هؤلاء ان الصراع أعمق. فالمعركة لن تكون فقط على المرشح، بل على معنى «ماغا» بعد ترمب. يستطيع نائب الرئيس جي دي فانس تقديم نفسه وريثاً للتيار القومي المتشكك في الحروب، فيما يجسد وزير الخارجية ماركو روبيو والسيناتور تيد كروز اتجاهاً أكثر تقليدية في التحالفات واستخدام القوة. خروج كارلسون يمنحه حرية مهاجمة الطرفين واختيار من يراه أكثر وفاءً لـ«أميركا أولاً». ومن ثم، قد لا يُنهي «ماغا»، لكنه يسرّع تفككها من حركة تتمحور حول شخص ترمب إلى تيارات تتنافس على إرثه، وقد يصبح من ينجح في إعادة جمعها، المرشح الأقوى داخل الحزب الجمهوري المقبل.


مقالات ذات صلة

مايك روجرز يتحوّل «ترمبياً» للفوز على السيد اليساري في ميشيغان

الولايات المتحدة​ شارة انتخابية في ميشيغان (أ.ف.ب)

مايك روجرز يتحوّل «ترمبياً» للفوز على السيد اليساري في ميشيغان

انتقل مرشح الجمهوريين بالانتخابات النصفية للكونغرس، مايك روجرز، إلى مؤيد لخط الرئيس ترمب؛ سعياً للفوز ضد مرشح يساري ديمقراطي بمقعد ميشيغان بمجلس الشيوخ.

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري فرنشيسكا هونغ خلال تجمع انتخابي يوم 2 أغسطس 2026 في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن الأميركية (أ.ف.ب)

تحليل إخباري بعد زلزال ميشيغان... هل تكرر فرنشيسكا هونغ مفاجأة عبدول السيد في ويسكونسن؟

انتقل اختبار صعود اليسار الأميركي إلى ولاية ويسكونسن، حيث تدخل فرنشيسكا هونغ الانتخابات التمهيدية لمنصب الحاكم وهي تتصدر السباق الديمقراطي...

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ عضوة مجلس النواب هالي ستيفنز التي خسرت الانتخابات التمهيدية بفارق ضئيل للغاية لا يتجاوز 15 ألف صوت فقط (أ.ف.ب)

عبد الرحمن السيد يهز المؤسسة «الديمقراطية» بأميركا

رغم أن الأنظار تتجه لانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل فإن كثيراً من المحللين يرون أن ما جرى بميشيغان يمثل بداية غير معلنة لمعركة الرئاسة

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ النائب ماكس ميلر الجمهوري عن ولاية أوهايو يصل إلى العاصمة الأميركية واشنطن في 13 نوفمبر 2022 (أ.ب)

اتهامات بالعنف المنزلي تربك الجمهوريين قبل الانتخابات النصفية في أميركا

واجه النائب الجمهوري ماكس ميلر، الاثنين، دعوات متزايدة للانسحاب من معركة إعادة انتخابه في وقت تهدد اتهامات بارتكاب عنف منزلي حملته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ عبد الرحمن السيد المرشح التقدمي في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان (أ.ب)

الديمقراطيون يخوضون كبرى معاركهم الانتخابية الثلاثاء في ميشيغان

تشهد الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي معركة كبرى بميشيغان لحسم مرشحه للانتخابات النصفية للكونغرس بمنافسة بين الدكتور عبد الرحمن السيد والنائبة هايلي ستيفنز

علي بردى (واشنطن)

ترمب: الطائرة التي استقليتها من تركيا كانت «معرضة لخطر أكبر»

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)
TT

ترمب: الطائرة التي استقليتها من تركيا كانت «معرضة لخطر أكبر»

ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين على مدرج قاعدة أندروز الجوية في ماريلاند (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأربعاء إن الطائرة التي استقلها بعد أن غادر سرا على متن رحلة جوية عسكرية من تركيا الشهر الماضي كانت «معرضة لخطر أكبر».

وتضمن ذلك التغيير نقل الرئيس من طائرة إلى أخرى على متن شاحنة لنقل الطعام، وذلك بسبب مخاوف بشأن تقارير عن تهديد إيراني محتمل باغتياله.

وقال ترمب للصحفيين، بعد أن نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريرا عن الأمر، «أعتقد في الواقع أن الطائرة التي استقللتها كانت معرضة لخطر أكبر... لأنها كانت الطائرة التي أعتقد أنهم كانوا سيستهدفونها على الأرجح». وأضاف أنه لا يثق في إيران.


