ترمب يزور الصين الأربعاء… وإيران وتايوان تتصدران جدول الأعمال

شي يتطلع لانتزاع تنازلات بشأن الجزيرة وسط تنافس على قيادة العالم

الرئيسان الأميركي والصيني يتصافحان قبل اجتماعهما بمطار «غيمهاي» في بوسان بكوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (أ.ب)
الرئيسان الأميركي والصيني يتصافحان قبل اجتماعهما بمطار «غيمهاي» في بوسان بكوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (أ.ب)
TT

ترمب يزور الصين الأربعاء… وإيران وتايوان تتصدران جدول الأعمال

الرئيسان الأميركي والصيني يتصافحان قبل اجتماعهما بمطار «غيمهاي» في بوسان بكوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (أ.ب)
الرئيسان الأميركي والصيني يتصافحان قبل اجتماعهما بمطار «غيمهاي» في بوسان بكوريا الجنوبية يوم 30 أكتوبر 2025 (أ.ب)

من المقرر أن يبدأ الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأربعاء، زيارة إلى الصين يعقد خلالها اجتماع قمة مع الرئيس شي جينبينغ، يتناول مجموعة واسعة من القضايا السياسية الاقتصادية والأمنية.

وأكدت بكين، الاثنين، أن الرئيس الصيني، شي جينبينغ، يتطلع إلى لقاء نظيره الأميركي وإظهار دور بكين بوصفها عامل استقرار في العلاقات الدولية. وأفاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غو جياكون، في مؤتمر صحافي، الاثنين، بأن الزعيمين سيجريان تبادلاً معمقاً لوجهات النظر بشأن القضايا الرئيسية التي تهم العلاقات الثنائية، وكذلك قضايا السلام والتنمية على الصعيد العالمي. وقال غو إن «الصين تعتزم العمل مع الولايات المتحدة على قدم المساواة، ضمن روح من الاحترام والاهتمام بالمصلحة المشتركة؛ بهدف تطوير التعاون وإدارة الخلافات وتأمين مزيد من الاستقرار في عالم مترابط وغير مستقر».

بدوره، أكد البيت الأبيض أن الرئيس ترمب سيصل إلى بكين مساء الأربعاء لعقد اجتماع مع الرئيس شي؛ لمناقشة مجموعة من القضايا الاقتصادية والأمنية استناداً إلى مبدأ «المعاملة بالمثل والإنصاف»؛ بهدف تحسين حياة الأميركيين.

جدول الزيارة

ووفقاً لمسؤولي البيت الأبيض؛ فإن القمة الأميركية - الصينية ستنطلق صباح الخميس عقب مراسم استقبال رسمية، تليها جولة مشتركة في «معبد السماء»، ومحادثات مغلقة بين الجانبين، ثم مأدبة عشاء رسمية في المساء. ويعقد الرئيسان ترمب وشي جلسة لتناول الشاي وغداء عمل يوم الجمعة قبل مغادرة الرئيس الأميركي العاصمة الصينية.

وكشف مسؤول أميركي للصحافيين عن أن الموضوعات الرئيسية التي سيناقشها الرئيسيان تتراوح بين التجارة والذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى ملفَيْ إيران وتايوان، وعن أن هناك هدفاً مشتركاً يتمثل في إنهاء الأعمال العدائية في منطقة الشرق الأوسط والتوصل إلى حل لإنهاء حرب إيران، إضافة إلى إبرام صفقات تجارية تتعلق بمجالات الفضاء والزراعة والطاقة. ولمح المسؤول الأميركي إلى أن الصين قد توافق على زيادة مشترياتها من المنتجات الزراعية وغيرها من السلع الأميركية، وعلى إنشاء «مجلس للتجارة» لتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير وتحديد قائمة من السلع ذات الأولوية، وتأسيس «مجلس للاستثمار» بين أكبر اقتصادين في العالم؛ بهدف مناقشة القضايا الاستثمارية الشائكة فور بروزها. وتسعى الإدارة الأميركية أيضاً إلى استحداث آلية جديدة للتعاون مع بكين في مجال الذكاء الاصطناعي وفتح قناة اتصال مخصصة لمناقشة القضايا المتعلقة بهذا المجال، وذلك وسط منافسة محتدمة تدور رحاها بين الشركات الأميركية ونظيراتها الصينية في هذا المجال.

مدنيون يشاركون في تدريب على استخدام بنادق «إيرسوفت» في تايبيه، تايوان، 24 مارس 2026. (رويترز)

ملف تايوان

وتحتل قضية تايوان صدارة الاهتمامات في هذه القمة، وسط مخاوف من أن تحاول بكين استغلال حاجة الإدارة الأميركية إلى التعاون الصيني في ملفات التجارة، والطاقة، وإيران، من أجل انتزاع مواقف أكبر مرونة تجاه تايوان، معتمدة على أسلوب ترمب القائم على الصفقات والتفاهمات الشخصية، وبالتالي تتحول تايوان ورقةَ تفاوض ضمن صفقة أوسع بين واشنطن وبكين. وأشار مسؤولون صينيون إلى أن شي قد يحث ترمب على وقف مبيعات الأسلحة الأميركية إلى تايوان، وأنه يأمل تغيير الموقف الأميركي بشأن هذه الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي. وتشير تقارير أميركية إلى أن بكين وضعت قضية تايوان في مقدمة أولويات القمة، وأن شي يسعى إلى اختبار مدى استعداد ترمب لتخفيف الدعم الأميركي لتايبيه مقابل تعاون صيني أوسع في ملفات أخرى، وأن الظروف الحالية تمنح بكين فرصة نادرة للضغط على واشنطن في ملف تايوان؛ بسبب حاجة الإدارة الأميركية إلى تعاون أوسع مع الصين لضبط أسواق الطاقة ومنع اتساع الحرب مع إيران.

وكشف تقرير من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» الأميركي عن أن شي شدد خلال اتصالاته السابقة مع ترمب على أن تايوان تمثل «القضية الأهم» في العلاقات الثنائية، مع ضغوط صينية متواصلة لوقف أو تقليص مبيعات الأسلحة الأميركية للجزيرة. وكان ترمب قد أذن في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي بصفقة أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، وهي أكبر عملية بيع أسلحة للجزيرة على الإطلاق، إلا إن خطوات التسليم لم تتم بعد. وحاول ترمب الضغط على تايبيه لحملها على الموافقة على ضح استثمارات ضخمة في قطاع تصنيع أشباه الموصلات داخل الولايات لمتحدة، وشراء كميات من الغاز الطبيعي المسال والنفط الخام الأميركي بمليارات الدولارات. وتشير صحيفة «بوليتيكو» الأميركية إلى أن المشكلات الداخلية التي يعاني منها ترمب، وتداعيات الحرب مع إيران، تزيدان خطر محاولات الرئيس الصيني عرض مقايضة لتقديم حوافز اقتصادية مقابل تراجع واشنطن عن تقديم الدعم لتايوان. ويحذر دبلوماسيون من محاولة شي دفع ترمب إلى تعديل لغة السياسة الأميركية من: «(نحن لا ندعم استقلال تايوان) إلى عبارة أوضح هي: (نحن نعارض استقلال تايوان)». وقال جوناثان تشين، المحلل السابق للشؤون الصينية في «وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)»، الذي يعمل حالياً في «معهد بروكينغز»: «هذا أمر دقيق للغاية... يبدو كأنه كلام عادي، رغم أن له تداعيات استراتيجية كبيرة». وأضاف أن الخطر يكمن في أن «ترمب لا يتصرف بهذه الدقة».