واشنطن ودول حليفة لها تطالب بإخطار مسبق قبل اختبارات الصواريخ البالستية

صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن ودول حليفة لها تطالب بإخطار مسبق قبل اختبارات الصواريخ البالستية

صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ قادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

حذّرت الولايات المتحدة ونحو 40 دولة أخرى، الثلاثاء، من مخاطر إجراء اختبارات للصواريخ البالستية من دون إخطار مسبق، وذلك في بيان مشترك صدر بعد شهر من إطلاق الصين صاروخا قادرا على حمل رؤوس نووية فوق المحيط الهادئ.

وجاء في البيان الذي وقّعته دول من أوروبا ومنطقة المحيطَين الهندي والهادئ، أن «إجراء اختبارات لصواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس نووية من دون إخطار مسبق وتفاصيل واضحة، يُعدّ أمرا خطيرا ويقوّض السلم والأمن للدول القريبة من مسارات هذه الاختبارات».

وأضاف البيان أن هذه الممارسات «تنطوي على مخاطر سوء التقدير، وتقوّض الاستقرار والأمن العالميَّين، ولا تنسجم مع المسؤوليات المترتبة على امتلاك قدرات صاروخية بعيدة المدى».

ودعت الدول الموقّعة كل البلدان إلى تقديم إشعار قبل الإطلاق بما لا يقل عن 24 ساعة، يتضمّن نوع الصاروخ المزمع إطلاقه، والنافذة الزمنية للإطلاق، والمنطقة والاتجاه المتوقّعَين.

كما شدّد البيان على ضرورة إصدار إخطارات واضحة للطيران والملاحة البحرية وفق المعايير الدولية للحدّ من المخاطر، بما في ذلك في المناطق المتوقع سقوط الصاروخ أو حطامه فيها.

وكانت بكين أخطرت عددا محدودا من الدول قبل فترة وجيزة من اختبارها صاروخا بالستيا عابرا للقارات الشهر الماضي، في خطوة اعتُبرت استعراضا لقدراتها العسكرية في منطقة تسعى منذ سنوات إلى تعزيز نفوذها فيها.

وقال مراقبون إن الصاروخ سقط في منطقة بحرية تقع بين جزر سليمان وناورو وتوفالو في المحيط الهادئ.


إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تُعيد رسم الانقسامات السياسية في أميركا

ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)
ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارالاغو - فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

عندما يلتقي أقصى اليمين وأقصى اليسار على موقف واحد، يصعب تجاهل التحول الذي يعكسه هذا التقاطع. وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في الولايات المتحدة، حيث تتسع دائرة الانتقادات لإسرائيل عموماً ولرئيس وزرائها بنيامين نتنياهو خصوصاً، لتتجاوز الانقسامات الحزبية التقليدية، وتجمع أصواتاً متباعدة سياسياً قلّما تلتقي على قضية واحدة.

وفي الوقت الذي بدأت هذه المواقف تتردد منذ فترة في الأوساط السياسية الأميركية، إلا أن حوار الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، المعروف بمواقفه المنتقدة لتل أبيب، مع نجل الرئيس السابق جو بايدن، هنتر، سلّط الضوء عليها، إذ أجمع الرجلان اللذان قلما يتفقان على موقف، على انتقاد نتنياهو. فوصف هنتر رئيس الوزراء الإسرائيلي بـ«الشر المتجسد»، ودافع عن كارلسون الذي يواجه اتهامات بمعاداة السامية بسبب انتقاده لإسرائيل، مستغرباً من ربط الملفين ببعضهما بعضاً.

معاداة السامية

لكن هذا الربط ليس جديداً، فلطالما واجه منتقدو إسرائيل في الولايات المتحدة اتهامات بمعاداة السامية. ولا يقتصر الأمر على كارلسون، بل يتعداه ليصل إلى نائب الرئيس الأميركي نفسه جي دي فانس الذي يواجه هو كذلك اتهامات من هذا النوع، بعد أن انتقد إسرائيل علناً «بسبب عرقلتها الاتفاق مع إيران».

هنتر نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في البيت الأبيض 16 ديسمبر 2024 (أ.ب)

فقد أعرب فانس في موقف لافت عن انزعاجه من سماح «القيادات الأميركية بأن يؤثر النفوذ الإسرائيلي على أحكامها والمواقف التي يدافعون عنها»، واتّهم أعضاء في الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على الرأي العام الأميركي لإطالة أمد الحرب.

وتطرق فانس بشكل مباشر إلى الاتهامات بمعاداة السامية، فقال بشكل حاسم: «ليس صحيحاً أن كل انتقاد للقرارات السياسية التي يتخذها نتنياهو يقود إلى معاداة السامية، أو يُعدّ بحد ذاته معاداة للسامية».