الرئيس الصيني شي جين بينغ اقام حفل استقبال مهيب للرئيس الاميركي دونالد ترمب في قاعة الشعب الكبرى في بكين، الصين، في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2017 حخلال زيارة ترمب لبكيم في ولايته الاولي (ا.ب)

ما بين الزيارتين الأولى والثانية

يذكر أن الرئيس ترمب كان قد زار الصين في 2017 خلال ولايته الأولى، وحظي باستقبال رسمي حافل وترحيب صيني بوصفه «رجل أعمال براغماتياً وصانع صفقات بارعاً». وكانت الصين في ذلك الوقت تعقد آمالاً عريضة على إبرام اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة، إلا إنها تعرضت لصدمة حين أعلن ترمب شن حرب تجارية فور عودته من رحلته إلى بكين. لكن الصين تختلف اليوم عما كانت عليه في عام 2017 حيث أصبحت قوة اقتصادية وعسكرية تنافس الولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي. وعزز الرئيس شي مكانته وضمن لنفسه في عام 2023 ولاية ثالثة، وتمكن من تحقيق قفزات اقتصادية بالاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتصنيع والطاقة الخضراء، وأصبح الاقتصاد الصيني أقوى، كما أصبحت السلطات الصينية أعمق إدراكاً لتقلبات الرئيس ترمب وعدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته. وفي المقابل، يذهب الرئيس ترمب إلى بكين مُحمّلاً بعبء الحرب في إيران، وتراجع شعبيته على الصعيد الداخلي والدولي؛ نتيجة الاستياء من تداعيات هذه الحرب على الاقتصادَين الأميركي والدولي.


مقالات ذات صلة

الكرملين في انتظار تفرغ ويتكوف وكوشنر لاستئناف الاتصالات مع أميركا حول أوكرانيا

أوروبا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب) p-circle

الكرملين في انتظار تفرغ ويتكوف وكوشنر لاستئناف الاتصالات مع أميركا حول أوكرانيا

الكرملين في انتظار تفرغ ويتكوف وكوشنر لاستئناف الاتصالات مع أميركا حول أوكرانيا ولافروف يؤكد التزام روسيا بـ«روح أنكوراج» والتفاهمات التي توصلت لها بألاسكا

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس بإيران يوم 22 يونيو 2026 تنتظر دورها للمرور (رويترز)

أسعار النفط دون 75 دولاراً لأول مرة منذ اندلاع حرب إيران

تراجع «خام برنت» خلال تعاملات جلسة الأربعاء بأكثر من 3 في المائة، ليصل إلى أدنى مستوى له في 4 أشهر، مواصلاً هبوطه بفضل عودة حركة الملاحة بمضيق هرمز...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند، 23 يونيو (حزيران) 2026 (رويترز)

ترمب: إيران لا تسعى لفرض رسوم في مضيق هرمز

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن إيران أبلغت الولايات المتحدة بأنها لا تسعى إلى فرض أي رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن)
الولايات المتحدة​ أنظمة صواريخ «باتريوت» أميركية بقاعدة لواء وارسو الثالث لصواريخ الدفاع الجوي في سوتشاشيف ببولندا 18 ديسمبر 2025 (رويترز)

ترمب يلتقي شركات تصنيع ذخائر في إطار مساعٍ لتجديد المخزونات

من المقرر أن يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب شركات تصنيع ذخائر بالبيت الأبيض، الأربعاء، في وقت تسعى إدارته لتوسيع إنتاج الأسلحة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية عراقجي يُطلع السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية الأجنبية في طهران على الخطوط العريضة لمذكرة التفاهم مع واشنطن («الخارجية» الإيرانية) p-circle

محادثة هاتفية بين عراقجي ومسؤول في «حماس» بشأن مفاوضات طهران وواشنطن

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي محادثة هاتفية مع مسؤول رفيع في حركة «حماس» حول المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (طهران)

الجيش الأميركي: مقتل قيادي في «داعش» بغارة شمال غربي سوريا

جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)
جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)
TT

الجيش الأميركي: مقتل قيادي في «داعش» بغارة شمال غربي سوريا

جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)
جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)

أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، على منصة «إكس» الأربعاء، أن الجيش الأميركي نفّذ غارة جوية في شمال غربي سوريا، في 19 يونيو (حزيران)، أسفرت عن مقتل قيادي بارز في تنظيم «داعش».