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في البيت الأبيض 5 أغسطس 2026 (أ.ب)

ومن الواضح أن التطرق إلى ملفات من هذا النوع بدأ يغير من طبيعة الحوار في الولايات المتحدة بشأن إسرائيل. وقد تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن الأمر أكثر من مرة، كان آخرها في مقابلة مع «ريل أميركا فويس» قال فيها إن تأثير اللوبي الإسرائيلي يتراجع في واشنطن، مشيراً إلى تغيير المشهد الأميركي حيال إسرائيل. ورغم وجود كثير من المحافظين الذين ينتقدون تل أبيب، فإن ترمب لم يتردد بتوجيه أصابع الاتهام إلى الحزب الديمقراطي. وهاجم زعيمهم في مجلس الشيوخ تشاك شومر، مشيراً إلى أنه توقف عن دعم إسرائيل «وأصبح فلسطينياً» على حد تعبيره.

تغيير في المشهد الحزبي

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بالكونغرس 4 أغسطس 2026 (رويترز)

لكن شومر من الديمقراطيين القلائل الذين حافظوا على تأييدهم لإسرائيل في أجواء مشحونة سياسياً، إذ إنه صوّت ضد مشروع قرار طرحه التقدمي برني ساندرز لتقييد مبيعات الأسلحة لإسرائيل رغم انضمام 40 ديمقراطياً للتصويت لصالح المشروع في سابقة في الكونغرس.

وتكرر المشهد في الجانب المقابل من المجلس التشريعي، حين صوّت أكثر من 100 ديمقراطي لصالح مشروع مشابه طرحه الجمهوري المعارض لترمب توماس ماسي، في مواقف أظهرت بوضوح تغييراً بارزاً في المعادلة السياسية الأميركية.

ترمب برفقة الإعلامي تاكر كارلسون في فينيكس بأريزونا يوم 31 أكتوبر 2024 (أ.ف.ب)

ورغم تأييد شومر المستمر لإسرائيل، فإن الرجل الذي يبلغ من العمر 75 عاماً سيخوض الانتخابات في عام 2028 للدفاع عن مقعده، ومن المتوقع أن تنافسه على هذا المقعد النائبة التقدمية الشابة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز المعروفة بمواقفها المنتقدة لإسرائيل. ومما لا شك فيه أن الناخبين الشباب هم الذين حركوا هذا التغيير في المواقف، فهم من صوتوا لصالح وجوه تقدمية ديمقراطية تعارض إسرائيل علناً، مثل رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، والمرشح الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان عبد الرحمن السيد.

بين إيران وإبستين

ومن اليسار إلى أقصى اليمين، تتصاعد أصوات المؤثرين والمحافظين المعارضين لسياسات إسرائيل.

وقد تبنى هذه المواقف منشقون عن ترمب من حركة «ماغا» مثل النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي جو كنت. ويعتمد هؤلاء في انتقادهم على مبدأ «أميركا أولاً»، وقد شرحوا تحفظاتهم بشكل واضح في نقاط 10 توصلوا إليها بعد اجتماع بتاكر كارلسون، تقول إحداها إن إسرائيل دفعت الولايات المتحدة إلى خوض الحرب مع إيران من خلال «الرشوة أو التهديد أو كليهما»، مع وصف الخضوع لنفوذ جماعات الضغط الأجنبية بأنه شكل من أشكال من «العبودية».

ملفات جيفري إبستين تقسم الصف الجمهوري (أ.ب)

ومن اللافت أن إيران هي القاسم المشترك بين تصريحات فانس وكارلسون، بالإضافة إلى ملف آخر هو ملف إبستين. وهنا الرابط الآخر المثير للاهتمام، فأغلبية المنتقدين لإسرائيل من اليمين يُجمعون على موقف موحد تجاه ملفات إبستين، ويصرون على ضرورة الكشف عن تفاصيلها.

ويشمل هؤلاء تشارلي كيرك الذي تم اغتياله في حدث بجامعة يوتا العام الماضي، مروراً بمقدم البودكاست جو روغان، ومارجوري تايلور غرين، ووصولاً إلى كارلسون الذي ادّعى أن إبستين عمل لصالح الاستخبارات الإسرائيلية. ولم يتردد فانس في الترويج للطرح نفسه، وقال رداً على سؤال لجو روغان: «من الواضح إنه (إبستين) كانت لديه علاقات مع أعلى المستويات من الاستخبارات الإسرائيلية».

وهكذا لم يعد الجدل الأميركي بشأن إسرائيل محصوراً بين جمهوري وديمقراطي. فخطوط الانقسام تداخلت بين الحزبين. ورغم اختلاف دوافع الانتقاد وأسبابه، فإن الهدف واحد: إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ورسم حدود النفوذ الإسرائيلي في أروقة القرار الأميركي.