ورأت «سنتكوم» أن «هذه الضربة الدقيقة التي أسفرت عن مقتل علي حسين العليوي جزء من الجهود الأميركية المتواصلة لعرقلة والقضاء على الإرهابيين الذين يسعون لمهاجمة الأميركيين في الخارج أو داخل الولايات المتحدة»، فيما تواصل قوات «سنتكوم» العمل جنباً إلى جنب مع الشركاء الإقليميين.

وقال الأدميرال الأميركي براد كوبر، قائد «سنتكوم»: «تلتزم (سنتكوم) وشركاؤنا باستئصال فلول (داعش) المتبقية لضمان هزيمته النهائية. وسنواصل الدفاع عن الوطن الأميركي، وأفراد قواتنا المسلحة، وحلفائنا وشركائنا في جميع أنحاء المنطقة».

وكانت حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع قد انضمت العام الماضي إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم ‌«داعش».

وأعلن التنظيم، يوم السبت، مسؤوليته عن هجوم ⁠قرب ⁠مدينة منبج في حلب بشمال شرق سوريا.

وسيطر «داعش» على ما يقرب من ربع مساحة سوريا في ذروة قوته خلال الحرب الأهلية السورية قبل عقد، قبل أن يتم طرده من تلك الأراضي من قبل ​تحالف ​بقيادة الولايات المتحدة وخصوم آخرين.


غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش: على الحكومات اعتبار مكافحة تغير المناخ أولوية رئيسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم الأربعاء، إنه ينبغي للحكومات وضع مكافحة تغير المناخ ضمن أولوياتها الرئيسية، مع ازدياد حدة المخاطر المناخية واتساع فجوة تمويل الجهود الرامية للتغلب على هذه المخاطر.

وأضاف غوتيريش لصناع سياسات وقادة تمويل خلال فعالية أسبوع العمل المناخي في لندن أنه في ظل تأثير حالات الجفاف والفيضانات وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة على مجتمعات في جميع أنحاء العالم، لم يحظَ التكيف مع هذه الظواهر بالتقدير الكافي، فضلاً عن أنه يشهد نقصاً مزمناً في التمويل.

وأضاف: «على وزراء المالية والبنوك المركزية ووزارات التخطيط وهيئات الاستثمار العام التعامل مع مخاطر المناخ باعتبارها ركيزة أساسية في السياسة الاقتصادية، من أجل حشد مزيد من الموارد المحلية»، ودعا الحكومات إلى إدراج مخاطر المناخ في جميع جوانب عملها، بدءاً من السياسة المالية وحتى سن التشريعات.

امرأة تستخدم مروحة في فناء متحف اللوفر في باريس حيث بلغت درجات الحرارة مستويات قياسية (أ.ب)

وأوضح غوتيريش أن سد هذه الفجوة يتطلب مجموعة واسعة من الإجراءات، منها فرض رسوم على صناعات تسبب تلوثاً بيئياً وهياكل تمويل مدمجة، بالإضافة إلى تقديم ضمانات لتشجيع الاستثمار الخاص.

وأشار إلى أن الحاجة إلى زيادة التمويل العام والتمويل القائم على المنح تشتد في الدول النامية، لأنها الأكثر عرضة لتأثيرات تغير المناخ، ولكنها الأقل قدرة على الاستعداد لها. وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن هذه الدول ستحتاج إلى ما بين 310 و365 مليار دولار سنوياً بحلول 2035، بينما لم تتلق سوى نحو 26 مليار دولار في 2023.


هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)
عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)
TT

هل تقيد واشنطن يد إسرائيل في لبنان؟

عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)
عسكري لبناني في مدينة النبطية حيث الدمار يعم المكان (أ.ف.ب)

لم تعد صورة الخلاف بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وحكومة بنيامين نتنياهو قابلة للاختزال في أن واشنطن تنحاز إلى إيران على حساب إسرائيل، أو تمنح طهران حق تقرير مستقبل لبنان. فتصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو رسمت معادلة أكثر تعقيداً: المسار اللبناني ـ الإسرائيلي منفصل رسمياً عن مذكرة التفاهم مع إيران، ومستقبل لبنان تقرره حكومته، لكن دعم طهران لـ«حزب الله» سيطرح في المحادثات الأميركية ـ الإيرانية. وبذلك تحاول واشنطن الجمع بين تقييد العمليات الإسرائيلية التي قد تفجر وقف النار، وتحميل إيران مسؤولية سلوك حلفائها، من دون تعهد واضح بمعاقبتها إذا استأنف الحزب هجماته. وهذا لا يلغي القلق الإسرائيلي، لكنه يغير طبيعته: الخشية ليست من تخلي أميركي عن إسرائيل، بل من إخضاع هامش عملها العسكري لأولويات ترمب الإقليمية والداخلية.

القلق حقيقي

أكد روبيو أن واشنطن ستتعامل مباشرة مع الحكومة اللبنانية لأن لبنان «دولة ذات سيادة»، وأن مستقبل البلاد يعود إلى الشعب اللبناني من خلال حكومته. لكنه أضاف أن هناك «مسألة إيرانية تتعلق بلبنان»، تتمثل في دعم طهران لـ«حزب الله» ورعايتها له، وأنها ستبحث ضمن المحادثات مع الإيرانيين. وقال أيضاً إنه لا يمكن إنهاء الأعمال القتالية في المنطقة ما دامت جماعات مدعومة من إيران تطلق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بعيد وصوله إلى أبوظبي في جولته على دول المنطقة (أ.ب)

هذه العبارات لا تعني أن واشنطن أعلنت آلية رسمية لمحاسبة إيران، لكنها تنقل النقاش من عدّ لبنان بنداً تملكه طهران إلى عدّ سلوك «حزب الله» مسؤولية إيرانية تدخل في حساب الاتفاق الأوسع. وهي ترد جزئياً على المخاوف الإسرائيلية من أن تمنح خلية منع الاحتكاك الجديدة، التي تضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان ووسطاء من دون إسرائيل، طهران اعترافاً بأنها صاحبة قرار في لبنان.

لكن الفصل السياسي بين المسارين لا يلغي ترابطهما العملي. فإيران تستطيع التأثير عبر «حزب الله»، بينما تستطيع واشنطن الضغط على إسرائيل لمنع عمليات تهدد الاتفاق. وقد انتقد ترمب قصف مبان سكنية في لبنان، وقال إن ملاحقة عنصر من الحزب لا تبرر هدم مبنى بالكامل، داعياً نتنياهو إلى التصرف «بمسؤولية أكبر». كما تواصل القيادة المركزية الأميركية دعم خفض التصعيد والفصل التكتيكي والتحقق من وقف الأعمال العدائية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس مع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف ورئيس الوزراء القطري محمد بن جاسم آل ثاني في بورغنستوك بسويسرا (أ.ف.ب)

ويرى براين كاتوليس، الباحث في معهد الشرق الأوسط، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن التخوف الإسرائيلي «حقيقي»، لأن نتنياهو يواجه انتقادات داخلية بسبب الصورة الضعيفة التي ظهرت بها إسرائيل بعد الاتفاق، والخشية من استعادة «حزب الله» قدرته على تهديدها. ويضاعف اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، المقرر إجراؤها في موعد أقصاه أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، حساسية أي تنازل بشأن الانسحاب أو حرية عمل الجيش.

ويذهب ديفيد داود، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، أبعد. وعدّ أن تغير موقف إدارة ترمب حقيقي، لأن الرئيس يريد الخروج من الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي، خشية أن تؤدي خسارة جمهورية في نوفمبر (تشرين الثاني) إلى شل أجندته الداخلية. وبرأيه، ربطت إيران إنهاء الحرب الأميركية ـ الإيرانية بوقف الحرب في لبنان، لتتكرر دورة من المطالبة بكبح إسرائيل، ثم الضغط الأميركي عليها فتقليص عملياتها قبل تجدد التصعيد. غير أن تصريحات روبيو تعدل هذه القراءة ولا تنفيها: فهي ترفض أن يكون مستقبل لبنان جزءاً من صفقة مع طهران، لكنها تقر بأن نفوذ إيران على الحزب جزء من التفاوض معها.

خلاف على السياسة الخارجية

الانقسام في واشنطن لا يدور فقط حول أمن إسرائيل، بل حول معنى شعار «أميركا أولاً». ترمب ونائبه جي دي فانس يقدمان الاتفاق بوصفه مخرجاً من حرب غير شعبية، وإعادة فتح مضيق هرمز وخفض أسعار الطاقة. في المقابل، يرى الجناح الجمهوري المتشدد أن الإدارة تمنح إيران تخفيفاً للعقوبات ونفوذاً من دون قيود كافية على الصواريخ أو الحلفاء المسلحين.

وعدّ السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام استبعاد إسرائيل من آلية منع الاحتكاك بأنه «خطأ كبير». ورأى رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ روجر ويكر أن تقييد عمليات إسرائيل ضد «حزب الله» يبدد مكاسبها العسكرية، فيما وصف بيل كاسيدي الاتفاق بأنه أحد أسوأ أخطاء السياسة الخارجية منذ عقود. ورد ترمب على منتقديه الجمهوريين بوصفهم «حمقى»، مستشهداً بتراجع أسعار النفط وارتفاع الأسواق.

أما الديمقراطيون، فلا يقفون ببساطة في صف نتنياهو. اعتراضهم يركز على غياب تفويض الكونغرس، وغموض الاتفاق، وتكاليف الحرب، وضرورة إخضاع أي تفاهم يرفع العقوبات للمراجعة التشريعية. وهكذا يلتقي صقور جمهوريون يريدون حماية أوسع لإسرائيل مع ديمقراطيين وانعزاليين جمهوريين يريدون إنهاء الحرب واستعادة دور الكونغرس.

تضخيم الخطر لتحسين الشروط

مع ذلك، يحتفظ القلق الإسرائيلي ببعد تفاوضي واضح. فرفع التحذير من «تقوية إيران» يساعد نتنياهو على تعبئة حلفائه في الكونغرس، وانتزاع ضمانات أميركية، وتوسيع تعريف التهديد الذي يسمح لإسرائيل باستخدام القوة، وربط أي انسحاب بانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح «حزب الله». كما يتيح له تحويل الغضب الداخلي إلى مواجهة مع واشنطن حول قيود مفروضة على أمن إسرائيل.

ويشير «أكسيوس» إلى أن الاستعانة العاجلة برون ديرمر، المقرب من فريق ترمب، إلى أن تل أبيب لا تتعامل مع التحول بوصفه نهائياً، بل تحاول تعديل قواعده من داخل العلاقة. ويقول مسؤولون أميركيون إن وجود واشنطن في خلية منع الاحتكاك يضمن نقل الهواجس الإسرائيلية بسبب التنسيق الوثيق بين الطرفين. وتنقل «رويترز» عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن نتنياهو لا يتوقع تحولاً فورياً مثل إبطاء شحنات السلاح، وأن بعض خطاب ترمب موجه إلى الناخب الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي.

خلاصة الصورة أن تصريحات روبيو لا تبدد القلق الإسرائيلي، لكنها تمنع اختزاله في رواية أن واشنطن سلمت لبنان لإيران. لذلك دخلت العلاقة مرحلة إعادة ضبط فعلية: إسرائيل تبقى حليفاً مركزياً، لكن حريتها العسكرية لم تعد شيكاً مفتوحاً، وإيران لم تحصل على حق تقرير مستقبل لبنان، لكنها ستواجه سياسياً وتفاوضياً مسؤولية أكبر عن أفعال «حزب الله».